|
القضاء
يحمي الجميع فمن يحمي القضاء والقضاء يحاسب الجميع فمن يحاسب
القضاء؟ |
اســـــتـقـــلالــه ضــــمـان لـلـقـــاضـــي
ولـلـمـتــقــاضـــيـن
عـبـد الـسـلام
شـعـيـب
للقضاء دور مركزي في اقامة دولة المؤسسات
وبسط سيادة القانون وتحقيق المساواة والعدالة بين المواطنين
وحماية حقوق الانسان التي تم إقرارها في الشرعـة الدولية لحقوق
الانسان وأصبحت جزءاًً من النظام القانوني اللبناني. ونظراًً لهذا
الدور الرئيسي والمتزايد كانت المطالبة الدائمـة بضرورة تحصين القضاء
وتعزيز استقلاله ليؤمّن اهدافه على اكمل وجه. إلا ان استقلال القضاء في
لبنان حتى اليوم لم يتحقق في شكل كامل وفعلي وفقاًً للمعاييــر الدولية
لهذا الاستقلال. وبات الاقتناع راسخاً بأنه بـدون استقلال حقيقي للقضاء
في لبنـان لا يمكن تأمين الضمانات الكافية لا للقاضي ولا
للمتقاضين. سنتناول في قسم اول استقلال القضاء في لبنان في الواقع
والمرتجى، ثم في قسم ثان ضمانات المتقاضين اللازمة.
|
مروحية
رشيد كرامي: الوفاق المقتول أيضاً.(الأرشيف) |
سليم
اللوزي: أحرقوا يده وكسروا قلمه. (الأرشيف)
|
استقلال القضاء في
لبنان في وضعه الحالي والمرتجى
من طبيعة القضاء والاصل فيه ان يكون مستقلاً.
انه مبدأ دستوري عام ينطلـق من مقومات النظام الديموقراطي ويجسده مبدأ
دولة القانون. وكل مسّ بهذا المبدأ من شأنه ان ينتقص من شرعية
القضاء ومن فاعلية العدالة. فإذا كان العـدل اساس الحكم فإن
استقـلال القضاء هو اساس العدل.
أ - الضمانات الدستورية والمبادىء
والمعايير الدولية التي ترعى استقلال القضاء
ابرز الدستور اللبناني القضاء كسلطة مستقلة الى
جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية. كما كرست الامم المتحدة هذا
المبدأ في ميثاقها وشرعتها والاعلانات اللاحقة الصادرة عنها.
فاعتبرت المادة 20 من الدستور وفي الفصل الثاني
من الباب الثاني المخصص للسلطات ان السلطة القضائية هي احدى السلطات
الثلاث وان القضاة مستقلون في اجراء وظيفتهم وجاءت مقدمة الدستور في
العام 1990 لتعزز مضمون هذه المادة.
واشارت الامم المتحدة في ميثاقها في
العام 1945 الى ان شعوب العالم تؤكد تصميمها لايجاد الظروف التي تمكّن
من تحقيق العدالة للوصول الى التعاون المتبادل بين الدول وتشجيع حقوق
الانسان بدون تمييز.
بينما كرست المادة العاشرة من الاعلان العالمي
لحقوق الانسان مبادىء المساواة امام القانون وقرينة البراءة والحق
بدعوى منصفة وعلنية بواسطة محكمة مختصة مستقلة ومحايدة مكونة قانوناًً.
وجاء العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليضمنا ممارسة
هذه الحقوق، واضاف العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ضمان الحق
بالمحاكمة بدون تأخير والزم كل طرف ملتزم العهد ان يضمن لكل متظلم
تنتهك حقوقه وحرياته حق اللجوء الى سلطة قضائية او ادارية او تشريعية
مختصة.
ويذكر ان الشرعة الدولية لحقوق الانسان اصبحت
جزءاًً من مقدمة الدستور بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ
21/9/.1990
وقد اولى المجتمع الدولي بجميع هيئاته الرسمية
والخاصة بعد ذلك وخلال النصف الاخير من القرن العشرين اهتماماًً خاصاًً
بمسألة سيادة حكم القانون واستقلال القضاء ومهنة المحاماة واعلان
المباديء الاساسية لاستقلال القضاء ولمبادىء مهنة المحاماة.
ولعل اهم هذه الجهود تمثلت في قيام لجنة
الحقوقيين الدوليين في جنيف في العام 1978 بإنشاء مركز لاستقلال القضاء
وتطوير مبادىء هذا الاستقلال في جميع انحاء العالم وفق المعايير
الدولية.
كما ان لجنة الامم المتحدة لحقوق الانسان،
واللجنة الفرعية لمحاربة التمييز وحماية الاقليات التابعة للجنة حقوق
الانسان، اضافة الى لجنة الامم المتحدة لمنع الجريمة، قامت جميعها
بجهود مقدرة في هذا الصدد توجت بالاعلان العالمي حول استقلال القضاء
الصادر عن مؤتمر منتريال كندا سنة .1983 وقد اعتمد مؤتمر الامم المتحدة
المنعقد في ميلانو بين 26 آب و 6 ايلول سنة 1985 هذا الاعلان واقرته
الجمعية العامة للامم المتحدة في 29 تشرين الثاني من السنة نفسها. وقد
تضمن هذا الاعلان في شكل اساسي مقدمة وستة عناوين، العنوان الاول يتعلق
باستقلال القضاء، حيث اوجب الاعلان على كل دولة ضمان استقلال القضاء في
الدستور او القانون الوطني وعلى كل المؤسسات الوطنية احترام ذلك. واوجب
على القضاء ان يحقق في الدعاوى المعروضة امامه بحياد وفقاًً للوقائع
والقانون، بدون اي تقييد او تأثير او تدخل او ضغط، مباشرة او في صورة
غير مباشرة. وللقضاء الاختصاص حول القضايا ذات الطبيعة القانونية وله
حصراًً السلطة ليقرر ما إذا كانت القضية ضمن اختصاصه ام لا. ويحظر
التدخل في مسار الدعوى ولكل فرد الحق في المحاكمة امام محاكم عادية
مكونة قانوناًً، ومبادىء استقلال القضاء توجب المحاكمة العادلة وتأمين
حق الدفاع للفرقاء ومن واجب كل عضو في الدولة ان يزود الدولة المصادر
الملائمة لتمكين القضاء من القيام بمهامه.
اما العنوان الثاني فيكرس حرية التعبير
والاجتماع للقضاة، بينما يشير العنوان الثالث الى صفات القاضي وكيفية
اختياره وتدريبه بينما العنوان الرابع يشير الى شروط عمل القاضي
والضمانات المعطاة له في عمله والعنوان الخامس يتناول سرية المهنة
والحصانة والعنوان السادس ينص على اصول التأديب والتوقيف عن العمل
والعزل.
وجاء بعد ذلك الاعلان العالمي الصادر عن الامم
المتحدة في 7 ايلول 1990 المتعلق بالمبادىء الاساسية لمهنة المحاماة
ليكرس دور مهنة المحاماة في تحقيق العدالة الى جانب القضاء المستقل.
ب - الوضع الحالي للقضاء في لبنان
رغم الضمانات الدستورية التي اشرنا اليها
اعلاه، والمبادىء والمعايير الدولية على اختلافها، فإن التنظيمات
القضائية اللبنانية من عدلية وادارية ومالية ما زالت تجعل من السلطة
التنفيذية المرجع النهائي لتعيين القضاة وترقيتهم ونقلهم، الامر الذي
شكل باستمرار انتقاصاًً جوهرياًً من استقلال السلطة القضائية وخروجاًً
غير عادي على مبدأ الفصل بين السلطات.
والقضاء حالياًً، باستثناء ما ورد في القانون
الاخير رقم 389 تاريخ 21/12/2001، عبارة عن ادارة تحت وصاية وزير العدل
ومن خلاله تحت وصاية مجلس الوزراء، بالاضافة الى ان السلطة السياسية هي
التي ما زالت تعيّن القضاة واعضاء مجلس القضاء الاعلى. ومجلس القضاء
الاعلى يلعب دور التوازن بين السلطة السياسية وضرورة المحافظة على
استقلال العدلية ولكن هذا الدور يقوم به ضمن حدود معينة وفي بعض
الاحيان يجب ان يذعن لقرار السلطة السياسية.
ومن الثابت والمستقر في الفقه الدستوري ان
الفصل بين السلطات وتوازنها يتجسد في استقلالها التنظيمي، بعضها عن
البعض الآخر وان اي اختلال في هذا النظام التوازني لصالح احدى السلطات
على حساب الآخر يؤدي الى خلل جوهري في تأدية السلطة المستضعفة
تنظيمياًً على حساب دورها ومهامها كما يشكل تدخلا غير مباشر في
صلاحياتها.
ان تنظيم القضاء في الشكل المشار اليه كان موضع
انتقاد باستمرار ومطالبة مزمنة لضمان استقلاله الناجز عن السلطتين
التشريعية والتنفيذية انطلاقاًً من دور القضاء ومبدأ فصل السلطات.
كما ان لجنة الامم المتحدة المعنية بحقوق
الانسان لفتت نظر الحكومة اللبنانية الى هذا الخلل في 10 نيسان سنة
1997، إذ ورد في ملاحظات اللجنة الموجهة الى الحكومة اللبنانية.
"وبشكل اعم، تعرب اللجنة عن القلق ازاء استقلال
القضاء في الدولة الطرف، وتلاحظ ان الوفـد نفسه سلم بـأن الاجـراءات
الـتي تحكـم تعـيين القضـاة، وبخاصة اعضاء المجلس الاعلى للقضاء، غيـر
مرضيـة ابداًً. ويساور اللجنة ايضاًً القلق لان الدولة الطرف لا تؤمّن
للمواطنين في الكثيـر من الحـالات، وسائـل انتصاف واجـراءات استئناف
فعالـة بخصـوص شكاويهـم، وبالتالـي، توصي اللجنـة بأن تعيـد الدولـة
الطـرف النظر على سبيل الاستعجال، في الاجراءات التي تحكـم تعيين
اعضــاء السلك القضائي بهدف ضمــان استقلالهم الكامل ".
ج - الوضع المرتجى للقضاء في لبنان
يجب اصلاح القضاء وتأمين استقلاله الفعلي،
وان اي اصلاح في الدولة لا يمكن تحقيقه إلا بدءاًً بالاصلاح
القضائي. "ان الديموقراطيات التي لم ترسخ لها قـــدم في الحكم
الديموقراطي "الصحيح هي في اشد الحاجة الى رقابة القضاء. ذلك ان كل
ديموقراطية ناشئـــة لم تنضج فيها "المباديء الديموقراطية ولم تستقر
هذه المبادىء عندها في ضمير الامة تكون السلطة التنفيذية فيها اقوى
السلطات جميعاًً، تتغول السلطة التشريعية وتسيطر عليها وتتحيف السلطة
القضائية وتنتقص من استقلالها. والدواء الناجع لهذه الحالة هو العمل
على تقوية السلطة القضائية".
ففي وجود قضاء منزه ومستقل، بعيداًً عن اي تدخل
سياسي او طائفي يضم قضاة يتحلون بالتجرد والكفاءة والزهد (لان القضاء
رسالة)، هو بداية الاصلاح لباقي مؤسسات الدولة ولمحاربة الفساد وحماية
المال العام. ففي تحقيق السلطة القضائية وضمان استقلالها شرط جوهري
لكفالة الحريات العامة وصون حقوق الانسان وتأمين العدالة بين الناس
وصون العيش المشترك، كما ان في ذلك الضمان الفعلي لاستقلال القاضي في
اجراء وظيفته القضائية. فالاستقلال الخارجي للقاضي هو ضمان اساسي
لاستقلاله الداخلي.
ويتجسد استقلال القضاء الحقيقي في انشاء هيئة
قضائية مستقلة يكون لها القرار الفصل في كل من تعيين القضاة ونقلهم
وترقيتهم وتأديبهم وتنظيم المرفق القضائي وتأمين الضـمانـات المعـنويـة
والمادية الكافيـة للقاضي .
وهذا لا يعني عدم التعاون والتوازن مع السلطات
الاخرى، بل يبقى التعاون قائماًً بين هذه الهيئة المستقلة ووزارة العدل
والسلطة التنفيذية والتشريعية من خلال التشاور وتزود المعلومات
والمراقبة دون التدخل.
وفي هذه المناسبة لا يمكننا إلا ان نشير الى
القانون الحديث رقم 389 تاريخ 21 كانون الاول سنة 2001 الذي عدّل
جزئياًً بعض احكام قانون القضاء العدلي.
ان هذا القانون تضمن عدداًً من النصوص
الايجابية إذ انه كرس الحصانة لاعضاء مجلس القضاء الاعلى على
غرار هيئات الرقابة الادارية كما اعطى مجلس القضاء الاعلى القرار
الفصل بالتشكيلات القضائية كما كرس اسلوب الانتخاب وفقاًً لاتفاق
الطائف لعضوين في مجلس القضاء الاعلى من قضاة محكمة التمييز كما اعطى
مجلس القضاء الاعلى حق تنقية القضاة العديمي الاهلية وعزز سلطة التحقيق
لدى التفتيش القضائي انما ابقى لوزير العدل القرار الفصل بتوزيع
الاعمال بين الغرف والاقسام.
ان هذا التعديل ايجابي انما غير كاف لتحقيق
استقلال القضاء وفقاًً للدستور والمعايير الدولية، إذ انه تبين بعد
تطبيق هذا القانون ان الوصاية الادارية للسلطة التنفيذية ما زالت على
اشدها من التحكم بقرارات التشكيلات القضائية وبتوقيع المراسيم المختصة
بالقضاة. رغم ان تحقق انتخاب عضوين من غرف التمييز في مجلس
القضاء الاعلى يعتبر خطوة على الطريق الصحيح.
وتجدر الاشارة هنا الى ان مؤتمر العدالة
ومواكبة العصر الذي عقد بين 7 و 8 كانون الثاني من هذه السنة وفي رعاية
وزير العدل وإعداده ومشاركة مجلس القضاء الاعلى ومجلس شورى الدولة
ونقابتي المحامين في بيروت وطرابلس قد أوصى في صورة صريحة وحاسمة بوجوب
استقلال القضاء عن الجهاز الحكومي.
إلا انه لا بد من التأكيد ان قيام السلطة
القضائية المستقلة لا يعني تفلتها من اي مسؤولية بل يجب ان تكون
مسؤولة بدورها على غرار السلطتين الباقيتين امام هيئة أخرى يحبذ
ان تكون على غرار المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء لكي يبطل القول
المأثور "من يحمينا من حامينا".
ضمانات
المتقاضين
لتأمين الضمانات للمتقاضين، لا بد من تحقيق
مراحل ثلاث،
الاولى: تأمين حقوق المتقاضين الكاملة في مرحلة
ما قبل المحاكمة واثناءها.
الثانية: تعزيز حق المتقاضين بالشكوى ومساءلة
القضاة امام هيئة التفتيش القضائي في حال عدم تقيد القاضي بالاصول
القانونية.
والثالثة: تمكين المتقاضين فعلياًً في مقاضاة
الدولة لاخلال القضاة بواجباتهم المهنية.
أ - ضمانات المتقاضين قبل المحاكمة واثناءها
ان ضمانات المتقاضين قبل المحاكمة عديدة تبدأ
في الحق بالحرية والحق في الاستعانة بمحام قبل المحاكمة، والحق في
الاتصال بالعالم الخارجي والحق في المثول دون ابطاء امام قاضٍ او مسؤول
قضائي آخر والحق في الطعن في مشروعية الاحتجاز.
ونعتقد ان هذه الضمانات قد توافرت في معظمها في
قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد شرط ان يتقيد القضاة بمضمونه.
واننا نتمسك بالمفاهيم والاسس التي اعتمدها قانون اصول المحاكمات
الجزائية الجديد. ونطالب باستكمال التقنيات اللازمة لتطبيق بعض
المؤسسات الواردة فيه كالرقابة القضائية واصول تبليغ الاوراق والقرارات
الصادرة عن القضاء.
اما حقوق المتقاضين اثناء المحاكمة المدنية او
الجزائية فتتمثل في شكل رئيسي في المساواة في التقاضي، والحق في
المحاكمة امام محكمة مختصة مستقلة ونزيهة مشكلة وفقاًً لاحكام القانون،
والحق في النظر المنصف في القضايا والمحاكمة دون تأخير غير مبرر.
ان هذه الضمانات والحقوق غير متوافرة في شكل
كامل لدى المتقاضين في لبنان.
فالرسوم القضائية الباهظة تجعل من المساواة
امام القضاء منتقصة إذ ان الحق في اللجوء الى القضاء والذي هو حق من
حقوق الانسان في حال الرسوم القضائية الباهظة يصبح وقفاًً على
اصحاب الثروة ويحرم العديد من اصحاب الحقوق ولوج باب العدالة. فلا بد
من خفض رسوم التقاضي ثم اقرار مجانيته وتوفير فرص حصول المتقاضين على
المعونة القضائية لنفقات المحاكمة في حال توافر شروط معينة وتحمل
الدولة هذه النفقات.
كما ان المتقاضين يعانون التأخير في بت الدعاوى
والبطء في سير المحاكمات وهذا ما يدفع المتقاضين الى القنوط والاحباط
والتشكيك في دور القضاء. ان التأخير في بت الدعاوى والبطء في سير
المحاكمات يشكل وجهاًً من وجوه الاستنكاف عن احقاق الحق.
وهذا الموضوع سيكون موضوع محور مستقل تحت عنوان
الاختناق القضائي فعسى ان يجرى التصدي له بصراحة وجراءة ومسؤولية.
لان النقص في عدد القضاة والذي هو السبب الرئيسي، يمكن
تداركه من خلال خطة مرحلية لتعبئة الملاك المفترض.
وكما ان عدم مجانية التقاضي تؤدي الى عدم
المساواة بين المتقاضين امام القضاء، فالبطء في المحاكمة يحرم
المتقاضين المحاكمة العادلة والسريعة.
اما المسألة الثالثة فهي اخضاع المتقاضين الى
القضاء الاستثنائي بدلاًً من القضاء العادي بحيث يُحرم المتقاضون
العدالة الصحيحة.
ولئن كانت محاكمة المدنيين غير محظورة امام
المحاكم العسكرية صراحة في المعايير الدولية الا انها تثير مشاكل تتعلق
بعدالة المحاكمة، وقد دعت اللجنة المعنية بحقوق الانسان في الامم
المتحدة الى ان يقتصر اختصاص المحاكم العسكرية على جرائم
العسكريين دون المدنيين.
واوضحت اللجنة المعنية بحقوق الانسان في الامم
المتحدة، ان هذه المحاكم العسكرية والخاصة لا تؤمّن في بعض البلدان
ضمانات صارمة لتطبيق العدالة التي تعد اساسية لتأمين الحماية المحددة
في المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والثقافية التي
تعد اساسية لضمان الحماية الفعالة لحقوق الانسان.
ودعت اللجنة المعنية بحقوق الانسان في الامم
المتحدة لبنان الى نقل اختصاص المحاكم العسكرية في جميع المحاكمات التي
تمس بالمدنيين الى المحاكم العادية.
ان المتقاضين يريدون قضاءًً عادياًً سريعاًً
ومجانياًً وفاعلاًً وقريباًً منهم وهذا القضاء لم يتحقق بعد وما زال
مطلوباًً.
ب - تعزيز حق الشكوى للمتقاضين امام هيئة
التفتيش القضائي في حال مخالفة القضاة للاصول القانونية وعدم احترام
القانون.
يتجاهل بعض القضاة الاحكام القانونية والاصول
الاجرائية مما يحرم بعض المتقاضين حقهم في المحاكمة العادلة. فلا بد
للمتقاضين حينذاك من هيئة رقابية يلجأون اليها.
ويتمتع التفتيش القضائي في هذا الصدد بدور
مركزي كبير في التحقيق في الشكاوى الواردة له من المتقاضين او من وزير
العدل.
فالمادة 98 من قانون تنظيم القضاء العدلي تولي
هيئة التفتيش القضائي حق مراقبة سير القضاء واعمال القضاة ولفت نظر
السلطات الى ما تراه من خلل في اعمالهم وتقديم الاقتراحات لاصلاح هذا
الخلل. ويتمتع التفتيش القضائي في هذا الصدد بدور كبير في التحقيق في
الشكاوى الواردة له من المتقاضين او من وزير
العدل.
ان دور التفتيش القضائي مهم كضمان لاشاعة
الطمأنينة في نفوس المواطنين ومراقبة عمل القضاء في آن واحد.
وقد جاء القانون الاخير رقم 389 تاريخ
21/12/2001 ليعزز وضع التفتيش القضائي ويطلق يده باستعمال جميع وسائل
التحقيق للقيام بمهامه والاطلاع على جميع الوثائق والملفات والسجلات
والاستماع الى من يرى استماعه ضرورياًً من الموظفين وغيرهم واستدعاء
هؤلاء بواسطة النيابة العامة عند الاقتضاء.
ان هيئة التفتيش المركزي تنشر سنوياًً تقريرها
حول وضع الادارات والمخالفات والعقوبات الصادرة عنها. وليس ما يمنع في
رأينا انطلاقاًً من مبدأ الشفافية بين المواطن والدولة ان ينشر تقرير
هيئة التفتيش القضائي في الجريدة الرسمية سنوياًً لاكثر من اعتبار.
ج - تمكين المتقاضين فعلياًً من مقاضاة الدولة
لاخلال القضاة بواجباتهم المهنية
بقدر تمسكنا باستقلال القضاء نتمسك بمسؤولية
القاضي ووجوب المحاسبة والمساءلة في حال الاخلال بواجباته المهنية.
لقد اوجد قانون اصول المحاكمات المدنية في
القسم الرابع من الفصل الثالث منه المتعلق بطرق الطعن غير العادية،
احكاماًً خاصة تتسم بطابع استثنائي للغاية، وهي تتعلق بتنظيم دعوى
مسؤولية الدولة الناجمة عن اعمال قضاتها العدليين.
وتهدف هذه الدعوى الى تعويض المتقاضي عن اخلال
القاضي (او المحكمة مجتمعة) بواجباته المهنية.
لقد نصت على هذه الدعوى المواد 741 وما يليها
من قانون اصول المحاكمات المدنية، بعدما كان قانون الاصول القديمة يعرف
هذه الدعوى بدعوى مخاصمة القضاة. ولا حاجة لبحث الاسباب التي يجب ان
تستند اليها هذه الدعوى واجراءات المحاكمة فيها.
انما اهم الاسباب التي تستند اليها دعوى
مسؤولية الدولة هو الخطأ المهني الجسيم للقاضي.
وقد عرّفت الفقرة الرابعة من المادة 741 أ.م.م
الخطأ الجسيم الخطأ الذي يفترض ان لا يقع فيه قاضٍ يهتم بواجباته
الاهتمام العادي.
العلم والاجتهاد الفرنسيان فسّرا مفهوم الخطأ
المهني الجسيم بأنه الخطأ الناتج من جهل بالمبادىء القانونية الاساسية
او تجاهل غير مسموح للوقائع، بينما ذهبت قرارات الهيئة العامة لمحكمة
التمييز في لبنان الى اعتبار الخطأ الجسيم هو الخطأ الذي لا بد ان يكون
خطأ واضحاًً، ولا يختلف عليه اثنان، وان يكون ناجماًً عن اهمال فاضح او
جهلًً مطبق للقانون.
ومن الواضح ان تفسير القضاء اللبناني للخطأ
المهني الجسيم والاهمال الفاضح أو الجهل المطبق للقانون كان من شأنه
عدم قبول اي دعوى من دعاوى المسؤولية.
ما نتمناه ان يتم تطوير الطابع الرقابي لدعوى
المسؤولية وتفعيله بإزالة الانطباع العالق في الاذهان من ان دعوى
المسؤولية محكومة سلفاًً بالفشل.
وفي الختام لا بد من التأكيد ان الرأي العام
اللبناني ما زال يتوق الى اصلاح قضائي شامل يهدف الى اقامة السلطة
القضائية المستقلة فعلاًً يتولاها قضاة شرفاء مستقلون ومجردون وأكفاء
لتضمن هذه السلطة عن حق كرامة الانسان وحرياته وحقوقه، وتحافظ على
المال العام وتكافح الفساد (حفل هذا المقال بمراجع قانونية جمة،
لكن الضرورات التقنية والإخراجية اضطرتنا الى حذفها) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محام بالاستئناف ورئيس لجنة الدفاع عن الحريات
العامة وحقوق الانسان في نقابة المحامين في بيروت واستاذ في كلية
الحقوق في الجامعة اللبنانية منذ العام .1956
|