|
|
 |
|
رياح الحوار تخفق في
موازاة السلطة والحرب (تزمجر) في المنطقة (حرب باردة) في أجواء بيروتية ساخنة والحرب على العراق تحاصر بغداد
ولا تجتاحها !
القصة بدأت في النصف الثاني من شهر آذار
.2003 رئيس الحكومة رفيق الحريري، توصَّل الى قناعة، تقول بأن وجوده في
بيروت، يمعن في تأزيم علاقاته برئيس الجمهورية العماد اميل لحود. واهتدى
الى الحل، (السفر أفضل من المواجهة)، والإنشغال بالأحداث الاقليمية،
وملاحقتها على الصعيد الدولي، أجدى له ولسواه من الإنهماك بالقضايا
الداخلية. ولذلك، قرر القيام بجولة عالمية، تشمل اليونان، بوصفها الرئيسة
الدورية لـ (الاتحاد الأوروبي) والدانمارك وفرنسا وألمانيا والروسيا. وراح
يأخذ مواعيد لزيارة زعمائها، بغية الإعراب عن التأييد لمواقفها المعارضة
للحرب الأميركية - البريطانية على العراق وتأييدها للسلام والتسوية السلمية
عبر مجلس الأمن الدولي. واعتبر رئيس الحكومة، انه بهذه الجولة يدعم الموقف
السوري المناهض للحرب، والمحتضن لإرادة الشعب العراقي في مواجهة
العدوان. يوم الجمعة الواقع فيه الحادي والعشرون من شهر آذار الماضي، كانت
اتصالاته قد اكتملت، وتلقى مواعيد رسمية لمقابلاته في اثينا وبروكسل وباريس
وبرلين وموسكو. وعلى الاثر طلب من مساعديه، الاتصال بالصحافيين الذين يودّ
أن يدعوهم الى مرافقته في هذه الجولة الأوروبية، خصوصاً وانه كان قد تشاور مع
الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد حول جدواها. يوم السبت كان رئيس الحكومة
مجتمعاً بعدد من أصدقائه النواب من أعضاء كتلته في قريطم. حمل الرئيس
الحريري سمّاعة الهاتف، وطلب من عامل الهاتف أن يصله بالقصر الجمهوري في
بعبدا، ليتحدث الى رئيس الجمهورية اميل لحود. بعد لحظات أخذ الهاتف، وكان
الرئيس لحود على الخط المقابل. وبعد تحية الصباح، بادره بأنه يرغب في
زيارته، فردَّ رئيس الجمهورية بأنه عادة لا يعمل يوم السبت، لكنه مرتبط
بمواعيد خارج القصر. وقال رئيس الحكومة انه سيغادر البلاد ولا بد من
زيارته، فإذا لم يكن يوم السبت، فليكن يوم الأحد. إلا أن الرئيس لحود،
أجابه بأنه مرتبط أيضاً بمواعيد. وأجابه رئيس الحكومة، انه إذن سيكون عنده
الساعة الثامنة من صباح الاثنين في 24 آذار. لكن الرئيس لحود أجابه:
الساعة الثامنة والنصف أنا في الإنتظار. ويوم الأحد جرى الاتصال
بالصحافيين الذين سيرافقونه خلال جولته هذه لإرسال حقائبهم الى قريطم في
اليوم نفسه. كان الرئيس الحريري يساوره شعور بأن بداية الربيع في 21 آذار،
ستكون بداية لربيع مزهر بالود والتفاهم بين رئيس الجمهورية وبينه. لكنه شعر
أن رهاناته على الربيع كانت خائبة دائماً، وان الربيع الجديد لن يخرج على هذه
القاعدة. الثامنة والنصف من صباح الاثنين، عرج على القصر، وأبلغ سيد بعبدا
انه متوجه الى دمشق، لمقابلة الرئيس الدكتور بشار الأسد، وانه كان يرغب في
لقائه السبت أو الأحد ليودعه قبل سفره الى أوروبا في رحلة قد تستغرق طوال
الأسبوع. اللقاء كان عادياً و(ناشفاً)، لكنه ودَّعه ليعود ويتوجَّه الى
دمشق، ويودِّع الرئيس الأسد أيضاً. وعندما عاد في نهاية الأسبوع، زاره عدد
من النواب، مهنئينه بسلامة العودة، ونقلوا اليه استياء رئيس الجمهورية من
تصريحاته خلال جولته الأوروبية. وعندما اتصل به صباح السبت، ليزوره قيل له
إن الرئيس لحود غير موجود، فسافر الى دمشق، حيث استقبله الرئيس الأسد واطلع
منه على نتائج رحلته الأوروبية الجديدة. وبقي اللقاء المتوقع بينهما
معلَّقاً، الى أن قيل ونشر ان مجلس الوزراء سيعقد ثلاث جلسات خلال الأسبوع
الماضي، الاثنين، جلسة للكهرباء، والخميس سيعقد المجلس جلستين لجدول أعمال
جلستين مؤجلتين، الى أن حسمها رئيس الحكومة، بعقد جلسة واحدة. والاتفاق
السابق ماشٍ. لا يدرج على أي جدول أعمال أي بند، لا يوافق رئيس الجمهورية على
إدراجه، ولا يطرح أي موضوع للتصويت، باعتبار ان رئيس الحكومة يملك أصواتاً
مرجحة لرأيه. الصاعق موجود ولوحظ ان الصاعق الكهربائي موجود، باعتبار
ان الجلسة كانت مخصصة للكهرباء، وان هناك تقريرين متناقضين حول خصخصة
الكهرباء، ولأوضاع شركة (كهرباء لبنان) واحد لوزير الطاقة محمد بيضون وثانٍ
لرئيس مجلس الادارة المدير العام كمال حايك. ونظراً لحرص الوزراء على عقد
جلسة هادئة، و(غير مكهربة) فقد ارتؤي على أن تمر الجلسة بهدوء، ومن دون
مناقشات حادة، ومقررات حاسمة. تجاوز مجلس الوزراء (القطوع الأول) وبقي
الثاني جاثماً فوق رؤوس الجميع، بسبب وجود بند الهاتف الخليوي، بين البنود
المدرجة على جدول أعمال المجلس. (عدّة المعركة) كانت جاهزة للشغل، من أجل
أن تمتد اليها الأيدي وتشرع في استعمالها. الموضوع الأساسي للخلاف، صراع
مزمن بين وزير الاتصالات والمجلس الأعلى للخصخصة. التفاصيل: وزير
الاتصالات وقَّع اتفاقاً مع شركة (اريكسون) لتركيب عدادات على أجهزة تسجيل
الهاتف ورصد الاتصالات. رئيس الحكومة كلَّف وزير العدل السابق ووزير
الدولة الحالي بهيج طبارة إعداد دراسة، يؤكد فيها ان الاتفاق بين الوزير
والشركة ينطوي على ثغرات قانونية، وبالتالي فإنه مليء بالمخالفات
القانونية. وزير المالية فؤاد السنيورة رفع تقريراً الى مجلس الوزراء،
يورد فيه أن وزير الاتصالات يقوم بجباية رسوم غير قانونية. الوزير جان لوي
قرداحي يفنِّد التقريرين المشار اليهما للوزيرين طبارة والسنيورة في دراسة
تقع في 400 صفحة ورفعها الى مجلس الوزراء. في هذه الأجواء الملبَّدة
بغمائم الخلافات، نشطت الاتصالات لتفادي معركة يحرص الكثيرون على تجنّبها
وإبعاد كأسها عن الشفاه. جلسة بعد ظهر الاثنين مرَّت في سلام، مع انها
كانت جلسة مخصصة لموضوع الكهرباء، وهي أصلاً (مكهربة). أما جلسة الخميس
فإن كل عناصر الخلاف جاهزة على طاولة الوزراء، في المقر الخاص للمجلس عند
المتحف. يوم الثلاثاء أعلن عن وفاة والدة السيدة هلا فارس عقيلة نائب رئيس
مجلس الوزراء عصام فارس. وحُدِّد موعد التشييع في اليوم التالي، أي يوم
الأربعاء. ولبنان في معظم سياسييه، صعد الى بلدة بينو مسقط رأسها لحضور
الجنازة والتشييع. وكان من بين الذين حضروا العميد الركن الدكتور رستم غزالي
رئيس جهاز الاستخبارات في القوات السورية العاملة في لبنان. وخلال وجوده
في بينو، لتمثيل الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد، في المأتم، أتيح له
متابعة الموضوع مع بعض الوزراء الذين أفادوه بأن الجو (مكهرب) بين المسؤولين،
وتمنّوا عليه القيام بجهود تنزع فتيل التوتر، وتبرِّد الأجواء
الساخنة. وبالفعل، عرج العميد غزالي، في طريق عودته من عكار الى عنجر، على
قصري عين التينة وقريطم، ونصح بالتهدئة، وبسحب بند الهاتف الخليوي من جدول
أعمال مجلس الوزراء. وبعد الاتصالات واللقاءات اتصل الرئيس الحريري
بالرئيس لحود واتفقا على اللقاء صباح الجمعة، أي بعد جلسة مجلس الوزراء، لئلا
يُقال انهما تفاهما من وراء ظهر الوزراء، كما حدث خلال جلسة الاتفاق على ملف
الخليوي، حيث اجتمعا ساعة ونصف الساعة وحدهما، ثم اجتمع مجلس الوزراء لمدة
نصف ساعة، وجرى إقرار الاتفاق، على وهج حرارة اتفاق (غسل القلوب) الذي عاش
قرابة الأربعة أشهر ثم تداعى وانهار. إلا أن الاجتماع صباح الجمعة، أحال
معظم القضايا المتنازع عليها، على لجنة وزارية لدرس الموضوع. لكن ما هو
غافل عن معلومات السياسيين، ان الرئيسين لحود والحريري اتفقا على تمرير معظم
الأمور العالقة، ومنها التعيينات العائدة الى مجالس الادارة، على أساس
(التفاهم الثنائي) على معظم أعضائها، من دون التقيد بمقترحات
الوزراء. وعلم ان هذا الأمر، أغضب الوزير سليمان فرنجيه الذي قال لعدد من
أصدقائه، (رجعنا الى حكايتنا القديمة، اذا اتفقا فإنهما يتفقان علينا، واذا
اختلفا فتكون قد راحت على البلد). أضاف بلهجة واثقة: لن أوقِّع على أي
قرار، يتفقان عليه، وانني على استعداد لممارسة دوري الوزاري حتى الآخر.
وعندما أقول لن أوقِّع، فإنني أعني ما أقول، وهذا يعني ان الدستور أعطاني
حقاً وصلاحيات لن أفرِّط بها، والمصلحة العامة فوق كل مصلحة. هذا على
الأقل ما يعود اليّ، كوزير للصحة. ولستُ بحاجة الى محاباة أحد، أو الى السير
في ركاب أي مسؤول. ماذا بينهما ? لماذا التوقف عند الأمور الجوهرية،
والتقارب عند الأمور الشكلية? يجيب وزير بارز على هذا السؤال، (بأن الزواج
بالإكراه لا يستقيم)، وان الودّ المفقود أساساً بين الرئيسين لحود والحريري،
ما زال مفقوداً باستثناء فترة اتفاق (غسل القلوب) الذي عاش عمراً قصيراً لم
يتجاوز عمر الأزهار. والقصة، وما فيها ان الرئيس لحود، حاول في بداية عهده
فتح كل ملفات (عهد الحريري) في رئاسة الحكومة، وأحال معظم رموزه الى القضاء،
لكنه انتهى في انتخابات العام 2000، الى جعله يكتسح بيروت انتخابياً، ويفرض
نفسه رئيساً للوزراء عليه، ويخرج رئيس حكومته الدكتور سليم الحص من المعادلة
السياسية بعد هزيمته القاسية أمامه. ومن أسباب هزيمة الرئيس الحص، ان
حكومته أقرت وهو رئيس حكومة، (تقسيم بيروت) الى ثلاث دوائر انتخابية، لأن
حسابات مَن أشرفوا على الانتخابات، تأمين فوز ثلاثة زعماء من بيروت (طوّبوا)
لهم مناطقهم الانتخابية. الدائرة الأولى للرئيس الحريري ومرشحيه، الدائرة
الثانية للسيد تمام سلام وقائمته والدائرة الثالثة للرئيس الحص
ولائحته. والمفارقة السياسية ان الرئيس الحص لم يستقل أو لم يهدد
بالاستقالة اذا وافق مجلس الوزراء على إحالة القانون على المجلس النيابي
لإقراره، وان الرئيس الحريري قال لمن بيدهم الأمر، إنه يعارض تقسيم بيروت،
لكنه لن يقاطع الانتخابات النيابية. ويومئذ، شعر رئيس الجمهورية ورئيس
الحكومة، ان المعركة خرجت من أيديهم، ذلك ان الحملة الرسمية على الحريري،
وحملة (تلفزيون لبنان) عليه، بادارة مباشرة من عناصر في الدولة، والقوى
المحرِّكة للانتخابات، شجَّعت بغبائها وقلّة إدراكها لعواطف الناس، على
(تطويب) بيروت بدوائرها الانتخابية الثلاث للرئيس الحريري،. وإلحاق هزيمة
شنعاء بالسلطة. وقيل، يومئذ، إنه لم تكن السلطة في الانتخابات سلطة واحدة،
بل كانت موزَّعة أشلاء منثورة هنا وهناك. وذهب ضحية تلك المعركة (تلفزيون
لبنان) الذي دفع من تاريخه وكفاية موظفيه وادارييه، ثمن هيمنة سلطة عليه، لم
تحسن الدفاع عن مرافقها، بعدما استنفدتها بمداخلات وتدخلات افتقرت الى الخبرة
في السياسة، وهي أساساً دخيلة عليها. عقدة الانسجام بعد عامين ونصف عام
من عمر الحكومة، لا يزال (الزواج بالإكراه) هو مشكلة (المساكنة) غير
المستقرّة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. ويقول سياسي مخضرم إن
المشكلة ليست في الملفات المختلَف عليها، بل في (العِقَد الشخصية) الكامنة
بينهما، و(إن المشكلة شخصية أكثر منها سياسية). ويضيف: لو أن الرئيس
الحريري يختصر طول الطريق، ويقول إنه مع رئيس الجمهورية تمديداً لولايته أو
تجديداً لها، فإنه يربح العامين الباقيين من الولاية، ويعيش سمناً وعسلاً مع
رئيس الجمهورية. إلا أن سياسياً آخر، يقول إن هذا الكلام ينطوي على
إساءات، لأن رئيس الجمهورية يعمل على تطبيق الدستور الذي أقسم يمين المحافظة
عليه، ولا يريد سوى ذلك، لأن همَّه إرساء دولة القانون والمؤسسات في ظل
ولايته الحالية. وأعاد السياسي المخضرم الى الأذهان المقولة السائدة منذ
أكثر من نصف قرن، وهي أن رئيس الجمهورية يكون امبراطوراً في العامين الأولين
من ولايته، ليهبط في السنة الثالثة الى رتبة رئيس، وانه في السنة الرابعة
يفكر في التجديد، وفي السنة الخامسة يفكر السياسيون بتقصير
ولايته. ويستطرد: هذا قبل الطائف، أما بعده، فإن كل رئيس جمهورية، منذ عهد
الرئيس الياس الهراوي، يصبح يفكر تلقائياً بتمديد ولايته أو
تجديدها. ويقول متابعاً: المشكلة الآن أن رئيس الجمهورية همُّه أن يبدد من
تفكير الناس، أن رئيس الجمهورية أصبح ضعيفاً بعد تقليص صلاحياته في (اتفاق
الطائف) ونقل العرْف من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعاً، لا الى
رئيس الحكومة. ولذلك، فانه يحرص على ترؤس معظم جلسات مجلس الوزراء، على
قاعدة دستورية تقول ان رئيس الحكومة، اذا حضر جلسات مجلس الوزراء يترأس،
ولذلك، فانه يحضر الجلسات في الغالب، ويرئسها وفقاً للدستور، وليس كما كان
سائداً في عهد الرئيس السابق للجمهورية، حيث كانت تعقد الجلسات مرة في بعبدا،
ومرة في السراي، ويقال ايضا انه مواظب على حضور الجلسات ليضع حدّاً لتسلّط
رئيس الحكومة على الدولة. طبعاً، لا أحد ينكر ان رئيس الجمهورية يمارس
قوته، انطلاقا من دور أساسي لسوريا، تعتبر فيه ان لرئيس الجمهورية الدور
القيادي الأول في تراتبية الدولة، طالما هي ترعى الوضع في لبنان، لكن رئيس
الحكومة لم يتعوّد على ان يكون دوره ثانوياً، قياساً الى الرئاسة الأولى، وهو
يشعر بدوره القوي داخلياً بعد انتخابات العام 2000، وعالميا بحكم شبكة
العلاقات الدولية التي أقامها مع رؤساء العالم، ولا سيما مع الرئىس جاك
شيراك. ولذلك، فان السياسي المخضرم نفسه، يقول ان الرئيس الفرنسي، يستطيع
ان يقول لأي رئيس دولة في العالم، انه يريد ان يستقبل رئيس حكومة لبنان، فيرد
بأنه يرحب به، ويستأذنه لحظات لتحديد موعد رسمي له بين مواعيده المقررة وغير
المقررة. يضيف: ان الرئيس الحريري، لا يتصور ان تفتح له قصور العالم،
ويقفل في وجهه أبواب القصور في لبنان. تلك هي المشكلة: رئيس جمهورية يريد ان
يمارس مهماته بقوة شخصيته، وبقوة موقفه الاقليمي، وبصلابة وحدة التوجه
السياسي بين لبنان وسوريا، ورهانه على ان سوريا تمحضه الأولوية في تراتبية
السلطة. وبتابع: ان رئيس الحكومة الذي يرمى بسهام التشكيك بنياته وغموض
مساعيه الدولية، يدرك انه يتعرض لحملات خفية من داخل الحكم، لاضعافه، ولذلك
فهو لا يريد الخلاف مع أحد، ويهرب من الواقع الداخلي الى الفسحة الدولية، على
أمل انه (يبتعد) عن النار المحرقة في الداخل، والعمل على اراحة سوريا في
الخارج. ووسط هذا التشكيك يدفع الناس ثمن الخلافات بين أهل الحكم، ضرائب
ورسوماً وجوعاً وتداعيات على كل صعيد. ويستطرد: الى ان جاءت الحرب
الاميركية ـ البريطانية على العراق. فاذا بها تخلط بعض الأوراق في الكتاب
السياسي، وتفرز واقعاً سياسياً في البلد، ولا سيما بعد البيان الذي أصدره
(مجلس المطارنة الموارنة) الشهر الماضي، وما تبعه من رسائل من سوريا، وأخرى
صدرت في حديث سياسي للرئيس الدكتور بشار الاسد، تشيد بالبطريرك صفير وتنوّه
بمواقفه وتعاطفه مع مواقف البابا يوحنا بولس الثاني. وفي تلك المرحلة،
التقط الأستاذ وليد جنبلاط موقف بكركي، وراح يعمل على تسويقه في الساحة
الداخلية، من أجل حوار هدفه بلورة وحدة وطنية، تحقق الفرز بين العناصر
المواكبة للبطريرك والمتحفظة على مدّ الجسور مع الدكتور بشار الاسد داخل
(قرنة شهوان). وصعد الزعيم التقدمي على رأس وفد من (اللقاء الديمقراطي)
الذي يرئسه الى بعبدا، لدعوة الرئيس لحود الى رعاية الحوار، وردّ سيّدها بأن
أبواب بعبدا مفتوحة للجميع، لكنه لن يدعو أحداً اليه، وان كان يرحب بكل من
يطلب موعداً لزيارته. وعقب جنبلاط على كلام رئيس الجمهورية، بدعوته الى
التقاط اللحظة الوطنية، كحسن التقاطه للحظة الاقليمية، فشدد على ان ذلك، يصبّ
في وحدة الموقف والصف مع الشقيقة سوريا. وأحب النائب الكتائبي الدكتور
انطوان غانم، ان يلطّف الجو، ويزيده انفتاحاً، فتمنى على الرئيس لحود، ان
يبقى على طويته الحوارية فيجمع الجميع تحت رعايته ولو كان هناك من رأى ان لا
فائدة من استمرار الحوار، بعد اقفال الـ(إم. تي. في). وعقب الرئيس لحود
بأنه باقٍ كما كان، راعياً للجميع، لكنه تميز طوال حياته بعناده، خصوصا في
اللحظات العصيبة، وأنا عنيد في الحق، وعنيد في الموقف الوطني، وعنيد في
الموقف الحواري، ومن رأى ان لا جدوى من الحوار، فهو حرّ في رأيه، لكنه لا
يستطيع ان يلزم سواه بموقفه. أدرك الحاضرون ان رئيس الجمهورية لا يمزح في
مواقفه، فهو متصلّب بما يراه صحيحاً، وقال بعضهم انه لا يزال عند لحظة
انتخابات المتن الفرعية. ولذلك فقد تقرر ان يستقبل رئيس الجمهورية الأستاذ
وليد جنبلاط وحده الى غداء عمل لمتابعة الموضوع في أجواء أكثر صفاء
وهدوءاً. أجواء جديدة وكانت، الأمور في البلاد تتبدل، وأصبحت فيها
غمائم لا تلبث ان تنقشع وتتبدد معها الأزمات. ولوحظ ان ظروفاً جديدة تخيّم
على جماعة (الخندق الواحد) توحي بحصول (تعديل طفيف) في المعادلة السياسية
الداخلية، كلما تقدمت ظروف الحرب الاقليمية. وهذا ما جعل سياسيا كبيراً،
يقول أمام عدد من السياسيين، ان في البلاد حرباً باردة مشتعلة بين أبناء الصف
الواحد، وفي الخندق السياسي الواحد، مقابل حرب ساخنة اقليمية، تلفح لبنان
وسوريا، من خلال احتدام نار القتال على الجبهة الاميركية ـ البريطانية في
العراق. ويتابع: في بداية الأسبوع كان الأميركان يتراجعون وينكفئون أمام
المقاومة الباسلة للشعب العراقي في الجنوب والشمال، لكن المعركة تبدَّلت
ظروفها في يومها الخامس عشر!! ويقول السياسي الكبير، ان المعركة تبدّلت من
محاصرة بغداد الى اجتياح مطار صدام الدولي، وأصبحت على أبواب عاصمة
الرشيد. والمعركة أخذت منحى جديداً، المطار تحوطه أخبار غامضة، وأبواب
بغداد تتداولها السلطة العراقية والجيوش الاميركية، و(محور الحرب) يفتّش) عن
كيفية حلّ المسألة العراقية، وتسليم السلطة الى ادارة أميركية ذات خلفية
عراقية، أو الى اقامة مشروع سلطة في (أم القصر)، لأن معركة بغداد قد تطول
وتستمر طوال شهر نيسان الجاري. وفي بداية الأسبوع، نشأت عوامل محلية
جديدة، فقد أصبح النواب ولا سيما في (اللقاء التشاوري) الذي (فبركوه) لدعم
السلطة، بغض بعض أركانه الطرْف، عن كل كلام ينطوي على تعريض بالسلطة،
ويتقبلون منطق الحوار غير المربوط بولاء كامل لـ(ثوابتها السياسية). وهذا
ما جعل بعض السياسيين، يقولون ان الحكم بدأ ينحسر بعناده السياسي ما كان
يتمتع به داخليا، ويراهن عليه اقليميا. ويكشف نائب بارز، ان الأستاذ وليد
جنبلاط يئس من دعوته الى حوار مع المعتدلين في قرنة شهوان فأصبح يتخوف من (17
أيار جديد) يحاك ضدّ سوريا، ولا بد من جبهة تعمل على احباطه، على غرار جبهة
(الخلاص الوطني) التي ضمّته والرئيس سليمان فرنجيه والرئيس نبيه بري. وكان
اجتماعه يوم امس الأول أي السبت الماضي، مؤشراً بارزاً، الى الاقتراب الطبيعي
من موقف السلطة، لكنه انكفأ قليلا الى موقفه عن موقفها، عندما رأى ان لا جدوى
من حوار بلا هوية، في ما كان موقف الوزير فرنجيه متميزاً عن موقف
السلطة. والوزير فرنجيه شدّد على ان الحوار ضروري، ولو كان لكل من
المتحاورين آراء متعارضة، قائلا ان المهم الالتقاء والكلام، وعندما يعبّر كل
فريق عن رأيه، فان الحوار يحصل، وليس شرط الحوار الاتفاق على موقف واحد، بل
شرط الحوار تبادل الآراء والانفتاح، لأن الانغلاق مصيبة على
البلد. والوزير فرنجيه حقق قفزة نوعية في موقفه السياسي، فهو بقدر ما
يبتعد عن (الخندق الواحد) مع العهد، ينتقل الى الحديث عن (الخندق الواحد) مع
رفاق الصف، ويقال انه يدهش الناس، عندما يتكلم في المجالس الخاصة عن زملائه،
ويمحضهم أوصافاً رائعة ولا سيما النواب الموارنة في (اللقاء التشاوري) مؤكدا
انه يذوب في الآخرين ولا يتقدم عليهم. ومنذ مدة طفق الوزير فرنجيه، يتحدث
عن (الرأي الآخر)، داعياً الى قبوله والانفتاح عليه، ومؤكداً ان لا معنى
للحوار، من دون الاهتداء الى (الرأي الآخر)، لان ذلك يعني خسارة خصوصية لبنان
الديمقراطية، وفي صلبها الايمان بعدم التمسك بالموقف الواحد، لان هذا مناقض
لمنطق الحرية، ومخالف لقواعد التنوع السياسي والديمقراطي، وإلاّ يصبح لبنان
أمام محنة (الديمقراطية الأميركية) المساندة لكل الأنظمة التوتاليتارية في
العالم.
فؤاد دعبول
|
|

| / |
|
![]()

|
| ز |
|
|
|