الاستثمارات المباشرة في الخارج
يمكن تفسير النمو الكبير للاستثمارات المباشرة في الخارج منذ الثمانينات بالديناميكية التي تمت بها هيكلة الشركات الاحتكارية الكبرى في العالم وبحركة "عقلنة" أدوات الانتاج في الشركات المتعددة الجنسية.
إن الاستثمارات الخارجية المباشرة وسيلة تلجأ إليها الشركات لتأسيس فرع لها في الخارج أو للسيطرة على إحدى الشركات الأجنبية من خلال استملاك 10 في المئة على الأقل من رأسمالها. ومنذ منتصف الثمانينات شهد التدفق السنوي للاستثمارات المباشرة في الخارج تسارعا ملحوظا بحيث ارتفعت نسبة هذه الاستثمارات إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 5 في المئة عام 1980 إلى 20 في المئة عام 2000.
جاء ذلك نتيجة منطقين متداخلين. الأول قيام وترسخ شركات احتكارية عالمية ضخمة ترجم بتكاثر عمليات الدمج والتملك بين شركات البلدان المتقدمة مما يفسر تسارع الاستثمارات المباشرة خصوصا بعد العام 1993. وقد طغت هذه الظاهرة إحصائيا على الثانية وهي "عقلنة" آليات انتاج الشركات المتعددة الجنسية على المستوى العالمي والإقليمي. فترافق التخصص المتزايد لوحداتها الانتاجية مع تعميق التقسيم الدولي للعمل والذي شمل بصورة متزايدة البلدان ذات الأجور المنخفضة.

|
الاستثمارات الخارجية المباشرة
الداخلة والخارجة في العالم |
حوالى 48 في المئة من تدفقات الاستثمارات الخارجية المباشرة تتعلق بقطاع الخدمات و42 في المئة بالصناعات الانتاجية و4 في المئة بالقطاع الاستخراجي بما فيه النفط. وخلال تسعينات القرن الماضي سجل الارتفاع الأهم في قطاع الخدمات ولا سيما في توزيع المياه والكهرباء والنقل والاتصالات.
إن البلدان المتقدمة هي المرسلة والمستقبلة الرئيسية للاستثمارات الخارجية المباشرة. وتلعب الدول الأوروبية الغربية مجتمعة (الاتحاد الأوروبي إضافة إلى النروج وسويسرا) في ذلك دورا أكبر من الولايات المتحدة، إذ أنها مصدر 62 في المئة من تدفقات هذه الاستثمارات في العالم بين 1990 و2001 بينما اقتصرت حصة الولايات المتحدة على 18 في المئة.
بيد أن القسم الأكبر من الاستثمارات الخارجية المباشرة الأوروبية بقيت داخل دول أوروبا وارتبطت جزئيا بديناميكية توحيد السوق الأوروبية ورجعت في الغالب إلى عمليات دمج وشراء بين الشركات. على الصعيد الدولي تأتي الولايات المتحدة على رأس قائمة الدول المصدرة للاستثمارات بين 1990 و2001 أمام بريطانيا (14 في المئة من الاستثمارات الخارجية المباشرة العالمية) فيما تحتل فرنسا المرتبة الثالثة (10،5 في المئة). أما حصة اليابان فهي على تناقص واضح: خمسة في المئة من الاستثمارات الخارجية المباشرة بين 1990 و2001 بعد أن كانت تصدر 18 في المئة بين 1982 و1989. وعلى العكس تلعب دول شرق آسيا الأخرى دورا متزايدا مع حجم يزيد اليوم على حجم اليابان. لكن نصف استثمارات هذه المنطقة مصدرها هونغ كونغ وهي موجهة في الغالب إلى الصين. أما من ناحية البلدان المتلقية للاستثمارات، فإن الولايات المتحدة تحتل موقعا مهيمنا مع نسبة 21 في المئة من الاستثمارات الخارجية المباشرة العالمية بين 1990 و2001. أما التدفقات في اتجاه اليابان فهي ضعيفة جدا، فيما تمركزت الاستثمارات المباشرة في البلدان النامية في مناطق محددة : 6 في المئة من المجموع العالمي للصين و7،5 في المئة لسائر انحاء شرق وجنوب شرق آسيا و 10 في المئة لمنطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية. وعلى العكس تعاني كل من آسيا الوسطى وافريقيا حالة من التهميش.

|
الاستثمارات الخارجية المباشرة في
أوروبا |
استقرار نسبي
بالنسبة إلى الدول النامية، تمثل الاستثمارات الخارجية المباشرة جزءا متزايدا من الأموال التي تتلقاها من الخارج فيما يراوح مستوى المساعدات العامة مكانه. ففي مجال الصناعات الانتاجية مثلت الاستثمارات المباشرة عام 1998 نحو37 في المئة من "التكوين الخام لرأس المال الثابت" في هذه البلدان. وظهر الاستقرار النسبي للاستثمارات الخارجية المباشرة خلال الأزمة المالية التي عصفت بآسيا الشرقية ابتداءا من العام 1997. فبينما سحبت نسبة كبيرة من الرساميل القصيرة الأجل المودعة في تلك المنطقة، استؤنف وصول الاستثمارات الخارجية المباشرة عام 1998 باستثناء اندونيسيا التي كانت تعاني من أزمة سياسية. ولكن ترتبط هذه الاستثمارات في غالبية الأحوال بعمليات دمج وشراء بين الشركات على المستوى الدولي، وبمعنى آخر كانت نتيجة الأزمة أن تسببت في سيطرة الشركات المتعددة الجنسية على عدد من الشركات القائمة في هذه البلدان.

|
الاستثمارات الخارجية المباشرة
وعمليات الدمج والشراء |
|
|