الاتحاد الأوروبي

المناطق ضد الدول القومية

يساهم صعود أوروبا في إضعاف الدول القومية التي تتشكل منها. كما يساهم في تأجيج المطالبات بالحكم الذاتي والنزاعات الاقليمية. و لا تتخذ هذه الأخيرة دائما الطابع العنيف إذ يمكن تقسيمها إلى "نزاعات ما قبل قومية" وهي قديمة ومرتبطة بعدم اكتمال القوميات الأوروبية وإلى "نزاعات ما بعد قومية" التي تستشرف اكتمال أوروبا.

في الوقت الذي يتم فيه إنجاز أوروبا، تعاني الدول التي تكوّنها ضغوطا في اتجاه تفكيكها: فالهويات المناطقية من باداني إلى بلاد الباسك مرورا باسكتلندا، تستبق في الغالب تطور اللامركزية والمناطقية وصولا إلى طرح المسألة القومية من خلال تعبيرات الانفصال والتجزئة.

تعرف الأمة القومية دائرة الجماعة المتضامنة التي تعيش مع بعضها ومع الآخرين مهما كان أصلهم ووضعهم. ومع أن هذه الأمم تكونت في أغلب الأحيان بشكل قسري، فهي لا تزال تشكل البنية الوحيدة التي تؤمّن التعاون في مواجهة المخاطر والتضامن (وخصوصا إعادة توزيع المداخيل) بين شعوب غير متجانسة. ويدفع صعود أوروبا وأكثر منه الخطاب الساحر المرافق لهذا الصعود، العديدين للإعتقاد أنه سيتم تشكيل دائرة تضامن جديدة من شأنها استبدال الدائرة القومية المعتبرة بالية. لكن دينامية التوسيع هذه، المرتكزة على منطق مالي محض، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى القضاء على أشكال التضامن نفسها.

فلنتوقف عند مؤشر واحد من مؤشرات التضامن: وهو مبلغ المسحوبات (الضرائب) الإلزامية التي يعاد توزيعها. في المعدل تمتص المالية العامة في أي من الدول الأوروبية نصف الناتج المحلي الإجمالي بينما لا تمثل موازنة المفوضية الأوروبية سوى 1،4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي... ومع ذلك فإن صعود هذه البنية الفوقية الأوروبية "الصغيرة" يؤدي إلى تراجع "عمالقة" الدول القومية. ففي أوروبا مندمجة ما الذي سيدفع مواطن كاتالونيا لدعم مواطن الأندلس بينما الكاتالوني نفسه هو أفقر من جاره ومنافسه في مقاطعة لانغدوك ــ روسيون الفرنسية المدعوم ماليا من باريس... هكذا يساهم قيام مناطق أوروبية في إعادة النظر وتهديد آليات التضامن الداخلية في الدول. ويساهم تجدد الهويات المناطقية أو فبركتها بسبب الضعف الحالي للفكرة القومية، في نمو نوعين من النزاعات يتغذى بعضها من البعض لتشكل الأتون نفسه.

النزاعات ما قبل القومية تأتي في مناطق شهدت ممانعة تاريخية عن الارتباط بالحيز الوطني، من مثل كورسيكا وإيرلندا الشمالية او اسكتلندا. فهي مناطق قد تكون غنية أو فقيرة على السواء ولكنها رفضت إغراق هوياتها الخاصة في البؤرة الوطنية. أما النزاعات ما بعد القومية فهي ميزة المناطق الغنية إجمالا والتي تساهم بنسبة عالية في الموازنات الوطنية والتي ترغب، استنادا إلى هوية مناطقية غير ذات قاعدة قوية، في قطع العلاقة مع الوطن أو إضعافها من أجل التحرر من "عبء" التضامن الذي تمثله هذه العلاقة: الفلامنك، بادانيا، بلاد الباسك، كاتالونيا، سلوفينيا، وربما غدا مقاطعة السافوا في فرنسا... لكن النزاع لا يعني تلقائيا الحرب الاهلية أو الانفصال. إنها في الغالب رغبة في إضعاف التضامن المناطقي من خلال تنظيم فيديرالي (بلجيكا) أو من خلال نسبة عالية من المناطقية (إيطاليا، اسبانيا) خاصة في المجال الضرائبي.

الأغنياء ضد الفقراء

 على الأرجح ستتميز السنوات المقبلة بتصاعد الأنانية المناطقية التي ستكون، في البلدان التي تحوي مناطقا فقيرة، من فعل المناطق الغنية التي تواجه تحديا ثلاثي الأبعاد: 1- أن تتمكن من منافسة مناطق أجنبية أوروبية مجاورة أكثر غنى منها تساندها حكوماتها ولا تتوقع منها أي تضامن. 2- أن تكون قاطرة النمو في دولها وأن تؤمن التلاقي بين الاقتصادات الأوروبية. 3- تأمين تحويلات كبيرة لصالح المناطق الأكثر فقرا في بلدانها. ويجدر التساؤل ما إذا كان هذا الوضع سيتحول إلى سبب بنيوي في تجزئة الحيز الأوروبي الذي لا (ولن) يتمتع بمزايا وفضائل التضامن التي تنعم بها بالدولة القومية، بل سيحرر بالتالي نزعات الانطواء الذاتي في العديد من المناطق. 

النزاعات والتوتر بين الجماعات


جميع الحقوق محفوظة 2003© , العالم الدبلوماسي و مفهوم