الاتحاد الاوروبي
الدور المتزايد للاستثمارات

تتخذ الشركات الاوروبية بسرعة طابعا دوليا ويجتذب الاتحاد الاوروبي الرساميل الاميركية واليابانية. بيد أن خصوصيات وطنية لا تزال واضحة المعالم ونسبة انفتاح الدول الصغيرة أعلى من الدول الكبرى.

ان الاتحاد الاوروبي هو أول قطب عالمي مرسل للاستثمارات المباشرة إلى الخارج وقد ارتفعت حصته من المخزون العالمي من 40 الى 50 في المئة بين 1970 و2000 بينما تراجعت حصة الولايات المتحدة واليابان مجتمعتين من 51،5 إلى 30 في المئة. فقد تصاعدت الاستثمارات الاوروبية بشكل ضخم في التسعينات ضمن بلدان اتفاق التبادل الحر لاميركا الشمالية (الألينا) وفي آسيا المصنعة أو الصاعدة، وبنسبة أقل في أوروبا الشرقية. لكن كذلك بصفته قطباً متلقيا،ً فقد استقبل الاتحاد الأوروبي بنفسه أكثر من ثلث المخزون العالمي من الاستثمارات الخارجية المباشرة ونصف المخزون الذي جاء إلى البلدان المتقدمة. وإذا كانت السوق الموحدة تستقطب رساميل من الولايات المتحدة واليابان فإنها ترغم الشركات الأوروبية المتعددة الجنسية على إعادة تنظيم أجهزتها الانتاجية على المستوى الأوروبي الداخلي من خلال التمركز المباشر أو عبر عمليات الدمج والتملك.

بيد أن البنى الوطنية لا تزال متفاوتة. حيث أن درجة الانفتاح لدى الدول الصغيرة أعلى بكثير منها في الدول الكبيرة بسبب الحجم المتدني أساسا لقواعدها الوطنية. فهولندا وبلجيكا تلعبان الورقة اللوجستية والمالية بينما تتحول ايرلندا إلى محترف للالكترونيات والادوية. في مواجهة هذه الدول "المنفتحة" تبقى ألمانيا وفرنسا وايطاليا في حال "تمركز" لأنها متوسطة الانفتاح. فبينما تعمل نسبة 85 في المئة من اليد العاملة في الشركات المتعددة الجنسية الهولندية خارج هولندا و79 في المئة من اليد العاملة للشركات البريطانية كذلك خارج بريطانيا، تبقى النسبة المماثلة  في فرنسا 48  في المئة وألمانيا 44 وايطاليا 40.

المستفيدون والمصدرون للاستثمارات الخارجية المباشرة في الاتحاد الأوروبي للعام 2000

 

الخيار البريطاني

تحت غطاء التنظيم العمراني، تتنافس الدول مع المجالس المحلية عبر سياسات ضرائبية واجتماعية مكلفة من أجل اجتذاب الاستثمارات الخارجية المباشرة. لكن هذه السياسات لا تبدو فعالة بل تفاقم من أشكال التفاوت القائمة. فمدريد وبرشلونة تستقطبان 80 في المئة من هذه الاستثمارات في اسبانيا بينما تحصل لشبونة على 84 في المئة من المجموع في البرتغال. وفي فرنسا تحتكر 10 مناطق من أصل 22 منطقة 76 في المئة من الاستثمارات وخصوصا في شمال شرق البلاد. أخيرا وفي مواجهة الحركية الجغرافية المتزايدة لنشاطات التركيب التي لا تتطلب تأهيلا عاليا، فإن الاختصاصات الايرلندية او الاسكوتلندية تبدو هشة عرضة للتقلبات.

إن تدويل رأس المال لا يؤدي إلى زوال نماذج الرأسمالية الوطنية. فالانفتاح البريطاني يرتكز على منطق مزدوج. وكما تدل الأزمات الإقليمية أو القطاعية العديدة فإن الشركات الما فوق قومية تضحي بقاعدتها الوطنية، فارتفع بهذا مخزونها من الاستثمارات الخارجية المباشرة من 15 إلى 36 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال عشرين عاما. وعلى العكس، فإن مخزون الاستثمارات الخارجية المباشرة الأجنبية في بريطانيا يبلغ 23 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي هذا المجال الرابط الأطلسي هو الحاسم: إذ أن نصف المخزون البريطاني من الاستثمارات متمركز في الولايات المتحدة (مقابل 31 في المئة داخل الاتحاد الاوروبي و6 في المئة في آسيا) و تأتي 45 في المئة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في بريطانيا من الولايات المتحدة. لكن الارتفاع المبالغ فيه لسعر الجنيه الاسترليني مقابل اليورو، وتداعي البنى التحتية وأجهزة التعليم والتأهيل في بريطانيا، بالإضافة إلى ضعف القدرة التنافسية للبلاد والمنافسة الاوروبية القائمة، من شأنهم إضعاف هذه الخيارات الاستراتيجية أكثر فأكثر.

في المقابل تأخرت فرنسا وألمانيا في دخول العولمة التي لا تزال محدودة بالرغم من تقدمها السريع (أنظر دايملر/كرايزلر و رينو/نيسان، ألخ. أما التماسك الاجتماعي والمناطقي فأكثر قوة وخاصة أكثر فعالية في هذه البلدان بالرغم من بعض الصعوبات الآنية. فخلال العقد الاخير من القرن العشرين ارتفعت قيمة مخزون الاستثمارات الخارجية المباشرة الألمانية في الخارج من 5 الى 17 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وبالنسبة الى فرنسا ارتفعت  من 4 الى 16 في المئة. وتعطي ألمانيا الأولوية للاتحاد الاوروبي (٣٥ في المئة) وللولايات المتحدة (23 في المئة) قبل الدول النامية (عشرة في المئة) ثم أوروبا الشرقية (خمسة في المئة) حيث تأتي في المرتبة الاولى بالرغم من ذلك. وتؤكد فرنسا خيارها الأوروبي ولكن مع استمرار تفضيلها لامبراطوريتها الاستعمارية السابقة. ومع أن سياسات الجذب تترسخ في هذه البلدان فإن مخزون الاستثمارات الخارجية المباشرة المتمركزة في ألمانيا وفرنسا لا يمثل حتى الآن سوى 9 و12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لكل منهما.

في الخلاصة وبالرغم من البناء الأوروبي والعولمة وعمليات الاندماج والتملك بين الشركات تبقى الاقتصادات مطبوعة بخصوصيات وطنية واضحة المعالم وهي نابعة من مصالح اقتصادية وجيواستراتيجية متناقضة أحيانا.    

مخزون الاستثمارات الخارجية المباشرة في أوروبا

 


جميع الحقوق محفوظة 2003© , العالم الدبلوماسي و مفهوم