الشرق الأوسط وافريقيا الشمالية، منطقة حامية
إخفاق التطبيع بين اسرائيل وجيرانها
كان من شأن رفض حق تقرير المصير للفلسطينيين أنه أغرق الشرق الأوسط في حروب على مدى نصف قرن. وبعد اتفاق أوسلو في العام 1993 عقدت اسرائيل مع عدد من جيرانها علاقات ديبلوماسية أو تجارية لكنها تعطلت بعد تجدد النزاع الفلسطيني. وقد اقترحت القمة العربية المنعقدة في بيروت (في آذار/مارس عام 2002) تطبيعاً شاملاً رفضته الحكومة الاسرائيلية.
هناك حدث تاريخي يتم تجاهله في قصة النزاع الاسرائيلي ـ العربي. ففي 12 أيار/مايو عام 1949 وفي مؤتمر لوزان، وقعت اسرائيل مع الدول العربية التي كانت قد خرجت مهزومة عسكرياً أمامها، بروتوكولاً قائماً على قرارين رئيسيين صادرين عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة حول فلسطين، وهما مشروع التقسيم (في 29 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1947) وحق العودة للاجئين (11 كانون الأول/ديسمبر عام 1948). في ذلك اليوم بالذات تم قبول اسرائيل عضواً في الأمم المتحدة ولكنها رفضت بعد ذلك التفاوض بشكل جدي. ومما كشفه الياهو ساسون الذي كان رئيسا للوفد الاسرائيلي أن "العامل المعطل اليوم هو اسرائيل. فهي بموقفها ومطالبها الحالية تجعل القسم الثاني من فلسطين غير صالح لأي مشروع إلاّ لمشروع واحد وهو أن تضمه إليها إحدى الدول المجاورة وبالأخص الأردن."
وفي الحقيقة كانت الحرب الاسرائيلية ـ العربية الأولى قد أفضت إلى تقسيم مختلف تماماً عما نص عليه مشروع الأمم المتحدة. فإذا كانت الدولة العبرية قد أبصرت النور وقد زادت مساحتها بنسبة الثلث فإن الدولة العربية ولدت ميتة وضمتها الاردن إليها (الضفة الغربية) أو خضعت للإدارة المصرية (قطاع غزة). وقد هاجِّر حوالي 800000 فلسطيني وقع معظمهم ضحية مشروع ترحيل أثبت صحته "المؤرخون الجدد" الاسرائيليون. إن سلب الفلسطينيين حق تقرير المصير هذا سوف يغرق الشرق الأوسط في دورة مأسوية شهدت على التوالي خمس حروب رئيسية: فبعد حرب العام 1948 وقعت سلسلة حروب عام 1956 (حرب السويس) إلى عام 1967 (حرب حزيران/يونيو) إلى عام 1973 (حرب رمضان) إلى عام 1982 (حرب لبنان). وقامت نزاعات أخرى شارك فيها الفلسطينيون أو وقعوا ضحيتها، زعزعت الاستقرار في كل من الأردن في العامين 1970و 1971 ولبنان ابتداء من العام 1975. وعلى مدى عشرات السنين هذه استطاعت اسرائيل أن تعتمد على دعم الولايات المتحدة فيما اعتمدت الدول العربية (ابتداء من العام 1955) على دعم الاتحاد السوفياتي، حيث تواجه الجباران عبر الطرفين بدون أن يسمحا في أي حال أن يطور النزاع الحرب الباردة إلى حرب حامية.

|
مواضع النزاع في
الشمال |
زيارة القدس المفاجئة
كان من شأن "النصر" الذي تحقق في أوائل حرب تشرين/نوفمبر في العام 1973 أن سمح للرئيس المصري أنور السادات بأخذ المبادرة للقيام في العام 1977 بزيارة مفاجئة إلى القدس بهدف تحريك المفاوضات التي جمدها وصول حزب الليكود الى السلطة. وقد انتهت مبادرته إلى إقامة صلح منفرد عبر توقيع معاهدة كامب ديفيد (1978) والتي لم يطبق الشق الفلسطيني منها. فقط الشق المصري ـ الاسرائيلي تم تطبيقه، و استعادت مصر بموجب معاهدة السلام الموقعة مع اسرائيل (1979) صحراء سيناء (عام 1982).
وبعد ان اطمأنت اسرائيل إلى الوضع على جبهتها الجنوبية قامت في حزيران/يونيو عام 1982 باجتياح لبنان. ولدى خروجها من هذا المأزق في العام (1985)، واجهت انتفاضة شعبية فلسطينية لا سابق لها (1987 ـ1991). وما بينته الانتفاضة هو عدم إمكانية استمرار الوضع القائم، فيما كانت صواريخ سكود العراقية خلال حرب الخليج (1991) تبرهن ان احتلال الأراضي الفلسطينية لا يمكن أن يضمن لها أمنها. أما الولايات المتحدة الأميركية فإنها عزمت على تعزيز هيمنتها في المنطقة عبر رعايتها لاتفاق سلام.
وهكذا تمت لقاءات مدريد بين اسرائيل وجيرانها في 30 تشرين الأول/أكتوبر عام 1991. وبعدها بسنتين جاءت اتفاقات أوسلو لتعطي "الضوء الأخضر" من الجانب الفلسطيني لتطبيع العلاقات الاسرائيلية ـ العربية. لكن الأردن وحده وقع، على غرار مصر، معاهدة سلام فعلية (1994) مع اسرائيل، كما أقامت موريتانيا علاقات ديبلوماسية معها، فيما اكتفت بعض الدول الأخرى مثل المغرب وتونس وعمان وقطر بإقامة علاقات تجارية. وحتى الجزائر قامت بخطوات انفتاح تجاهها.

|
علاقات ديبلوماسية
متقهقرة. |
ومع فشل قمة كامب ديفيد واندلاع الانتفاضة الثانية (في العام 2000) ومع وصول أرييل شارون إلى السلطة في اسرائيل، انحسرت هذه الموجة. فها هي مصر تستدعي سفيرها والأردن لا يوفد سفيراً له. وبعد أن ظل "الشارع العربي" صامتاً لزمن طويل ارتفع الصوت في هذا الشارع بقوة حين نفذت اسرائيل، في نيسان/أبريل عام 2002 عملية "السور الواقي" محددة القضاء على السلطة الفلسطينية كهدف لها.
وللمفارقة فإن هذه العملية التي صوِّرت على أنها رد على العمليات الانتحارية قد تمت غداة بروز منعطف تاريخي تمثل في تبني قمة بيروت في 27 آذار/مارس عام 2002، مشروع السلام السعودي حيث تقدم العالم العربي للمرة الأولى بعرض "لإقامة علاقات طبيعية مع اسرائيل في إطار سلام شامل" إذا انسحبت هذه الأخيرة إلى حدود عام 1967، وإذا وافقت على إنشاء دولة فلسطينية تكون القدس الشرقية عاصمة لها وعلى حل عادل لقضية اللاجئين.
|
|