الاستيطان قضى على اوسلو

اذا كانت اتفاقية أوسلو عام 1993 قد بعثت الأمال في فلسطين كما في اسرائيل، فإن فشلها أغرق الشعبين في دوامة مميتة. ولهذا الفشل أسباب عديدة لكن أولها استمرار عمليات الاستيطان.

إن "إعلان المبادىء حول الترتيبات الانتقالية للحكم الذاتي" الذي تم التفاوض عليه في اوسلو وتوقيعه في واشنطن في 13 ايلول/سبتمبر 1993 يمثل أول اتفاق بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. ويهدف الى "مقايضة الأرض بالسلام" كما يهدف ضمنا إلى إقامة دولة فلسطينية على قاعدة قراري مجلس الامن الدولي 242 و338. كان يفترض خلال فترة خمس سنوات اعتماد "تدابير بناء ثقة" ومن بينها أول الانسحابات الاسرائيلية. لكن الملفات الرئيسية (وضع الأراضي المحتلة والقدس والمستوطنات واللاجئين...) قد أرجئت إلى مفاوضات الوضع النهائي المفترض البدء بها في السنة الثالثة كحد اقصى على أن تدوم سنتين. وعملا بمعاهدة جنيف الرابعة، يفترض أن لا يلجأ أي من الاطراف إلى تغيير وضع الأراضي أو الوضع الديموغرافي.

أراضي ممزقة

في الرابع من أيار/مايو 1994 تم التوقيع على اتفاقية القاهرة المعروفة بـ "أوسلو واحد" والتي تلحظ حكما ذاتيا لمنطقة أريحا في الضفة الغربية و60 في المئة من قطاع غزة وإقامة سلطة وطنية فلسطينية فيهما. أما اتفاقية "أوسلو٢" الموقعة في نهاية ايلول/سبتمبر 1995 فإنها توسع الحكم الذاتي إلى مدن جنين ونابلس وطولكرم وقلقيلية ورام الله وبيت لحم المصنفة ضمن "المنطقة أ" تحت الإشراف الفلسطيني (٣ في المئة من الاراضي الفلسطينية المحتلة و20 في المئة من السكان). تبقى المدن والقرى الأخرى ضمن "المنطقة ب" حيث تحتفظ اسرائيل بالإشراف "الأمني" والسلطة الفلسطينية بالإدارة المدنية (24 في المئة من الأراضي و68 في المئة من السكان)، على أن تبقى "المنطقة ج" تحت السيطرة الاسرائيلية. اعتبر هذا التقسيم إنتقاليا على أن تقوم اسرائيل بانسحابات تدريجية غير محددة المساحة وقد قامت بها جزئيا وفي مهل متأخرة.

لكن القفزة التي شهدتها عمليات الاستيطان سوف تفرغ المشروع من مضمونه. ففي القدس الشرقية ارتفع عدد المستوطنين من 141 الفا عام 1992 إلى 170400 عام 2000، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة انتقل العدد من 109784 عام 1992 إلى 213672 عام 2001. وقد أحكمت اسرائيل طوق الاستيطان حول القدس مع رخص البناء التي وافقت عليها حكومة نتنياهو في مستعمرة هار حوما. ويترافق ذلك كله مع انتزاع ملكية الأراضي وهدم المنازل وانشاء شبكة كثيفة من الطرق المخصصة للمستوطنين: فبحسب منظمة بتسيليم الاسرائيلية، يحتل المستوطنون 1،7 في المئة من مساحة الضفة لكنهم يسيطرون على 41،9 في المئة منها. هكذا تم تقطيع الأراضي الفلسطينية وإخضاع سكانها للرقابة على تحركاتهم بين معاقل الحكم الذاتي المعزولة.

في قمة كمب ديفيد في تموز/يوليو من العام 2000، أكد الجانب الفلسطيني موافقته التي تعود إلى العام 1988 على دولة فلسطينية تقوم على 22 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية مقابل 78 في المئة لدولة اسرائيل. لكن ايهود باراك لم يكن ينوي في أفضل الاحوال إعادة اكثر من 91 في المئة من الاراضي المحتلة (دون الجزء من القدس الذي أعلن ضمه إلى اسرائيل ووادي الاردن) أما المناطق التي سيتم ضمها كي يتجمع 80% من المستوطنين فستقسم الضفة الغربية إلى ثلاثة أقسام. كما اصطدمت المفاوضات بوضع القدس وحق العودة للاجئين. وعبثا حاول المفاوضون التوصل إلى اتفاق في طابا في كانون الثاني/يناير من العام 2001 حين استقال رئيس الوزراء الاسرائيلي ليفسح المجال أمام انتخابات مبكرة خاسرة سلفا بالنسبة اليه.

 في غضون ذلك، اندلعت الانتفاضة الثانية (ايلول/سبتمبر2000) بعد الزيارة الاستفزازية التي قام بها أرييل شارون إلى الحرم القدسي. فبعد سنوات من المفاوضات غير المثمرة، وضعت الانتفاضة لنفسها هدفا هو الاستقلال. فكان القمع الاسرائيلي غير مسبوقا وبلغ عدد الضحايا الفلسطينيين 2000 مع نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2002 كما سقط 672 اسرائيليا غالبيتهم في العمليات الانتحارية.

انتخب الزعيم اليميني رئيسا للحكومة في شباط/فبراير 2001 وعمد بالرغم من توصيات لجنة تقصي الحقائق التي رأسها السناتور الأمريكي جورج ميتشل إلى تسريع وتيرة الاستيطان وتدمير كامل البنية التحتية تقريبا للسلطة الوطنية الفلسطينية. وتم اجتياح المدن الفلسطينية ابتداء من 2001 واحتلالها بصورة مؤقتة ومن ثم اجتياحها بصورة شبه دائمة مع عملية "السور الواقي" في نيسان/ابريل 2002 بدءا بجنين ونابلس.

لقد أخضعت المناطق الفلسطينية لحصار خارجي وكذلك داخلي بواسطة الحواجز الاسرائيلية. والأسوأ أن اسرائيل بدأت بإقامة جدار يفترض ضم أراضي جديدة مما يهدد ساكنيها "بالترحيل". إن في تكرار الاعلام الاسرائيلي لفكرة الترانسفير وفي تقبلها الحديث في الأوساط اليهودية وفي ممارسات الجيش والمستوطنين على الأرض مظاهر تثير القلق. ألا يبقى أرييل شارون مكررا لقوله "أن حرب 1948 لم تنته بعد"؟

 

الضفة الغربية عشية الانتفاضة الثانية


جميع الحقوق محفوظة 2003© , العالم الدبلوماسي و مفهوم