|
اســــطــنـبـول اســـــطــنـبـول
حيـــاة
البوســــــفور الســـــرية بقلــم أورهـــان بامــــوق
مـحـمـد
الـحـجـيـري
البازار في
اسطنبول: الحياة في شرايينها العميقة.
البوسفور إن
حكى.
إذا كانت المدن تعرَّف بكتّابها وبالرسامين
والسينمائيين الذين يلتقطون لحظاتها الأبدية. فأيّ وصف نلجأ إليه
ونختاره: الوصف الجغرافي والتاريخي والسياسي والاجتماعي البحت، أم
الوصف الخلاّق والمتخيَّل الذي تخترعه أقلام الروائيين والشعراء وألوان
الرسامين وأجساد الممثلين وصور المخرجين؟ طرحتُ هذا السؤال على نفسي
وأنا أقرأ الكتب التي وضعها نجم الرواية التركية حالياً، أورهان باموق،
حيث يقدّم للقارىء التركي والإنساني عموماً هويةً للمدينة ذات القلبين
المشلوحين على ضفتي البوسفور. يمكن القول إنه كاتب السيرة الفانتازيا
الاسطنبولية، مثلما يمكن القول إن نجيب محفوظ هو راوي الحكايات
القاهرية، أو إن قسطنطين كفافي يشعْرن كوزموبوليتية الاسكندرية، أو إن
غبريال ماركيز يخترع الوهم السحري في مدينة ماكوندو اللامرئية،
أو إن سلمان رشدي يرصف الخرائط التي تقوم عليها غرائبية بومباي، أو إن
بول أوستر "يصنع" متاهات اللعنة النيويوركية. وهكذا...
أخبرتْني زوجةُ البحار في اسطنبولَ أن البحر
ليس الماءْ/ كلُّ من ظنّوه يَماً غرقوا.../ أخبرتْني زوجةُ البحّار أن
البحرَ لونٌ وفضاءْ/ وانتهاكاتٌ على اللون وأشواقٌ/ من اللؤلؤِ يأتي من
غبار الأرضِ/ محمولاً على موجِ الهباءْ
(من قصيدة "اسطنبول" لجهاد الزين)
في زمن غابر ساهمت الايديولوجيا اليسارية في
تعريفنا بنتاج العديد من الكتّاب العالميين، منهم بعض الادباء الاتراك،
امثال الروائي يشار كمال والروائي نديم غورسيل والشاعر ناظم حكمت. هذا
الاخير ترجمت اعماله الكاملة، وتم الاحتفاء به اكثر من مرة في الاوساط
الثقافية اللبنانية وغيرها، وذهب الكثير من اشعاره ضحية "الواقعية
الاشتراكية". اما نديم غورسيل فقرأنا له "صيف طويل في اسطنبول" (عن دار
الفارابي) و"محمد الفاتح" (عن دار الجمل) في حين قرأنا رواية
"مميد الناحل" الشهيرة ليشار كمال (عن دار الفارابي)، وكانت صدرت للمرة
الاولى في عام 1955 وبدت اشبه بملحمة كلاسيكية عن فتى ريفي، يتحدى
الاغا عبدى، الاقطاعي الذي يصادر الاملاك والارواح، وكان ذلك في منطقة
تشوكورفا النائية الواقعة على الاطراف الجنوبية من تركيا. وغداة بدء
نشر جريدة "ميلليت" رواية "جودت بك واولاده" لاورهان باموق في حلقات
متسلسلة، بدا للقارئ التركي للوهلة الاولى، ان باموق يتدرب على نسخ
الكتابة التقليدية ليشار كمال كما يلاحظ الناقد الكردي نزار اغري، او
هو خرج من معطفه ليبتعد عنه ويصبح نجم الرواية التركية. على ان اسم
باموق لمع فور دخوله عالم الادب فلفت الانظار اليه بقوة اثر صدور
روايته الاولى التي ذكرناها، وهي تحيط بعائلة غنية تسكن في تيشان تاتشي
في اسطنبول. وترسم مسارات تركيا في القرن العشرين من خلال ثلاثة
منعطفات كبيرة: انهيار الامبراطورية العثمانية (1905)، وفاة اتاتورك
(1938)، والفوضى والانقلابات العسكرية في سبعينات القرن الماضي. وكل
ذلك في عيون عائلة جودت بك. مع "منزل الصمت"، رواية باموق الثانية،
سيكتشفه الغرب مترجما الى الانكليزية عام .1990 مع رواية "القلعة
البيضاء" الصادرة في تركيا عام ،1985 قالت "نيويورك تايمز" عن المؤلف:
"ظهر نجم في سماء الشرق"، بعد "القلعة البيضاء" وضع اربع روايات.
"الكتاب الاسود" تعتبر اهم رواياته. "الحياة الجديدة" (1994) ترجمت الى
العربية. "اسمي احمر" ترجمت لدى "دار المدى" واخيرا صدرت له رواية
"ثلج".
جسر
الأسرار
يلاحظ قارئ روايات باموق حضور اسطنبول القوي في
كتاباته، والتي تُعتبر جسراً طبيعياً وثقافياً وتاريخياً بين أسياد
اوروبا. يعود تاريخها الى الازمنة الغابرة فهي كانت عاصمة
الامبراطوريات الرومانية والبيزنطية والعثمانية، وهي المدينة التركية
في القارة الاوروبية. يعشقها باموق ويحكي قصص حاضرها وماضيها.
ينزع باموق في رواياته الى السرد بحثا عن هوية
شخوصه، ولكن في اطار الحياة الاجتماعية والتاريخية لبلده تركيا
في استثمار القضايا المرتبطة بالنوع القصصي في بنائه السردي، باحتوائه
على عناصر شديدة الايغال في لعبة الحداثة، وخصوصا ما يتعلق بوجهات نظره
المتعددة. يعيد تفكيك الواقع وتشكيله في ضوء ما يتوافر لديه من تاريخ
قديم وعلاقة بالتاريخ الاسلامي. ولا تشكل الحياة في الريف موضوع
مؤلفاته القصصية، اذ كان ينزع الى السرد بحثا عن هوية شخوصه، وفي هذا
البحث سرد مثير للشجن، تختلط فيه التفاصيل التاريخية برؤى تختطف
الابصار، حيث يمكن ان نقرأ التحولات المثيرة لبلد تجاوزه التاريخ.
يجمع باموق في رواياته الثقافة الشرقية (ابن
العربي و"الف ليلة وليلة") والغربية (بورخيس وكالفينو) ولا يتردد في
اختبار مختلف وسائل الكتابة، مثل لصق الحكايا التاريخية او الاسطورية،
سواء اكانت تلك المستعارة من النصوص القديمة ام تلك وليدة خياله
الخارق. "لقد ابتكر صورا قليلة الشيوع، او اعاد ابتكارها، على الرغم من
لغته غير المتكلفة في استعاراته المتواترة"، بحسب ما جاء في مقدمة
روايته "الحياة الجديدة".
ويشكل خلط الاساليب في روايات باموق لوحة من
الفسيفساء المترعة الثراء، فهو في "القلعة البيضاء" مثلا نجده يكتب عن
مشكلات الهوية والعلاقة بين الشرق والغرب في عناصره التي تمزج
بين التاريخ والفلسفة والخيال والغموض والتي نراها لدى كتّاب مثل
بورخيس وكالفينو.
حبكة
شهرزادية
يروي باموق في "القلعة البيضاء" عن حياة عالم
ايطالي في القرن السابع عشر يخرج في رحلة بحرية من البندقية الى نابولي
فيقع في قبضة القراصنة العثمانيين الذين يسوقونه الى اسطنبول ويبيعونه
من عالم تركي يعامله معاملة حسنة خاصة بعد اكتشافه انه يمكن
الاستفادة من خبرته. في تلك الاثناء وحين يشعر السيد بنوع من الانسجام
الروحي مع عبده الايطالي الذي شكل له الكثير من التقدم التكنولوجي
والعلمي الغربي، يطمح هذا السيد الى تقمص شخصية عبده وتنتهي الحكاية
بأخرى يتحول فيها القارئ مستطلعاً لنمط الحياة الاجتماعية والسياسية في
بلاط السلطان العثماني حيث يعرف المزيد من اسرار القصر وممارسته غير
الحضارية.
وفي معمل العالم التركي، ينكب الشخصان على
اختراع دواء ضد السل، فينجحان في اكتشافهما هذا مما يغبط السلطان
العثماني، الذي يطلب منهما تصميم سلاح حربي لمواجهة الاعداء. وبعد ان
يخترعا مدفعا، يحاول السلطان تجريبه في احدى معاركه ضد البولونيين
للاستيلاء على "القلعة البيضاء" فتبوء التجربة بالفشل. وخوفا على نفسه
يهرب العالم التركي (السيد) ليعيش في البندقية حيث يتحول عبدا في منفاه
في حين يبقى العالم الايطالي في السلطنة العثمانية. الواقع ان هذه
الرواية القصيرة تلخص في موضوعها بحسب النقاد الاتراك أزمة العلمانية
التركية التاريخية ومرحلة التجدد وتداعياتها الباعثة على السخرية، وإن
كانت من الطراز الغربي، حيث نقرأ عن اسطنبول الباب العالي والعلاقة
بالعرب خلال القرن السابع عشر.
في "الحياة الجديدة" نقرأ عن اسطنبول الآن وزمن
العولمة وباصات تقطع البر الأناضولي وتربط مدناً حديثة بقرى نائية ما
زالت تقيم في العصور الوسطى. تبدو الرواية أشبه بقصة فيها التحري عن
شخص غامض شأن العولمة نفسها.
في "الكتاب الاسود" يعمل بطل الرواية غالب
محامياً، ولا يستطيع العيش الا مع زوجته التي يحبها ومع صديقه الوفي
جلال. يعود ذات مساء الى منزله، فلا يجد زوجته التي تختفي في شكل غامض
ولا تترك وراءها سوى رسالة صغيرة من 19 كلمة. هل تكون قد اختبأت في
منزل جلال (شقيقها) الصحافي الاشهر في تركيا، بفضل مقالاته اليومية منذ
اكثر من ثلاثين عاماً والتي تتطرق الى جميع الموضوعات؟ لكن جلال يختفي
بدوره. فأين ذهبا؟ وبعدما اقتنع بالرابط بين اختفاء الاثنين، يقرر غالب
اعادة قراءة جميع مقالات جلال القديمة، ويبدأ البحث عنهما في المدينة
الكوزموبوليتية.
رحلة البحث عن جلال تصنع الرواية التي كتبها
حين صحب زوجته الى الولايات المتحدة الاميركية حيث كان يدرس في
جامعة كولومبيا للحصول على درجة الدكتوراه. فظن انه حقق طموحاته، فصار
يقارن نفسه بجيمس جويس الذي كتب عن مدينة دبلن، معتبراً انه قادر على
تقديم مدينته اسطنبول مثله.
يقول باموق في معرض كلامه عن هذه الرواية: "لكي
تكون نفسك عليك أن تتحول الى شخص آخر وتفقد طريقك في قصة اخرى. القصة
التي كتبتها في "الكتاب الاسود" تذكّرني بقصة ثالثة او رابعة تشبه
تماماً قصة الحب التي نعرفها والذكريات التي تتداعى كل واحدة في
الاخرى. ولكن في النهاية لا يوجد ما هو مذهل كالحياة، ولا يوجد الا
الكتابة، الا الكتابة، الا الكتابة!". الكتابة هي "عزاء الروح" او هي
الوجود، بالنسبة الى الكاتب. هذه هي الطريقة التي يُعرّف فيها نفسه في
إيجاز شديد، حتى وإن كانت الكتابة نوعاً من التعبير عن الذات والحب. مع
ذلك يبدو مغرماً بها كمهنة على المستوى الذي يعنيه ككاتب وكروائي.
تحت
الماء
اذا كانت اسطنبول تحضر بقوة في روايات باموق
حيث يمثل البوسفور محوراً رئيسياً في مخيلته ايضاً، ويصلح بالتالي
استعارة لانقسام الهوية التركية بين ضفتين وعالمين، يكتب جلال (بطل
الرواية) قبل اختفائه الغامض، نصاً تأملياً عن جفاف البوسفور في زمن
آت، حيث يزعم انه قرأ في مجلة فرنسية مختصة بالجيولوجيا أن مياه
البوسفور تتراجع وأن المضيق مقبل على الجفاف بعد سنوات. ويكتب ايضاً
أنه نزل الى المرفأ وقابل صياد سمك أخبره أن القارب بات يعلق في أماكن
من البوسفور كانت قبل زمن قصير بعيدة الغور. يستطيع جلال أن ينظر الى
مياه البوسفور وهي تلمع فضية تحت نور القمر، وأن يراها تتبخر وتتلاشى
وتهبط الى ان يظهر قاع المضيق الذي يعطي اسطنبول الحياة. يجف البوسفور
فيظهر التاريخ السري لهذا العالم المكتنز بالاخبار والحكايات والحوادث
المدفونة. طبقات لا تحصى من الوحل والاحذية القديمة، والهياكل العظمية
والبيوت الغارقة والحيوانات والدلافين فضلاً عن سيارة بويك. يكتب جلال
في الصحيفة انه طالما أراد العثور على هذه السيارة. قال إنه في ورد
الشباب، اول دخوله عالم الصحافة، كان مراسلاً في الشارع يتتبع اخبار
العصابات في أحياء اسطنبول وشوارعها الخلفية السيئة السمعة آنذاك. لم
يكن في اسطنبول سوى ثلاث سيارات من هذا الطراز (البويك)، وتلك التي في
قعر البوسفور كان يملكها رجل العصابات الاكثر شهرة وهو قفز في مياه
البوسفور والى جانبه عشيقته هرباً من الشرطة.
الحياة السرية تحت مياه البحر او حتى اسرار غرق
السفن، تلاقي شغفاً لدى الكتّاب والمخرجين. فقد شغف جيمس كاميرون مثلاً
بالسفن الغارقة، وهو كان غطاساً عادياً يبحث بين الحطام، قبل أن يصبح
مخرجاً للافلام. أخرج فيلم "تايتانيك" الذي حاز نجاحاً ضخماً، والآن
يتوخى فيلماً عن البارجة الالمانية "بسمارك" التي أرسلتها المانيا في
العام 1941 الى شمال الاطلسي، وفي اول معركة لها أغرقت سفينة "هوود"
الحربية البريطانية مما أدى الى مصرع 1418 بحاراً ونجاة ثلاثة منهم.
وفي احدى المعارك البحرية الحاسمة في الحرب العالمية الثانية، شن
البريطانيون معركة شاملة على "بسمارك" وأغرقوها في قبرها الذي عمقه
ثلاثة أميال، ونجا فقط 115 من طاقمها البالغ 2221 بحاراً.
كتب دان كورتزمان القصة الكاملة لحادثة إغراق
السفينة الحربية الاميركية "إنديانا بوليس" بواسطة البحرية اليابانية
في نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد اعتمد المؤلف على روايات عدد من
الضباط والجنود الاميركيين الناجين من الحادث الذي شغل الرأي العام
الاميركي لأكثر من خمسين سنة الى ان أصدر الكونغرس الاميركي في تشرين
الاول 2000 قراراً تضمن تبرئة لقائد السفينة مكفاي الثالث من كل لائمة
في ما خص غرق السفينة وموت بحارتها.
تبدأ الحكاية في 17 تموز ،1945 حين قاد مكفاي
الثالث السفينة "إنديانا بوليس" من سان فرنسيسكو الى جزيرة تينيان في
المحيط الهادئ، وبعدما أفرغ أجزاء حيوية من القنبلة الذرية التي كانت
ستدمر هيروشيما، توجه الى جزر الفيليبين، وفي طريقه الى هناك أغرقت
السفينة غواصة يابانية، ولم ينج من طاقمها البالغ 1196 بحاراً سوى ،316
ظلوا يتخبطون مدة خمسة ايام في مياه المحيط الهادئ الذي يعج بأسماك
القرش، وكانت من اسوأ الكوارث في تاريخ البحرية الاميركية. كان مكفاي
بين الناجين ومثل امام المحكمة العسكرية بتهمة تعريض سفينته للخطر.
امامه في المحكمة في صفة شاهد، هاشيموتو قائد الغواصة اليابانية التي
أغرقت السفينة. يمثل احدهما المهزوم والآخر المنتصر في تلك الحرب.
مكفاي أنيقاً، وهاشيموتو أشعث الشعر. إنها الحادثة التي تعج بالاسرار
والمكنونات.
في روايته الجديدة "كالسلطعون"، يستقي الروائي
الالماني غونتر غراس موضوعه من حدث تاريخي هو غرق الباخرة النازية
"ويلهيلم - غوستلوف" عام ،1945 بعد تعرضها للقصف السوفياتي. اوضح غراس
قبيل صدور كتابه أنه يعتبر نفسه كالسلطعون الذي يتقدم على الرمال ما
بعد الحرب العالمية، ولأنه غير مراقب، يدخل شقوق الصخور على الشاطىء
الصخري ويختبىء ليراقب بنفسه احداث التاريخ. يصف غرق الباخرة النازية
منذ تصميمها وتنفيذها حتى اختفائها. يروي غراس ويصف معرباً عن الاسف
والألم لوقوع الحادثة وما بعدها، اذ أنها بقيت عشرات السنين طي
الكتمان، ولم يتحدث عنها أحد سوى كتاب انكليزي صدر منذ ثلاثين سنة
وفيلم الماني لفت اليها بخفر. اما من ناحية السوفيات، فهم بالطبع لم
يفخروا بإنجازهم بل سدلوا الستارة سريعاً على الواقعة.
في السنوات القليلة الماضية غرقت الغواصة
"كورسك" ودفنت اسرارها في غرقها. وهي مادة لفيلم او رواية. ثم انشطرت
السفينة "برستيج" قبالة الشواطىء الاسبانية اخيراً وهي تحمل النفط.
السر في هذه السفينة هو ما تكوّن من جرّاء التلوث، فهل صار قعر البحر
صحراء من جرّاء التلوث؟ كتب كثر عن غرق السفن وصنعوا افلاماً، لكن
أورهان يبقى افضل من كتب عن الموضوع لانه يدرك معنى البوسفور في أدبه.
في عام 1998 كتب في مجلة "غرانتا" الانكليزية نصاً عنوانه "الفتى الذي
راقب السفن تعبر "يروي فيه كيف يوقظ هدير البوق البحري سكان اسطنبول في
منتصف الليل. وينقل عن صحف 1963 خبر اصطدام سفينة روسية تنقل وقوداً
بأخرى اميركية او بلغارية تحمل قمحاً وذرة. اندلعت النار وفرقعت الذرة،
وفي الليل توهجت المياه. وفي 15 تشرين الثاني 1991 غرقت سفينة تعبر
البوسفور آتية من رومانيا، كانت تحمل مئات الخراف على متنها، الخراف
القليلة التي قفزت من السفينة الغارقة سبحت الى الضفة، وهناك أنقذها
السكان.
اسمي
احمر
في روايته "الكتاب الاسود" يغوص باموق على
الحياة السرية للبوسفور. في "اسمي احمر" يعود مرة اخرى الى الرواية
التاريخية متناولا موضوعا مثيرا هو "الفن التشكيلي الاسلامي" او الحياة
السرية للفن. يستمد عنوانها من اللون الاحمر الاكثر استخداما في الرسم
الاسلامي. يروي انه امضى في كتابة هذه الرواية عشر سنين من التقميش
وجمع المعلومات التاريخية حتى الانتهاء من كتابتها. ففي البداية امضى
اربع سنوات في شراء الكتب ذات الصلة بموضوع الرواية فقرأها جيدا ثم
تفرغ ست سنوات كاملة للكتابة، لأنه في حاجة الى معرفة الكثير عن فن
النقش والطباعة على السجاد، وذلك لا يتوافر الا في الكتب القديمة، التي
تحتوي المخطوطات الخاصة بهذه الفنون، والشاهنامه، بالاضافة الى اعمال
النظامي ومقامات الحريري.
"اسمي احمر" هي العمل الثاني الذي يلقي الضوء
على جوانب الحياة التاريخية والاجتماعية والفنية والثقافية في المجتمع
العثماني خلال القرن السادس عشر، كما على موضوعات اكثر اهمية تتعلق
بجماليات الفن الاسلامي.
احد الموضوعات التي تتكرر في "اسمي احمر" هو
القهوة المستهلكة على نطاق واسع في المقاهي التي يرتادها اصحاب الانشطة
التي لا ترضى عنها السلطات. ويعول الكثيرون على القهوة في اضفاء نوع من
الشعور بالصفاء الذهني ووضوح الرؤية لدى من يرشفها. لقد عرفت القهوة في
تركيا قبل فترة قصيرة من الفترة التي تجري فيها احداث الرواية، وهذه
مفارقة. فبعد 20 سنة من الاحداث الواردة في الكتاب اندلع الجدل حول
القهوة وهو جدل شديد الاهمية في سياقه الفلسفي السياسي. وفيما كان
البعض يزعم ان القهوة ضارة وانها تورث الاثم، كانت الغالبية تقول ان
لها فوائد بالنسبة الى التفكير والمزاج التأملي. وعلى المستوى السياسي
كان ظهور القهوة مرتبطا بانتشار المقاهي في مدينة اسطنبول خلال تلك
المرحلة، وهي المقاهي التي تستخدم اماكن للتجمع والنقاش ونشر الشائعات،
كان السلطان العثماني يعتبرها خطيرة. وفي اربعينات القرن السابع عشر
اعلن السلطان العثماني مراد الرابع - وهو شخص معروف بالتهور - الحرب
على المقاهي والمشارب وكان يسير في شوارع اسطنبول متخفيا في الليل لكي
يتسنى له كشف تلك المقاهي السرية.
اما في روايته الاخيرة "ثلج"، فيبدو انه عاد
الى مناخات يشار كمال الريفية. الذين قرأوا الرواية لاحظوا ذلك. فبطل
الرواية ك. شاعر تركي يعود من المانيا الى تركيا بعد أكثر من عقد امضاه
في المنفى، بعد اربعة ايام فقط في البيت ينطلق ك. الى مدينة قارص
الحدودية لكتابة تقرير عنها. انها بقعة منسية لا يفطن اليها أحد من
ابناء العاصمة. ما ان يدخل ك. المدينة حتى ينهمر الثلج. وفي الرواية
يغادر باموق المدينة الى الريف حيث يغطي الثلج كل شيء.
|