الجزائر، أزمة عميقة الجذور

بعد أن بدت كمنارة للعالم الثالث في السبعينات، غرقت الجزائر في الحرب الأهلية على خلفية الفشل في محاولات التحديث. وقد زاد تشدد الجيش في المحافظة على امتيازاته، من حدة المواجهات التي لا تزال تفتك بهذا البلد منذ 1992.

في العشرينات توافق الشعبيون والإصلاحيون الإسلاميون على تعريف عربي إسلامي للقومية الجزائرية التي كانت جبهة التحرير قد حملت رايتها منذ ولادتها في تشرين الثاني/نوفمبر 1954. فعند الاستقلال طالب العلماء المسلمون برفض العلمنة (آب/اغسطس 1962). وعند استيلاء أحمد بن بلاّ على السلطة بمساندة "جيش الحدود" بقيادة هواري بومدين، اضطر إلى محاربة رفاقه السابقين ومن بينهم حسين آية احمد ومحمد بوضياف من أجل تمكين الجيش من احتكار السلاح. فاستفادت النخبة الدينية بحصولها على قانون جنسية يتناسب مع تطلعاتها (آذار/مارس 1963) وأدخل التعليم القرآني إلى المدارس.

وقام بن بلا، الشعبوي ذو الميول الاشتراكية، بتأميم أملاك المستعمرين ووضعها تحت نظام الإدارة الذاتية (آذار/مارس 1963) . لكنه لم يتمكن من تعزيز سلطته بعد أن واجه العديد من المشكلات الاجتماعية وعجز عن السيطرة على لعبة الأجنحة المتنافسة والمحسوبيات. وفي 19 حزيران/يونيو 1965 انقلب عليه وزير دفاعه العقيد هواري بومدين الذي لم يتردد من أجل تعزيز سلطة الدولة في القضاء على زعماء المقاومة الداخلية السابقين. وقد أطلق برنامجا طموحا للتنمية شمل التأميمات والتصنيع والإصلاح الزراعي. وقد حوله التزامه لقضايا العالم الثالث إلى ناطق باسم دول عدم الانحياز.

مجازر على خلفية المصالح النفطية

 

لكن حدود انجازاته ظهرت في حياته: خراب في الزراعة وتبعية غذائية، أزمة في التجهيزات وفي المنتجات الاستهلاكية، تفاقم المقاومة القبائلية بسبب سياسة التعريب الهادفة إلى طمس الفروقات. وعند وفاته (1979)، ومع وصول الشاذلي بن جديد إلى سدة الرئاسة، كانت البيروقراطية قد خصخصت الدولة لصالحها. ففشل التحديث من فوق في جميع الميادين بينما أدى تعميق الفروقات إلى إعادة انتاج شكلية المجتمع الكولونيالي. وفي وضع تم فيه استيعاب الأطراف الاجتماعية الفاعلة بات مصدر الخطر على النظام هو في الجماعات الطائفية من قبائل أو اسلاميين.

بدأت القطيعة في نيسان/ابريل 1980 مع "الربيع القبائلي". ففي مواجهة مطالب البربر، عمدت دولة جبهة التحرير إلى تعبئة القوميين العرب والاسلاميين ومنحت إلى المحافظين قانونا للعائلة يبقي المرأة في وضع التبعية للرجل (1984). لكن الناشطين الاسلاميين كانوا يطالبون "بإعادة تقييم" علاقة الدولة بالاسلام. وعندما تراجعت الدولة عن التزاماتها الاجتماعية بسبب ضغط الديون والأزمة المالية (1986) حل الاسلاميون محلها واستقطبوا المهمشين في المجتمع. وخلال احداث الشغب في تشرين الاول/اكتوبر 1988 والتي وضعت حدا لهيمنة الحزب الواحد، اعتمدهم النظام كوسطاء مع الشارع.

نتائج الانتخابات التشريعية في كانون الاول/ديسمبر 1991

 

 

كان علي بلحاج وعباسي مدني أول الاسلاميين الذين تنطحوا لتأسيس حزب سياسي، الجبهة الاسلامية للإنقاذ التي فازت في الانتخابات البلدية عام 1990.و بعد الدورة الأولى من انتخابات في كانون الاول/ديسمبر 1991 التشريعية، والتي فاز فيها كل من الجبهة الاسلامية للإنقاذ على الصعيد الوطني وجبهة القوى الاشتراكية بزعامة آية احمد في منطقة القبائل، أدى تعليق العملية الانتخابية إلى حقبة من انعدام الاستقرار الدائم: قيام الجيش بإسقاط الرئيس بن جديد (كانون الثاني/يناير 1992)، إيقاف الانتخابات، اغتيال خليفة بن جديد الرئيس بوضياف الذي كان قد اعتبر منقذا (حزيران/يونيو 1992)، ومنع الجبهة الاسلامية للانقاذ الخ...

في هذا الإطار المتأزم ظهر نظام الحرب الأهلية الأليم. وقد تواجه فيه الجيش والمخابرات العسكرية وملحقاتهما من جهة والجبهة الاسلامية للإنقاذ وخصوصا التوجه العامل تحت اسم "الجماعة الاسلامية المسلحة" من جهة اخرى . وتقارب حصيلة هذه الحرب الـ 200 ألف قتيل .

في ظل حال الطوارئ والاضطراب العام بات "التحول نحو الديموقراطية" انتقالا من الشعبوية إلى الليبيرالية المافيوية. وتكررت اقتراحات الحلول من مؤتمر روما (1995) إلى قانون الوئام المدني الذي اقترحه الرئيس بوتفليقه بعد انتخابه عام 1999.ولكن المحاولات بأشملها توقفت أمام رفض الجيش على الدوام للقبول بوجود حزب إسلامي مستقل. في هذه الاثناء يستمر التوجه إلى تجزئة الجزائر حيث منطقة القبائل تحترق وحيث عجز المجتمع المدني يشجع خيار المغامرة.


جميع الحقوق محفوظة 2003© , العالم الدبلوماسي و مفهوم