"النهار"

الاحد 16 شباط 2003

9 شبـاط 1963 : أربـعـون عـامــاً عـلـى اعــدام عـبـد الكـريـم قــاســم:

ساعــــة نهـايــــة مـؤســـس الجمهـــــورية في العــــراق

عصام فاهم العامري - بغداد

 

كثيرون من زعماء الشرق لم يحاولوا ان يفهموا أنفسهم حتى يسهلوا على الغير أن يفهمهم، فمعظمهم يمتاز بأكثر من صفة وميزة تناقض الواحدة الاخرى في وقت واحد، ويكاد الواحد منهم ان يكون الدكتور "جيكل" في النهار والمستر "هايد" في العشية. ولو سألت بعضهم من أنت بدون كرسي الحكم الذي تجلس عليه لاحتار بماذا يجيبك!!

ومؤكد ان عبد الكريم قاسم الذي حكم العراق منذ 14 تموز 1958 حتى 8 شباط ،1963 واحد من اولئك الزعماء.

 

مُفاخر بعروبته الخالصة

فالرجل كان مجموعة متناقضات في آن واحد. كان يكره ان يقال له شيء لا يعرفه، وكان يعتقد ان معلوماته نهاية المطاف، وكل ما لا يعرفه غير موجود.

ومن تناقضاته، انه عندما كان آمر فصيل في الكلية العسكرية كان متحمساً للعروبة حتى انه اندفع في احدى محاضراته، وطغت عليه الحماسة فأشاد بالعروبة كثيراً الى حد انه طلب من كل تلميذ في فصيله ان ينهض ويعلن هويته القومية فأشار الى اول الجالسين في الصف الامامي، وقال له بحماسة (أنت شنو؟). فنهض الطالب وقال بصوت عالٍ (أنا عربي) ثم أخذ يشير الى بقية الفصيل بالتعاقب فينهض كل منهم على التوالي حتى آخر الطلاب. بل ويروي عنه بعض أقرانه واصدقائه انه كان يفاخر بعروبته الخالصة باعتبار ان والده من عشيرة زبيد وقد نزح جده السادس (عبدالله) من اليمن الى العراق، وان أمه من عشيرة تميم (فخذ السواكن)، ومع ذلك فهو عندما تولى الحكم بعد ثورة 14 تموز 1958 ناصب الحركات السياسية التي تنتمي للتيار القومي العربي العداء بل حارب الوحدويين، وظل لآخر لحظة في حياته يعتبر الزعيم جمال عبد الناصر عدوه اللدود، وأطلق العنان للشيوعيين لارتكاب المجازر المعروفة في الموصل وكركوك ضد كل من يؤيد التيار القومي العروبي الوحدوي آنذاك، ولم يتاونَ عن إعدام العديد من العناصر القومية والضباط القوميين. حتى أشيع انه شيوعي، وذهب خيال البعض الى انه عضو في الحزب الشيوعي وان اسمه في الحزب (مطر)، وبالطبع كان ذلك خلافاً للواقع، اذ انه  انقض بعد ذلك على الشيوعيين وطاردهم وأودعهم السجون وسمح باغتيالهم.

ومن تناقضاته على سبيل المثال لا الحصر في حرب فلسطين 1948 حيث تشاء الاقدار ان يتولى "المقدم" - آنذاك - عبد الكريم قاسم منصب آمر الفوج الثاني للواء الاول وكالة بعد ان أصيب آمر الفوج الاصلي. واثناء احدى المعارك التي خاضها الجيش العراقي في فلسطين، أمر عبد الكريم قاسم سرية الهندسة في فوجه ان تفتح ثغرة في احد ابواب معسكر "كيشر" الصهيوني وكان هذا المعسكر محصناً بالاسلاك الشائكة وبالابواب الحديدية وبالبوارج. وكان الصهاينة يقصفون منه القوات العراقية المهاجمة، وهو يضم أبنية عدة. المهم أخفقت محاولة الجهد الهندسي في الفوج في تحقيق الهدف، فاذا بعبد الكريم قاسم يعنف آمر فصيل الهندسة الملازم الاول عبدالله الشاوي بما يمس من شجاعته وشجاعة معيته. وعندما نجح الفصيل في محاولته الثانية بعد نحو ساعة واستطاع ان يفتح ثغرة في احد ابواب المعسكر لم يأمر آمر الفوج (عبد الكريم قاسم) قواته بمهاجمة المعسكر متذرعاً بعدم تدريب الجنود على القتال في الحصون والابنية وبعدم تيسر الرمانات اليدوية الكافية لدخول القوات المهاجمة. وكان ذلك صحيحاً من الناحية العسكرية. ولكن السؤال يبقى لماذا أهدر إذن آمر الفوج الوقت وقدم الخسائر البشرية والمادية وقرر مهاجمة المعسكر، وهو يدرك مسبقاً ان قواته غير مدربة اصلاً على مهاجمة مثل هذه الحصون والابنية، وان الامكانات التسليحية غير متوافرة لديها لتنفيذ مثل هذا الامر؟ والجواب هو تناقض داخل شخصية القائد!!

 

علاقته ببريطانيا

ربما كانت مجموعة التناقضات داخل شخصيته وراء تقلباته، ومن ثم وراء اختلاف الناس في تقويمه، فتراهم اما يمدحونه على نحو مسرف او يقدحون فيه الى حد التطرف، فالبعض يتهمه بالعمالة لبريطانيا، ويورد في ذلك ما يعتبره "أدلة" منها: نقل اكثر من مصدر انه كان يجتمع بالسفير البريطاني على انفراد، وكان العقيد رفعت الحاج سري (وكان مديراً للاستخبارات العسكرية في ثورة 14 تموز والى حين اعتقاله بعد حركة الشواف) قال اثناء محاكمته بتهمة "التآمر على الثورة": "انني اعلم ما ينتظرني، ولكني دفاعاً عن العقيدة، ودفاعاً عن الوطن، وللتاريخ أردت ان اكشف الغطاء عن الصمت الذي واريت في أعماقه ذكريات واموراً تجلي حقيقة ادعياء الوطنية والمخربين. ولكن بدافع من حس وطني، وضمير شعبي، تجاوزت عن الفضح إضراراً بمصلحتي كمتّهم"، وقد أعتُبر ذلك تلويحاً من العقيد رفعت ان عبد الكريم قاسم كانت له ارتباطات بالاستخبارات البريطانية.

وقيل ان عبد الكريم قاسم كان على صلة وثيقة بجار له في السكن، كان أجنبياً ويقال انه من اصل بولندي وجاء للعراق أثناء الحرب العالمية الثانية وعاش في بغداد، وكان هذا البولندي جاسوساً لبريطانيا. ويروي المهداوي ابن خالة عبد الكريم وأحد رجاله المخلصين ورئيس محكمته (أي محكمة الشعب) انه كان يتعجب بينه وبين نفسه كيف تقوم مثل هذه الصداقة بين رجل وطني كتوم وأحد جواسيس الانكليز المشبوهين. ويستدرك المهداوي ليقول في نهاية روايته انه عندما قامت الثورة عرفنا ان "الزعيم" كان يخدع هذا الجاسوس الخطير. بل الغريب والذي اعتبر حجة أثارت الشبهات حول عبد الكريم قاسم، هو ان اعتراف بريطانيا لم يكن فقط بالنظام الجمهوري وانما بحكومة عبد الكريم قاسم وهذا السياق كان ولا يزال غريباً في العرف الديبلوماسي في ما يتعلق باعتراف الدول بالانظمة السياسية.

وكان السفير البريطاني; قد عَبَر يوم 4 آذار 1959 نهر دجلة بقارب بخارى من مرسى سفارته مقابل وزارة الدفاع في الشواكة - الكرخ; وقابل عبد الكريم قاسم الساعة التاسعة مساء ودامت المقابلة نصف ساعة اخبر خلالها السفير رئيس الوزراء ان لديه معلومات حول ثورة ضد حكمه يقوم بها الجيش، وبالفعل قامت ثورة الشواف في الموصل يوم 8 آذار. وبالطبع اعتبر تحذير السفير البريطاني لعبد الكريم قاسم تعزيزاً للشبهات.

كما اعتبر موقف عبد الكريم قاسم من الماسونية والعناصر المنتمية اليها تعزيزاً آخر لهذه الشبهات. فقد رفض عبد الكريم طلب عبد السلام عارف ملاحقة العناصر الماسونية، بعدما أصدرت الحكومة قراراً بغلق المحافل الماسونية، بل أكثر من ذلك قام عبد الكريم بتعيين بعض العناصر الماسونية السابقة في مناصب عليا حتى انه عين اثنين منهم وزراء.

ومع ذلك وللحقيقة التاريخة، فإن جميع من سألتهم ممن عرفوا عبد الكريم قاسم، عن مدى شكوكهم في عمالته لبريطانيا او علاقته بها، وبعضهم كانوا خصوماً سياسيين له ويفترقون عنه، وبعضهم قد سجن في عهده، أكدوا لي ان عبد الكريم كان وطنياً عراقياً يكره الغرب، ولكنه اقليمي لا يؤمن بوحدة الأمة العربية. وكان بعضهم أكد لي ان عبد الكريم قاسم كان يتحدث بعنف عن سياسة بريطانيا ويهاجمها امام السفير البريطاني، وانه كثيراً ما كان يجعل السفير البريطاني ينتظر في مكتبه قبل ان يراه، وكان يفاخر بأن يجعل السفير ينتظر في الوقت الذي كان يقول فيه "انظروا كيف اجعل السفير البريطاني ينتظر لرؤيتي بينما كان نوري السعيد يستقبله عند بوابة مبنى الوزارة".

كما ان انجازات عهده تشي بصدقية ما أكده لي من استمعت لهم. وهي انجازات كبيرة أدت الى تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية ذات شأن كبير كتشريعه قانون الاصلاح الزراعي وقانون الطاقة والقانون النفطي الرقم 80 الذي يعتبر ثورة ضد الشركات الاحتكارية الاجنبية للحصول على حقوق العراق المغتصبة لمدة طويلة، فضلاً عن انجازات اخرى أهمها الانسحاب من منطقة الاسترليني وحلف بغداد وتخفيف أزمة السكن وتحسين مستوى المعيشة للطبقات الاكثر فقراً... فمعروف عن عبد الكريم قاسم انه كان يعطف على الفقراء حتى لقّبه البعض بأبي الفقراء... ولم يعرف عن الرجل سرقة المال العام، حيث مات وفي جيبه نصف دينار بل مات وهو مدين.

 

كانت مسؤولية قيادة العراق اكبر من قدراته

ويصفه لي اللواء المتقاعد (فؤاد عارف وكان وزيراً في عهده ثم استقال) بقوله: "كان انساناً بسيطاً بمعنى التواضع، كريم النفس لا يعرف البخل وضابطاً جيداً غير انه كان يريد ان يدير السياسة وشؤون الحكم في العراق بعقلية آمر لواء، فكانت مسؤولية قيادة العراق اكبر من قدراته الحقيقية". ثم يضيف اللواء فؤاد عارف: "ان الجو الذي كان سائداً في مناقشات مجلس الوزراء لم يكن يتيح الحرية الكافية لكي يستطيع الوزراء التصريح بما يجول في أذهانهم، بل كانوا لا يفتأون يتهامسون كلما سنحت الفرصة. واكتشفوا من الوهلة الاولى ان عبد الكريم قاسم لا يرغب بالخوض في موضوعات خارج اختصاصات الوزراء واعمال وزاراتهم، وكان احتكر لنفسه الحديث عن الشؤون السياسية ومشكلات البلد العامة، ولم يكن الوزراء بالجرأة الكافية لطرح مثل تلك المشكلات الحادة. اما بالنسبة الى دور مجلس السيادة فكان في الواقع شكلياً ووظيفته مقتصرة على إعطاء قرارات مجلس الوزراء وعبد الكريم قاسم الشرعية او الصفة الدستورية".

ورغم أهمية تقويم اللواء فؤاد شخصية عبد الكريم قاسم وعهده خصوصاً انها شهادة خالصة للتاريخ بعد انقضاء كل هذه السنوات، تبقى للتقويمات الاخرى أهميتها التي لا تنكر خصوصاً انها كانت في صلب الحدث. وبالاخص عندما تكون من دون غرض او ليست أحكاماً مبنية على مواقف شخصية. فهل تقويم الاستاذ صديق شنشل آنذاك كذلك؟ سؤال مطروح.

 

نصف مجنون

يذكر الاستاذ هيكل في كتابه "سنوات الغليان"، ان الرئيس جمال عبد الناصر كان يوم 18 تموز ،1958 وبعدما فرغ من موعد العشاء مع الوفد العراقي الرفيع المستوى، على موعد مع الاستاذ صديق شنشل الذي كان صديقاً قديماً للرئيس جمال عبد الناصر. وبالفعل التقى الرجلان في موعدهما من دون حضور شخص آخر من اعضاء الوفد العراقي. وهنا بادر الرئيس صديقه قائلاً: "ما حدث في بغداد كان بالنسبة اليّ أشبه ما يكون بالاحلام المستحيلة التحقيق". وفوجئ الرئيس بصديقه يقول له: "على المستوى القومي نعم يا سيادة الرئيس، لكن على المستوى الوطني العراقي يمكن ان يتحول ذلك الى كابوس ثقيل". ووسط الدهشة التي بدت على وجه الرئيس مضى شنشل يقول: "على رأس الثورة العراقية الآن رجلان: أولهما نصف مجنون، والثاني نصف عاقل!".

وكان صديق شنشل يقصد بنصف المجنون اللواء عبد الكريم قاسم، فيما يقصد بنصف العاقل العقيد عبد السلام عارف. وقد دب الخلاف بين الرجلين منذ اليوم الثاني لقيام الثورة... فهل كان عبد الكريم قاسم فعلاً نصف مجنون؟

الاستاذ شنشل لم يكن بالطبع يقصد بهذا الوصف معناه الحرفي، خصوصاً انه قَبِل في صبيحة يوم الثورة - اي قبل اربعة ايام من حديثه مع الرئيس ناصر - ان يكون وزيراً للارشاد في الوزارة التي يرأسها عبد الكريم قاسم، وربما قصد من ذلك ان يعطي الانطباع بالكم الكبير في المتناقضات داخل شخصية الرجل.

ومهما يكن من أمر، كان المرحوم شنشل مصيباً في قوله للرئيس ناصر ان الثورة يمكن ان تتحول كابوساً ثقيلاً في العراق. وبالفعل كانت فترة حكم قاسم اكثر سنوات تاريخ العراق السياسي الحديث اضطراباً ودموية وانقساماً بين ابناء الشعب الواحد. ولكن السبب في ذلك على ما يبدو هو ان الرجل كان يهتم بزعامته وبتفرده أكثر من أي شيء آخر. والعديد من شهادات الذين عرفوه وتابعوا مسيرته تقول ان حبّه للزعامة والظهور كانت لا تدانيه اي شهوة اخرى لديه.

 

شهوة الزعامة تؤخر قيام الثورة

ويروي بعض زملائه في "حركة الضباط الاحرار"، للدلالة على نزعته للظهور، انه عندما طُرحت فكرة الاتصال بالرئيس جمال عبد الناصر لتوفير الدعم لحركتهم اذا قامت الثورة في العراق، رفض عبد الكريم قاسم الفكرة، وقال لزملائه "اذا ما أصررتم على الاتصال فيجب ان لا يذكر اسم أي ضابط في حركتنا خصوصاً أسمي"، وذلك بدعوى ضرورة الحذر والسرية والتكتم على مستقبل الحركة. ولكنه انتهز فرصة اول لقاء في اواخر تشرين الثاني 1956 للاتصال بعبد الحميد السراج - رئيس المكتب الثاني في استخبارات الجيش السوري - والمعروف بصلاته بالرئيس جمال عبد الناصر، ليبوح له وبدون تحفظ بتفاصيل عن تنظيم الضباط الاحرار وتحركاتهم في العراق، مع ان اللقاء لم يكن منفرداً اذ تم بحضور رئيس اركان الجيش السوري توفيق نظام الدين وأمين النافوري - الذي اصبح بعد ذلك وزيراً للمواصلات في دولة الوحدة - وقد تم ذلك اللقاء في منطقة المفرق في الاردن.

وأكثر من ذلك، كلف عبد الكريم قاسم أحد السياسيين العراقيين المرحوم حسين جميل الاتصال بالرئيس جمال عبد الناصر، وبدون علم اعضاء حركة الضباط الاحرار او استشارتهم، طالباً منه ان يشرح للرئيس ناصر اقتراب الحركة من تنفيذ الثورة. وذكر لي الاستاذ صبحي عبد الحميد - واحد من ابرز الضباط الاحرار ووزير الخارجية والداخلية في الفترة من 1963 الى 1965 - ان عبد الكريم أراد من وراء ذلك الظهور بمظهر القائد الزعيم امام عبد الناصر".

العميد المتقاعد خليل ابرهيم حسين (توفي اواخر العام 2002 - وهو مؤرخ ثورة 14 تموز واحد الضباط الاحرار منذ تأسيس الحركة في فلسطين العام 1948) ربما كان محقاً في اعتقاده (وقد قدمه معززاً بوثائق عديدة) ان عبد الكريم قاسم كان يماطل ويناور للحيلولة دون قيام الثورة بحجة ضرورة انتظار نضوج الظروف، ولكن السبب الحقيقي هو ان اللواء الركن نجيب الربيعي (بحكم الاقدمية في الرتبة العسكرية) كان رئيسا لتنظيم الضباط الاحرار، وقائدا للفرقة الثالثة التي يتبع لها اللواء التاسع عشر الذي كان بامرة عبد الكريم قاسم، وان كتلة بغداد من تنظيمات الضباط الاحرار وغيرها من الكتل كانت تدين بالولاء لرفعت الحاج سري الدين (مؤسس تنظيم الضباط الاحرار) الذي يدعو لترشيح نجيب الربيعي ليكون رئيسا للجمهورية بعد نجاح الثورة. وبالفعل لم يتحمس عبد الكريم قاسم للثورة - والكلام ما زال للعميد خليل  - الا بعدما تخلى الربيعي عن الثورة بعد نقله الى السعودية ليعين سفيرا للعراق فيها وذلك في اواخر العام ،1957 فأصبح عبد الكريم قاسم الضابط الاعلى رتبة في تنظيم الضباط الاحرار (كانت رتبة عبد الكريم رتبة زعيم وهي ما تعادل حاليا رتبة عميد) خصوصا ان تنظيمات الضباط الاحرار التي اسسها المرحوم رفعت الحاج سري الدين بدون قيادة موحدة ومعروفة لاعضاء الحركة، وهذا ما دعا كبار الضباط الى تشكيل اللجنة العليا للضباط الاحرار التي اصبح قاسم في ما بعد ، بحكم اقدميته، رئيسا لها فصمم على تنفيذ الثورة في اقرب فرصة.

 

الثورة تعلن باسمه وهو يقود لوائه في بعقوبة

وكانت اقرب فرصة، قرار رئاسة الاركان ارسال اللواء العشرين للمرابطة في الاردن (وكان العراق والاردن آنذاك متحدين في الاتحاد الهاشمي)، وكان اللواء العشرون بامرة العقيد الركن عبد السلام عارف وكالة، وهكذا اتفق عبد الكريم مع صديقه عبد السلام لتنفيذ الثورة دون حتى ابلاغ اعضاء اللجنة العليا للضباط الاحرار، حيث كانا قد قطعا اجتماعاتهما من قبل، وانما اتفقا مع مجموعة من  الضباط الاحرار الآخرين الذين يتولون مهمات عسكرية في الوحدات داخل بغداد والقريبة منها. وبالفعل دخل اللواء العشرون صبيحة فجر يوم 14 تموز وسيطر على المراكز المهمة في بغداد وخصوصا الاذاعة، وقصر الرحاب وبعض المعسكرات، ليعلن عبد السلام عارف الثورة باسم عبد الكريم قاسم، في الوقت الذي كان قاسم واللواء الذي بأمرته في بعقوبة حيث سمع البيان الرقم واحد من راديو ترانزستور كان معه.

ثم توالت المراسيم والبيانات حيث اعلن عن تشكيل مجلس سيادة من ثلاثة اعضاء (الفريق الركن نجيب الربيعي رئيسا وكل من محمد مهدي كبة "رئيس حزب الاستقلال آنذاك" والعقيد الركن خالد النقشبندي عضوين فيه)، واعلنت الوزارة برئاسة عبد الكريم قاسم والذي اصبح ايضا قائدا عاما للقوات المسلحة العراقية ووزيرا للدفاع، فيما كان نصيب عبد السلام عارف نائب القائد العام للقوات المسلحة ونائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية. وكان البيان الرقم واحد اعلن نجاح الثورة وقيام النظام الجمهوري في العراق، وما ان وصل عبد الكريم الى بغداد وتسلم مهماته وبدأ يمارس سلطاته حتى بدأ الخلاف بينه وبين عبد السلام. وقد اتخذ الخلاف عناوين كبيرة اهمها قضية تشكيل "مجلس قيادة الثورة" وحماسة عبد السلام لقيام وحدة فورية بين الجمهورية العربية المتحدة والعراق، فضلا عن قضايا اخرى مثل عودة رشيد عالي الكيلاني والملا مصطفى البارزاني، حيث رفض قاسم عودة الاول بادئ الامر في حين رفض عارف عودة البارزاني... الا ان "حرب النجوم" والصراع بين الرجلين كانا على ما يبدو لأسباب اخرى.

 

صراع حول من الاقوى

وقد سألت عن هذه الخلافات الاستاذ صبحي عبد الحميد وكان آنذاك ضابط ركن في القيادة العامة للقوات المسلحة وعلى مقربة من عبد الكريم قاسم - فأجابني قائلا: "كان موضوع الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة احد اسباب الخلاف بين الرجلين الى جانب الخلافات الشخصية، فالواقع ان عبد السلام كان يعتبر نفسه بطل الثورة وكان يتصرف باعتباره الزعيم الحقيقي لها، فهو على ما يبدو كان يعتبر نفسه جمال عبد الناصر وان عبد الكريم قاسم هو محمد نجيب، وكانت الجماهير الراغبة في الوحدة تحضر الى مبنى وزارة الدفاع لتهتف "نحن جنودك يا سلام" حتى عندما كان عبد الكريم قاسم يخرج اليها على شرفة البناية في غياب عبد السلام، وكان ذلك بالطبع يغضب عبد الكريم. وهكذا بدأت الخلافات بينهما حول من الاقوى، ومن الاحق بالسلطة، حتى بدأ عبد الكريم يكسب تعاطف قادة الفرق وبعض كبار ضباط الجيش الذين هم اقدم من عبد السلام عارف رتبة، وبدأ تاليا يفرض رأيه دون حتى استشارة عبد السلام. وقام بتعيين آمر اللواء العشرين بخلاف رغبة عبد السلام. فبعد - والكلام لا زال للاستاذ صبحي - ان نقل آمر اللواء المذكور الى الكلية العسكرية طلب عبد السلام من عبد الكريم ان يعين احمد حسن البكر (رئيس الجمهورية في ما بعد) مكانه ولكن عبد الكريم عين شخصاً آخر، ونتيجة ذلك حصلت مشادة بينهما. كما اذكر ان عبد الكريم قاسم اراد ان يكون مع وزير الخارجية عبد الجبار الجومرد انذاك في وفد العراق للامم المتحدة اسماعيل العارف الملحق العسكري في واشنطن، واعترض عبد السلام، وبسبب هذا الموضوع ثار بين الرجلين خلاف وصل الى حد الصياح في جلسة مجلس الوزراء واستمر عبد الكريم بفرض قراراته حتى حدث ما حدث وقام بتنحية عبد السلام من منصبه كنائب للقائد العام للقوات المسلحة".

 

الثورة تأكل رجالها

وهكذا وقبل ان تنقضي سبعة اسابيع على قيام الثورة بدأت مرحلة الاعداد للتفرد الكامل بالسلطة، ففي 5 ايلول 1958 وبينما كان مجلس الوزراء مجتمعا برئاسة عبد الكريم قاسم والى جانبه نائبه عبد السلام عارف، استأذن عبد الكريم قاسم ليخرج من الاجتماع ليعود بعد نصف ساعة، وتواصلت اعمال المجلس الى منتصف الليل لينفض الاجتماع بعد ذلك ويخرج الوزراء جميعا، وبعدما ركب عبد السلام عارف السيارة، اذا بسائقه يسأله عما حدث باندهاش، حيث اخبره انه سمع من الاذاعة انه أعفي من منصبه كنائب للقائد العام للقوات المسلحة. وقبل ان تتحرك السيارة نزل عبد السلام عائدا الى وزارة الدفاع حيث تنعقد اجتماعات مجلس الوزراء عادة، ليستفسر من عبد الكريم، فاذا بالاخير يبكي قائلا له انه غُلب على امره، اذ ان قادة الفرق الاربع في الجيش اجتمعوا وقرروا ضرورة تنحيه، وانه (اي عبد الكريم) توسل اليهم كي يعدلوا الا انهم صمموا على ذلك، وتحت ضغطهم لم يكن امامه الا الموافقة، وكان لا بد ان يذاع النــبأ، وذلـك كله حدث في الفترة التي خــرج فيــها (عبد الكريم) من الاجتماع ثم عــاد الـــيه بعدها. وعــندما سأله عبد السلام لماذا لم يخبره بالموضوع ويخبر المجلس (اي مجلس الوزراء) قال ان "قلبه لم يطاوعه".

وبعد ايام صدر قرار باعفاء عبد السلام من مناصبه الاخرى وتعيينه سفيرا للعراق في بون. وتحت ضغوط متعددة غادر متوجها الى اوروبا على ان يعود بعد "تهدئة الامور"، وبالفعل عاد بعد اسبوع الى بغداد، فاعتقل في المطار وسيق الى المحاكمة بتهمة "التآمر". وعندما سأل بعض الوزراء وبعض رفاق الرجلين في "حركة الضباط الاحرار" عبد الكريم قاسم عن ذلك، قال لهم ان السفير البريطاني في بغداد مايكل رايت حذره من مؤامرة يحوكها عبد السلام ضده. واثار هذا التبرير لدى البعض الشكوك حول علاقة قاسم ببريطانيا. ولما بدأ الوزراء يشعرون ان البلاد تسير من سيئ الى اسوأ، وبدأت احوال الناس تتدهور، والتذمر والفوضى يعمان البلاد قرر ستة منهم يوم 3 شباط 1959 تقديم استقالاتهم، وفعل عضو مجلس السيادة محمد مهدي كبة الامر نفسه، والوزراء هم السيد ناجي طالب وزير الشؤون الاجتماعية (وكان من مؤسسي الهيئة العليا للضباط الاحرار)، والدكتور عبد الجبار الجومرد وزير الخارجية الذي رأى ان سياسة عبد الكريم تتجه نحو القطيعة مع محيط العراق الاقليمي والعربي، وصديق شنشل وزير الارشاد، وبابا علي وزير المواصلات، والدكتور محمد صالح وزير الصحة، وفؤاد الركابي وزير الدولة.

وكان عبد الكريم قبل ذلك قد اعفى عبد السلام ووزير المعارف الدكتور جابر عمر وبهذا لم يبق من التشكيل الوزاري الاول لثورة 14 تموز غير اربعة وزراء وهم هديب الحاج حمود وزير الزراعة ومحمد حديد وزير المال وابرهيم كبة وزير الاقتصاد ومصطفى علي وزير العدل، وقد استقال بعد مدة ثلاثة منهم وهم محمد حديد وهديب الحاج محمود ومصطفى علي.

ويبدو ان ذلك لم يقف عنده عبد الكريم قاسم ليراجع نفسه، فقام بعد اندلاع ثورة الشواف في مارس بالموصل باشاعة اجواء الارهاب التي سمحت للشيوعيين بارتكاب المجازر في الموصل وكركوك، وقد استغل هذه الظروف فانقض على العديد من الضباط الاحرار ذوي الميول القومية واعدم نحو 21 ضابطا في اذار 1959 ثم اعدم بعد ذلك في آب وايلول 1959 اثنين وعشرين ضابطا آخر بالاضافة الى الحكم على سبعة وعشرين ضابطا بالاشغال المؤبدة.

وهكذا تفاقمت احوال البلاد وانتشرت حمامات الدم وعمت الفوضى، وازداد الفقر والبطالة، ولجأ العديد من السياسيين الى خارج البلاد، وفي المقابل ازدادت محاولات اغتيال الزعيم الاوحد، واتسعت المعارضة لتشمل كل القوى السياسية الرئيسة وبدأ الضباط القوميون يعيدون تنظيم صفوفهم، فيما كانت تخرج التظاهرات الصاخبة ضد ممارسات قاسم وعم اضراب طالبي البلاد واستمر لمدة تزيد على ثلاثة اسابيع، حتى تفجـرت ثــــورة عارمة في البلاد في 8 شباط 1963 لتبدأ الساعات الاخيرة للرجل الاول الذي حكم العراق في ظل النظام الجمهوري.

 

الساعات العصيبة قبل استسلامه

ذكر لي المقدم حافظ علوان مرافق عبد الكريم قاسم (قبل وفاته) ما حدث في صبيحة 8 شباط 1963 قائلا "جئت الى بيت قاسم في العلوية مبكرا جدا لاستبدال المرافق الخفر المقدم قاسم الجنابي الذي بات ليلته هناك، وعندما وصلت الى البيت وجدت معه قاسم الجنابي وطه الشيخ احمد ووصفي طاهر وعلمت هناك بخبر الثورة، وهنا اقترح طه الشيخ احمد على عبد الكريم ضرورة التوجه الى وزارة الدفاع بدل التوجه الى معسكر الرشيد حيث انه (اي عبد الكريم) كان قد اتصل بمعسكر الرشيد وامر مقدم اللواء التاسع عشر (الرائد الركن عزيز جعفر الصندوق) بتهيئة سرية في باب المعسكر قائلا له "انا جاي...انا جاي" اي سآتي اليكم.

وهكذا ذهبنا الى وزارة الدفاع من طريق شارع الجمهورية ولم نلحظ ان هناك شيئا كبيرا، ودخلنا الوزارة ليبدأ بعد ذلك القصف على وزارة الدفاع، وفي الوزارة كان قد التحق بنا عبد الكريم الجدة واتصل عبد الكريم قاسم تلفونيا باللواء التاسع عشر في معسكر الرشيد مرة اخرى، فرد عليه حينئذ المقدم الركن طه الشكرجي، فطلب منه تهيئة اللواء للزحف على بغداد والسيطرة عليها، فقال له الشكرجي "انجب" اي اخرس... فألقى عبد الكريم قاسم سماعة التلفون قائلا:  اصبر اني جاييك، وركب سيارته وقد تبعناه انا وقاسم الجنابي، وكانت الطائرات تقصف الوزارة فلم يستطع ان يخرج. وهنا ارسلني عبد الكريم قاسم لأبلغ آمر فوج الدفاع تنفيذ مهمة فك الحصار عن وزارة الدفاع وقتال المحاصرين، ولكن الامر لم ينفذ. وعندما عدت لعبد الكريم قاسم طلب مني ان اجلب له ملف قانون شركة النفط الوطنية، وبعد ان استلمه مني ووقعه قال "كل هذه الهوسة من اجل القانون الرقم 80". ثم طلب مني ان اعود الى آمر فوج الدفاع لتبليغه بالحضور امامه، وبالفعل ذهــبت ولكني لم أتمكن من الرجوع الى عبد الكريم لشدة القصف ولاقتحام الثوار الوزارة التي غادرها عبد الكريم الى قاعة الشعب.

 

ساعة سدل ستارة النهاية

وهنا يصف لي الاستاذ صبحي عبد الحميد ما دار في الاذاعة - حيث التحق بالثوار يوم 8 شباط - قائلاً: "اتصل عبد الكريم قاسم ليلة 8/9 مرتين بدار الاذاعة وكلم عبد السلام عارضاً عليه الاستسلام بشرط ان يسمح له بالسفر الى خارج العراق، فأجابه عبد السلام بأن الامر بيد المجلس الوطني لقيادة الثورة وانه عضو فيه ولا يمكنه فرض رأيه، وهو يلتزم برأي الاكثرية. ويبدو انه بعد مقتل عبد الكريم الجدة قرر الاستسلام، حيث وجد ان لا فائدة من المقاومة بعدما تخلت عنه وحدات الجيش، فاستسلم ومن معه في الساعة الثانية عشرة والنصف ظهر يوم 9 شباط في مبنى قاعة الشعب المجاورة لوزارة الدفاع. وعند وصوله الى دار الاذاعة ترجّل من مدرعة وتقدم بثبات مخترقاً صفاً من الضباط والجنود بكامل قيافته وأناقته حليق الوجه ولم يعتدِ عليه أحد بالضرب حيث منعهم علي صالح السعدي (الذي اصبح وزيراً للداخلية بعد قيام الثورة) من إهانته".

ويضيف عبد الحميد واصفاً لحظات الختام قائلاً: "لقد كنت واقفاً عند مدخل الاستوديو الكبير في مبنى الاذاعة، وعندما اقترب مني ضربه أحد الواقفين على رأسه قائلاً: "خذ هذه من الشهيد ناظم الطبقجلي" فسقطت سدارته فتناولتها وسلمتها اليه، ونهرت ضاربه ومنعته من تكرار ذلك. وسمحت له بالجلوس ومن معه على كراسي كانت موجودة في الاستوديو، فطلب مني عبد الكريم قدح ماء، فأمرت أحد الجنود بجلب الماء له فوراً. وبعد لحظات دخل العقيد عبد السلام عارف وبعض اعضاء القيادة الجديدة، فتركت الاستوديو لأني كنت لا أريد ان اسمع الحوار، كما كنت لا اريد ان أشاهد منظر الاعدام الذي توقعته بعدما رأيت قسماً من الضباط الداخلين يحمل الغدارات وهم متلهفون للتنفيذ. وذهبت الى غرفة اخرى كان يجلس فيها اعضاء مجلس قيادة الثورة وبعض الوزراء الذين حضروا الى مبنى الاذاعة صباح يوم 9/2/.1963 وبعد قليل جاء الى الغرفة العقيد احمد حسن البكر رئيس الوزراء الجديد (وكانت أعلنت تشكيلة الوزارة ليلة 8/9) وقال للجالسين: هناك اتجاهان لتقرير مصير عبد الكريم قاسم. الاول يطلب الانتظار وتشكيل محكمة لمحاكمته، والآخر يطلب محاكمته فوراً وإعدامه. فما رأيكم؟"، فصاح الجميع اعدموه وأعلنوا ذلك للشعب لان مقاومة الشيوعيين ستستمر ما دام قاسم حياً، فاذا اعدم تنتهي المقاومة. فخرج العقيد احمد حسن البكر، وبعد لحظات سمعنا دوي الرصاص. ونفذ حكم الاعدام بعبد الكريم قاسم".

وهكذا بنهاية مؤسس الجمهورية في العراق طويت صفحة من تاريخ العراق المعاصرة ومن المؤكد انه كان بإمكانه ان يجعلها مشرقة، وكان بوسعه ان يعطي العراق كثيراً، ويعطي العرب كثيراً، لو انه عمل من اجل العراق والعرب بقدر ما أراد ان يعمل من اجل نفسه التي ضاعت، فلم يتحملها حتى القبر الذي دفن فيه خارج بغداد، حيث أخرجت جثته في اليوم التالي ليلقى جثمانه في نهر ديالى قرب التقائه بنهر دجلة بعد ان أثقلت بالاحجار لتغوص في قاع النهر.


الصفحة الأولى| محليات سياسية|اقتصاد-مال-أعمال|العرب والعالم| قضايا النهار|القضاء والقدر|مقالات|المقسم 19|وراء الحدث| مذاهب وأديان | تحقيق| مناطق| بيئة وتراث| مفكرة|أدب-فكر-فن|مدنيات-تربويات|وفيات| اعلانات مبوبة| رياضة| حول العلم والعالم|مرايا الأحوال| نهار الشباب| كومبيوتر وانترنت | النهار الرياضي |مساعدة|

الدليل| الملحق الثقافي| سلامتك| الاغتراب اللبناني| الصفحة الرئيسية


PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | naharpost | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help

Copyright © 2003 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.