قراءة كردية في الانتخابات التشريعية
المزمع إجراؤها في سوريا في الثاني من آذار المقبل 2003


محي الدين شيخ آلي *

حلب – 6/شباط/2003

في الآونة الأخيرة بادر الأخوة في إدارة ( موقع عامودا ) على الانترنيت بطرح تساؤلات تتعلق بالانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في سوريا في الثاني من شهر آذار المقبل . ولدى متابعة ما كتب وتم عرضه على زوار الموقع وبحكم انشغالي بالوضع الكردي عموماً والحالة السورية خصوصاً وذلك منذ ثلاثة عقود ونيف ، تراءى لي وجوب إبداء الرأي في وقتٍ بدا فيه هذا الحق الأولي من حقوق الإنسان والتعبير عنه تعترضه معوقات جدية ومتشعبة المنشأ ..، إلا أنه يبقى الإسهام في تشخيص واقع الحال لتبيان اللوحة السياسية وبلورة ما هو واجب وممكن عمله يرتدي أهمية قصوى في سياق ضرورات الحرص على عدم تشويه وعي المواطن – الإنسان بصرف النظر عن انتمائه الديني والقومي أو السياسي ، وتجنب الاشتراك في دفعه للتعلق بأوهام والوقوع في مطبات العلم الناقص الذي يعد أخطر من الجهل ، كما ولا بد من متابعة هذا الموضوع بعد مضي الانتخابات أيضاً ، وذلك بهدف الإغناء والتقييم توخياً للفائدة المرجوة .
بدايةً لابد من الإشارة إلى تصاعد شدة التوتر وعمق القلق على الصعيدين الإقليمي والدولي سواء في الظرف الراهن أو عشية وبعيد الموعد المقرر لإجراء الانتخابات وذلك في ضوء تبعات الضربة الأمريكية الوشيكة للعراق كما يجمع المراقبون على ذلك ....
إنها حقيقة ماثلة في واجهة المشهد الإقليمي - السياسي الضاغط ، يجري التعامل معها كما هي عليه العادة لدى كل مستجد إقليمي – دولي وذلك منذ تسلم حزب البعث لمقاليد الحكم في 8/آذار/1963 وإعلان الأحكام العرفية في البلاد ، حيث يتعالى صوت الداعين إلى إحكام القبضة الأمنية و ( آليات الضبط ) في الداخل ، فتستغل تلك الأوضاع والمناخات الإقليمية ( مخاطر محدقة ) ليتم تجييرها لصالح وباتجاه الإمعان في مصادرة حقوق وحريات المواطن وإبقاء الملفات ( مكافحة الفساد – مسألة الحريات – قضية الأكراد – التحديث والتطوير .....الخ ) طي الأدراج دون معالجة أو تناول جاد ، والاستعاضة عن ذلك بالتغني الشعاراتي ومزيد من شخصنة السلطة عبر التمسك بكل ما هو قديم متوارث لتكرار ما ينفع تكريس وصاية الحزب الواحد وذلك على قاعدة ( المادة الثامنة ) من الدستور التي تقضي بمشروعية قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع وكذلك نصوص أخرى تغلب عليها أيديولوجيا فكر انقلابي أكل عليها الدهر وشرب من قبيل نظام الحكم في البلاد هو ( نظام اشتراكي...ديمقراطي شعبي ) على سبيل المثال ......الخ .وتواصل التمسك الثابت بمفاعيل قانون الطوارىء والأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية ل ( حماية أهداف الثورة ) ، مما تسبب هكذا تعامل منهجي بتعطيل مبدأ المساءلة والمحاسبة في حياة الدولة بمختلف مؤسساتها وتهميش الحياة السياسية وكذلك النقابية وتحويل الأحزاب المشاركة في ( الجبهة الوطنية التقدمية ) إلى تنظيمات ملحقة يصعب القول بأنها تجسد تعددية حزبية حقيقية تعبر عن مصالح شرائح اجتماعية وإن كانت تحمل حقائب وزارية وتشغل مقاعد في برلمان ( مجلس الشعب ) يجري انتقاء معظم أعضائه إن لم نقل جلهم كل أربع سنوات وذلك وفق آليات سيناريو محكم وقانون انتخابي فريد من نوعه بحيث يضمن سلفاً – قبل حلول موعد الانتخابات – النتائج التي تنضبط وتتماشى مع سياسات حزب البعث والإعلام الرسمي للحكومة ،وأما الهامش المتروك –نظرياً – للمستقلين والذي من المفترض أن يجري التنافس عليه بعد التسليم بالأمر الواقع وحتمية النجاح المسبق لمرشحي الجبهة فأمره في نهاية المطاف خاضع لرضا دوائر السلطة وتعاميم حزب البعث العلنية منها والسرية التي تحاول تبرير التدخل حتى في مصير ذلك الهامش ( الظل ) من خلال الادعاء بما مفاده (( نحن البعثيين أيضاً مواطنون ، يحق لنا أن ندلي بأصواتنا لصالح من نختارهم ونعمم أسماءهم على الفروع والشُعَب والفرق الحزبية ... أتريدون مصادرة حقنا المشروع لتشتكوا وتشككوا بنزاهة الانتخابات و تسيئوا إلى سمعة وعروبة القطر ؟!.. )) . وبهكذا منطق استعلائي وعقلية براغماتية شبه مؤامراتية تكتمل القائمة ويكتمل العدد ، تليها الدبكات وأعراس النجاح ويرجع المشتكون (المحتجون) إلى بيوتهم بخفي حنين وقد خاب ظنهم . هذه خلاصة ما جرى في الدورة السابقة وما سبقتها . وفي هذا السياق تجدر الإشارة – من قبيل التذكير – أن لا مجال للطعن أمام جهة قضائية ، فدور المحكمة الدستورية في بلدنا – ومع الأسف – شبه مغيب ، وتجربة العريضة – الشكوى التي وقع عليها العشرات من الأخوة المستقلين المرشحين لعضوية مجلس الشعب في محافظتي حلب و الحسكة – أكراداً و عرباً – في الدورة السابقة مفضوح أمرها ويعرفها جيداً أولئك الأخوة الأفاضل الذين قدموا تلك العريضة في دمشق و تناسوها ... أما لماذا تناسوها ولم يتمكنوا من متابعتها فهذا شأن آخر لسنا بصدد تناوله في هذا السياق المقتضب .
إنها دورة ثامنة لانتخابات تشريعية على الطريقة السورية لتمثيل إرادة الشعب برمته من خلال الإتيان ببرلمان جديد يوصف بأنه يشكل أعلى سلطة تشريعية في البلاد ، من مهامها أن تشرع القوانين ،تحاسب وتصادق ، تمنح الثقة للسلطة التنفيذية وتحجبها ، تتناول قضايا المجتمع والدولة وخاصة قضية المواطنة وتوزيع الثروة واعتماد الموازنات وتعديل الدستور ....الخ أي أنها قمة المسؤولية حيال حاضر و مستقبل البلد .
إنها ليست انتخابات محلية لجمعٍ من حرفيين ومقاولين أو مجلس بلدة و مدينة مع كامل الاحترام للجميع ، مما حدا ويحدو بمعظم الدول في عالمنا اليوم إلى استضافة لجان مراقبة من الأمم المتحدة أو المجموعة الأوروبية للإشراف على سير تلك الانتخابات التشريعية لضمان استقلاليتها ونزاهتها وبغية الفوز بشهادة حسن سلوك سعياً وراء هدف تحسين سمعة البلد وتعزيز مكانته لدى الرأي العام والمؤسسات الدولية .
أما جهة الإشراف المركزي والمباشر على سير مراحل (العملية الانتخابية ) في بلدنا فهي السلطة التنفيذية وتحديداً وزارة الداخلية التي تشكل وتوزع على هواها لجان فرعية ومراكز صناديق الاقتراع وكذلك طريقة ومرحلة فرز الأصوات وإعلان النتائج مع إشراك رمزي لسلك القضاء المشكوك في استقلاليته ، وهذا النوع من الإشراف بحد ذاته يعد إخلالاً بنيوياً بنزاهة الانتخابات ناهيك عن تسخير آليات الهيئات والمؤسسات الحكومية لصالح قائمة الجبهة وظلها من المستقلين (المحظيين) بود ورضا جهات معينة ، وهنا يبرز واضحاً مدى ضرورة وأهمية طرح واعتماد قانون انتخابي جديد في ضوء إصلاح ديمقراطي يضع حداً لوصاية حزب ما مهما كبر شأنه وكثر عدد منتسبيه والمنتفعين تحت يافطته وذلك كي لا تتعمق أكثر فأكثر مشاعر الغبن والاغتراب لدى الناخب السوري في بلده والذي بات يشك تماماً ويعي سلفاً بأن ما هو مرتقب في الثاني من آذار القادم ليس إلا بمثابة إلباس ثوب انتخابات شكلية على تعيينات فعلية لأعضاء مجلس يعاد تشكيله كل أربع سنوات .
ومهما بلغ عمق الأزمات في المجتمع والدولة وتشوهت الآراء والسياسات لدى الكثير من النخب السياسية ودب الضعف في نفوس البعض وترهلت المواقف واشتد الخوف لدى الناس حيال المجهول ، فإن رؤية المعطيات والمؤشرات الميدانية وحقائق الواقع على ما هو عليه – وليس كما نتمنى – تبقى تشكل الحجر الأساس والمقدمة الأولى لتشخيص سليم وتناول مفيد ، سواء لحالة مجتمع أو جزء منه ، حيث أن القفز على تلك الحقائق والمعطيات أو تحويرها وتبسيطها والتعامي – إن جاز التعبير – حيال مدلولاتها يشكل تشويهاً فظاً لقضايا الفكر السياسي والشأن العام . وكما قال الغزالي :(( من لا ينظر لا يرى ،ومن لا يرى لا يبصر ،ومن لا يبصر يبقى في الضلال والعمى )) .
فالنمط الانتخابي هذا الخاص ببلدنا سوريا سياسة وشأن وطني عام قبل أن يكون شأن حزب أو جماعة من الأهمية بمكان تعريفه جيداً وكذلك التعرف على جوهر المناخات السياسية السائدة التي في ظلها تجري تطبيقات هذا النمط وتسليط الأضواء على آلياته وتبيان القواعد المعمول بها العلنية منها والخفية وذلك إسهاماً من الجميع في نشر ثقافة ألفباء الديمقراطية ووعي الإنسان لواجبات وحقوق الإنسان وأولها توفير مستلزمات تمكينه من التمتع بحق إبداء الرأي والتعبير عنه بحرية ، سواء عبر الإدلاء بصوته في صناديق اقتراع دون إكراه ، أو عبر وسائل وطرق أخرى يضمنها القانون ، كي لا نتحول إلى شهود زور بشكل أو بآخر ونشترك في ارتكاب خطيئة إلغاء العقل وإقصاء الرأي الآخر فاغتيال السياسة التي لولاها لما تطورت التجمعات البشرية وتحضرت ، ولبقي أسلافنا في طور كائنات حية تسيرها وتتحكم بسلوكياتها الغرائز والأهواء ليس إلا .
و إذا كان من حق الناخب العربي في سوريا أن يتحفظ حيال هكذا نمط انتخابي مقولب وسياسات فرض وصاية ، فمن الأجدر بأن يكون من حق الناخب الكردي أن يتحفظ أكثر و أكثر وذلك ليس احتجاجاً على ذلك النمط الممجوج فقط ، بل ولما يعانيه من غبن مضاعف عنوانه الأبرز حرمانه الرسمي من التداول بلغته الأم بفعل السياسة المنتهجة حيال شعبه ، وهكذا فإن ثمة تعميم وشمولية لحالة العسف في المجتمع يطال الجميع أكراداً و عربا و أقليات وبالتالي يصعب الفصل والتعاطي على حده مع هذا الجانب أو ذاك وعلى سبيل المثال فإن إبقاء ملف القضية - الفضيحة ، ملف الإبقاء على تجريد قرابة 250.000 إنسان كردي في محافظة الحسكة من حق المواطنة - الجنسية طي الدراسة لدى لجنة مختصة في القيادة السياسية لحزب البعث منذ سنوات طوال لا يبعث على التفاؤل والمراهنات بقدر ما يثير القلق و الامتعاض لدى كافة الأكراد في سوريا و بمختلف تنظيماتهم السياسية وشخصياتهم المستقلة وفعالياتهم الثقافية وكذلك يثير التساؤل و الاستغراب لدى الكثير من الإخوة العرب الغيارى بدءاً بالعاملين منهم في مجال إحياء المجتمع المدني و نصرة حقوق الإنسان ، مرورا برجال الدين الأفاضل و وصولا إلى ساسة عقلاء ورجال فكر ومعرفة .... الخ .
ورغم جملة الأنشطة والفعاليات التي قامت وتقوم بها الحركة الوطنية الكردية وخصوصا تحالفها الديمقراطي في سوريا لحمل القيادة السياسية في البلاد على إيلاء أهمية لائقة لهذا الملف و معالجته ، و تعدد الزيارات الميدانية لكبار المسؤولين و تكرار الوعود من أعلى المصادر و الجهات المسؤولة في الحزب و الدولة إلا أن الملف باق على ما هو عليه ، ولا يبدو في الأفق ما يشير إلى حل وانفراج علما أن إبقاء هذه القضية على ما هي عليه يشكل تعارضاً صارخاً مع العديد من بنود الدستور الدائم الذي لا يستوجب إدخال تعديلٍ فيه كي تحل القضية هذه و يستعاد حق الجنسية لأولئك الكرد المجردين منها منذ 1962 وعشرات الألوف منهم تجاوزوا الثامنة عشرة من العمر فبلغوا السن القانوني وظلوا هم و آباؤهم وأمهاتهم محرومين من التمتع بهكذا حق قانوني دستوري و إنساني و بالتالي فهم مغتربون و مقهورون في بلدهم أكثر وأشد من غيرهم . ومن الطبيعي أن يكون من شان الأحزاب الكردية أولا إبراز هذا الملف و وضعه في سلم الأولويات المطلبية ، علما -والحق يقال- أن هموم البعض – وكلما اقترب موعد إعادة تشكيل مجلس الشعب –تنصب باتجاهات أخرى غير تلك التي تشكل الأساس والأولوية وذلك رغم الخطاب الإعلامي لهذا البعض الذي يجهد و يسعى ليل نهار للتأكيد بأنهم ديمقراطيون بلا تردد .
جوهر الموضوع – كما نرى – أنه من الخطأ الفادح بل والمدمر عزل حل مسألة قومية لجزء من مجتمع في بلد معين عن قضية وإشكالية الديموقراطية والتطور الحضاري في ذلك البلد المعني ، والمقصود هنا هو حالة وخصوصية وضع الكرد في سوريا منذ ارتسام الحدود الدولية في ضوء اتفاقية سايكس – بيكو إثر الحرب العالمية الأولى ( سفربرلك 1914 – 1918 ) وتمايز هذه الحالة – الخصوصية عن أوضاع أشقائهم الكرد في أطر الدول الأخرى سواء تركيا أو إيران و العراق وذلك من حيث التطور الاقتصادي – الاجتماعي وكذلك السجل الكفاحي الحديث والمعاصر المعمد بأنهر من الدماء جراء العنف والمقاومة في تلك الساحات ، ناهيك عن التوزع الديموغرافي والتمركز الإقليمي وطبيعة النظم ودول الجوار حيث أن السجال الفكري – السياسي في تناول قضايا من هذا القبيل لا بد وأن يأخذ طابع الرأي والرأي الآخر ، وهنا ولكي يأخذ هذا السجال مجراه السليم وسياقه الموضوعي لا بد من التحلي بالروية في التخاطب بعيداً عن التزمت والحزبوية ونزعات الأيديولوجيا اليقينية والأحكام المسبقة التي طالما لا يزال الكثيرون في ساحتنا الوطنية يعيشون في أسرها ومن بينهم على سبيل المثال لا الحصر بعض القائمين على تحرير جريدة (صوت الشعب) للحزب الشيوعي السوري – أحد أطراف الجبهة الوطنية التقدمية – التي أوردت في صفحاتها مؤخراً مقالات تطلق صفة (عميلة وفاشية) على قوى وفعاليات وطنية سورية لا تشارك في الحكم بل تدعوا إلى إحداث انفراج سياسي في إطار إصلاح ديموقراطي ومصالحة وطنية شاملة على قاعدة الحوار ونبذ لغة العنف وكذلك إصدار قانون عصري لعمل الأحزاب وآخر للانتخابات ... فالإرهاب الفكري والاستبداد السياسي والقمع الأمني لم يكن في يوم ما – وخصوصاً في عالمنا المعاصر – يشكل عامل تطوير حضاري وحماية لسلامة ووحدة المصالح والأماني المشتركة للمجتمعات ومكوناتها ، وكذلك أحكام القائمين على محكمة أمن الدولة العليا بدمشق التي وبمنتهى السهولة توجه قرارات الاتهام بحق نشطاء أكراد بين الحين والآخر وتتهمهم فيها ب(العمل على تغيير كيان الدولة ،واقتطاع أجزاء من شمال سوريا ......الخ) فهي أيضاً تندرج في إطار ذلك النمط من الترويع واللامسؤولية في التعامل ،علماً أن كل ما فكر به أو قام به أولئك الوطنيون الكرد – في الأمس واليوم – هو الدعوة لاستعادة حق المواطنة وحق التداول باللغة الأم وإحلال المساواة بدل التمييز والعسف ... كما وأن مثال شدة ولا شرعية الأحكام القاسية التي صدرت بحق شخصيات علمية ومهنية سورية من العبث التشكيك في ولائهم الوطني وصدق اهتمامهم بالشأن العام كمثل البروفيسور عارف دليلة الذي حُكِمَ عليه بالسجن لمدة عشر سنوات بسبب دراساته الأكاديمية في مجال تشخيص واقع الاقتصاد السوري وأوجه النهب والفساد ونمط توزيع الثروات ....وكذلك مثال السيدين – كانا نائبين مستقلين – رياض سيف ومأمون الحمصي اللذان حكم على كل منهما بالسجن لمدة خمس سنوات على خلفية مبادرة سيف لتبيان حقيقة عقود هاتف الخليوي في سوريا واقتراحه بطرح هذا الملف في إحدى جلسات مجلس الشعب للمناقشة والتداول ... حيث أن هكذا تعامل فوقي وقاسٍ مع أصحاب الرأي الآخر يعني ما يعنيه من رسالة موجهة إلى الجميع ، ولا شك أيضاً أنها تندرج في إطار الترويع والسعي المحموم لضبط آليات فكر ومواقف الأفراد والجماعات بصرف النظر عن مواقعهم وانتماءاتهم وإن تطلب الأمر إلصاق التهم بهم جزافاً وتخوينهم .
إن موقع ونضالات الحركة الكردية في سوريا منذ عقود أربعة ونيف وكذلك فحوى برامج ومواقف أحزابها تجمع على الدعوة الصريحة في الأمس واليوم إلى إقرار وإحلال تعددية حزبية – سياسية في البلاد والاحتكام إلى صناديق الاقتراع لإجراء انتخابات تمثيلية حقيقية حرة ونزيهة وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي واحترام بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يحمل توقيع سوريا ،وانتهاج طريقة وسبل النضال الديموقراطي السلمي والتحاور على قاعدة نبذ لغة العنف ونزعة العداوات وذلك ترافقاً مع الدعوة لحمل قيادة الدولة والنخب السياسية في المجتمع على الاقتناع للإقرار بحقيقة وجود ثاني قومية في البلاد لها حقوق قومية طبيعية ومشروعة يصعب كثيراً السكوت على هضمها أو الشطب عليها ، ليكن الكرد والعرب شركاء حقيقيين في هذا الوطن .
ودفاعاً عن هذه الأهداف النبيلة والسياسات المعتمدة لدى الحركة الكردية في سوريا منذ الإعلان عن نشأتها في صيف 1957 فلقد قدم مناضلوها الأوائل ومنتسبوها فيما بعد الغالي والنفيس ،وتعرض المئات منهم لموجات الاعتقال الكيفي – غالباً كانت منسية – والتواري عن الأنظار ومضايقات أمنية بحق ذويهم وكذلك محاربتهم بلقمة العيش ناهيك عن سيل الاتهامات وسلاح التشكيك من قبل خصوم محليين ...الخ ، فحركتنا الكردية هذه لم تكن في يوم ما مشاركة في أو موالية للسلطة وذلك بفعل تعارضها الميداني مع سياسات الأنظمة والحكومات المتعاقبة التي آثرت واتسمت بمصادرة الحريات وهضم حقوق الأكراد والتنكر لوجودهم وإقصائهم لدرجة محاربة فولكلورهم ولغتهم واقتلاع الكثيرين منهم من أراضيهم ...مما يبدو واضحاً وجلياً أن نضال شعبنا الكردي في سوريا يبقى يندرج في إطار معارضة ديموقراطية سلمية تتسم بطروحات حضارية وأفق إنساني يحمل في سجله إرثاً وطنياً لا غبار عليه ويصعب إيقافه أو ترويعه ، حيث أن هكذا موقع نضالي مدافع وفحوى برامج سياسية ديموقراطية تتسم بها تنظيمات الحركة الكردية في سوريا تحملها على القلق والتحفظ حيال ذلك النمط من القولبة وآليات الضبط والخداع التي تمارسها السلطات في العملية الانتخابية .
وأما تهافت البعض – عذراً لهذا التعبير – لتجيير التنظيمات الكردية التي ينتمون إليها لصالح إبراز صورة وإدراج اسم في ذلك الهامش المتمم لقائمة الجبهة القائمة ووفق آليات الضبط والامتثال آنفة الذكر فإنه لأمر مفهوم ،ليس مرده إعلاء شأن النضال العادل والمشروع للحركة الكردية والحرص على وحدة وتلاقي صفوفها بقدر ما هو نزعات مرضية ونقاط ضعف ،مما
يؤثر سلباً على مصداقية الطرح السياسي لهذا التنظيم أو ذاك ويعيق سبله في التواصل والحراك الثقافي في الوسط العام ناهيك عن الهدر والنزيف في الطاقات وإضافة حساسيات تشكل حجر عثرة أمام تعامل ديموقراطي في الإطار العام للحركة الكردية في سوريا وهذا ما حدا – كما هو متوقع – في إدارة (موقع عامودا) باقتصار تساؤلاتهم الأربع في طرحها على الجانب الكردي فقط ،علماً بأن المعني بالشأن الانتخابي ليس الكرد فقط بل مجموع القوى والفعاليات السورية ،وإن متابعة هذا الملف قبيل وبعيد الثاني من آذار (موعد الانتخابات) تستوجب إشراك واستضافة غير الكرد أيضاً وخصوصاً شخصيات قانونية ونشطاء في مجال حقوق الإنسان والشأن السياسي وذلك بهدف إغناء الملف واستكماله .
من جهة أخرى فإن صياغة وطرح تلك التساؤلات لا تندرج في إطار عملية استفتائية فالإجابة ب(نعم أو لا) بقدر ما يتطلب تبيان أبرز سمات الوضع القائم وآليات العمل الانتخابي وضمناً واقع الكرد وحركتهم السياسية وصولاً إلى دور ومزايا مجلس الشعب في سوريا وما هو مرجوٌ من جلساته ، لذا كان لا بد من هذا الإيضاح .
وكما سبق وأن أشير إليه ،فإن مؤسسة البرلمان عندنا تبقى تشكل إطاراً رسمياً يناط به بالأساس دور معين لا يتعدى المصادقة على سياسات مرسومة سلفاً ،ليس هذا فحسب ،بل وإن معظم الأطر التمثيلية وإدارات الدولة في بلدنا سواء في مجال الاقتصاد ومشاريع التنمية والتخطيط وفصل السلطات وسلك القضاء وطريقة الانتخابات وكذلك التعامل مع أبناء قومية يشكلون أقلية لأغلبية أخرى سائدة تشبه في كثير من جوانبها أنماط التعامل وآليات الضبط التي كانت منتشرة في العديد من دول شرق أوروبا وخصوصاً في ألبانيا ورومانيا وبلغاريا .... الخ فالانتخابات التشريعية التي كانت تجري في تلك البلدان على مدى عقود ،والصخب الإعلامي الذي كان يصاحبها لم تكن إلا هدراً في الإنفاق من المال العام وذراً للرماد في عيون الكثيرين ،فلم تكن تقدم أو تؤخر شيئاً في حياة وتطور مجتمعات تلك البلدان التي كانت تسودها شعارات كبيرة .
أما وقد آثر البعض من الأخوة سكرتيري التنظيمات الكردية وفضلوا ترشيح أسمائهم للدخول في عملية انتخابات الدورة الثامنة لمجلس الشعب يحدوهم الأمل بأن يحالفهم الفوز بالوصول إلى مقاعد في مجلس الشعب – واحتراماً للرأي الآخر – فمن واجبنا جميعاً بل ومن الأهمية بمكان بذل وتكثيف كل الجهود لإحلال تفاهم فيما بينهم ،وذلك باتجاه تحقيق تكاتف ميداني ووضع الخلافات والاختلافات الكردية – الكردية جانباً بهدف الشروع بإرساء أسس ودعامة عمل مشترك بغية حمل الجهات العليا في الحزب والدولة وتشجيعها على احترام الحيز – الهامش – المخصص للمرشحين المستقلين . وفي هذا الإطار المسعى نرى أن من حق وواجب جميع أولئك الأخوة المرشحين المعنيين مباشرةً بذلك الهامش من منتمين إلى تنظيماتنا الكردية وآخرين غير منتمين ،العمل الدؤوب للفت الأنظار وذلك عبر المبادرة – إن أمكن – بتوجيه رسائل مفتوحة ومذكرات مناشدة إلى السيد رئيس الجمهورية لحث سيادته على توجيه كلمة مباشرة إلى المواطنين ليطمئنهم فيها ويشير إلى صدقية تخصيص هامش للمستقلين أصحاب الرأي الآخر ،ويدعوهم فيها للتوجه إلى صناديق الاقتراع وأداء واجبهم الوطني ... حيث أن ذلك قد يكون كفيلاً بوضع حدٍ لتأويلات مسؤولي فروع البعث ووزارة الداخلية المشرفين على سير العملية الانتخابية برمتها ويحول دون تكرار ما حصل من تدخل سافر في ذلك الهامش في الدورة السابقة وما قبلها لكي لا تتحول هذه الدورة أيضاً إلى أهزوجة ويزداد الناس نفوراً .

-------------------------------------------
* سكرتير حزب الوحدة الديموقراطي الكردي في سوريا (يكيتي)