العالم كما تراه طوكيو
عاملان أساسيان يحددان موقف اليابان من العالم منذ العام 1945 : الالتزام السلمي الذي حل مكان التوسع العسكري طوال نصف قرن (1894 ـ 1945) عبر توسع تجاري ومالي واسع النطاق، والتحالف مع الولايات المتحدة، الحامي العسكري لليابان. وهذا التحالف يبدو جوهريا أكثر من أي وقت مضى في نظر طوكيو أمام تصاعد التوتر في شرق آسيا.
في العام 1945 تأسس الجانب الخارجي من إعادة تنظيم الامبراطورية اليابانية برعاية أمريكية على وثائق ثلاث: دستور 1947 والذي تنص مادته التاسعة على تخلي اليابان عن القوة واقتناء الأدوات الحربية، معاهدة السلام الموقعة في سان فرنسيسكو عام 1951 والتي تتخلى بموجبها اليابان عن المناطق التي سيطرت عليها بما فيها أرخبيل ريوكيو (والجزيرة الرئيسية فيه هي أوكيناوا) والذي أعادته إليها الولايات المتحدة فيما بعد عام 1972 بعدما احتفظت لها فيه بقواعد عسكرية، وأخيرا المعاهدة الأمنية اليابانية ــ الأمريكية التي وقّعت في اليوم نفسه كتعبير عن التحالف بين البلدين.
وفي العام 1951 وفي ردة فعل على الحرب الباردة وحرب كوريا سمحت الولايات المتحدة بإعادة تسلح اليابان. فاقتصرت قوات الدفاع الذاتي، وهو الاسم الرسمي للجيش الياباني، على السلاح الدفاعي باستثناء بعض أنواع الأسلحة الاستراتيجية وبالطبع الأسلحة النووية المحرمة فوق الأراضي اليابانية والتي استهدفت بعمليتي القصف النووي الوحيدتين في التاريخ. والتزم البلد عدم تخصيص أكثر من واحد في المئة سنويا من ناتجه المحلي الإجمالي للنفقات العسكرية مما يكفي لوضعه في المرتبة الثالثة العالمية في هذا الميدان.

|
المجال البحري
الياباني |
وجود للولايات المتحدة
مع آثار ماضيها الاقليمي التي فاقمتها ممانعتها في تلاوة فعل الندامة، بقيت اليابان محافظة على مظهر سياسي متواضع يتعارض مع ازدهارها الاقتصادي ضمن ما كان يسمى قبل العام 1945: "دائرة الازدهار المشترك" في منطقة آسيا الشرقية. وتعاونت اليابان مع مجموعة أمم جنوب شرق آسيا ( بالانكليزية Asean)، وكذلك بالاشتراك مع الصين وكوريا الجنوبية ( بالانكليزية Asean+3).
ويأتي الوجود العسكري الأمريكي في اليابان استجابة لطلب الضحايا السابقين للنزعة العسكرية اليابانية الحريصين على عدم بروزها من جديد. ولكن أهمية الحماية الاميركية لم تنتف من وجهة نظر طوكيو أيضا مع انتهاء الحرب الباردة بل تزايدت. فنهاية الاتحاد السوفياتي رفعت بالفعل التهديد المحتمل على اليابان من هذه الجهة (بالرغم من أن الخلاف مع موسكو حول جزر كوريل لم يجد حلا حتى اليوم). بيد أن التهديد القديم استبدل بتهديدين جديدين يبدوان من وجهة نظر طوكيو أكثر أهمية.
فصعود الصين التي كانت في ما مضى ضحية للامبراطورية اليابانية ينشغل بال طوكيو وخاصة بعد أن أضحت الصين قوة نووية. وتحتمي طوكيو إذا بالمظلة الاميركية ومقابل ذلك تطالبها واشنطن بالتزامات عسكرية متزايدة. وهكذا تبنت اليابان عام 1992 قانونا يسمح بمشاركة قواتها غير المقاتلة في عمليات حفظ السلام من خلال الأمم المتحدة مما بدأ تنفيذه في كمبوديا في 1992 ـ 1993. وكذلك ومنذ العام 1996 لحظ تعديل المعاهدة الامنية الأمريكية-اليابانية التي كانت قد أبرمت إثر النزاع الصيني-الأمريكي حول تايوان، دعما متزايدا - ولو غير مقاتل - من اليابان في حال نشوب نزاع تكون فيه الولايات المتحدة طرفا في "المنطقة المحاذية" لليابان والتي تضم تايوان إذا ما اعتمدنا مسافة الألفي ميل بحري التي تحدد المنطقة الاقتصادية حول الجزر اليابانية. أخيرا وبعد 11 أيلول 2001، أرسلت طوكيو سفنا حربية إلى المحيط الهندي لتشارك للمرة الأولى في الترسانة العسكرية ضد أفغانستان.
التهديد الثاني يأتي من كوريا الشمالية. في الواقع، تهدف بيونغ يانغ عبر محاولتها التزود بالسلاح النووي وعبر قيامها ببعض الاستفزازات العسكرية ومنها إطلاق صاروخ فوق اليابان عام 1998 ، ابتزاز خصومها ماليا. إذ تعد اليابان بين ممولي منظمة تطوير الطاقة في شبه الجزيرة الكورية التي تشكلت عام 1994 مع واشنطن وسيول من أجل تزويد الشمال بمفاعلات نووية لا تنتج البلوتونيوم الذي يمكن تحويله لأغراض عسكرية.
وإذا أضفنا إلى هذه الاعتبارات ارتهان اليابان نحو واشنطن لضمان تزويدها بالنفط ( فهي تستورد 60 في المئة من حاجاتها من الشرق الاوسط) ندرك كيف دفعت طوكيو 25 في المئة من فاتورة حرب الخليج الأولى 1990 ـ 1991 ضد العراق، وكيف تموّل بدورها القواعد الأمريكية فوق أراضيها بالرغم من التظاهرات المعادية لذلك وكيف تساهم كذلك في الأبحاث الأمريكية في مجال الدفاع ضد الصواريخ.

|
القوات العسكرية
الوطنية |
|
|