سوق كونية

تدفقات التجارة العالمية

 

 تستمر التجارة الدولية في النمو بوتيرة أسرع من نمو الإنتاج العالمي، عاكسة بذلك انفتاحاً وترابطاً متناميين بين الاقتصادات العالمية. وقد تسببت أزمة عام 1997، التي ضربت أولاً الدول الآسيوية، في إبطاء هذا النمو بعض الشيء، إنما من دون أن توقفه. في الوقت الذي يتسبب نمو التجارة الدولية باختلالات خطيرة على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

 

 

 

 تسمح التجارة الدولية بتقدير حجم المبادلات بين الأمم. ولكن يجب ألا تؤدي العملية الحسابية إلى إغفال الدور المتنامي للتدفقات التجارية الناتجة من حركة صادرات الشركات المتعددة الجنسية. فقد بلغت حصة صادرات الفروع الأجنبية للشركات المتعددة الجنسية، من حجم مجمل الصادرات العالمية عام 1999، ما نسبته 45 في المئة، وكانت هذه الصادرات موجهة غالبا إلى فروع أخرى لهذه الشركات.

 تدفقات المبادلات التجارية مركبة إذاً على أساس التقسيم الدولي للانتاج الذي تننظمه هذه الشركات. فاستراتيجيات والحاجات الخاصة لهذه الأخيرة تعدل من التقسيم العالمي القديم لسوق العمل بين الشمال والجنوب، إنما من دون أن تلغيه. كما أن نفوذها، المدعم بشبكات التحالف التي تنسجها، يساعدها في التأثير بقوة في السياسات التجارية التي تنتهجها دولها الأصلية (وهي بشكل خاص الدول المتطورة) كما في سياسات المنظمات الدولية. و تبقى التجارة الدولية قائمة في 80 في المئة منها على تبادل البضائع وفي 20 في المئة منها على تبادل الخدمات. ومع أن هذه الأخيرة تنمو بسرعة أكبر من تطور الأولى، إلا أن نسبة التوزيع بين الإثنين لم تتغير كثيرا (كانت على التوالي 83 في المئة و17 في المئة في أوائل الثمانينات). ما يتزايد بشكل واضح، من بين المنتجات المصنعة، هو حصة البضائع التي تتطلب "معرفة مكثفة"، أي التي يتطلب ابتكارها وانتاجها جهداً كبيراً من البحث والتطوير، فتصبح بالتالي ذات قيمة مضافة كبيرة. وهذه البضائع تنتجها بشكل خاص شركات صناعات الطيران والأدوية والمعلوماتية والاتصالات.

 


تطور التجارة الدولية

 

إفساد تدريجي لحدي التبادل

 في العقدين الأخيرين، زادت دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديين (OECD) من تبادل البضائع ذات التقنية العالية في ما بينها. وإذا ما أضيفت إليها البضائع ذات التقنية "المتوسطة- العليا" (السيارات والمنتجات الكيميائية والآلات والأجهزة الكهربائية)، يمثل مجموع الإثنين تقريباً ثلثي حجم مبادلات المنتجات المصنعة بين دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

 ميزة أخرى لافتة تتمثل في تعزيز التبادل في داخل نفس القطاع، فالدول المتطورة تتبادل بضائع تنتمي الى نفس القطاع الصناعي. ويمكن لهذه البضائع أن تكون متقاربة جداً (تجارة أصناف في داخل نفس القطاع) أو مختلفة بفعل عدد من الممميزات النوعية، مثل السيارات ذات الأصناف العالية والرخيصة (تجارة أصناف في داخل نفس القطاع). أكثر من نصف تجارة دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية يتم عبر المبادلات داخل نفس القطاع (15 في المئة تجارة أصناف و40 في المئة تجارة نوعيات). أما في الاتحاد الأوروبي، فحصة المبادلات في داخل نفس القطاع مقارنة بمجموع التجارة بين الدول الأوروبية (حوالى 60 في المئة في العام 1996) أكبر من تلك الحصة في مبادلاته مع سائر دول العالم (47 في المئة).

 

 وضع الدول المنتجة للبضائع الأولية المصنعة (باستثناء النفط) يبدو اكثر سوءاً. فقد تطور حدي التبادل (العلاقة بين تطور أسعار الصادرات وأسعار الواردات) بشكل يضر بمصالح هذه الدول. وسيزداد وضع هذه الدول سوءاً بفعل ازدهار المنتجات البديلة للصناعات الزراعية والمعدنية والمعدنية الصلبة، التي تطورها المصانع الكيميائية والبيوتكنولوجية في الدول الصناعية الكبرى

.أما دول الجنوب، فكانت تقليديا تصدر موارد طبيعية، قابلة أو غير قابلة للتجدد. ولم يظهر الوعي إلا مؤخراً إلى الأضرار البيئية، التي لن يمكن في بعض الحالات إصلاحها، الناتجة عن هذا التوسع التجاري الدولي الخاضع لمتطلبات نمط الانتاج والاستهلاك في الدول الرأسمالية المتطورة. ومع ذلك، فإن المفاوضات الدولية التي انطلقت من مؤتمرات القمة التي انعقدت في ريو وكيوتو وجوهانسبورغ لم تغيير من طبيعة المبادلات التجارية. وهكذا ستبقى دول الجنوب ضحية "تبادل بيئي غير متكافئ" (مارتينيز- أليه). أخيراً، يبقى قياس المبادلات التجارية سيئا. فـ "الثقب الأسود" الناتج عن الفرق بين قياس حجم الصادرات العالمية و قياس حجم الواردات العالمية (والذي يجب أن يكونا متساويان) قد تعمق أكثر قليلاً في السنوات الأخيرة ليبلغ ما مقداره الـ245 مليار دولار في العام 2000.  

 

 

 


جميع الحقوق محفوظة 2003© , العالم الدبلوماسي و مفهوم