آليّاتُ القمع والانتهاك

معتقلو المسيرات في سجن الجويدة نموذجًا

.  هشام البستاني   .

 

 

I ــ مدخل : السجن، تحديد الحريّة، سَلْب الإرادة

السجن في الأصل هو تحديدُ حريّةِ شخصٍ دِينَ بجريمة تحتويها نصوصُ القانون، بعد محاكمته محاكمةً نزيهةً تتأمَّن فيها شروطُ العدالة ويتأمَّن للمتَّهم فيها حقُّ الدفاع عن نفسه. وبقدرِ ما في السجن من تحديد لحريّة الشخص، فإنّ ذلك ينبغي أن يوازيَه حفاظ على ذلك الشخص جسديّاً ومعنويّاً، بل وتطوير له بإكسابه مهارات ومهنًا وتعليمًا لم تكن متوفِّرةً له أو لم توفَّر له ظروفُ اكتسابها.

إنّ انتهاكَ السجين ماديّاً ومعنويّاً مسألة لا تَدْخل أصلاً في مفهوم (تحديد الحريّة،) ناهيك عن تناقضها الكامل مع فكرة (الإصلاح والتأهيل) التي تُطْلقها السجونُ على نفسها في الأردن.(1) بل تأتي في سياقٍ أعمقَ وأخطرَ، هو سلب الإرادة.

إنّ أوّلَ جملةٍ توجَّه إليكَ من شاويش المَهْجع(2) عند استقباله إيّاكَ في غرفة السجن هي: (أنتَ الآن في وضع جديد، أنتَ في السجن، وفي السجن أنتَ مسلوبُ الإرادة.) وباستطاعتي أن أَجْزم، بناءً على تجربتي الشخصيّة، بأنّ الفكرة التي يقوم عليها سجنُ الجويدة (على الأقلّ) في تعامله مع سجناء الرأي والسجناء السياسيِّين(3) (على الأقل أيضًا) هي فكرةُ سلب الإرادة، لا تحديد الحريّة.

تحديد الحريّة مسألةٌ موضوعيّة، تتمثَّل ماديّاً في حرمان السجين من تعبيرات الحريّة: الحرمان من حريّة التنقّل خارج حدود السجن، الحرمان من حريّة التواصل مع العالم الخارجيّ (بفرض نظامٍ صارم للزيارات)، الحرمان من حريّة اللباس (بفرض زيّ موحَّد على الموقُوفين)، الحرمان من حريّة اختيار الطعام (بفرض نظام وجبات إجباريّ). وهذه كلها مسائلُ لا تتعلَّق بذات السجين أو الموقوف، أيْ بقيمِه الفكريّة، ومعتقداتِه الدينيّة، وتقاليدِه الاجتماعيّة، وتركيبتِه السيكولوجيّة، ومظهرِه الجسديّ، ومعنوياتِه، وشرفِه (بالمفهوم الاجتماعيّ)، وكرامتِه (بالمفهوم الإنسانيّ). وأما سلبُ الإرادة فيتعلّق فعلاً بذات الموقوف أو السجين بالتحديد. ويتمثل ماديّاً في الاعتداء على الفرد (أو المجتمع) من خلال خلخلة نواظمه وآليّاته الاجتماعيَّة والتاريخيَّة والفكريَّة والنفسيَّة، الأمرُ الذي يجعله انتهاكًا صارخًا لإنسانيّة ذلك الفرد (أو المجتمع)، ويَدْخل في إطار تحطيمه، تمهيدًا لإخضاعه الكامل لمنظومة علاقات استلابيّة يتحوَّل فيها الفردُ /المجتمعُ من إنسان / مجتمع ذي إرادة إلى عبدٍ مطيعٍ أو أداةٍ مبرمَجة.

وهكذا، فإنّ (الإصلاح والتأهيل) المزعوميْن يتحوَّلان في إطار الانتهاك وسلب الإرادة إلى (إفساد وتدمير): إفسادٍ للنمط التقليديّ و/أو المتعارَفِ عليه من قيمٍ وأخلاقٍ ناظمةٍ للفرد أو المجتمع، وتدميرٍ للبنى السيكولوجيّة/الاجتماعيّة التي من دونها لا يغدو الإنسانُ إنسانًا بل يصبح كائنًا بيولوجيّاً محايدًا (لا كرامة له ولا إرادة).

إنّ هذه الآليّات هي ما استعملتْه وتستعمله الإمبرياليَّاتُ في اختراقِ وتدميرِ دولِ الأطراف ومجتمعاتِها، في سياق إلحاقها الكامل بالرأسماليّة الإمبرياليّة في طورها العولميّ، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة (من خلال أدواتها التنفيذيّة الضاربة ــ أي المنظَّمات المموَّلة أجنبيّاً). كما يَسْتعمل الكيانُ الصهيونيُّ هذه الآليّات في اختراق المحيط العربيّ وتفتيته، في سياق تحويله إلى مجال حيويّ مُفْرغ له عن طريق الإخضاع الاقتصاديّ / الاجتماعيّ (مناطق صناعيّة مؤهَّلة، منافذ سِلَعيّة، خلْق قطاعات عمّاليّة واسعة تعتمد اقتصاديّاً على ذلك الكيان... الخ). كما تستعمله الأنظمةُ القمعيّةُ العالمثالثيّة (ومِنْ ضمنها العربيّة) في سياق إعادة إنتاج القمع والاستلاب محليّاً على مستويات مختلفة يتناظر فيها القامعُ والمقموعُ في تبادليّةٍ عجيبةٍ للأدوار بحسب ثنائيّة أعلى/أدنى (القامعُ للأدنى منه مقموعٌ من الأعلى منه، وهكذا...).

وتأسيسًا على ما سبق، لا يُمْكن أن نَفْهم آليّاتِ عملِ سجنِ الجويدة الاستلابيّةَ من دون أن نَفْهم القانونَ العامَّ لحركة الإمبرياليَّة وآليّاتها في وقتنا الحاليّ، ومن دون أن نَفْهم البيئةَ التي هيّأَتْها الحكومةُ الأردنيَّةُ لكي تَدْخل هذه الآليّاتُ إلى حيِّز التنفيذ عبر إقرارها قوانينَ سالبةً للحريّات والإرادة معًا.(1) وأنا هنا لا أتحدّث عن القوانين التي تتعلّق بالحريّات العامّة فقط، وإنّما أيضًا عن حزْمة القوانين الاقتصاديّة التي زادت من الضرائب والرسوم، ورَفَعت الأسعارَ، وحَوَّلت الأردن إلى مجموعة من البانتوستانات التي تتمتّع بحكمٍ ذاتيٍّ تحت مسمَّى: (مناطق اقتصاديّة خاصة.)

 

II ــ عودة إلى سجن الجويدة

لا بدّ من توضيح في البداية، وهو أنّ سجن الجويدة هذا هو سجنٌ للموقوفين لا للمحكومين، أيْ أنّ نزلاء هذا السجن ليسوا بأيّ حال من الأحوال (مجرمين مدانين) أو مُذْنِبين ثَبتتْ عليهم (الخطيئةُ) أمام محكمة نظاميّة عادلة. بل إنّ هؤلاء النزلاء هم إمّا موقوفون إداريّون بأمر من المحافظ الذي يَمْلك سلطات إيقاف واسعةً في العديد من القضايا، وإمّا موقوفون على ذمّة قضايا ما تزال مدارَ بحثٍ ونظرٍ أمام المحاكم .

كما أودّ أن أشير إلى أنّ هذا البحث يدور تحديدًا حول ظروف اعتقال موقوفي رأي اعتُقِلوا بناءً على مشاركتهم في أنشطة داعمة للانتفاضة (مسيرات، مظاهرات... الخ)، أو الاشتباهِ بمشاركتهم في أنشطة كهذه.

واعتمادًا على ما سبق (من انعدام الإدانة، ومن طبيعةٍ سياسيّةٍ لسبب الإيقاف)، فإنَّه يُفْترض أن يَكْتسب التعاملُ مع هؤلاء الموقوفين (أخلاقيّاً وسيكولوجيّاً على الأقلّ) وضعًا مخفَّفًا وأكثرَ إنسانيّةً. ولكنْ في عالمٍ يمتطيه جورج دبليو بوش ويَسُوقه كقطيع من البقر، وتتحوَّل فيه الأنظمةُ إلى مجرَّد أدوات تنفيذيّة للإرادة الإلهيّة الأمريكيّة، فهيهات أن توجد اعتباراتٌ إنسانيّة!

فمنذ اللّحظة التي يَدْخل فيها النزيلُ السياسيُّ ضمن الفئة المشار إليها أعلاه، والى أن يخرج، يتعرَّض لسلسلةٍ من الانتهاكات التي تَسْتهدف ذاتَه مباشرةً، في محاولة لسلب إرادته ومن ثمّ إنسانيّته، في سياق تحويله إلى أداةٍ طيِّعةٍ في يد سجّانيه بعد أن يصبح (عاريًا) تمامًا أمامهم (والعريُ هنا هو العريُ الاجتماعيّ/السيكولوجيّ)، بحيث يصبح هدفًا سهلاً للابتزاز النفسيّ الذي لا يتوقف.

في ما يلي تفصيلٌ لهذه السلسلة الانتهاكيّة.

الانتهاك الأول: انتهاك الكرامة الإنسانية بالتعرّي العلنيّ الجماعيّ. للجسد قداسة نفسيّة. وهذه مسألة بدهيّة تتعلَّق بوعي الإنسان لنفسه ووجوده. وانتهاكُ الجسد، في العرف الاجتماعيّ العربيّ على أقلّ تقدير، يَدْخل في باب (العار) الذي لا يُغْسل إلاّ بالدم، ويَسْتوجب الانتقامَ بأشدِّ ما يُمْكن من الوسائل. وانتهاكُ الجسد في حالة العجزِ والخضوعِ وانعدامِ سبل المقاومة يأتي من باب (كَسْر العين) والإخضاع النفسيّ. وكثيرًا ما نسْمع الزوجَ الشوفينيَّ العربيَّ يتبجَّح بأنَّه (كَسَرَ عَيْنَ زوجته) عبر إخضاعها لانتهاكات جنسيّة، لا تعودُ بَعْدها قادرةً عن النظر (في عين) زوجها الصنديد.

أولُ ما يَخْضع له النزيلُ في الجويدة هو طقسٌ يقع في هذا السياق.

يُدخل كلُّ ثلاثة موقوفين إلى غرفة صغيرة ويُؤْمرون بخلع ملابسهم بشكل كامل، باستثناء (الكَلْسون) الذي يجب أن يُنزل إلى مستوى الركبتيْن. ويتمّ ذلك أمام أحد السجّانين، وأمام السجناء. وقد يَدْخل شرطيُّ المرافق إلى هذه الغرفة فيَنْظر إلى كرنفال العري هذا، الذي لا يَلْبث أن يَكْتمل باستعراضٍ شبهِ راقص: اليدان مشبوكتان فوق الرأس، والنزول والصعود بشكل عموديّ بثَنْي الركبتيْن ومدِّهِما.

في هذا الطقس الانتهاكيّ، لم أَسْتغرب أن يَرْتفع الشبقُ الساديُّ بالحارس، وهو(يَكْسر عينَ) هؤلاء الذين قابَلَهم للتوّ بكشف عوراتهم جماعيّاً، إلى حدّ ضربه أحدَ الموقوفين الذين كانوا في الغرفة بقدمه عدَّةَ (شلاليط)،) بل أَمَرَه بالركوع عاريًا وتقبيلِ الأرض (من أجل جلالة الملك) ــ وهي حيلةٌ نفسيّةٌ ذكيّةٌ من قِبل الحارس نأَى بنفسه فيها عن التحوُّل إلى هدف عميق لكراهية الشابّ الذي أحالها على (مراجع عليا) (وهي آليّةٌ تُسْتعمل في غير صعيد وشكلٍ في الحياة السياسيّة الأردنيّة).

هذا العري سيتكرّر مرةً أخرى (بصورةٍ أخفَّ وألطفَ) عند تسليم الملابس العاديّة وأخْذِ ملابس السجن، إذ سيُضْطرّ الجميعُ (لا ثلاثةٌ فقط) إلى خلع الملابس خلا الملابس الداخليّة بعضهم أمام بعض، وأمام عدد كبير من السجّانين، وتسليمِها إلى أحد هؤلاء، والبحثِ عن بنطلون أزرق وبلوزةٍ زرقاء في كومة من الملابس الممزَّقة الوسخة المرميَّة على الأرض.

الانتهاك الثاني: انتهاكُ الكرامة الإنسانيّة بالشتائم المُقْذعة. للأمّ والأخت خصوصيّةٌ سيكولوجيّةٌ لا تُبارى في التكوين السيكولوجيّ للفرد العربيّ. وعاملُ (الشرف) و(الغيرة على العِرْض) متأصِّلٌ إلى الحدّ الذي يَجْعل من تحطيم هذه الخصوصيّة وهَتْكِها مدخلاً للإخضاع والكسر النفسيّ (للعين.)

وهكذا، تُعاجِلُكَ شتائمُ من طراز: (كذا أمّك...،) (كذا أختك...،) وشتائم أخرى مبتكرة تَرْبط بين كَسْرِ الإشارات الضوئيّة والمبلغِ الذي تحصِّله أمُّ الموقوف من أعمال البغاء. بل إنّ مساعد مدير السجن، في إحدى زياراته، لم يجد غضاضةً من السؤال عن الشخص (الذي كانت أمُّه تَرْدح أثناء الزيارة،) بعد أن تبيَّنَت المسكينةُ من خلال الثقوب الصغيرة لشَبَك الزيارة ملامحَ ابنها المشوَّهة من فرط التعذيب ــ وهو سؤالٌ أَذْكر أنّ أحدًا لم ينبسْ ببنت شفة في مواجهته، بينما لو ذُكِرَ في موقف آخر لكان قد استدعى عراكًا عنيفًا على الأقلّ.

طبعًا يُضْطرّ الجميعُ إلى ابتلاع الشتائم بمرارة شديدة، وربما سيتحوَّلون بمرور الوقت إلى(مْطَعَّمِين) (تُلْفظ بتسكين الميم الأولى، وفَتْح الطاء، وتشديد العين وفتحها). و(مْطَعَّمِين) هذه هي لفظةٌ متداولةٌ في أوساط الزعران، مفادُها أنّ الشخص المعنيّ تُسَبُّ أُمُّه وأختُه بأقذع الألفاظ من غير أن يَرفَّ له جفن، بل يُعتبر عارًا  في مجتمع الزعران أن يكون الفردُ غيرَ (مْطَعَّم) (أيْ أَنْ يَسْتاء من هذه الألفاظ التي تمسّ الشرف).

والحقّ أنّ المطلوب في السجن هو إنتاجُ أفرادٍ (مْطَعَّمين) لا على مستوى الشرف والعِرْض فحسب، بل على المستوى الاجتماعيّ /الاقتصاديّ كذلك. هؤلاء (المْطَعَّمين) سيصبحون متحلِّلين بشكل أو بآخر من عبء (الشرف) و(العِرْض) بالمفهوم الاجتماعيّ، وسيتحوّلون إلى (مطعَّمين) سياسيّا ووطنيّاً من الباب نفسه.

الانتهاك الثالث: انتهاكُ الكرامة الإنسانيّة بحَلْق الشعر. ليس شمشون وحدَه هو مَنْ يَفْقد قوتَه عندما يُحْلق شعرُه. والرمزيَّةُ التي يَحْملها فعلُ حلق الشعر تتجاوز ظاهرَ الفعل إلى باطنٍ أعمق .

إنّ حلق الشعر هو انتهاكٌ جسديٌّ / نفسيٌّ صارخ. فتعرية الرأس تمامًا فعلٌ فاحشٌ إذا ما استندنا إلى الموروث الاجتماعيّ العربيّ الذي يَعْتبر الرأسَ السافرَ عيبًا. فالمرأة التقليديّة تضع العصبةَ، والرجلُ يَلْبس (الشماغ) أو الطربوشَ. وفي هذا السياق نرى إحدى شخصيّات رواية سلطانة لغالب هلسا تَنْتقد أبناءَ القرية الذين أصبحوا موظَّفين في عمّان بأنّ الله (سَخَطهم، ماشيين في أسواق عمّان مَفَاريع أيْ برأس مكشوف] من غير حطّة وعقال، وراس الواحد مثل راس الحمار.)(1)

والحَلْق هو فعلُ إهانةٍ وإخضاع، وبالإمكان الاستدلالُ على هذا بالعبارة المتداولة: (احلُقْ،) التي تُستعمل في سياقِ طَرْدِ شخصٍ ما غيرِ مرغوب فيه بطريقة مُهينة؛ أو بعبارة أخرى: (احلُقْ له) التي تَحْمل معاني الاستبعاد والإقصاء والفوقيّة.

من جهة أخرى يُعْتبر الحَلْق (قصُّ الشعر) ختانًا رمزيّاً لإدخال الفرد إلى قمعيّة المجتمع الجديد، وهو هنا السجن. والختان طقس يهوديّ في الأصل، يَسْتدعي قصَّ لحم الغُرْلَة من أجل الدخول الرمزيّ في المنظومة الاجتماعيّة والخضوعِ لتقاليدها من خلال تقديم قربان دمويّ للربّ: (ففي الميثاق أو العهد بين يهوه وبين أبرام إبراهيم]، طَلَبَ يهوه من أبرام أن يُخْتَتَنَ وكلَّ الذكور في بيته إشارةً لذلك العهد. وهذا شرطه ليكون إلهًا لأبرام... إنَّ دم الاختتان هو الذي يَمْهر العهدَ أو الميثاقَ بين يهوه وبني إسرائيل، لأنّ قطع العهد في العصور القديمة كان يتطلّب إسالةَ الدم.)(2) هذا القصّ يتكرّر هنا رمزيّاً لإخضاع السجين وإفقادِه إحدى أهم خصوصيّاته الجسديّة الظاهرة.

وحلاقة الشعر في الجويدة ليست لها علاقةٌ بالنظافة على الإطلاق، إذ تتمّ الحلاقةُ جماعيّاً وبآلةٍ لا تنظَّف ولا تعقَّم بين رأسٍ وآخر، وتتمّ بصورة عشوائيَّة غير منتظمة. وهو أمر يَجْعل الرأسَ (مرقَّعًا) بكتل مختلفة الطول من الشعر غير المتناسق، إمعانًا في الإهانة. وما يزيد من تأكيد قصديّة الإهانة هو أنّ الموقوف يُسمح له بعد فترة بالذهاب إلى الحلاّق لتشذيب الخريطة المرسومة على رأسه، ويُسْمح له فيما بعد بإطالة شعره؛ وإذا فَعَلَ ما يستدعي العقابَ من السجَّانين، فإنهم يقومون بحلق شعره مرةً أخرى وبالطريقة ذاتها بوصف ذلك واحدةً من العقوبات العديدة التي عادةً ما تصل إلى حدود (الشَّبْح) و(التعليق على السياج) مع الجلد لفترات طويلة.

الانتهاك الرابع : انتهاك الكرامة الإنسانية بالضرب والتعذيب الجسديّ. تحرِّم مواثيقُ حقوق الإنسان والاتفاقيّاتُ الدوليّةُ ذاتُ الصلّة الضربَ والتعذيبَ، وتَعْتبرهما أقصى ما يُمْكن أن يتعرَّض له الإنسانُ من امتهان وابتذال. وكثيرةٌ هي الأبحاثُ والدراساتُ التي تناولت الأبعادَ النفسيَّةَ والاجتماعيَّةَ لممارسي هذه النذالة، ولمَنْ مورِستْ عليهم أيضًا.(1)

التعذيب أشدُّ من القتل. فالعنف المتأتّي من إيقاع الأذى المبرمَج بإنسان آخر بقصد إيلامه وإهانته لمدة طويلة يَخْتلف عن العنف المتأتّي من إنهاء حياة إنسان آخر. ذلك أنّ العنف الأول يتقصَّد الإيلامَ والأذى الجسديَّ والنفسيَّ، وهو عنف طويل المدى، وذو آثار لا تنتهي بالنسبة إلى الضحية؛ في حين أنّ العنف الثاني (القتل) هو عنف يتقصّد إزهاقَ الحياة، وهو قصيرُ المدى، وتنتهي آثارُه بسرعة بالنسبة إلى الضحيّة.

في الجويدة، هناك مستوياتٌ متعدِّدةٌ من التعذيب الجسديّ المباشر، وهي مستوياتٌ مبرمجةٌ لتحطيم إنسانيّة الموقوفين على دفعات متقاربة أشبهَ ما تكون بصدمات كهربائيّة متتالية تزداد شدةً. فمن (شلاليط) العسكريّ المسؤول عن تعرية الموقوفين، ينتقل الموقوفُ إلى جَلْدٍ بالكيبل الكهربائيّ على اليديْن والقدميْن داخل غرفة استلام ملابس السجن، وهو جَلْدٌ شبيهٌ بالضرب التقليديّ الذي يمارسه أُستاذُ المدرسة. وإمعانًا في الإهانة يكون الضربُ أمام الجميع، وواحدًا وراء الثاني (لزيادة الأثر النفسيّ لجرعة التعذيب)، وبالملابس الداخليّة. ثم تأتي الجرعة الثالثة، وتكون في الساحة الخارجيّة (أيْ أمام جميع مَنْ في السجن)، وبحضور طبيب السجن الذي يَجْلس مستمتِعًا بالتعذيب الذي يقوم به ــ هذه المرةَ ــ ضابطٌ برتبة ملازم أول مستخدمًا عصًا ينهال بها على الموقوفين وهو يكيل إليهم شتائمَ مقذعة. أما الجرعة الرابعة فهي في الطريق إلى الغرفة، حيث مارس ثلاثةٌ من السجّانين مهاراتِهم القتاليَّةَ على الموقوفين لمدة عشر دقائق. وأخيرًا داخل غرفة السجن (أيْ أمام زملاء المهجع)، وهذه قد تكون أهمَّ فقرة وأكثرها تأثيرًا، حيث يُصَفُّ الموقوفون ويتلقَّوْن ما تيسَّر من الصفعات. ذلك لأنّ الصفعة في حدّ ذاتها تَحْمل من الإهانة ما لا تَحْمله طُرُقُ الضرب الأخرى. وهي عندما تمارَسُ أمام زملاء المهجع، فالقصدُ منها شيئان: الأول هو الإهدار العلنيّ والنهائيّ لكرامة الفرد أمام زملائه من المنتَهَكين، إشهارًا بتكريسه منتَهَكًا على الصعيد (الرسميّ) وعلى رؤوس الأشهاد. والثاني هو تذكير الآخرين (نزلاءِ الغرفة) باستمرار بأنهم هم أنفسُهم منتَهَكون، وبأنّ ذاكرتَهم لا ينبغي لها التوقُّفُ عن استرجاع (انتهاكهم) السابق كحدث متواصل، وتحضيرُهم للخضوع لانتهاكات قادمة.

نمط آخر من التعذيب هو ذلك الذي يَسْتبطن (كَسْرَ العيْن) الذي تحدَّثتُ عنه سابقًا، ويتعلَّق بـ (التعليم) على الخصم (في لغة الزعران الدارجة). و(التعليم) هو أن يقوم أحدُهم بإيذاء آخر بصورة تَتْرك أثرًا واضحًا لا يُمْحى (يُعَلِّم) عليه فترةً طويلةً، وقد تبقى أبدَ العمر. وهذه الطريقة تَحْمل إذلالاً تُقْصد به الاستمراريَّةُ والثباتُ. وفي هذا الباب يَدْخل قيامُ أحد أفراد الشرطة بإدخال سِنّ حزامِ شابٍّ في راحة يده، مُحْدِثًا ثقبًا فيها وعلامةً لن تزول. ويَدْخل في هذا الباب أيضًا قيامُ أحد أفراد الشرطة بالوقوف فوق وجه أحد الموقوفين لمدة نصف ساعة، كما قدَّرها هذا الأخيرُ، الأمرُ الذي خَلَّفَ علامةَ بسطار واضحةً على وجهه. ويَدْخل أيضًا الجَلْدُ باستعمال الكوابل الكهربائيّة والبرابيش، التي تَتْرك علامات طُوليّةً مميَّزةً على جِلْد المعتدى عليه، وقد لا تَذْهب أبدًا.(1)

الانتهاك الخامس: انتهاكُ الكرامة الإنسانيّة بالتعذيب النفسيّ. في الغالب يتبنّى المقموعُ سيكولوجيّةً مازوخيّةً تجاه القامع. وهذه السيكولوجيّة يجب أن تبقى متحفِّزة على الدوام، ومستنفَرَةً، وحاضرةً مباشرةً في (الشعور) ــ لا مستبطنةً في (اللاشعور) ــ لأنّ الاستهداف المنظَّم لـ (اللاشعور) هو آليّةٌ تُعْنى بقمع الجماعات على المدى الطويل، ولا تكون مؤثِّرةً في حالات الإخضاع المستعجل للأفراد.

في هذا الباب، يكون ضربُ أيِّ موقوف جديد، باستعمال (الكفوف) (الصفعات) تحديدًا، هو إحدى آليّات الإخضاع النفسيّ لبقية الموقوفين. ويكون التهديدُ المستمرّ بإقامة (حفلة ليليّة) (الركض ليلاً في الساحة لمدة ساعتيْن مع الضرب) حاضرًا ــ حتى وإنْ لم يهدَّد أحدٌ به ذلك اليومَ ــ عن طريق الدعاء المستمرّ بعدم إقامة (حفلة،) والسؤالِ الحثيثِ عن السجّانين المناوبين تلك الليلة،(2) والصراخِ بأعلى صوتٍ باللازمة المقرَّرة عند دخول أيِّ سجان ((كيف المعنويّة؟ عالية! نار تقْدح في الميدان، أبو حسين نُور العين، عاش عاش أبو حسين))،(3) والانصياعِِ بوعيٍ كاملٍ لأوامرِ وكيلٍ كان يَقْفز عند دخوله فوق الأسرّة (الطابق الثاني) وهو يَحْمل بربيشًا مطاطيّاً ويَطْلب من نزلاء الغرفة غناءَ (يا شارة المرور، يا درب السلامة،) وهو يبتسم بسخرية، في حين يقوم نزلاءُ الغرفة (وبينهم طبيبٌ، ومهندسان، وثلاثةُ مبرمجي كمبيوتر، ومدرِّسون، وطلاّبُ جامعات، وطلبةُ ثانويّة عامة، ورجالٌ فوق الأربعين من العمر) بترديد أغنيةِ رياضِ الأطفال هذه.

وليس من قبيل المصادفة أن يقوم مساعدُ مدير سجن الجويدة بالسؤال، وبطريقةٍ أقربَ ما تكون إلى العطف الأبويّ، عمَّن تَعَرَّض للضرب، فيُصدِّق أحدُ الأغرار سؤاله ويجيبه: (أنا،) فيُضْربُ عدّة صفعات متتالية(4) لإيصال رسالةٍ مفادُها: أنّ التعذيب الجسديّ /النفسيّ هذا هو تعذيبٌ مبرمجٌ ومقصود؛ وأنّ مجردَ الاعتقاد بحصانة الالتجاء إلى مراجعَ أعلى للتظلّم عندها هو محضُ وهمٍ قاتلٍ، يماثله في الأثر المعنويّ الإيهامُ بعبثيّة اللجوء إلى منظَّمات حقوق الإنسان التي كان يَسْتهزأ بها مساعدُ مدير السجن أمام النزلاء إمعانًا في التدمير النفسيّ.

 يجب أن يكون الخوفُ هو سَيِّدَ الموقف تمامًا في الجويدة، وهو خوف لا يَنْبع من آليّةِ حمايةٍ ذاتيّةٍ نفسيّة، بل مبرمَجٌ من أجل الإخضاع والتعذيب. إنّه خوف يحوِّل (وكيلاً) يَحْمل بربيشًا إلى إلهٍ لا رادّ لأوامره. هذا الإرهاب النفسيّ والخوف لا بدّ أن ينعكسا فزيولوجيّاً بسبب قلّة الراحة و(التحفيز) المُبالَغِ فيه والمستمرّ للجهاز العصبيّ. فأقلُّ جلبةٍ خارج غرفة السجن كانت تستدعي الوقوفَ في وضعيّة التفتيش على جوانب الأَسِرّة، وأصغرُ إشاعة عن مسيرة أو مظاهرة كانت تستدعي توتُّرًا لا مثيلَ له في الغرفة انتظارًا لجولةِ ضربٍ وإهانات.

إنّ عبارة كرمويل الشهيرة (تسعةُ مواطنين من أصل عشرة يَكْرهونني، ولكنْ ما أهميَّةُ ذلك إنْ كان العاشرُ وحدَه مسلَّحًا؟) تُستعاد في الجويدة بشكل دائم. فالعاشر المسلّح هذا لن يَصْمد ثلاثَ دقائق أمام تسعة مهاجمين، ولكنّ الخوف هو ما سيجعل أولئك التسعةَ (مَضْبُوعين) وتحت الأوامر. كلُّ هذا كان لا بدّ أن يؤدِّي بأحد الصِّبْية من نزلاء الغرفة إلى أن يَقَعَ مغشيّاً عليه بمجرد أن اعتلى الوكيلُ /الإلهُ أحدَ الأسرّة حاملاً بربيشه الرعديَّ وهو يَطْلب أغنيتَه المفضّلة من كَوْرَسِ المقموعين.

 

III ــ خاتمة واستنتاج: الجويدة مختبر صغير لإنتاج آليّات القمع على نطاق المجتمع

حين تُطالعكَ عبارةُ (مركز إصلاح وتأهيل الجويدة،) وعند الإفراج عَنْك من ذلك المبنى المحصَّن الواقع جنوبَ العاصمة عمّان، ستتأكَّد أنَّ الأمر لا يعدو كونَه نكتةً سمجةً أو سخريةً من طراز رفيع. ذلك لأنّ العبارة المذكورة هذه لا تصحّ فيها إلاّ كلمتُها الأخيرة (أي: الجويدة!)؛ أما ما يتعلَّق بـ (مركز) و(إصلاح) و(تأهيل،) فهذه أَشْبه بالإحالة على وضع سورياليّ يبزّ مخيِّلةَ سلفادور دالي نفسِه.

إنّ سجن الجويدة هو المختبر الصغير بامتياز لدراسةِ وتطبيقِ آليّاتِ انتهاكِ الأفراد والجماعات على المستوى الاجتماعيّ / الاقتصاديّ / السياسيّ العامّ. وهو يمثِّل تكثيفًا كميّاً ونوعيّاً للتطويع والاستلاب وآليّات تقييدِ/وتحريك الكتل البشريّة وتحويلِهم إلى مجرَّد كائنات بيولوجيّة محايدة ومطواعة. وهو ما يُدْخلنا في سياق أوسع هو سياقُ إخضاع المجتمع والوطن للكيان الصهيونيّ ومشروعه (الشرق أوسطيّ) في المنطقة العربية، ويُدْخلنا في سياق التبعيّة والارتهان المنظَّمَيْن للإمبرياليّة في مشروع هيمنتها الذي لا يزال يأخذ أشكالاً أكثرَ وحشيةً وعسفًا مع مرور الزمن ــ وليس آخر هذه الأشكال ما يُسمَّى بـ (الحرب ضدّ الإرهاب.)

لا شكّ أنّ الجويدة تتكرّر بدرجاتِ سوءٍ متفاوتة في أرجاء الوطن العربيّ، وهو ما يحوِّل السجنَ بهذا المفهوم إلى أداة سياسيّة في يد السلطة: أداةِ تحطيمٍ للوعي وللمفاهيم، باتجاه الإفراغ الكامل والتبعيّة المطلقة.

والحديثُ عن إصلاح هنا هو حديثٌ عبثيٌّ غيرُ ذي معنى. فالمطلوب هو تفكيك السجن، وهو تفكيكٌ لا يتأتّى إلا بتفكيك النظام الرسميّ العربيّ وخيوطِ ارتباطه بالصهيونيّة والإمبرياليّة، وإنجازِ الثورة العربيّة الديمقراطيّة الاشتراكيّة بكافّة أبعادها وتداعياتها في إطار الوحدة البيْنيّة، والتواصل الأمميّ مع كافة قوى التغيير الحيّة في العالم. وهذا مشروعٌ مضنٍ وطويلٌ بلا شكّ، ولكنّ علينا ــ على الأقلّ ــ أن نتبيَّن العللَ لنتبيَّن الحلول. فـ (التحرر... عمليّةٌ لا تنتهي، وتتضمَّن بالضرورة لا تغييرَ الظروف الماديّة للقهر وحدها، بل الظروفَ السيكولوجيَّةَ كذلك. وعلينا أن نَفْهم ذلك الكلامَ لا على أساس المفهوم الفرديّ للتحرر السيكولوجيّ، ولكنْ من واقع التعرُّف على الأمراض الاجتماعيَّة التي تُنْتج أشكالاً من البنْية التي تَسْمح بالاضطهاد الجماعيّ.)(1) وبهذا يكون تجاوزُ الهزيمة السيكولوجيّة الفرديّة / الجماعيّة، وتخطِّي الأشكال السلطويّة المختلفة من سلب الإرادة، والعملُ باتجاه إعادة إحياء روح المقاومة الداخليّة العربيّة، هي الأولويّةَ القصوى على طريق تهديم البنى الاضطهاديّة، والنهوضِ بالمشروع النقيض على ركامها... ولو بعد حين.

عمّان