الاتحاد الأوروبي
انفتاح على الشرق، انغلاق على الجنوب
دخل البناء الأوروبي مرحلة جديدة: فقد دعمت العملة الموحدة عام 1998 هذا الاتحاد بينما فتحت دورة هلسنكي للمجلس الأوروبي (1999) الباب أمام دخول جميع دول أوروبا الوسطى والشرقية (PECO) وأطلقت بداية للدفاع المشترك. أما اجتماع كوبنهاغن (2002) فحدّد مواعيد التوسيع وكانت هذه القرارات حاسمة من أجل رسم حدود أوروبا التي تبنى على حساب دول الضفة الجنوبية للبحر المتوسط.
إن لتعريف حدود الاتحاد الأوروبي مغزى كبيراً. ففي نهاية التسعينات كان هناك سيناريو يقترح تعريفا موحدا لدائرة الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو وحلف شمال الاطلسي بعد التوسيع الأول لهذا الحلف (بولونيا والمجر وتشيكيا أي دول أوروبا الوسطى الكاثوليكية). وكان هناك مفهومان مفترضان يدعمان هذه الرؤية: مفهوم "النواة الصلبة الأوروبية" ومفهوم "الحيّز الحضاري" الذي أطلقه صموئيل هنتغنتون ومؤداه فصل أوروبا الكاثوليكية عن أوروبا الأرثوذكسية.
وقد رفض المجلس الأوروبي المنعقد في هلسنكي عام 1999 هذا الخيار بإشراكه جميع دول أوروبا الوسطى البلقانية أو الشرقية بما فيها البلدان السلافية الأرثوذكسية. ومع أنه قد تمت الموافقة على قبول ترشيح تركيا أيضا تحت ضغط من الولايات المتحدة إلا أن انتساب هذا البلد المسلم ما زال يلقى معارضة داخل الاتحاد الأوروبي.
ويفترض بهذه البلدان قبل انتسابها عام 2004، أن تؤكد على الطبيعة الديموقراطية لأنظمة الحكم فيها وأن تلتحق بقواعد التنافس الاقتصادي الدولي وأن تدخل آلاف الصفحات من التشريعات الأوروبية ضمن قوانينها. وتبرز مرحلة المفاوضات المكثفة هذه تناقضات مواقف مختلف الدول في داخل الدائرة الأولى من الاتحاد والتي تعرضت للانتقاد بسبب النقص في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية. وخير دليل، محاولة بعض المسؤولين البريطانيين الاندماج في منطقة اليورو والدفاع الأوروبي بالرغم من تحالف بريطانيا الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.

|
وفرة من المنظمات |
مفهوم الحدود الأوروبية يطرح مسألة اخرى غير تحديدها ألا وهي طبيعة هذه الحدود، سواء أكانت ستستخدم كحواجز (منطق الحماية من الجيران) أو كحلقات تواصل (منطق التفاعل). وهكذا تبدو استعادة المفاوضات حول "فضاء شنغن"، الذي يقضي بحرية انتقال الاشخاص ضمنه، دقيقة جدا. فإضافة إلى منطقة كالينينغراد الروسية التي ستصبح معقلا داخل الاتحاد، يتمسك البولونيون بحدود مفتوحة مع روسيا البيضاء وأوكرانيا مما يحول الحدود الشرقية إلى جسر وليس إلى جدار.
في الوقت نفسه يشدد البعض الآخر على الخطر الناجم عن الوضعين الديموغرافي والسياسي في بلدان جنوب المتوسط. إن تطور العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي وجيرانه يظهر تقدما في التكامل مع بلدان أوروبا الوسطى والشرقية بينما لا تلقى دول المتوسط انتباها مماثلا. نشهد إذاً انفتاحا على الشرق وانغلاقا تجاه الجنوب. والأمر يصح على التجارة الخارجية كما على الهجرة. فهناك بداية تكامل صناعي بين طرفي أوروبا وخصوصا بين ألمانيا من جهة وبولونيا وتشيكيا والمجر من جهة أخرى. ويمثل ثنائي النمسا-المجر تأكيدا لانبعاث اقتصادي لأوروبا المتوسطة (mittel europa). لكن ليس كل هذا سوى مبادلات ناشئة لا يمكن مقارنتها بالدفق المتبادل بين ضفتي المحيط الأطلسي.
من ناحية المساعدات، يصار إلى إعادة توجيهها نحو الجيران الشرقيين للاتحاد. فإذا نظرنا إلى مجموع برامج المساعدة إلى الدول المرشحة وإلى بلدان أوروبا الوسطى والشرقية وإلى دول جنوب المتوسط (آلية برشلونة)، نلاحظ تغييرا لصالح الدول الجارة الشرقية على حساب الدول النامية في آسيا وخصوصا في أفريقيا جنوب الصحراء وقد تأكد هذا الانقلاب في الأولويات في موازنات 2000 - 2006
وقد بدأ التكامل مع أوروبا الوسطى والشرقية من خلال الدعم المتعدد الوجوه (ثلاثة مليارات يورو سنويا لهذه الدول) المخصص نحو تطبيق المعايير الأوروبية السياسية والإدارية والقانونية أو التقنية في هذه البلاد (تمديد شبكات النقل الأوروبية إلى الشرق، التعاون عبر الحدود، ألخ). باتجاه الجنوب، الخشية هي أن يتحول البحر المتوسط إلى جدار أوروبا الأزرق.

|
البناء الأوروبي البطيء
|
|
|