هل الاتحاد الأوروبي فاعل ذو استقلالية؟
سعياً إلى سياسة دفاعية موحدة
نصت معاهدة ماستريخت التي أنشئ بموجبها الاتحاد الأوروبي في العام 1991 على وضع سياسة خارجية وأمنية مشتركة تُستكمل بسياسة دفاعية مشتركة عندما تنضج الظروف. وقد أثارت الاجراءات التي اعتمدت عام 1999 من أجل ذلك حالاً من التوتر في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الحريصة على الحفاظ على صدارة حلف الأطلسي، طريقها إلى الوصاية العسكرية على القارة الأوروبية.
إن المنطق الذي قام عليه البناء الأوروبي والذي ترجمته معاهدة ماستريخت، يعطي الأولوية إلى الناحية الاقتصادية. وهكذا سبق اعتماد الليبيرالية والوحدة النقدية أية إجراءات للتوحيد السياسي والعسكري والتي يبدو أن الدول الخمس عشرة الأعضاء لا تستعجلها حالياً. ولم تتخذ أية قرارات تهدف إلى اعطاء زخم للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة وإلى إضفاء "هوية" أوروبية على السياسة الدفاعية إلا في العام 1999 التي شهدت أزمة كوسوفو، وهي الحرب الأولى التي تورطت فيها جميع الدول الأوروبية الرئيسية منذ 1945.
وقد جاءت هذه الاجراءات كنتيجة لمسار معقد، فإقامة سياسة دفاعية أوروبية يفترض في الواقع عملية توفيق مسبقة بين الدول الأعضاء في الاتحاد من جهة، ثم بين هذه الدول وبين حلف الأطلسي والولايات المتحدة من جهة أخرى. وعمليتا التوفيق هاتان وثيقتا الصلة. فالقطبان المعنيان تقليدياً بالنقاش الداخلي في الاتحاد الأوروبي هما فرنسا، القوة الأوروبية الأكثر حرصاً على الاستقلالية إزاء واشنطن، وبريطانيا أكثر الحلفاء ولاء للقوة العظمى ما وراء الأطلسي. وكان من شأن تلاقي وجهة نظر الاثنتين في ملف يوغوسلافيا السابقة أن سمح بالتوصل في كانون الأول/ديسمبر عام 1998 إلى إجماع فرنسي ـ بريطاني في سان مالو حول السياسة الدفاعية الأوروبية، مما أفسح المجال أمام الدول الخمس عشرة لاتخاذ قراراتها.

|
الانفاقات العسكرية في الدول
الأوروبية |
مسائل ثلاث مطلوب تفاديها
والمسألة الشائكة أكثر من غيرها هي مسألة التوفيق بين الاستقلالية العسكرية الأوروبية وبين حلف الأطلسي وهو المنظمة العسكرية التي تدمج أوروبا وما وراء الأطلسي، والتي إضافة إلى ذلك تشارك فيها ست دول أوروبية لا تنتمي إلى الاتحاد الذي يضم بدوره أربع دول ليست من أعضاء حلف الأطسي. وقد طالبت واشنطن بأن يصار إلى تفادي ثلاث مسائل مع حلف الأطلسي بكل دقة، الأولى هي الفصل مع الاتحاد والثانية هي إزدواجية البنى العملانية والثالثة التفريق في القرارات التي تؤثر على ضمان القارة لأمن الدول الست الأوروبية غير المنتمية إلى الاتحاد.
وللولايات المتحدة مطلب مزدوج من حلفائها الأوروبيين، فهي تمارس ضغطاً قوياً من أجل فرض زيادة الانفاقات العسكرية الأوروبية، محاولةً في الوقت نفسه الحفاظ على ولاء حلفائها. فهي ترغب إذا بشكل مجمل في أن تكون هناك قوات أوروبية رديفة لها أكثر قوة.
ولقد تم التصديق على قرارات الاتحاد الرئيسية، بعد الاتفاق عليها في قمة واشنطن في نيسان/أبريل احتفالاً باليوبيل الذهبي لتأسيس حلف الأطلسي، في القمتين الأوروبيتين اللتين انعقدتا في كولونيا (حزيران/يونيو) ثم في هلسنكي (كانون الأول/ديسمبر عام 1999). وقد تم تعيين مسؤول عن "السياسة الخارجية والأمنية المشتركة" الأوروبية وأخذ اختيار هذا المسؤول بعداً رمزياً إذ لم يكن سوى السيد خافيير سولانا الذي كان قد أنهى مدة ولايته كأمين عام لحلف الأطلسي. وقد حدد الاتحاد لنفسه هدفاً هو أن يصبح في حدود العام 2003 قادراً على نشر قوة من 60000 جندي في مهلة شهرين، تستطيع الاستمرار في مهمتها لمدة سنة على الأقل (وهذا ما يفترض مضاعفة هذا العدد مرة أو اثنتين من أجل تأمين دورات المناوبة).
والهدف من إنشاء هذه القوة هو تنفيذ مهمات تكون بشكل دقيق من النوع الذي حدده مجلس اتحاد أوروبا الغربية في بطرسبورغ (ألمانيا) في العام 1992، مثل منع نشوب الحروب وفرض السلام وحفظه والمهمات الإنسانية. وهكذا سيكون في إمكان الاتحاد الأوروبي والذي سيحل بذلك مكان اتحاد أوروبا الغربية، التدخل في المناطق الواقعة في محيطه الخاص لتأمين حفظ النظام، على غرار ما تتشارك عليه الآن غالبية دوله الأعضاء في يوغوسلافيا السابقة، وذلك بدون مشاركة الولايات المتحدة مباشرة. وهذا ما يستجيب إلى رغبة هذه الأخيرة الخاصة بعدم النهوض بمهمات من هذا النوع.
ومن جهة أخرى فإن قمة حلف الأطلسي التي انعقدت في براغ في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2002 قد زادت من توريط الاتحاد الأوروبي في القوات الأطلسية التي تشرف عليها واشنطن. فمن جهة قررت هذه القمة إنشاء قوة تدخل سريع تابعة لحلف الأطلسي، أوروبية بشكل أساسي تلعب دوراً رديفاً للقوات الأميركية في عمليات التدخل الخارجية وبدون تحديد مدى جغرافي لذلك. ومن جهة أخرى فإن عشراً على الأقل من الدول الاثنتي عشرة التي ستنضم إلى الاتحاد ما بين العامين 2005 و2007 ستكون قد أنضمت أيضاً إلى حلف الأطلسي مما سيزيد من التطابق بين الاتحاد الأوروبي وبين "العمود الفقري الأوروبي لحلف الأطلسي". وليس من شأن انضمام تركيا إلى الاتحاد إلا تعزيز هذه النزعة نفسها.

|
حلف الأطلسي في تمدده شرقاً
|
|
|