الاحد 23 شياط 2003

 


 

بغداد بشعرها الأخضر حتى الينابيع

السيّاب في تظاهرات أوروبا - محمد حسين شمس الدين

أوطان العسس - عقل العويط

حياة بين موتين - بلال خبيز

وطن يبحث عن منفى - سلام عبود

سطح بغدادي مرشوش بمياه العصر - هاشم شفيق

جسورعلى الأنهر - محمد الحجيري

بغداد على زورق دجلتها - بقلم جميل ملاعب وريشته

قصائد من الجحيم

على الأقل

الديكتاتور ينام قلقاً وذهنه مشغول - شاكر الأنباري

الدليل

الملحق الثقافي

سلامتك

الاغتراب اللبناني


الصفحة الرئيسية

مساعدة

 

وطن يبحث عن منفى

ســـلام عبـــود

ستوكهولم ...

1

رغم اني احد كتّاب المنفى، إلا أني لا أعرف المقصود بكلمة "منفى". فهي كلمة بلا وطن يستخدمها الهاربون من وجه الموت، والهاربون الى حتفهم. يستخدمها تجار المنافي. وتجار السياسة والثقافة. يستخدمها مهرّبو المخدرات ومقاولو الانفار. يستخدمها بشر خائفون ضاقت بهم الأرض، ويستخدمها قتلة ضاق بهم الموت. يستخدمها الجميع. فماذا تعني حقاً؟ ربما هي لا تعني شيئاً في ذاته، وانما تعني الشيء الذي نريد لها ان تعنيه.

لا أعرف على وجه التحديد متى بدأت صلتي بهذا الشيء، الذي يسمّونه "المنفى". هل بدأت منذ اليوم الذي وضعت فيه اقدامي للمرة الاولى خارج العراق في عام 1973؟ او منذ وجدت نفسي غريباً، مشكوكاً لا في وطنيته فحسب، بل حتى في انتمائه الطبقي والفكري، في الفترة القريبة التالية لذبح تيار القيادة المركزية في العراق؟

لقد أوصدوا باب الوطن في وجوهنا، وها هم الآن يوصدون ابواب المنافي في وجوهنا.

انهم يسعون الى طردنا من منافينا، فإلى أي الاتياه علينا ان نسير؟

بعضهم يحسدنا اننا عشنا بعيداً عن انياب الأفعى. ولكن هل كانت حيّات المنفى بلا أنياب؟

الإحساس العميق بالغربة دهمني بقوة في مطلع السبعينات.

كانت فكرة السفر تداعب خيالي. أما الهجرة فقد كانت فكرة غربية عليّ، لم تطرأ على بالي مطلقاً.

حينما غادرت العراق عام 1973 كنت في الثالثة والعشرين، وقد مضى عام واحد على تعييني مدرّساً في ثانوية علي الغربي. بعض تلميذاتي كنّ يصغرنني بثلاث سنوات. لم أخطط لمغادرة العراق. بل حدث كل شيء فجأة كما لو أني جزء من فيلم بوليسي. فقد اعتقلت في ناحية السلام وانا في الطريق الى الأهوار لعمل تحقيق صحافي. وفي غرفة الأمن قرأت كتاب "فن التعذيب النفسي"، وعملت في المساء تحقيقاً صحافياً مع بعض الفلاحين المعتقلين (نحن شعب سوريالي). لكن مسؤول شعبة الناحية لحزب البعث امر جميع الزوارق بعدم نقلي وهددني بأني لو شوهدت ثانية هناك فسأختفي من الوجود. عند عودتي اخبرت بأن الأمن يتعقبني ويسأل عني. كانت هناك جبهة تحالف مع البعث. لكن الأمن كان يظن اني أتخفّى تحت مظلة العمل كمراسل لجريدة "طريق الشعب". واني ما زلت على صلة بتيار القيادة المركزية. ولم يكن ذلك صحيحاً. فقد فقدتُ صلتي بتيار القيادة قبل تخرجي من الجامعة بعد اعتقال أحد أقرب اصدقائي، اضافة الى اعتقال الشخص الذي ارتبط به تنظيمياً، وهو الشاعر عبد الحسين هنداوي، الذي كان لديّ موعد تنظيمي معه ولم يحضر، فذهبت في اليوم التالي الى مكان عمله في المطبعة في باب المعظم، لكن أحد العمال همس محذّراً أن أهرب فوراً، فهربت وعلمت في اليوم التالي ان عبد الحسين قد وقع في أيدي الأمن، وأن الأمن نصب كميناً في المطبعة. كان ذلك آخر عهدي بالتنظيم. لكن جهاز الأمن ظل غير مقتنع بذلك.

عند عودتي من الأهوار اخبرني احد قياديي الحزب الشيوعي بخطورة وضعي، وهو صديقي الشهيد كاظم طوفان (قتل على يد مسلحي الطالباني الاكراد)، ثم أكد الخبر لي صديق آخر هو الشهيد عبد الحسين جابك (قتل ايضاً على أيدي مسلحي الطالباني)، حينما أسرّ لي بأن الشيوعيين - وهو قيادي منهم - محرجون بسبب وجودي بداخلهم، وان قيادة البعث في المحافظة تلحّ بالسؤال عني، ولم يعد أحد يستطيع منع جهاز الأمن من التقاطي في أي لحظة، وبعد تشاور مع كاظم وعبد الحسين تم على عجل ترتيب أمر مغادرتي لمدينتي ثم مغادرة العراق. سافرت الى بيروت ثم الى عدن وعندما اصطدمت بقيادة الحزب الشيوعي العراقي واتهمت مع استاذ الفلسفة الاسلامية الدكتور توفيق رشدي بقيادة تمرد ضد الجبهة الوطنية وضد التحالف مع البعث، انتهى الموقف باغتيال توفيق رشدي بسبع رصاصات. وبعد عام جرى اتهامي بتنظيم انشقاق تمّ على اثره اعتقالي ثم تسفيري من اليمن الى أثيوبيا. بعد ضغوط من الحزب الشيوعي من جهة والمخابرات الكويتية من جهة ثانية، لأنني كنت أعمل مدرساً في البعثة الكويتية (عرض الشيوعيون عليّ اصدار صحيفة يسارية في قبرص مقابل التعاون معهم، وبخلافه سيتم تسليمي الى المخابرات السورية!؟) في أثيوبيا حاولت البقاء لكن يد المخابرات لاحقتني. فذهبت الى الإمارات وعشت سنتين حتى تعرّف عليَّ جهاز الأمن وتعرضت لملاحقة انتهت باقتناع حكومة اليمن بضرورة عودتي، خشية ان يتم قتلي وتتهم بالوقوف خلف ذلك. عند عودتي الى اليمن كان الخلاف بين اجنحة الحزب الاشتراكي اليمني قد بدأ، فتعرضت الى ضغط شديد من قيادة المخابرات في عدن ومن جهاز الأمن الخارجي، حتى انفجار الصراع في شكله الدموي عام ،1986 وكان موقفي واضحاً: الوقوف ضد من يقوم بأول اطلاقة. وكان رئيس الدولة هو الذي بدأ باطلاق النار على حزبه. ولكن بعد فترة وعلى اثر مجموعة من المقالات الانتقادية كتبتها حول الديموقراطية، بدأ جهاز المخابرات يلاحقني في العمل والسكن والنشر. وحينما أمر جهاز الأمن ان تطرد ابنتي من روضة الاطفال، ادرك بعض اصدقائي من اليمنيين أن الأمر اصبح خطيراً وعليّ أن أغادر فوراً، مما جعلني أعجّل في السفر الى اوروبا. فألقى بنا الحظ في اسوج.

لذلك لم يكن المنفى نزهة او قدراً رحيماً. فقد كنت، مثل كثيرين غيري. قريباً جداً من الموت. كان المنفى درساً بشعاً في قسوته، كان امتداداً لقسوة صدام بطرق وصور أخرى لا تقل خسة ونذالة. قسوة المهجر علمتني كيف احارب مكشوف الصدر، وعلمتني كيف ادافع منفرداً عن نفسي وعن انسانيتي. لقد تعلمت خبايا الديموقراطية وأنا أقاتل ضد الشر المطلق وحيداً، أعزل، ولم أتعلمها من بوش او بلير. بيد أن الصدمة الكبرى تلقيتها في المهجر الاوروبي، حينما وجدت ان حلم الديموقراطية الليبيرالية يخفي تحت عباءته البيضاء عناكب سامة.

لقد أضحى الوطن والمنفى شيئاً واحداً، فالوطن والمنفى مجرد ارض يملكها الآخرون. اما نحن، فأبالسة عصاة، ولا وطن لنا ولا منفى. منفيون في منافينا. ملايين من المتظاهرين الرائعين المنادين بوقف الحرب يسيرون من حولي في شوارع اوروبا. أنا سعيد بينهم الى حد البكاء. سعيد بدفئهم، لكني حزين الى حد الموت، لأني لا أجد عبارة واحدة عن شعبي. لكم أنا أعزل ووحيد ومهان وجريح! وكم أنت أعزل ووحيد وجريح أيها الشعب المنسي!

هذا هو الوطن ايها السيد بوش، وهذا هو المنفى أيها السيد صدام!

هذا هو الوطن والمنفى أيها السيدان بلير وشيراك!

 

2

في هذه اللحظة القاسية، لحظة التسابق الجنوني لتمزيق الوطن إرباً، لا أرى سوى الظلمة. ظلمة الأرواح وظلمة الضمائر، ظلمة الغازات السامة وظلمة المشاريع السياسية الدونية. فقد انحط التفكير السياسي العراقي بشكل مروع، واصبحت المقارنات السياسية تشبه مقارنات بائعي الفجل: من ينهب أقل من النفط، صدام أم الأميركان؟ من يحتلنا لفترة أقصر، صدام أم الاميركان؟ من يقتل منا أقل، صدام أم الاميركان؟ من يعطينا حرية صحافة أكبر، صدام أم الاميركان؟ وقبل أيام ظهر أحدهم يقول: "من يضربنا أقل بالكيميائيات، صدام أم الأميركان؟".

ان بؤس المرجعية السياسية العراقية وضحالتها جعلت حتى قادة فرق الاعدام يساهمون بنشاط في وضع معادلات تحرير العراقيين من محنتهم، وفق نظرية ليس هناك من هو اسوأ من صدام.

وحقاً، ليس هناك من هو أسوأ من صدام. ولكن في الوقت نفسه ليس هناك ما هو اسوأ من فقدان الارادة وفقدان حرية الاختيار، وفقدان الكينونة الشخصية والوطنية، وفي الأخير فقدان معنى ان يكون الكائن انساناً. ذلك الفقدان المخجل الذي قاد الى مجيء صدام وسيقود الى مجيء ظَلَمة جدد، تحت الذرائع العقلية والاخلاقية ذاتها.

انهم يفرضون علينا حروبهم ويطلبون منا ان نختار - بحرية وموضوعية وشرف - أي حرب تفضل! أيها أقصر، وأيها أقل جرثومية وكيميائية! وفي هذا الإطار لا صدام ولا بوش ولا كولن باول او غيرهم بقادرين على منح الآخرين حريتهم وحق التمتع بحياتهم كبشر أحرار. ان بوش يصنع ارادته الشخصية، يصنع تاريخه الشخصي، يصنع كرامة وطنه وحريته من منظوره الشخصي ومصالحه، لكنه لا يصنع تاريخي وكرامتي وحريتي وارادتي الشخصية. واذا قدِّر له ان يصنعها لي فلا فرق حينئذ بين أن أكون عبداً لطاغية كصدام او لغيره. فحينما يكون المرء مسلوب الارادة، مسلوب التفكير، مسلوب المشيئة، يصبح مادة للاختيارات الموضوعة من خارجه. سواء كانت موضوعة من صدام او بوش. ان المسافة بين بوش وصدام في ما يتعلق بالحرية، بالاستقلال، بالهوية الثقافية، وفي درجة اساسية بحق الانسان الطبيعي في التمتع بكينونته ككائن، مسافة ضيقة الى أبعد الحدود، خاصة حينما ينظر المرء اليها من زاوية العلاقات الاخلاقية والروحية والثقافية، وبالتجرد عن لعبة التقاطبات السياسية، المصنوعة في مطابخ مهندسي عمليات القتل الجماعي المحليين والاقليميين والدوليين، الذين لا يختلفون بعضهم عن البعض، من حيث الجوهر، الا في المرتبة والدرجة، فرائحة الأجساد المحترقة المخلوطة هي ذاتها يشمها المرء في هيروشيما او ادغال فيتنام او في تورابورا او في مخيم عين الحلوة او جنين او في حلبجة او عبدان. انها رائحة الموت، موت الضحايا، وموت ضمير الأحياء. بيد أن ذلك لا ينسينا ان المسافة الضيقة تلك قد تغدو مسافة عظيمة الاتساع الى حد بعيد، حينما تصبح مادة للمقارنات السياسية النفعية الآنية الرخيصة. فهي مسافة تتسع باتساع اليأس وباتساع دائرة الانحطاط الروحي والعمى العقلي والأخلاقي. فخلف غيمة الموت التي غطت سماء هيروشيما تنتشر شوارع تغص بالتويوتا والالكترونيات. وخلف كوم الجثث المتعفنة في عين الحلوة توجد بناية الجامعة الاميركية، وخلف أتربة القنابل الهزازة في افغانستان يتحدث قرضاي باللكنة الاميركية وهو يركب الليموزين المصفحة. وخلف قذائف قوات التحالف المشحونة بالمشعات والمدفوعة الثمن من عائدات النفط العراقي، ستنتصب مستشفيات عصرية، تعاقدت على انشائها مسبقاً، قبل تسمم نزلائها، مؤسسات مالية اميركية، ستقبض اثمانها من نفط الشعب. مستشفيات عملاقة، عصرية، مخصصة لمكافحة سموم الحرب العراقية - الايرانية وحروب الخليج الثانية والثالثة، وربما الرابعة والخامسة ايضاً.

 

3

الذين يؤيدون الاحتلال، غاب عنهم ان المشروع الاميركي الذي سيبدأ في العراق لن يتوقف ما لم يسحق دول "الشر" كلها، وأولها الجارة إيران. ان الذين يؤيدون الغزو تناسوا تماماً ان الطريق الى طهران يمر عبر بغداد، وان الدم العراقي، لا القطري ولا الكويتي، هو الذي سيسمّد جبهات القتال المقبلة، التي ستمتد من كردستان العراق حتى افغانستان شرقاً، ومن البصرة حتى بيروت غرباً.

مشروع لعين كهذا، أحوج ما يكون الى صدام جديد، فمن أنت يا صدامنا القادم؟

 

4

القادمون من العراق يؤكدون باستمرار ان كتابيَّ "ثقافة العنف" و"ذبابة القيامة" منتشران في شكل واسع في العراق من طريق الاستنساخ. حتى ان السلطة قامت بمناقشة الكتابين في صحافتها بعداء شديد، من أجل الوقوف اعلامياً ضد رواجهما سرياً بين أوساط الناس. ذلك أمر يفرحني ويعزز الأمل في نفسي. لكن الواقع أكثر مرارة وقسوة من هذه المتعة البائسة المملوءة بالخوف والحرمان. فالواقع ليس رواية قابلة للاستنساخ. فلو عدت لا أعرف في أي شارع سأسير! وكيف سأقابل الذين ولدوا في غيابي وهم الآن آباء وأمهات؟ وماذا سأفعل بمن رحلوا ولم ينتظروا عودتي على متن صاروخ أميركي؟ كيف سأتعرف على قبورهم، وكيف سينظرون إليّ؟ لا أعرف ماذا يخبىء المستقبل القريب. ولا أريد أن أمنح نفسي جرأة أن أقول اني أعرف. لكن ما أعرفه حق المعرفة، هو اني في لحظة "فاخرة" مثل هذه، لن أترك من يريدون اعادة انتاج دورة الشر مجدداً ان يعيشوا براحة ضمير. الذي استطيع أن أجزم به، وهو الشيء الوحيد الذي أملكه، أني لن أتوانى لحظة عن اقلاق ضمائرهم الميتة.

فالاحتمالات الموضوعة أمامنا مختصرة جداً ومركزة في شدة تقاطباتها: "اما القبول بصدام وإما بالاحتلال، إما طالبان وإما الاحتلال، إما عرفات وأما الاحتلال، وفي الأخير إما ابن لادن وإما بوش، كما يدعي بوش نفسه". ان هذه الشرطية الظالمة هي المعادل الكامل لموضوع سلب الحرية  العلني، وسلب الارادة التام والسافر. انها عبودية عصر الأمركة. كم أنت أحمق أيها العالم المتجرد من مقاييسه الانسانية والمنطقية، الذي نعيشه! أين أخفيت ضميركَ؟

ان الحقيقة في المجال السياسي والفلسفي والاخلاقي لا تختلف كثيراً عن الحقيقة في المجال العلمي البحت، اذ لا يتطلب البحث عنها وكشفها وجود عقل ثاقب وبصيرة فقط، بل يتطلب الأمر ايضاً عناداً خاصاً، وربما جنوناً من العناد. فالحقيقة دائماً عصية، حالها كحال الوعول البرية او جراثيم الأيدز. ان مسؤوليتي العقلية والأخلاقية، التي دفعتني الى الهجرة، تشترط عليَّ أن أواصل مشروعي الانساني: الدفاع عن حق الانسان في الحياة وعن حريته واستقلال ارادته. هذا أمر لا مساومة فيه سواء تحققت العودة أم لم تتحقق. فليس لديّ مهام أخرى أقوم بها، كإنسان، غير ذلك. أما الأعداء، القدامى او الجدد، فهم كثيرون، ولن يقل عـددهم، لأن الـطريق الى الخير لا يمر إلا عبر دروب يحـرسـهـا الأشرار بكفاءة وأمانة خلاّقتين.


 

PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | naharpost | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help


 

Copyright © 2003 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.