الاحد 16 شياط 2003

 


 

صرخة من أجل العراق

سيرة بغدادية

بلدٌ لن أرى

تراجيديا العود

قصيدتان

تحت شرفة الغناء والشجن

فنّ الموت ونحت القيامة

بيت القصيد

ثلاثة وجوه للعراق

واقعية

كيف نحمل العبء وننهض بعد الطوفان؟

الدليل

الملحق الثقافي

سلامتك

الاغتراب اللبناني


الصفحة الرئيسية

مساعدة

 

ســـيـرة بـغـــداديـة                              

محمد الحجيري                              

هـل يـمـكـن وضـع سـيـرة لـمـديـنـة عـظـمـى كـبـغـداد؟ فـي هـذا الـمـقـال مـحـاولـة لـرسـم خـط بـيـانـي يـصـل حـاضـرهـا وسـتـيـنـاتـهـا بـغـابـر تـاريـخـهـا الـذهـبـي.

 

من بغداديات جواد سليم.

شارع في بغداد العشرينات.

نساء يغسلن الثياب على شاطىء دجلة.

(بغداد العشرينات، بعدسة عبد الكريم)

تتعرض مدن كثيرة للحرب فتصاب بالتمزق في نسيجها الاجتماعي والسكاني، او تكون ضحية التدمير الوحشي. بيروت تشهد على ذلك، فهي تعرضت لحرب داخلية وخارجية انهكتها. ولا يختلف الامر كثيراً في ساراييفو، عاصمة البوسنة والهرسك، ولكن كيف ستكون الحال في العاصمة العراقية اذا وقعت الحرب؟ فهذه المدينة التي ترزح تحت قبضة "النشامى الصدامية"، هل تنقذها الحرب من براثن الديكتاتورية، ام ماذا؟ انها نظرة الحيرة حيال مدينة غير عادية تعني الكثير في الذاكرة والواقع، في الادب والفن والحياة.

كيف ننظر الى بغداد الآن؟ السندباد البحري في الاسطورة يعيده الشوق الجارف الى بغداد وفضائها الجمالي، حين كانت المسرح الحقيقي لقصص "ألف ليلة وليلة" ولخمريات النؤاسي وبعض قصص اغاتا كريستي البوليسية. فيها ولد الشاعر عبد الوهاب البياتي في باب الشيخ، وقال جبرا ابرهيم جبرا في "شارع الاميرات" جزءاً من حياته في بغداد. اما السياب الذي عاش ايامه الاخيرة مريضاً معوزاً، فقد تذكرها بعدما تخلى عنه اصدقاؤه الا الشاعر علي السبتي، وبعدما يئس الاطباء في البصرة وبغداد ولندن وروما وبيروت من شفائه.

في الكويت يتذكر السياب بغداده فيطبع ديوانه "شناشيل ابنة الجلبي"، حيث يوهم نفسه بقليل من الصحة فيكتب الى صديقه عبد المنعم الجادر رسالة يحن فيها الى بغداد ويرغب في ان يجلس ساعة او يمشي ولو بعكازين احمقين في شارع ابي نواس، شارباً الشاي في مقاهيه او آكلاً السمك النهري. لكن الشاعر كان يحلم فحسب لأن الموت كان له في  المرصاد.

سنقول ان الادباء والكتّاب يعيشون وتيرة الحنين لبغداد والعراق في شكل دائم. يكتب الشاعر القديم: "ايا بغداد يا أسفي عليك/ متى يُقضى الرجوع لنا اليك/ قنعنا سالمين بكل خير/ وينعم عيشنا في جانبيك". ويقول اليعقوبي في بغداد ايضاً انها "أم الدنيا، وسيدة البلاد ومعدن الظرائف واللطائف".

 

شجرة المعرفة

في السنوات الاخيرة صدرت مجموعة من الكتب عن عاصمة العباسيين: "بغداد في العشرينات" لعباس بغدادي و"بغداد ذلك الزمن" لعزيز الحاج و"بغداد سيرة ومدينة" لناجي جواد (المؤسسة  العربية للدراسات والنشر)، واخيراً "بغداد ملامح مدينة في ذاكرة الستينات" لجمال حيدر (المركز الثقافي العربي). قارئ هذه الكتب يجد صورة بغداد ومكنوناتها. فهذه المدينة التي يشكل نهر دجلة ابتسامتها واكسير حياتها، تجمع المصادر على ان الخليفة أبا جعفر المنصور حشد مجموعة من ذوي الرأي في مختلف الاختصاصات، من اجل بنائها. وفي ذلك يقول الطبري في تاريخه "ان المنصور وجه في حشر الصناع (...) فكان ممن احضر لذلك الحجاج بن ارطاة وابو حنيفة بن ثابت". والحجاج هو القاضي الكوفي، مصمم خريطة بغداد في شكل قوس دائري، يزعم ان الخليفة المنصور كان يرغب بأن لا يكون بعض الناس اقرب اليه من بعض. ولذلك تميزت بغداد واشتهرت بكونها مدينة بنيت وفق مخطط دائري اكمل من اي مدينة دائرية سابقة لها في العهود الاشورية والساسانية واللخمية.

ثم ان بغداد بدأت كمدينة ملوكية محرمة احتوت على قصر الخليفة واحياء سكنية لافراد عائلته وجيشه فقط. وعندما أخذت الجموع بالتوافد للاقامة والاستقرار حول المدينة الملوكية الدائرية،  هجر الخليفة قصره وانتقل للاقامة على الضفة الاخرى لدجلة في منطقة الرصافة، فذاب الشكل الدائري الجامد والكامل، و"ظهر للوجود المخطط العفوي، الطبيعي المعهود للمدينة الاسلامية الكلاسيكية بخططه المحددة اجتماعياً والعضوية عمرانياً وتخطيطياً وبسككه الضيقة التي لا تشكل شبكة كاملة وانما تشبه في شكل كبير التدرج المتسلسل لاغصان الشجر"، كما يلاحظ المعماري ناصر الرباط.

وقبل ان تكون بغداد مدينة كانت سوقاً تقام مرة كل شهر. وبازدهار الاسواق ازدهرت المدينة. لذا فتاريخ مدينة بغداد في جانب منه هو تاريخ اسواقها. تاريخ مفعم بالحكايا عن عوالم متداخلة ليس ثمة حدود فاصلة وواضحة بينها.

غدت بغداد عاصمة المملكة او الامبراطورية الاسلامية ومختبر الثقافات والاديان والحضارات واللغات، لاسيما في عهد هارون الرشيد، اذ صارت بمثابة "القلب النابض"، الى ان وقعت الفتنة بين ولديه الأمين والمأمون، واستمر الخلاف بينهما فتحول حرباً اهلية. فقد حوصرت بغداد للمرة الاولى، عندما تحصن فيها الأمين، فأطبق انصار المأمون على أخيه ومن معه، فتخربت اجزاء من المدينة. ولما رفع الحصار عنها بعد عامين، امست بغداد خرائب، لتكون في  عصر المأمون عاصمة لحركة علمية مبرمجة لترجمة روائع الآخرين، وخصوصاً اليونانية والسريانية والفارسية ولتغدو "مدينة السلام" محط الانظار.

 

وردة الحلاج

تقلبت على بغداد العقائد والافكار ما بين تعايش وتناحر، وشهدت دور العلم اول جامعة في العالم (المستنصرية) ودار الحكمة، كما شهدت مجالس الانس والحكايات والاشعار، وقصور الخلفاء، وحريمهم وجواريهم، والجاحظ ومؤلفاته وشعراء الخمر ومجونهم بزعامة أبو نواس المحدث. وشهدت قبول آراء المعتزلة، ثم محاصرتهم وقمعهم على يد الخليفة المتوكل، اضافة الى تطور الفكر الفلسفي، وازدهار العلوم الطبية والفلكية والفيزيائية والرياضيات. كما شهدت مقتل ابن المقفع وحرقه وتقطيع جثته، وقتل الحلاج الذي طيف به في شوارع بغداد، مقيّداً على ظهر بغلة بالمقلوب، وهذا ما يعتبره المؤرخون الصلب الاول. وبينما كان العامة الذين لا حول لهم ولا قوة، يرجمونه بالحجار تنفيذاً لاوامر فقهاء السلاطين، ابتدع احد اصدقائه، تقية اخرى عندما انحنى مقتطفاً وردة قريبة رمى بها الحلاج بدلاً من الحجار، فنظر اليه الحلاج بمرارة وقال له: لقد اذيتني يا أنت.

وفي الفترة الزمنية الممتدة بين الصلب الاول للحلاج حياً والصلب الثاني الذي أدى الى مقتله، لم تهدأ الاضطرابات الداخلية، ولم تستطع السلطة وقف التدهور الاقتصادي بل تزامنت تعبيراته حتى شاع حرق المخازن ونهب الدكاكين، وتدمير القصور الفارهة. ثم حلت كبرى الكوارث، حين زحف هولاكو على بغداد بجيشه عام 1258 ليجد المستعصم بالله، آخر الخلفاء العباسيين، نفسه مضطراً للاستسلام. فدخلها هولاكو الغني عن التعريف بفعائله و"مغوليته" فأحرق كتبها واغرقها في  النهر، وقتل الكثير من علمائها واهلها. وتحولت من عاصمة كبرى الى مدينة كباقي المدن. وتعاقبت الغزوات والاحتلالات. ولما ضعفت بغداد استهانت بها الدول المجاورة فغزاها الشاه اسماعيل الصفوي، ثم السلطان العثماني سليمان الاول الذي دخلها محتلاً، ثم استعادها الصفوي ثانية، ثم غزاها الاتراك عام 1638بقيادة السلطان مراد الرابع بعد حصار دام 40 يوماً.

وشهد النصف الثاني من القرن الماضي بداية حركة عمرانية حديثة، كبناء بعض الجسور، ومد شبكات التلغراف والبريد.

ويقال ان فترة الوالي مدحت باشا على بغداد 1869 - 1872 تميزت بأنها كانت عهد نهضة واصلاح لبغداد، فخلالها صدرت اول جريدة في المعنى الحديث (1869)، واتسع انتشار الصحف بعد اعلان الدستور العثماني عام .1908 وتم في تلك الفترة فتح مدارس عدة، واقيمت منشآت عامة منها خط الترامواي بين بغداد والكاظمية، ورممت الاسواق القديمة، وشيدت اسواق جديدة لا يزال بعضها قائماً الى الآن.

يشكل دجلة جغرافيا بغداد ويبلور معلمها، فيما يرتبط تاريخها الاجتماعي بتاريخ اسواقها. فليس من حي في بغداد من دون سوق طويلة تصل بين اطراف الازمة. واسواق بغداد شبيهة بالمتاهة اذ تبدأ مع كل نهاية، وتمتد لتتحول احياء بأكملها لتتفرع منها الدروب والحارات والازقة في نسخ مكررة لمشهد واحد. منازل متراصة، حلم خاطف يدور حول الاحياء البغدادية القديمة التي حملت اسماء بوابات فقدت معالمها.

ورغم تجانس المنازل البغدادية ظاهرياً، الا انها تتمايز مع التمايز الاجتماعي لاصحابها. بيوت الميسورين ساحة او ساحات عدة متواصلة، ثم مجالس الضيوف وغرف الحريم وتنتهي بغرف الخدم. يقول جمال  حيدر ان احياء بغداد القديمة تشبثت دوماً بجدران الذاكرة التي تركت اكوام  ترابها تحت الايام. وهي قسمت إثر الاحتلال البريطاني حوالى مئة، وقبل ان تكسب الاحياء اسماءها كانت تعرف بـ"الكعد"، وتسمية بعضها يستند اساساً الى الشخصيات البارزة التي قطنتها او العوائل التي استوطنتها او باسم اضرحة الاولياء والاتقياء التي تضم رفاتهم. ومقارنة الامكنة (يقول جمال حيدر) معادلة عصية تخل بالكثير من اليوتوبيات المقدسة في المخيلة. يوتوبيات موزعة بين الطهارة والخسة والدناءة والجمال والاثارة والانحطاط.

 

صور "القبضنة" والهوى

فمحلة الميدان (مثلاً) لها شهرتها الخاصة، تضم زقاق الكلجية الذي اخلاه الانكليز من سكانه مع دخولهم بغداد عام 1917 وحوّلوه موضعاً خاصاً للبغاء.

بقي الكلجية على حاله مع قيام الحكم  الوطني وتأسيس الدولة العراقية. وفي وقت من الاوقات شيّد جدار عال على مدخل الزقاق لحجب منظر المومسات عن انظار المارة. وفي عهد رشيد علي الكيلاني قررت وزارة الداخلية تشكيل "شرطة الاخلاق" لمراقبة دور البغاء السرية التي نشطت اثر اغلاق الكلجية. ولصعوبة تنفيذ المهمة بسبب الظروف الشائكة المحيطة بهذه الظاهرة، الغيت الشرطة (أمين المميز، "بغداد كما عرفتها").

اما محلة كوك نزر فمجاورة لزقاق الكلجية، وقد اخلاها سكانها هرباً من مجاورة بيوت البغاء العلنية، فشغلها المتاجرون بالبغاء السري.

تتسق الخطوات في احياء بغداد. خطوات تطرق الذاكرة وتعيد صياغتها من جديد وتستقبل صدى الايام الخوالي.

فمحلة الفضل لامست ظاهرة الاشقياء والقبضايات وكانوا يكنون بـ"اولاد الطلسم" وهو احد حصون الدولة العباسية المهجورة. وللشقاوة في بغداد تاريخ طويل يمتد الى الدولة العباسية، حيث كانوا يسمّون الشطار والعيارين، وقد تدخلوا في معارك الامين والمأمون. وذكرت التواريخ بإسهاب تفاصيل اعمالهم.

وكان من علو المركز والمهابة في بغداد ان يوصف الرجل بالشقاوة. والشقاوة نوعان، شقاوة الشهامة والنخوة ومساعدة الضعيف على القوي، وشقاوة الاجرام كاللصوصية والسلب والاعتداء على الغير، ضعيفا كان او قويا. على ان الاشقياء كانوا يلوذون بقصر العباسيين المهجور، وهم اعداء تقليديون للسلطة. وفي ازمات ماضية، كانوا يبسطون نفوذهم على احياء وأزقة كاملة، يعتاشون على الاتاوة التي يفرضونها على وجهاء الحي واغنيائه. وغالبا ما حشروا انفسهم في دوامة صراع الاحزاب ليفرضوا انماطهم على تلك الاحزاب في زمن احيت السياسة تقاليد الفتوة.

وثمة كثير من الاشقياء خلبوا عقول اجيال كاملة بعدما كانوا اسياد دولتهم الصغيرة التي تزدهر على حساب ضمور السلطة المركزية. وتختلط الاحياء البغدادية في زحام الحياة، وتدوين سيرة تلك الاحياء تنطوي على موضة اسرارها الدفينة والمتخمة بكل التناقضات.

 

امبراطورية الرشيد

لم تحتو بغداد على شارع في العهد العثماني، وكان شارعها الوحيد شارع النهر الذي شيده ناظم باشا العام ،1910 وحين اتى خليل باشا عزم على ان يكون اول من يشق الشارع الاول في بغداد كما يزعم البعض، لكن عباس بغدادي في كتابه "بغداد في العشرينات" يذكر ان خليل باشا لم يستحضر خريطة بغداد  والمهندسين ويأمرهم بفتح شارع وفق الاعراف الهندسية. القناصل الاجانب كانوا في الباب الشرقي على نهر دجلة وكبار القوم في محلة باب الشيخ، ويترددون على السرايا بالعربات عبر هذا الطريق. لذلك فإن الحاكم العثماني انما قام بتوسيع الطريق على قدر المستطاع وذلك لأسباب حربية ولتسهيل حركة الجيش العثماني، فتم العمل في هذه الجادة بصورة مستعجلة ارتجالية في ايار ،1916 وجرى افتتاحها بعد مدة وجيزة واطلق عليها "جادة سي". وغداة دخول الانكليز بغداد كانت ملأى بالحفر. وبدأ الانكليز اول عهدهم بتعبيد الشارع واطلقوا عليه تسمية "الشارع الجديد" ليغدو المتنزه الامثل لأهالي بغداد وهم يراقبون مرور عربات الغانيات المكشوفة وهن حاسرات الرؤوس. وكانت الحكومة اصدرت امرا يقضي بأن تلبس الغانيات ثيابا وعباءات وجوارب بلون ازرق غامق تمييزا لهن عن باقي النساء. وفي حدود المدة نفسها بدأت سيارات التاكسي (الاجرة) بالعمل وكانت محدودة بسيارات من نوع "فيات" (بغداد في العشرينات).

وكانت تخترق شارع الرشيد في الثلاثينات، ذهابا وايابا عصر كل يوم، سيارتان سوداوان فخمتان من نوع "بويك" آخر موديل بسبعة مقاعد، تجلس على احدها بهية العُربية احدى اشهر بارونات البغاء في بغداد الثلاثينات، ومن عاداتها انها تتوسط المقعد الخلفي للسيارة، كما يفعل بعض الوزراء والوجهاء، وتضع عباءتها السوداء على كتفها وليس على رأسها، وتوزع ابتسامتها على المارين في شارع الرشيد ودربونة الصابونجية حيث تقع دارها. اما السيارة الثانية فهي سيارة ريجنيه مراد، كبرى سمسارات بغداد، وهي الاخت الكبرى للفنانة سليمة مراد. بسطت نفوذها على منطقة الكلبجية وجمعت من صناعتها ثروة طائلة. اسلمت ثم تزوجت مرتين وعثر عليها قتيلة في قصرها الفخم في الصرافية اثر شجار مع خليلها المهندس عبد الكريم الذي انتحر هو الآخر.

هذه معالم من شارع الرشيد الذي يصفه الرحالة امين الريحاني في مطلع العقد الثالث من القرن الماضي بقوله: "انه لشبيه بشارع في قرية اوروبية، والبلدة والمحلات الواقعة شرقا منه، وإن كانت لا تتجاوز بمجملها المائة سنة الا انها جد قديمة بما في ظاهرها ولا يخلو بعض داخلها من ضيق الجادات واعوجاجها والتهدم فيها".

سمّاه اهل بغداد "الجادة العمومية" ثم سُمّي "الشارع العام" الى ان اطلق عليه اسم شارع الرشيد تيمنا باسم الخليفة العباسي هارون الرشيد. يبدأ من باب المعظم منتهيا بباب البصلية (الباب الشرقي) متصلا بشارع ابي نواس، ويتخلله عدد من المساجد الرائعة الجمال والكثير من الاسواق، بدءا بسوق السرايا، ويمتد جزء منه ليصل الى سوق المتنبي المعروفة بخصوصيتها حيث يرجع تاريخها الى عشرات الاعوام وتبلورت في اقامة المزاد العلني لبيع الكتب النادرة في ايام العطل. اما سوق السرايا فتعيد للكتاب مجده باعتبار ان مكتبات السوق هي المكان الوحيد لتصريف الراكد من منشورات عجزت دور النشر عن بيعها. يصف جمال حيدر المكتبات بأنها سوق متراصة وتشتمل على الكتب كافة، وهواة ينتشرون على واجهاتها بحثا عن كل ما هو نادر وفيها تنكشف حقيقة الاسعار القابلة دوما للتفاوض بين البائع والمشتري، واغلفة مجلات تكشف سياسة السلطات المتغيرة.

يشكل شارع الرشيد امبراطورية صغيرة، فيه غنّت ام كلثوم في اثنين من ثلاثة فنادق، هما "الهلال" و"الجواهري". ويمكن تأمل مسار العراق السياسي والثقافي والاجتماعي من خلال الشارع نفسه. فإذا قلنا ان ام كلثوم غنّت في فنادقه، فهو ايضا شهد ولادة اول دار لعرض افلام السينما، وكانت مقاهيه مراكز لتجمّع المثقفين ولانطلاق التظاهرات ضد ما سمّي الهيمنة البريطانية والحكومات الموالية للغرب. اضافة الى ذلك شهد الشارع محاولة الاغتيال التي قام بها صدام (الرئيس الحالي) ضد موكب عبد الكريم قاسم (الرئيس السابق) في نهاية .1959

الرشيد هو رمز التحول لمدينة بغداد التي تعرضت في الاربعينات لتبدلات اجتماعية وثقافية وسياسية، واقتصادية وعمرانية، وقد زار ويندل ويلكي، مرشح الرئاسة الاميركي، بغداد، في ايلول ،1942 ونشر بعد جولته في العالم كتاب "عالم واحد" يصف فيه حاجة العراق الماسة الى التقدم الحديث، ويلخص علله في نقص التعليم والمرض والحجاب ونقص الصناعة واستبداد الحكومة.

واذا كانت حدود قلب المدينة ظلت في الاساس ما بين باب المعظم والباب الشرقي في الرصافة وبقيت كما كانت في الكرخ، فإن بناء الفيلات والبيوت قد ازداد في مناطق الصالحية والبتاوين والعيواضية، ودخلت الى المدينة سيارات النقل الحكومية الحمراء اللون، وانشئت دور جديدة للسينما. وازداد عدد الخمارات ودور اللهو.

 

صورة جبرا

يقول عبد الواحد لؤلؤة إن صورة جبرا ابرهيم جبرا في شبابه هي صورة الثقافة في بغداد الخمسينات من القرن الفائت. كتب هذا الشاعر فصولاً من سيرته الذاتية، "شارع الأميرات"، عن هذه المدينة، وهي تبدأ بدايتها الفعلية في أواخر أيلول ،1948 لدى قدوم جبرا الى بغداد من فلسطين، وانغماسه المباشر في حياتها الثقافية المتوثبة على مستويات عدة. من الشخصيات التي يذكرها، أغاتا كريستي، كاتبة الروايات البوليسية الشهيرة، التي أمضت في بغداد والمواقع الأثرية ردحاً غير قليل من عمرها، وكتبت في أطلال تمرود مسرحية "المصيدة"، على ما يروي جبرا.

على أن جبرا كان رسّاماً منذ بداياته، وقد حمل معه من بيت لحم لوحات رسمها على شرائح من خشب الزيتون أو الورق، وبقي رساماً بل موجِّهاً للرسّامين في بغداد، وشارك في تأسيس أول "جماعة" للرسامين، "جماعة الفن الحديث"، مع آخرين، في مقدّمهم جواد سليم الذي يعتبر أعظم الفنانين العراقيين المحدثين، موهبةً وتأثيراً. ولم ينجب أيّ بلد عربي فناناً واحداً في حجم موهبة جواد سليم ونصبه التذكارية. لكن تطوره وانصقاله مدينان بالكثير لآخرين من رواد الفن العراقي، على ما يقول سمير خليل (كنعان مكية) في كتابه "النصب التذكارية" (دار الساقي). من هؤلاء الفنانين فائق حسن وشاكر حسن آل سعيد ولورنا سليم وحافظ الدروبي وجميل حمودي ومحمود صبري واسماعيل الشيخلي، ومن النحاتين خالد الرحال ورفعة الجادرجي. فهؤلاء هم الذين صاغوا بدايات الاتجاهات الحديثة ذات الطابع العراقي المتميز في الفنون التشكيلية، على نحو لم يسبق له مثيل في أيّ بقعة من العالم العربي. فقد ظهرت الى حيز الوجود طريقة تفكير عراقية صميمة حول الفنون التشكيلية، على أيدي أفراد موهوبين، يتصادمون بعضهم مع البعض الآخر، ومع ذلك ينطلقون في اتجاهات مختلفة.

يعتبر التوتر الذي ساد بين رسامين، كجواد سليم وفائق حسن، في السنوات المبكرة، أو بين مهندسين معماريين كرفعة الجادرجي ومحمد مكية  أو بين أنصار الفن "البدائي" في الأربعينات، وبين "الرواد" و"مجموعة بغداد" في الخمسينات، مضرباً للأمثال في دنيا الفن العراقي. وقد تمّ تصنيف ذلك التنوع كله، في ما بعد، وبمنتهى التبسيط، تحت خانة "البحث عن معالم الشخصية القومية في الفن".

وقبل أن ينضم الجميع الى حركية التراث الممتزج بأسئلة الحداثة، كان فنانون كجواد سليم يعون بحس مرهف أنهم لا يخاطبون سوى دائرة ضيقة من الناس بلغة "النخبة" الجديدة للفن الحديث. ولم يكد يمر عقدان، حتى تحوّل اسم جواد سليم الى أسطورة في أوساط المثقفين العراقيين. فالشعراء الذين وصفوه بأنه "عدو الشعب" في أوائل الخمسينات، راحوا أنفسهم يكيلون له المدائح. لكن المأثرة العراقية المتميزة والجديرة بالاعتبار في حقل الفنون التشكيلية، رافقها تلجلج في ميادين الفكر عامة، وضعف في الفنون الأدبية، باستثناء الشعر.

 

المقاهي وجغرافيا الوجود

منذ الخمسينات، نشأت مقاهي بغداد على الطريقة العصرية، فكانت فاتحة عهد جديد في مسار الحركة الثقافية، إذ احتضنت أجواء الخلق وشهدت حركات التجديد وغذّت تقاليد الجدل والنقاش. ويُذكر أن ثمة أجيالاً متواصلة من الأدباء والفنانين أسسوا آفاقاً مغايرة بين جدران تلك المقاهي البغدادية، على ما يقول جمال حيدر. فمقهى الشابندر الذي مضى على تشييده ثمانية عقود، ظل يحتفظ بخاصية اعتباره منتدى أدبياً لسوق السرايا ومحاذياً لشارع المتنبي.

عرف الطريق الى المقهى، العديد من الشخصيات الأدبية والثقافية العراقية، إذ كان بدر شاكر السياب يتخذه مكاناً أثيراً، متوحداً مع ذاته بين التخوت القديمة التي احتفى بها الزمن طويلاً. وبين جدران المقهى تمّ تأسيس أول اتحاد للأدباء العراقيين. وفي مقهى البرازيلية افتتح مسار الحركة التشكيلية العراقية على أيدي جواد سليم وجماعته، فكتب في مذكراته بعد لقائه بالفنانين البولونيين، تلامذة الفرنسي بونار، في ذلك المقهى: "الآن عرفتُ اللون. الآن عرفتُ الرسم". ومن رواد المقهى بلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي وغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي وفائق حسن.

لقد كانت بغداد برج بابل للثقافة. يصفها عزيز الحاج بأنها كانت أيضاً برج بابل للديانات والطوائف واللغات والأزياء. وبأنه كان لليهود فيها دور مهم في حياة العراق الاقتصادية والتجارية والثقافية، وكان لهم تنظيمهم الخاص (الحاخامية) لحل مشكلاتهم الخاصة. ويقال إن الحكومة العراقية تواطأت عام 1950 مع الانكليز لتهجير اليهود العراقيين الى إسرائيل، وكان عددهم نحو 120 ألفاً، وذلك بإصدار "قانون إسقاط الجنسية لسنة 1950". وفي عهد توفيق السويدي تقرر إسقاط الجنسية عن اليهودي العراقي الراغب في ترك العراق. ولما لم تندفع الأكثرية اليهودية نحو الهجرة، قيل إن عملاء "الموساد" قادوا تنظيمات لتنفيذ عمليات تفجير في أماكن تجمّع اليهود لخلق حال من الرعب ودفعهم الى الهجرة الجماعية. وهذا ما حصل.

وكان ثمة في بغداد الكثير من المسيحيين والأرمن والأتراك والكرد.

حملت مركزية بغداد كثراً من الفلاحين الهاربين من جور الإقطاع وظلم الطبيعة، للجوء الى أحزمة بؤسها، فامتدت الأكواخ الطينية في مناطق النهضة والشاكرية والكرخ في مواجهة الزمن العاثر. وأحاطت مدن جنوبية ببغداد ومدّتها بالعمالة الرخيصة. ومع قرار حكومة عبد الكريم قاسم إلغاء أحزمة البؤس وتوزيع الأراضي السكانية مجاناً، نمت مدن كاملة ظلت تحتفظ بموروثات الجنوب وعاداته وعلاقاته، وأنشئت مدينة "الثورة والشعلة". وبعدما استوطن أهل الجيل الثاني من المهاجرين، ورثوا مهناً رسمية واستولوا على سر الخوف والعزلة والمهانة.

منذ منتصف الستينات، وقبيله بقليل، امتد العمران الحديث ليقضم أطراف المدينة وبساتينها، وقد طاول التشويه ذاكرة الأحياء البغدادية. إذ ان اكتساحاً ديموغرافياً بلا هوية كان يساهم في "خروج المدينة من ذاتها فولدت المدينة الحديثة" (جمال حيدر). بيت اثر بيت وشارع اثر شارع، الى أن قامت مدينة مغايرة على تخوم المدينة القديمة وماضيها.

طرأ تحوّل ديموغرافي على بغداد بعد ثورة .1958 كانت تلك السنة عهداً جديداً في حياة الفن العراقي. ففي حلول أول الستينات كانت الدولة تستعد لاحتضان التراث، فما كان على الفنان في رأي شاكر حسن آل سعيد سوى أن يمضي قدماً في استيعاب التراث والأدب الشعبي. وفي سنة 1961 صنع جواد سليم نصب الحرية الذي منح عقد الستينات بهاءه وانتشله من ركام النسيان.

 

جيل الستينات من هو؟

في مقهى البرلمان، وفي مقاه أخرى، ولد جيل الستينات، وتبلورت أول الاتجاهات المتمايزة في فضاء الثقافة العراقية التي اتخذت من المقاهي جغرافيا وجودها وإشكالات رؤيتها الخلاّقة.

يصف سامي مهدي المشهد العام لحركة الشعر الستيني في العراق بأن أعضاءه "كانوا كثيرين يعدّون بالعشرات"، ومنهم فاضل العزاوي وسركون بولص وعبد الرحمن طهمازي ومؤيد الراوي وصادق الصائغ وصلاح فائق وأنور الغساني وفوزي كريم وسامي مهدي وعبد القادر الجنابي وجان دمو وغيرهم. جاؤوا من محافظات العراق المختلفة وأقاموا في بغداد ليدرسوا ويتعلموا، وكانت لهم تجمعات صغيرة تلتئم في المقاهي، وخصوصاً في البلدية والبرلمان والبرازيلية، أو في بارات شارع أبو نواس. حتى أن صادق الصائغ يروي أن السجالات الصاخبة كانت تجري في تلك البارات بين أفراد جيل الستينات، والتي تتحول أحياناً شجارات تنتهي في مراكز الشرطة حيث يكتشف العسس أن الشجار كان من أجل قصيدة أو فكرة.

وسط هذا الخليط المتنافر من الأفكار والرؤى والإيديولوجيات، كان أكثر الأدباء والفنانين يبحثون عن حلم، بعيداً عن الأحلام التي وعدتهم بها الأحزاب التي كانوا ينتمون إليها.

أما على المستوى الأدبي فلم يكن ثمة حركة ثقافية ذات حضور حقيقي خارج هؤلاء. ولم يكن ثمة أدباء مجددون أكبر منهم سناً ليتصلوا بهم أو ليحاوروهم، أو ليتعلموا منهم. فبدر كان قد مات، وذهب البياتي والملائكة والحيدري وآخرون الى خارج العراق. وحتى لو أن هؤلاء ظلوا حاضرين وفاعلين في الحياة الثقافية البغدادية، لما كان الشبان يرضون بما يسمعونه منهم ويقرأونه لهم (على قول سامي مهدي). إذ كانوا يبحثون لأنفسهم عن آفاق جديدة، وكانت أنظارهم وأفئدتهم وأحلامهم عالقة بالخارج. كان ثمة بيروت ينظرون إليها بشغف، ويلاحقون أعداد مجلة "شعر" ومجلة "حوار" وما يتفاعل في صفحاتهما من تجارب شعرية، عربية وأجنبية، وما يروج على صفحات "شعر" خصوصاً من نظريات وآراء وقصائد وترجمات وأفكار.

صار كثر منهم يفضلون توفيق صايغ وأدونيس وأنسي الحاج على السياب والبياتي والحيدري والملائكة. أما القادرون منهم على الإنكليزية فراحوا يبحثون عن مبتغاهم في دواوين من الشعر العالمي. من هؤلاء من تأثر بشعراء البيتلز الأميركيين فصار يقلّد نبراتهم الغاضبة وينظر الى ألن غينسبرغ وكورسو وكيرواك بدهشة وإعجاب. ومن هؤلاء من كتب "قصائد ميكانيكية" وتحدث عن "قصائد الرسم". بل أن منهم من دعا الى "تكعيب الشعر" وشغف بأدب اللامعقول، وصولاً الى رواج المفهومات السوريالية والدادائية.

كان هؤلاء الستينيون ينظرون الى الشعر والأشياء والمفهومات بحساسية جديدة. يقول عبد القادر الجنابي إن الرؤية الشعرية التي تميز بها عدد من شعراء جيل الستينات يمكن تشخيصها بأنها محاولة للبحث لا عن الجماعي (السياسي والثقافي والاجتماعي) بل عن الفردي الذي يبحث عن موقعه في العالم تقرباً من ذاته، حاملاً جدله كي يجد موقعه هذا.

القطيعة مع معطيات جيل الرواد الشعرية كانت في اتجاه القصيدة، وليس في اتجاه إيديولوجيا بديلة. فالشعر الستيني "مغامرة في فخاخ العقل الغامضة والمسالك الوعرة" (فاضل العزاوي)، في حين أن الشاعر الخمسيني كان واقفاً خارج الأشياء وعجز عن أن يتحول الى شاعر ثوري مجدد ومكتشف للحلم الانساني.

وعلى هذا تشكلت حركة جيل الستينات من ظروف ذاتية وموضوعية خاصة (ولم تكن الظاهرة محلية عراقية بل عربية وعالمية). إلا أن فاضل العزاوي يقول إنه ما من مجموعة شعرية أو فكرية في العالم العربي كله حوربت مثلما حورب جيل الستينات العراقي. وما من جيل تعرض للتخوين مثلما تعرض ذلك الجيل. ففي خلال أعوام قليلة فقط، قدّم ذاك الجيل رؤيا جديدة الى الكتابة والخلق، لكن الفئات السياسية قمعته بضراوة داخل السلطة وخارجها، فقد جرى إبعاد أبرز ممثليه عن المراكز الثقافية وألغيت مجلاتهم ومُنعوا من النشر وتعرض كثر منهم للاعتقال والملاحقة.

ففي العام 1969 مثلاً، صدرت مجلة "شعر 69" وكانت أول مجلة شعرية في العراق وصاحبة أول مشروع شعري. فهي كانت شهادة ميلاد الجيل الشعري الستيني في العراق. وبعد العدد الرابع، أوقفت المجلة. فقد كانت وزارة الإرشاد تعمل على إعادة تنظيم الصحافة وإصدار قانون جديد للمطبوعات، فصدر أمر بإلغاء امتيازات صحف ومجلات عديدة بينها "شعر 69".

 

صدّام صدّام

حدث هذا في السنة الثانية بعد تسلّم صدام حسين السلطة. اللافت أن العالم كان يتحول نحو الحرية عام ،1968 فيما كان العراق يتوجه نحو الديكتاتورية. وليس هذا بغريب، فصدّام الذي لمع نجمه من العدم في صفوف البعث، كان قد أثبت كفاءته للمرة الأولى، حين نجح في اغتيال شخصية بارزة من أنصار الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم في مدينة تكريت، مسقط صدام. ومنذ وصوله الى السلطة قضى على أحزاب المعارضة وعلى منافسيه داخل حزب البعث نفسه. حتى أصدقاؤه ورفاقه، طاردهم بلا هوادة.

أما بغداد فقد تحولت الى شكلها الحالي في أواخر السبعينات. وكان النظام منهمكاً في تصفية المعارضة الداخلية وخوض الحرب الأهلية ضد المواطنين الأكراد. ما بين 1971 و،1982 جرى تهجير عشرات الألوف من أكراد الفيلية في بغداد بتهمة أنهم من الفرس. وتم اضطهاد الشيعة فازدهرت السجون والمعتقلات ومنصات الإعدام. حينذاك شعرت القيادة السياسية العراقية بالأمن ووحدة الصف والثقة بالنفس، وكانت هذه كلها شروطاً مسبقة وضرورية لإقدام صدّام على قرار شن الحرب على إيران في ربيع 1980 (بحسب سمير خليل). ومنذ ذلك الحين تحولت بغداد بين ليلة وضحاها ورشة بناء عملاقة، فشُقّت فيها الطرق الجديدة والعريضة ووُضع برنامج عاجل لإنشاء شبكة من قطارات الأنفاق الى جانب الكثير من النصب التذكارية. وتحوّل التاريخ والأدب والفن ابتذالات رخيصة بذريعة إحياء تقاليد ما بين النهرين القديمة والتراث الإسلامي.

وفي أثناء الحرب العراقية - الإيرانية تمّ تحطيم تمثال ابو نواس بعدما صدرت فتوى قومية في اعتباره فارسياً. ومن المضحكات المبكيات أنه تمت إزاحة تمثال شاعر المجون ثم إعادته فإزاحته من جديد.

هي بانوراما جزئية من بارانويا الانتماء البعثي الذي وُلدت سيطرته على الثقافة قبل وقت طويل من تسلمه السلطة. فالأفكار التي أدت الى إضفاء الشرعية على سلطته في النهاية، كانت سائدة في المجتمع خلال الستينات.

على أن الثقافة التي أوجدها البعث في العراق هي نتاج الدولة بالكامل، وتتسم بطابع "المحاكاة" لرغبات السلطان وأهوائه الفكرية والفنية. لقد حوّل صدام أحلامه الخاصة ففرضها بالقوة على كل العراقيين، "فأطفأ شعلة الفن ومنح التفاهة سيادة كاملة"، تحرسها أجهزة مخابراته وحرس جمهوره.

وفي المقابل ستنتشر الجاليات العراقية وثقافتها في المنافي والأقاصي.

 

ثقافة العنف

واذا كان الخليفة المنصور قد انشأ بغداد لنفسه ولأسرته ولحاشيته الامنية، فقد بنى صدام قصوره "الهذيانية" لنفسه ولحرّاسه ولبذخه وطغيانه ونشاماه، معتبراً انها "قصور الشعب". انه الفرعون الجديد مريض الابنية الهذيانية.

وبدلاً من ان تواصل بغداد ازدهارها الذي بدأ في الخمسينات وتصاعدت وتيرته في الستينات، أتت السبعينات علامة ارتكاس. لقد فقدت بغداد في العقود الاخيرة كثيراً من معالمها العريقة، وهاجر الكثير من نخبها المثقفة، او جرى تهجيرهم، وتراجعت القيم والافكار والممارسات والاخلاق الى الوراء، وساد منطق العنف والقسوة. فشاع أدب المنفى. وقلما جرى الكلام عن أدب الداخل لأن في ذلك شبهة، فأغلب ما يكتب في الداخل العراقي يقوم على "مكرمة النشامى" حتى ولو كانت تقطر دماً. وعلى هذا يلاحظ سلام عبود في كتابه "ثقافة العنف في العراق" (دار الجمل) ظهور عدد كبير من الروايات، ربما فاق في حجمه ما كتب في تاريخ العراق خلال عقود، اكثر من خمس وسبعين رواية، واغلب هذه النتاجات تعود الى اسماء جديدة. "لقد كان تطوير نص الحرب هو ثمرة الحرب. الحرب نفسها جعلت جواد الحطاب وعدنان الصائغ وغيرهما يظنون وهماً او صدقاً، انهم بانخراطهم فيها سواء بالقتال او الكتابة، ستمنحهم موقعاً في الحياة لا ينافسهم عليه أحد (...) لقد منحتهم الحرب ثقة بالنفس". تعرض سلام عبود اثناء تقصيه آثار العنف في الثقافة العراقية المعاصرة الى عدد من الاسماء المعروفة، متناولاً اكثر من مئتي نص أدبي وغير أدبي، فلم يكتف أدباء الداخل برشق "القائد" بعبارات الهوان والذل، بل اخذوا يكيلون الاتهامات للمنفيين. ومن المفارقات الطريفة والمخزية، ما قاله عبد الرحمن مجيد الربيعي عن اولئك الذين "اشتروا ذمماً لتكون لهم مواقع في خارج الوطن عندما يغادرونه"، مبرراً سر انتمائه الى "اتحاد أدباء" الداخل الواقع تحت الاشراف الصدامي البعثي "في الحصول على مواد تموينية من الجمعية الاستهلاكية التابعة لهذا الاتحاد". وفي كتابها "اذا الايام اغسقت" تبيّن الكاتبة حياة شرارة التي ماتت بما يشبه الانتحار، شبح الميليشيات البعثية المرعب في الجامعات العراقية، والتي تصنع الخوف وتوفره في كل لحظة، وتبدو بغداد في مثل هذه الاجواء كأنها في معتقل دائم او هي السجن الكبير الذي يحمل مفتاحه الجلاد التكريتي.

ينقل فاضل العزاوي ان وزارة الثقافة اصدرت قبل ثلاثة اعوام بيانا طلبت فيه من جميع الذين يملكون نسخاً من كتب لعدد من كتّاب المنفى، تسليمها الى وزارة الثقافة لقاء وصل والا عرّضوا انفسهم للعقاب. وفي فترة تالية نشرت قوائم تصف عشرات الخلاّقين الموجودين في الخارج بالارتداد. ان محنة الثقافة العراقية في الداخل (يقول العزاوي) هي اشد وأقسى من المحنة التي يتعرض لها المثقفون في الخارج. فالمسألة في الداخل تتعلق اساسا بالبقاء على قيد الحياة. وفي إزاء هذا يتحول كل كاتب في الداخل الى مشروع سفر. ذلك ان اجواء الحكم الوحشي، جعلت المنفى علامة الحرية بالنسبة الى كل عراقي، لكن بعض هذا الادب يبدو اكثر حماقة وتفاهة من ادب الداخل المرهون للبعث.

وفي السنوات القليلة الماضية شاء صدام أن يلج عالم الأدب فأصدر ثلاث روايات فصار نموذجاً يحتذى به في الكتابة الروائية وتُكتب من اجله المقالات المدحية والقصائد التي تتقاطر من كل صوب. وهو يتعامل مع الآخرين على اعتبار انه العراق بثقافته ومجتمعه وتاريخه ونبوخذ نصره.

يصدر صدام الروايات، وهو لم يتردد في العام 1995 عن اسقاط الجنسية العراقية عن ثلاثة شعراء حضروا الى مهرجان الجنادرية الثقافي في السعودية. الثلاثة هم سعد البزار والجواهري والبياتي، وهذان الاخيران توفيا في المنفى السوري، وايضاً هادي العلوي. وتوفي بلند الحيدري في الغربة اللندنية، وتعاند نازك الملائكة المرض في ظل الحصار، حتى ان الكثيرين ظنوا انها في ذمة الله، فيما لجأ فؤاد التكرلي الى بلاد زوجته في تونس، ويتجول سعدي يوسف في مدن العالم منفياً، ومثله فاضل الغزاوي وفوزي كريم وعبد القادر الجنابي وكاظم جهاد وجليل حيدر وخالد المعالي وغيرهم.

هذا غيض من فيض من صور بغداد المريرة، والصورة الاكثر مرارة عن "مدينة السلام" هي التي تأتي الينا من خلال نشرات الاخبار الفضائية، وكانت تبيّن كيف يبيع الشعب العراقي ممتلكاته وذخائره في الاسواق الرخيصة. اما الآن فتركز على المواقع العسكرية والصناعية والرئاسية التي يزورها المفتشون الدوليون باحثين عن اسلحة الدمار الشامل.

حين دخل الجنرال ستانلي مود على رأس قوات بريطانية، صباح 11/3/،1917 وقابل الاهالي، بادرهم في اليوم التاسع عشر من الشهر نفسه، بإذاعة منشور مخاطباً فيه اهالي بغداد، بأن "جيوشنا لم تدخل مدنكم واراضيكم في منزلة قاهرين او اعداء، بل في منزلة محررين!". غير ان الانكليز سرعان ما نقضوا الوعود.

واليوم، عشية الحرب المحتملة على العراق التي تطلق فيها الادارة الاميركية تعابير "التحرير" و"الديموقراطية" لاكتساب الجماهير العراقية، الارجح ان انصاب الكوكاكولا ستكون بديلاً من تماثيل صدام، وسيعود جيمس بوند الى السينما. وبالطبع هذا ليس دليلاً على ان اهل بـغـداد سـيعيشون الدعة والحرية والديموقراطية.


 

PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | naharpost | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help


 

Copyright © 2003 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.