الاحد 16 شياط 2003

 


 

صرخة من أجل العراق

سيرة بغدادية

بلدٌ لن أرى

تراجيديا العود

قصيدتان

تحت شرفة الغناء والشجن

فنّ الموت ونحت القيامة

بيت القصيد

ثلاثة وجوه للعراق

واقعية

كيف نحمل العبء وننهض بعد الطوفان؟

الدليل

الملحق الثقافي

سلامتك

الاغتراب اللبناني


الصفحة الرئيسية

مساعدة

 

ثـلاثــــــــة وجــــــــوه للعــــــراق

قــراءة في روايــات للتـكـرلي وحــلاّوي والإنبــاري

كـاظــم جـهــاد

متاهات الألومنيوم، لصالح الجميعي.

باريس...

يتصل بي "ملحق النهار" الأدبيّ، عبرَ صوت الصديق الشاعر عقل العويط الأنيس إلى نفسي، يدعوني للمساهمة في عدد خاص مكرّس للأدب والفن العراقيين في هذه اللحظة العصيبة والحافلة بالترقب من تاريخه. الزمن المتاح لي لكتابة المقالة المطلوبة لا يتعدّى بضعة أيّام (أقلّ من أسبوع)، وأنا غادرت الصحافية الأدبيّة منذ أكثر من عشر سنين وفرضتُ على نفسي نوعاً من البطء أراه ضروريّاً. ثمّ إنّ حاجتي للتوثيق لا يمكن أن تجد مرماها في هذا الوقت الوجيز. ولذا قرّرت ألاّ أتكلّم عن الشعر العراقيّ في السنوات الأخيرة (وهو الذي تتمحور حوله دعوة "الملحق")، لأنّ أغلب المجموعات الشعريّة الدالّة لا يقبع في هذه الساعة بين يديّ. ومع أنّي لستُ من نقّاد الرواية، وإنْ كنتُ من قرّائها المواظبين، فقدت آثرت الالتجاء إلى ثلاث روايات بدتْ لي بالغة الدلالة على الوجوه الحقيقية للاغتراب العراقيّ في داخل البلاد وخارجها. وهنا أيضاً يؤسفني أني لن أقدر على الكلام عن هذه الروايات إلاّ من الذاكرة (نسيتُ حتّى أسماء أبطالها أو شخصيّاتها المحوريّة)، لأنّي أرسلتُ نسختي من كلّ منها إلى دار متخصّصة بترجمة الأدب العربيّ إلى الفرنسيّة لتنظر في إمكان تقديمها للقرّاء في لغة فلوبير وستاندال.

مواد مختلفة، لمحمد مهر الدين.

رسم ليحيى الواسطي.

"خاتم الرمل"

تعود أولى هذه الروايات الثلاث إلى كاتب مكرّس يناهز السبعين من العمر، نضج في وطنه بعد عودته من دراسة القانون في باريس، والتحق بالشتات العراقيّ منذ ما يقرب من عشرين عاماً. هو الكاتب المعروف فؤاد التكرليّ، وتعود الأخريان إلى كاتبين من الجيل الذي لم يتعدّ الأربعين إلاّ بقليل، والذي نضج في المنافي وأعرب عن وجوده الأدبيّ منذ سنوات قليلة. هما جنان جاسم حلاّوي وشاكر الإنباري. وإذ أهب هذه المقالة عنوان "ثلاثة وجوه للعراق"، فأنا أفعل ذلك بالطبع تكريماً لذكرى الكاتب الأردنيّ غالب هلسا، صاحب الرواية الفذّة "ثلاثة وجوه لبغداد".

لم ينتبه النقد العربيّ كثيراً لرواية فؤاد التكرليّ ما قبل الأخيرة "خاتم الرمل" (دار الآداب، بيروت). صحيح أنّها ليست بضخامة "الرجع البعيد" و"المسرّات والأوجاع"، وقد لا يكون لها الامتداد الروائيّ نفسه. لكنّها تبدو لي دالّة على حالة أساسيّة وتشكّل نموذجاً آخر لهذه المآزق الوجوديّة التي طالما برع التكرليّ في تصويرها. مرّة أخرى نجدنا أمام بطل من أبناء الطبقة المتوسّطة أو ما فوق المتوسّطة بقليل، مع كلّ ما يرافقها من خصوصيّات لا أقول عراقيّة بل بغداديّة". خصوصيات وقف التكرلي على أسرارها منذ اول اعماله. قلب "بغدادية" لا لأنني أنفي عن بغداد صفة تمثيل العراق، بل لأنّ العواصم غالباً ما تدفع بالتناقضات السياسيّة والاجتماعيّة إلى أقصى مداها، وغالباً ما تراها تبتعد عن روح البلاد العميقة وتمسخها. ولعلّ كاتباً لبنانيّاً سيقول الشيء نفسه عن بيروت، مثلما سبق أنْ قال رامبو الشيء نفسه عن باريس.

بطل "خاتم الرمل" مهندس مثقّف يعمل في بغداد، يعشق الموسيقى وينوء بأعباء غربة داخليّة تضعه، من حيث الزمن الوجوديّ، على مسافة سنوات ضوئيّة من محيطه الاجتماعيّ. لا نريد أنّ نصنع من التكرليّ معارضاً سياسيّاً أو منفيّاً، وهو الذي ربّما كان يعدّ نفسه كاتباً مهاجراً لا شأن مباشراً له في السياسة أو في التعبيرات الاحتجاجيّة المباشرة. ومع ذلك، فإنّ الرواية تتخذ بكامل الوضوح في صفحاتها الختاميّة بعداً احتجاجيّاً لا غبار عليه. وهنا يكمن في اعتقادنا واحد من وجوه الرفض والتمرّد اللاصقة بكلّ عمل فنيّ أصيل، بمجرّد أنّ يترك المبدع المبادرة لعناصر عمله، تاركاً إيّاها تحيا مأزقها العميق من دون توجيه قد تمليه رؤية ايديولوجيّة ولا تحكّم قد ينبع من حذر شخصيّ.

منذ الصفحات الأولى، نلتقي بطل الرواية في وضعيّة خطيب يؤجّل زواجه من خطيبته إلى ما لا نهاية له. وهو يفعل ذلك لدواعٍ يتّضح، بشيء من الغموض الثريّ الذي يبرع التكرليّ في الحفاظ عليه حتّى النهاية، أنّها محض نفسيّة. هو كائن رهيف، عاجز عن التقدّم إلى الزواج، وفي الأوان نفسه هو عاجز عن فسخ الخطوبة. ومنذ البداية، نرى إليه وهو يتعرّض لحملات الكلام والتنديد المبطّن تارة والسافر طوراً تأتيه من شقيقة الفتاة المخطوبة ومعها كامل أسرتها وطبقتها. شيئاً فشيئاً يُطبق على البطل حصار بسيكولوجيّ واجتماعيّ سيقود إلى خطّ نهايته بحروف من الدم. هو نوع من كافكا مقذوف في جحيم أثرياء بغداد الجدد وطموحاتهم الماديّة وفهمهم المنطقيّ الصارم لكلّ شيء، وعزوفهم عن الغموض الثريّ وليل الدواخل الذي يمكن أن يكون أكثر سطوعاً من نهارهم المكفهرّ كلّه. وإنّ هذا المزج بين كافكويّة لا افتعال فيها وعراقيّة مفهومة من الصميم ومستوعبة في أدنى خباياها النفسيّة والتاريخيّة هو ما يمنح أسلوب التكرليّ في اعتقادنا فرادته.

هذه الجحيم التي ينساق إليها البطل من دون أن يكون اقترف من "ذنب" سوى اقترانه النهائيّ بزمنه الداخليّ المتردّد وإيقاعه البطيء بل المتلكّىء (كتب كافكا في يوميّاته: "أنا متلكىء لأنّني عميق")، أقول إنّ هذه الجحيم ترفع الرواية إلى مصاف شهادة فنيّة (ولا نقول سوسيولوجيّة) على مجتمع في فترة حاسمة من تاريخه: فترة الإثراء الجديد ومشاريع البناء العمرانية الصارخة والقائمة على خلفيّة قوامها تهديم الكيان. وهنا ليس عديم الدلالة أن يكون بطل الرواية مهندساً عمرانيّاً. بل إنّي لأرى في هذا الطباق بين البناء والهدم استعارة مكثّفة عن تغريبة شعب العراق على أرضه وتحت سمائه وفي غمار ليله. فإذا ما بلغنا نهاية الرواية، فرضت الدلالة السياسيّة للعمل نفسها بوضوح وقوّة. فبعد تهديدات متوالية ودعوات للإذعان والتخلّي عن المخطوبة المؤجّلة الزفاف، يلقى البطل مصرعه على يد واحد من الطامعين بالفتاة. بكامل الغموض، غموض ملتبس وخفيّ، يتقدم القاتل (واحد من أصحاب النفوذ والهيمنة) للبطل المتردّد. يصرعه بمسّدس صوّبه إليه من سيّارته، بعد تهديدات أوصلها إليه عبرَ آخين، منهم مدير المكتب الذي يعمل فيه البطل، أي مهندس مثله.

لا شكّ أنّ هذا البطل المحبط يقف نموذجاً دالاً على فئة كاملة من أبناء العراق. كائنات رهيفة، أرواح ذات لطافة تنسحق تحت جهامة الإجماع القائم على الوضوح العقلانيّ والمر اكمة الماديّة ورفض التردّد النفسانيّ العميق والزمن الشخصيّ. ومن حسن حظنا كقراء أنّ هذا الليل الكثيف الذي ينسدل على البطل رويدا رويدا يجد مقابله الساطع في شخصيات او لحظات آسرة في جمالها وحنوّها الكبير، بها يتجلى هذا الوجه الآخر لأبناء البلاد. خال البطل مثلا، الذي يزوره الاخير في شقته المتواضعة غير بعيد عن شاطىء النهر، والذي يجمع اجمل خصال الفرد العراقي السابق لمجيء الاثرياء الجدد، يوم لم يكن  الخراب الروحي قد عمّ الجميع او يكاد. يزوره البطل في لحظات حاسمة من هذه السيرورة الجهنمية التي تصوّر اشتداد مأزقه وتكاثف الظلام حوله. وفي كل مرة، ومع كل محاورة تنعقد بين الاثنين تكون جزيرة من النور قد ارتسمت في افق الرواية. هذه الزيارات للخال المحتضر والنابض بالحياة تهب الرواية ايقاعا موازيا ونقطة ارتكاز ضرورية.

وهناك ايضا تلك اللحظات، لحظات طويلة ومتواترة في الرواية، التي يصوّر فيها الروائي التجاء البطل الى عالمه الشخصي في غرفته التي تشغل الطبقة العليا من البيت الذي يتقاسمه وامه وشقيقته. هنا يتجلى شغفه بالموسيقى، شغف مرسوم بروعة، ومقدّم كعبادة سرية وابحار في عالم نذوري شفيف، لا اثر فيه لذلك التنطّع ولا لهذه الغطرسة التي تتخذ من بيتهوفن وموزار سبيلا لتأكيد رهافة منعدمة او تبحّر مزعوم كما نجد لدى البعض ممّن يزعمون معرفة الموسيقى بين ادباء العراق.

 

"ليل البلاد"

الرواية الثانية هي "ليل البلاد" (دار الآداب، بيروت) لجنان جاسم حلاوي، المقيم حاليا في اسوج، وصاحب رواية "يا كوكتي" التي لفتت النقاد والقراء حال صدورها عن "منشورات الريس" في .1991 بعد مرور ما يقرب من خمسة عشر عاما على وضع الحرب العراقية - الايرانية اوزارها، يعود الروائي اليها ليهبنا العمل الروائي الذي بقي مفتقدا عن هذه الحرب. ولست لأتردد عن القول ان نجاح العمل جاء " في مستوى" انتظار الكاتب واشتغاله البطيء على "موضوعه". هوذا روائي كبير لا يعرف له القراء الا عملين اثنين يأتياننا من كاتب معروف بعزوفه عن الاضواء وبُعده عن التجمعات (وضعية يتقاسمها وزميله وصديقه الانباري، وسأعود اليه).

منذ الصفحة الاولى يزج الكاتب ببطله في معمعان حرب تتهيأ وكل شيء ينذر بأنها ستكون طويلة، مدمّرة وساحقة. تدور اغلب احداث العمل في البصرة، مدينة الكاتب والموضع المثالي الذي يمكن منه رصد آثار هذه الحرب. من معسكرات التدريب والمعتقلات الرهيبة التي ترافقها والتي يُزَج فيها كل من تحدثه نفسه بالهرب او التقاعس، الى الشوارع المظلمة والحارات المقصوفة والاسر التي تجد نفسها مدفوعة بقدر ما تتصاعد اعمال الحرب الى الانزواء في حجرات بيوتها السفلية، فأقبائها حيث تتقاسم العيش والفئران والغبار، غبار تاريخي متراكم على الاثاث والاشياء والنفوس. وبعد هرب غير موفق من الحرب، تتلوه فترة اعتقال تعاش في ظروف يكاد الواقع فيها يتجاوز الخيال، ينجح البطل في الهرب الى كردستان، حيث يُعتقل ايضا صحبة رفيق له، قبل ان يخوضا الى جانب الاكراد معارك طاحنة بين فصائل مقذوفة في صراع لا يفقه الاثنان منه شيئا ولا يقفان على مفاتيحه. وبعد محاولة مخفقة في الهرب الى الخارج عبر الحدود التركية، يقرر البطل (وقد فقد رفيقه) العودة بأوراق مزورة الى بيته الولادي في البصرة. هناك يعيش متخفيا ملتحفا بالانقاض في منزل غادره الجميع. وفي نهاية الرواية يصاب الجنود الاميركان بالذهول اذ يرون امامهم كائنا طويل شعر اللحية والرأس، شبيها بالعائد من كوكب آخر او من زمن آخر.

ان ثلاثة عناصر تتضافر لتصنع نفاذ هذه الرواية وتلخّص براعة كاتبها. هناك اولا الواقعية، واقعية متطرفة تصف الزحف المتدرج والشامل لعناصر الخراب. المعتقل الذي يساق اليه البطل مرة اولى لأنه حلق شاربيه، ومرة ثانية لأنه حاول الهرب ليلا، وساعات الحراسة الطويلة في ليل مجلل بالغموض، وعمليات التدريب المغرقة في "التراجيكوميديا" واجواء الحرب التي تلتحم فيها الاجساد الآدمية بالمعادن الذائبة والوحل المحترق ويضطر فيها المرء الى السير على اكداس من الجثث ليجد طريقه. وهناك ثانيا الوفاء لما يمكن دعوته مع ميشال بوتور، ولو بهدف تعميق السخرية المرة، "عبقرية المكان". من ردهات الاعتقال والتعذيب والمساحات الصحراوية التي يشقها البطل في هروبه المنذور للفشل والمخابىء المرتجلة والفخاخ غير المتوقعة والمتاريس المكتظة بالبشر والسلاح، الى شعاب جبال كردستان التي يخترقها في ليل جليدي وسط تراشق النيران الكثيف كائن يتقرى المكان كمثل من يتهجى ببالغ الصعوبة شهادة ميلاده او قرار موته. هذا كله يصفه الكاتب بحذق واناة وشاعرية، بها يجعل من المكان في تحولاته المستمرة والتحامه الدائم بالحدث وانغماسه فيه، عنصرا اساسيا للعمل ومصهرة كلية تشارك في صناعة المعنى وتفجير الشعور. العنصر الثالث هو هذا الاستغوار النفسي الذي به يرصد الكاتب ادنى افكار بطله وهواجسه، في رحلة  مضنية عبر واقع خيالي يتخبط هو فيه ويندفع بلا قرار منه الى دوامته المستعرة والمتنقلة. عبر هذا كله، ينجح الكاتب في اضفاء غلالة من الصوفية على هذه الرحلة الرهيبة يخوضها انسان اعزل سُلبتْ منه حرية الاختيار ويناضل ليحافظ بشتى الوسائل على انحيازه النهائي والكلي للحياة.

 

"موطن الاسرار"

الرواية الثالثة هي "موطن الاسرار" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - عمّان) لشاكر الانباري، المقيم حاليا في دمشق، بعد سنوات عديدة امضاها في الدانمارك. كتب الانباري روايات ومجاميع قصصية عديدة ولكن هذه الرواية بدت لي اكثر ملاءمة لهذه الوقفة التي شئت ان اعرض فيها ثلاثة وجوه متكاملة لاغتراب ابناء العراق. وسأقف امام هذه الرواية وقفه وجيزة، لأنني انوي ان اخصها، هي او مجمل عمل الكاتب، بوقفه اخرى اكثر اناة.

تنتمي هذه الرواية الى روايات السيرة الذاتية، ولكن الكاتب يفلح في تحقيق مسافة كافية مع الذات المتكلمة في العمل بما يصنع من عمله رواية بالمعنى المليء والتام للكلمة. يصف فيها تمزق البطل بين عالَمين، عالم اوروبي اضطر هو الى مغادرته، وعالم شرقي، اجواء مدينة دمشق التي اختار ان ينتقل الى العيش فيها لأنها عاصمة البلد الأقرب جغرافياً الى بلده المنفي هو منه، والاكثر شبها به. ليس هناك ما يوحي أن حياة البطل في الدانمارك كانت تعاني شظفا ماديا او صعوبات عملية قاهرة. بل هو محاط بطبيعة آمنة ومنخرطة في حياة زوجية دافئة. لكنه يضطر الى مغاردة البلاد والابتعاد على مضض عن زوجة برازيلية مهاجرة مثله، يحبها، ولديه منها ابنتان رائعتان، ولكنها لم تشأ ان تشاركه هذه العودة الى الشرق. عودة هي استعادة للجذور، بل اكثر من ذلك، لنوع من الالفة صار يتصاعد لديه الاحساس بافتقاده في عوالم الشمال الباردة المظلمة. يعود البطل - الكاتب الى الشرق ويتقاسم حياة الدمشقيين من غير كثير اوهام ولا غرائبية مستعادة، وهنا يكمن احد مصادر قوة العمل وصدقيته الضرورية. فالكاتب لا يصوّر المدينة من خلال سحر الشرق الفولكلوري والطيبة المتناهية لأبنائه، بل يصور اصدقاءه في تناقضاتهم اليومية وانكساراتهم الوجودية المتنوعة. وتحتل موقع الصدارة في العمل فتاة يقابلها في دمشق، تحاول التحرر عبر الحب، محاولة يائسة وعنيدة في آن واحد. ولعل هذا العناد في اختيار الحياة والهيام بمعنى ممكن قد تناوله في ما وراء تخبطاتها المريرة، هو ما يشده اليها، حتى ليجعل من التقائه اياها العنصر الحاسم الذي يملي عليه قراره في البقاء في دمشق وقد جاءها اول الامر زائرا في عطلته الصيفية.

شأنه شأن حلاّوي، يعرب الانباري عن براعة فائقة في رسم العوالم الداخلية للافراد. برّاعة ظلت تنقص الادب السردي العراقي في نماذج كثيرة. فإذا الكائن انتظار وتوق ومحبة وترقب لجسور قد توصله الى الآخرين، يتوسل اليها، في استقراء عميق ونباهة دائمة. اشارات الجسد وايماءات اللغة وظلال المعنى المتاخمة  لما لا يفلح الكلام في قوله وما يتطلب مقاربة كلية لا تجد في اللغة الا احد مفاتيحها.

هي وجوه ثلاثة ترسم باجتماعها جغرافيا مروّعة لمنفى واحد ومتعدد. يبدأ الامر بتصوير التكرلي غربة العراقي في مجتمعه، غربة يمليها اختلافه ورهافته وتقوده الي موت عنيف يأتي ليضع نهاية لموت نفسي متدرج ومرير. ولدى حلاّوي نقف على عوالم الموت الجماعي، مع ما يصاحبه من فظاعات يتوسل الكاتب لتطويعها لغة بالغة الثراء وقدرة على التصوير متجددة المصادر. ومع الانباري نعيش، بلغة بالغة الشاعرية، بحثا محموما يعيشه اغلب العراقيين عن الفة لا يجدونها في الغرب ويداعب الكثيرين منهم الحلم باستعادتها إن لم يكن في الوطن نفسه فعلى قاب قوسين او ادنى من الوطن.


 

PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | Ad Rates | naharpost | Classified Ads | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help


 

Copyright © 2003 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.