
''تجاوزات'' البنك
البحريني السعودي قد تكون أخطر مما أعلن عنه التاريخ: Wednesday, January
15 الموضوع: الاقتصاد
بقلم:
إبراهيم شريف السيد
نشرت
صحيفة "الوسط" مقالاً للاستاذ ابراهيم شريف السيد في عددها
الصادر اليوم 15 يناير 2003، وكان مبتوراً ومختصراً، مما أثر على
روح الموضوع وحرصاً من "الديمقراطي" على نشر المعرفة واطلاع
القراء على المزيد من الحقائق والمعلومات حول قضية البنك
البحريني السعودي ننشر الموضوع كاملاً.
الديمقراطي
نقلت صحيفة الوسط
وغيرها من الصحف البحرينية صبيحة الجمعة 10 يناير الخبر التالي :
"أعلن البنك البحريني
السعودي حدوث تجاوزات فيه تم بموجبها منح تسهيلات ائتمانية لأحد
عملائه بمبلغ 17 مليون دينار من دون ضمانات تغطي هذه المبالغ وأن
هذا العميل يماطل في الاستجابة لمطالبات المصرف له بإتمام الوفاء
وتخفيض أرصدته المدينة".
والخبر
هو نتاج مؤتمر صحفي عقده رئيس مجلس إدارة البنك ومديره العام
بحضور ممثل من مؤسسة النقد. وبالنظر إلى التفاصيل القليلة التي
جاءت في المؤتمر الصحفي وتصريح مؤسسة النقد أو المتوافرة في
أوساط رجال الأعمال والدوائر المصرفية وبالرجوع الى التقارير
المالية للبنك البحريني السعودي وإلى التعاميم التي تصدرها مؤسسة
النقد لتنظيم العمل المصرفي يمكن ملاحظة ما
يلي:
نفس
الأبطال مرة أخرى... أبطال هذه العملية بالإضافة لكبار المسؤولين
بالبنك هما شخصان ويبدو بأن كليهما كان على علاقة مالية انتهت
بخصومة بالعقيد عادل فليفل (وكان البنك نفسه ضحية لاحتيال فليفل
الذي تقول المصادر بأنه رهَن للبنك بناية أتضح فيما بعد بأنه لا
يملكها). وقد صدم المصرفيون ورجال الأعمال بحجم القروض التي منحت
لشركة يمتلكها رجال أعمال مغمورين. الشائعات تقول بأن المدعوين
كانا على علاقة تجارية وعقارية بواحد أو أكثر من كبار المسؤولين
في البنك الأمر الذي سهل لهم الحصول على تسهيلات مالية وقروض
ضخمة في حين امتنعت البنوك التجارية الكبيرة عن منح أية تسهيلات
لعدم اقتناعها بالملاءة المالية لهؤلاء.
أرباح
باهرة ولكن...حقق البنك أرباحا باهرة خلال العام 2001 بلغت 4.5
مليون دينار بزيادة أكثر من 50% عن العام السابق إلا أن المحللين
الماليين في سوق البحرين للأسواق المالية ظلوا ينصحون عملائهم
بعدم شراء أسهم البنك بسبب ضعف كادره المصرفي وعدم الثقة في
سياساته الائمانية (رغم أن أسهم البنك كانت تباع بسعر يقل عن 8
مرات أرباحه السنوية بينما يبلغ المضاعف لدى البنوك الكبرى
الثلاثة بين 10 و 12 مرة) وها قد أثبتت الأحداث صحة
مخاوفهم.
لا ضمانات...
ادعى البنك بأنه " انه يمتلك مستندات
مالية عبارة عن شيكات مؤجلة بمبلغ 20 مليون دينار سارية تمكنه من
فرض استحصال ديونه". والمطلعون على العمل
المصرفي يعرفون تماما بأن الشيكات لا تعتبر ضمانات, ولو كانت
كذلك لما تردد البنك في تحصيلها. لذلك فالغالب بأن مبلغ الـ17
مليون دينار من الإئتمانات (ويبدو بأنها قروض) هي في واقع الحال
غير مضمونة ومن المحتمل أن يخسرها
البنك.
خطورة
الإفلاس... خسارة 17 مليون دينار تعني خسارة 46% من رأس مال
البنك واحتياطياته التي بلغت 37 مليون دينار في نهاية سبتمبر
2002. وأمام مثل هذه الخسارة, وبافتراض عدم وجود قروض معدومة
أخرى, فان من الصعب على البنك الحصول على تصنيف مالي مقبول أو
على ثقة المودعين الأمر الذي سيترتب عليه سحب جزء كبير من
الودائع (أغلبها قصير الأمد لا تتعدى أسابيع أو أشهر قصيرة)
وزيادة كلفة المتبقي منها. وبدون تدخل ودعم مؤسسة النقد والجهات
الحكومية وشبه الحكومية التي تحتفظ بودائع لدى البنك فان مصير
البنك هو الإفلاس لاستحالة تسديده للجزء الأكبر من الودائع
البالغة 156 مليون دينار كما في نهاية سبتمبر 2002.
أرانب
أخرى في قبعة الحاوي... قد تكون هناك قروض معدومة أخري فالبنك
معروف لدى المطَلعين بسياسته الائتمانية المتساهلة مقارنة
بالبنوك الوطنية الأخرى كما أن طاقمه الإداري أقل خبرة. التجربة
المصرفية في العالم تعلمنا بأن مخالفات خطيرة من هذا النوع عادة
ما تكون جزء من مخالفات أخرى قد تكون أكبر حجما وضررا. في نهاية
سبتمبر 2002 كان لدى البنك قروض بحوالي 122 مليون دينار, وعلى
مؤسسة النقد, التي تعهدت بضمان المودعين, القيام بتدقيق شامل
للبنك بما فيه إعادة تقييم محفظة قروضه وجميع الضمانات والرهونات
الموجودة لدى البنك ضمانا لقروضه وائتماناته.
حدث
العاقل بما لايعقل فان صدق.... أن خسارة مثل هذه لا تحدث بين
ليلة وضحاها إلا في حالات الاحتيال فيما يتعلق بالضمانات ولا
يبدو من المؤتمر الصحفي بأن شيئا من هذا القبيل قد حدث. المدير
العام قال بأن "هذه التجاوزات حدثت قبل عدة أشهر" ,وهذا أمر لا
يعقل, فكيف تستطيع شركة في عدة أشهر أن ترفع ائتماناتها إلى أكثر
من 17 مليون دينار وهو ما يصعب على كبريات الشركات فعله حتى بعد
مرور عدة سنوات على تعاملاتها المصرفية؟ وكيف يقوم بنك صغير
بإقراض 46% من رأسماله واحتياطياته لشركة واحدة في حين تمنع
أنظمة مؤسسة النقد أن يتجاوز الائتمان للعميل الواحد 15% من رأس
مال البنك واحتياطياته؟
الأمر المضحك...يؤكد
المدير العام منصور السيد "متانة الوضع
المالي" للمصرف
وقال: "إن البنك لن يلجأ إلى الاقتراض في أي حال من الأحوال".
وأضاف "في أسوأ الحالات يمكن أن نلجأ إلى الاحتياطي القانوني".
ويبدو لي بأن كل هذه
التأكيدات لا معنى لها أمام فداحة الخسارة والوضع المالي المهزوز
الذي نتج عن هذه الخسارة. فالعمل المصرفي مبني بالدرجة الأساسية
على ثقة المودعين في قدرة البنك على سداد ودائعهم فإذا تعرض بنك
لهزة مالية قوية فان المودعين سرعان ما يتخلون عنه الأمر
الذي يجعله عاجزا عن السداد لهم حيث أن تحصيل البنك لقروضه
يستغرق وقتا أطول بكثير من سداد
الودائع.
من
يسحب ودائعه؟... هناك أخبار تفيد بقيام بعض أعضاء مجلس الإدارة
بسحب ودائعهم قبل أيام قليلة من الكشف عن "التجاوزات". هل هذا
صحيح ولماذا سمح لهم بذلك في وقت تتحمل مؤسسة النقد (أي الدولة,
أي نحن المواطنون) ضمان تمويل البنك منعا
لإفلاسه؟
العيال
كبرت... يتحدثون عن "تجاوزات" تخفيفا والتعبير الصحيح هو
"مخالفات خطيرة". هل ما زلنا عيالا يخافون علينا من الحقيقة؟ هذا
الأسلوب لم يعد له مكان بيننا. نريد الحقيقة, كل الحقيقة, ولاشيء
غيرها, فقد تعبنا من أساليب الاستعلاء أو ربما أقول
الاستغفال.
وين
مجلس الإدارة؟... ما مدى علم مجلس الإدارة بما حدث؟ هل وافق على
هذه القروض؟ هل استفاد أعضاءه من قروض المصرف؟ هل أخفى المعلومات
عن المساهمين؟ هل سحبوا ودائعهم مؤخرا؟ ما هي حركة مبيعاتهم
لأسهم البنك طوال الأشهر الماضية؟ وغيرها من الأسئلة
الكثيرة.
ومؤسسة النقد؟... مؤسسة
النقد قالت في بيانها الصحفي:" أن تلك التجاوزات
بلغت حوالي 17 مليون دينار منحت على شكل تسهيلات مصرفية من دون
إتباع الأسس والأنظمة المصرفية المعتادة". ولم تجب
مؤسسة النقد في بيانها المقتضب عن ماهية التجاوزات ودور الإدارة
التنفيذية ومجلس الإدارة, ولا تاريخ هذه التجاوزات. ولا يبدو
واضحا فيما إذا كانت التجاوزات هي لأنظمة البنك أم لأنظمة
المؤسسة أم لكليهما. مخالفة تجاوز الـ15% من رأس المال
والاحتياطيات ربما قد تم بالتدرج فهل وافقت المؤسسة على هذه
التجاوزات, ولماذا؟ لن يعيب المؤسسة ولا النظام المصرفي في
البحرين أن تكون المؤسسة أكثر تفصيلا في نشر ما
حدث.
والبورصة؟...
كان يجب إيقاف التداول في أسهم البنك في أول يوم بعد نشر الخبر
حتى يحصل المساهمون وغيرهم على توضيحات كاملة تؤهلهم المتاجرة
بالأسهم, فما الذي منع البورصة من اتخاذ هذا الأجراء الروتيني؟
في اليوم الأول للتداول بعد نشر الخبر انتهى السهم مطلوبا بسعر
45 فلس ومعروضا بسعر 129 فلس بينما كان السعر يوم الخميس الفائت
178 فلسا. وهذا الفرق الشاسع غير المسبوق دليل على أن السوق لم
يستطع بعد تقييم الضرر على البنك.
نظام حماية الودائع لا
يكفي...أكدت مؤسسة نقد
البحرين في بيان صحفي "استعدادها التام لتقديم
الدعم المالي اللازم عند الحاجة للحفاظ على سلامة الوضع المالي
للمصرف وعدم تعرض أموال المودعين لأية مخاطر". هل يعني
هذا الحديث قيام المؤسسة بضمان جميع الودائع؟ لا يبدو الأمر
واضحا حيث إن نظام حماية الودائعDeposit Protection
Scheme الذي أصدرته
المؤسسة في يوليو 1994 قد حدد ضمان الودائع في البنوك التجارية
بـ 75% من قيمتها فقط وبحد أقصى يبلغ 15 ألف دينار, واستثنى من
الضمان ودائع المساهمين الذين يملكون أكثر من 5% من الأسهم
وأعضاء مجلس الإدارة وودائع الحكومة والبنوك الأخرى وبعض الفئات
الأخرى.
المحترفون
يعرفون والجمهور جاهل... يقول البعض بأن التكتم عن كامل الحقيقة
هو لصالح الحفاظ على النظام المصرفي والحقيقة أبعد ما تكون من
ذلك, فالتكتم ربما يكون أحد أسباب عدم إنهاء الموضوع قبل أن
يستفحل, والمؤسسات الدولية تقدر شفافية النظام وأمانته ولا ترحم
من تثبت عليهم تهمة التستر. لقد بدأت البنوك الأجنبية في قطع
خطوط الائتمان أو رفع تكلفة الإقراض على البنوك في البحرين بعد
فضيحة بنك البحرين الدولي قبل ثلاثة أشهر وهي تستقي أخبارها كما
تستقي الاستخبارات معلوماتها, فالتستر لا يحجب الحقيقة إلا عن
المواطن.
لا
يصلح العطار ما أفسده الدهر... الحل للموضوع قد لا يرضي الجميع.
فالمساهمون ربما فقدوا الجزء الأكبر من استثمارهم في أسهم البنك.
أما المودعون فان على مؤسسة النقد أن تصدر إيضاحا بشأن الضمان
لودائعهم وإذا ما كانت ستطبق القيود الواردة في نظام ضمان
الودائع الذي يضع الحد الأقصى للضمان عند 15000 دينار. وعلى
المؤسسة ومجلس إدارة البنك أن يقوما بمفاوضات عاجلة مع البنوك
الكبرى لمناقشة أمكان دمج البنك في أحدها حفاظا لحقوق الموظفين
والمودعين والمساهمين.
| | |