إدوارد سعيد المثقف الشجاع الذي غاب

هاشم صالح


لم يتح لي ان اتعرف على ادوارد سعيد شخصياً. وبالتالي فلا شيء يجيز لي ان اتحدث عنه بشكل أليف او حميمي كما سيفعل اصدقاؤه حتماً. فقط لمحته مرة واحدة في مبنى مجلس الشيوخ الفرنسي المطل على حديقة اللوكسمبورغ الشهيرة وسط باريس. كانت المناسبة هي انعقاد ندوة عن الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وفي القاعة الفخمة والكبيرة لمجلس الشيوخ رأيته يمشي على طول الممرات ذهاباً واياباً، وهو مطرق الرأس وغارق في تأملاته، بانتظار ان تبتدئ الجلسة لمحت وجهه الشاحب على مسافة امتار وتذكرت انه مصاب بمرض خبيث لا شفاء منه.
ثم ابتدأت الجلسة. وكان الى جانبه على المنصة مؤرخ اسرائيلي وأحد قادة الحزب الاشتراكي الفرنسي، وربما بعض الآخرين. وعندما استلم الكلام فوجئت بنبرته الحازمة والقوية. كان خطيباً مفوهاً في اللغة الانجليزية. وقد صفقنا له طويلاً.
بعدئـذ اتيح لي ان اطلع على بعض نصوصه، ولكن عن طريق الصدفة تقريباً. لم اقرأ كتاب الاستشراق الشهير الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وانما قرأت عنه ملخصات مطولة، وربما قرأت مقدمة "تودوروف" للترجمة الفرنسية، وكذلك ردود كبار المستشرقين عليه من امثال مكسيم ردنسون، وكلود كاهين، وبرنار لويس، وبعض الآخرين. كما قرأت انتقادات صادق جلال العظم للكتاب واحسست بأني قريب من كلامه.
على الرغم من ان ادوارد سعيد لم يكن مختصاً بالدراسات العربية ـ الاسلامية، وعلى الرغم من بعض الثغرات العلمية الكبيرة للكتاب، الا انه استطاع ان يهز المستشرقين ويجبرهم على تبرير انفسهم وعملهم. كما واستطاع ان يحدث مناقشة فلسفية كبرى تجاوزت حدود الاستشراق بالمعنى الحصري للكلمة. ثم عمق افكاره اكثر في كتاب كبير بعنوان: الثقافة والامبريالية. وكشف عن الملابسات السلطوية لكل فكر مهما ادعى من موضوعية وتجرد. واعتقد بانه طبق برنامج ميشيل فوكو القائل بوجود علاقة اجبارية بين المعرفة والسلطة. على اية حال فهو يعترف بذلك علناً. فالمغرفة الاستشراقية سبقت وواكبت وخلعت المشروعية على السلطة الكولونيالية. ولكن لا يمكن اختزال عمل الاستشراق الى ذلك، وبخاصة الاستشراق الاكاديمي العالي المستوى. ثم قرأت كتابه المترجم الى الفرنسية تحت عنوان: "ما بين الحرب والسلام. عودة الى فلسطين ـ اسرائيل". واستمتعت كثيراً بقراءته ولم استطع ان اتركه حتى اكملته. وفيه يروي بأسلوب جذاب ومؤثر قصة عودته الى مسقط رأسه في القدس الغربية بعد خمسة واربعين عاماً من الغياب، أحيانا تشعر بالدموع تصعد الى مآقيك عندما تصل الى بعض العبارات او الصفحات. وأحيانا تنسكب غريزة على وجنتيك دون ان تستطيع ردها.. وقد قدم للكتاب صديقه "تودوروف" أيضاً بأسلوب لا يقل شاعريةً وجمالاً.
أما النص الثاني الذي قرأته فعلاً لادوارد سعيد، لاني وقعت عليه بالصدفة ايضاً في مكتبة الحي الذي اسكن فيه، فهو: مذكراته.
ومنذ البداية يتحدث عن الموت بطريقة يقشعر لها البدن على الرغم من ان العبارات التي يستخدمها رصينة جداً ولا أثر للخوف فيها. ولكن لأنها رصينة ومقتضبة فانها تهزك اكثر. فهو يقول بانه في سباق مع الزمن، وانه اراد ان يعود الى الوراء لكي يسجل مذكراته قبل فوات الأوان. في هذا الكتاب يتحدث عن الطفولة الاولى، وفلسطين التي تفتحت عينه عليها لأول مرة. ثم يتوقف مطولاً عند بلده الثاني مصر ويصور أجواءها في الاربعينات، وكانت لا تزال مستعمرة. وقد فوجئت بأنه كان من عائلة غنية جداً، وانه درس في افضل المدارس الاجنبية، وان معظم زملائه على مقاعد الدراسة كان اسمهم: اما جورج، واما هنري، واما مارك او ما اشبه ذلك من أسماء اجنبية. لقد عرفت عنه اشياء كثيرة بعد قراءة هذه المذكرات. فأحياناً يتجرأ على رواية احداث شخصية او عائلية محرجة، ويذكرك الى حد ما "باعترافات" جان جاك روسو، ولا اعرف فيما اذا كان الجزء الثاني من مذكراته قد صدر، او اذا كان قد استطاع كتابته اصلاً.
أما النص الثالث والأخير الذي اتيح لي ان اطلع عليه فهو كتاب صغير باللغة الانجليزية يتحدث عن "فرويد ومسألة الهوية". وربما كان آخر كتاب صدر له، وفيه يبلور أطروحة جريئة جداً وذكية، وذلك على هامش قراءته لكتاب فرويد: موسى والديانة التوحيدية. وهو أيضا آخر ما كتبه مؤسس التحليل النفسي قبل موته عام 1939. ومعلوم ان فرويد فجر قنبلة موقوتة آنذاك عندما قال ان النبي موسى مؤسس الديانة اليهودية، بل والشعب اليهودي، لم يكن يهودياً!! وانما كان مصرياً. ثم ينطلق ادوار سعيد بعد ذلك لكي ينسج خيوط نظرية كاملة حول مسألة الهوية وانه لا توجد هوية صافية. وانما كل الهويات مركبة من عناصر مختلفة وتراثات متغايرة. فمفهوم الهوية ليس ثابتاً ولا جامداً ولا نهائياً على عكس ما نتوهم وانما هو حيوي، ديناميكي، يغتني باستمرار من عناصر ثقافية متجددة.
وبناء على كل ذلك فان سعيد يتوصل الى النتيجة التالية: وهي انه ينبغي تشكيل دولة ديمقراطية واحدة من النهر الى البحر تشمل الجميع من عرب ويهود لانهم ليسوا مختلفين عن بعضهم البعض الى الحد الذي يتصورونه. فكما ان الهوية اليهودية تحتوي على عناصر مختلفة من تراثات المنطقة، فان الهوية العربية او الفلسطينية هي ايضاً مركبة من عدة طبقات جيولوجية بدءاً من اقدم العصور وحتى اليوم. وبالتالي فان الآخر ليس مختلفاً عني بشكل مطلق ونهائي على عكس ما تتوهم الملايين، وكذلك دعاة الخصوصية او الاصالة المطلقة. هكذا نلاحظ ان ادوار سعيد عرف كيف يستخدم فرويد لحل مشكلة معاصرة استعصت على الحل حتى الآن. واعتقد انه فتح افقاً للخلاص، على الاقل على المستوى الفكري او النظري. بقي علينا ان نسير على دربه، وان نستلهم انفتاحه الفكري الواسع، لكي نخرج من هذه الورطة الجهنمية التي وقعنا فيها منذ نصف قرن على الأقل.
نعم ان صوت ادوارد سعيد سوف ينقصنا في السنوات القادمة، بل وحتى في الأيام والشهور القادمة، لأنه كان احد المثقفين العرب القلائل الذين وصلوا الى مرحلة العالمية او الكونية. أقول ذلك وبخاصة ان القضية الفلسطينية تعيش الآن احلك لحظاتها، وربما كانت تقترب من لحظة الحسم.
وفي الختام فإنه في آخر مرة خطر على بالي فيها اسم ادوار سعيد كانت قبل شهر تقريباً. فقد كنت في المغرب اقضي العطلة الصيفية. وكالعادة فان اكبر متعة لي عندما استيقظ صباحا هي ان اذهب الى اكشاك الصحف لشراء الجرائد المغربية ثم "الشرق الأوسط" بشكل خاص لانها تكتسح الساحة المغربية كلياً وسعرها رخيص، (ثلاثة دراهم منذ عدة سنوات وحتى الآن.. لم يتغير ولم يتبدل، فقراءة الجرائد مع الفطور هي "صلاة الصبح" كما كان يقول هيغل. وفجأة وقع بصري على خبر في الصفحة الاولى لجريدة "الاتحاد الاشتراكي" او "الاحداث المغربية"، لم اعد اتذكر بالضبط. يقول الخبر أن جوقة السلام للموسيقى الاسرائيلية ـ الفلسطينية عزفت مقطوعات عديدة بالأمس وأقامت حفلة كبيرة في مسرح "محمد الخامس" بالرباط. وهذه هي اول مرة يحصل فيها مثل هذا الحدث الذي فاجأ الجميع. ثم يردف الخبر قائلا: قبل ان تبتدئ الحفلة قام رئيس الجوقة، وهو اسرائيلي نسيت اسمه، واعتذر للجمهور عن عدم حضور ادوار سعيد الذي كان سيرافقه في العزف على البيانو. ولكن ظروفه الشخصية حالت دون ذلك...
عندئذ فهمت ان احواله الصحية قد تفاقمت اكثر مما يجب. والواقع ان الشيء المدهش ليس هو موت ادوارد سعيد بالأمس، وانما كيف استطاع ان يصمد كل هذه السنوات (أي منذ عام 1991) وحتى الآن ضد مرض خطير وشرير: سرطان الدم! لقد برهن الرجل على شجاعة حقيقية تستحق الاعجاب فعلاً. فخلال هذه السنوات الاثنتي عشرة لم يتوقف عن القاء المحاضرات في شتى انحاء العالم، ولم يتوقف عن الكتابة والانخراط في الهم الفلسطيني والانتاج.
فتحية اذن الى ادوارد سعيد الذي غاب.
مواضيع ذات صلة إنسخ في الذاكرة المؤقتة أرسل النص بالبريد الإلكتروني إطبـــــــع إحفظ في الأقــراص

كتابان جديدان بالعربية لإدوارد سعيد يصدران قريبا عن "دار الآداب"

سماح إدريس


تعرفت الى ادورد سعيد عام 1985 حين كنت طالبا في جامعة كولومبيا في نيويورك، أحضّر رسالتي للدكتوراه في قسم الدراسات الشرق اوسطية. فبعد اشهر قليلة من وصولي الى نيويورك صرت "ضابط ارتباط" بين ادوارد سعيد والنادي العربي في كولومبيا.
وقد تكرم الراحل الكبير بالمشاركة معنا في عدد كبير من الانشطة التي اقامها النادي داخل الجامعة وخارجها، وشهدت معه فترة حرجة حين هددته "رابطة الدفاع اليهودي بالقتل" متهمة اياه بانه من مؤيدي الارهاب. وأذكر انني بصبيانيتي او ربما بعفويتي حينها، عرضت ان ارافقه دوما ومعي بعض الاصدقاء لحمايته من ازعاجات العنصريين، لكنه بجرأته المعهودة رفض ذلك وقال: "هذا لا يهم، المهم ان نبقى على مواقفنا وان لا نخاف".
علاقتي الشخصي به كانت دائما حوارية لاننا كنا نختلف على الدوام، وهذا ليس عيبا. فرغم اعجابي الكبير به، واعتباره استاذا لي، الا ان الجدال كان دائما بيننا، لا سيما في ما يخص السلام والاعتراف باسرائيل والتفاوض. واجاباته كانت، ابدا، لمفكر يعرف كيف يقلب الامور على جوانبها. وفي الاحيان كان ادوارد سعيد يقنعني، وفي احيان اخرى كان يحدث غير ذلك، ومنذ فترة ليس بطويلة، حين وجدت انه غير قادر على اقناعي قال لي: لقد فشلت معك. فأجبته: "انا الذي فشلت على ما يبدو، في ان اكون تلميذا نجيبا". فرد علي قائلا: "قلت انني انا الذي فشلت". لقد كات بعض عباراته مداورة ومبطنة، وتحمل من المعاني غير ما تفصح عنه مباشرة. لكنه على اي حال، واحد من اهم المعلمين الذين استندت اليهم في مجلة "الآداب"، بعد عودتي من اميركا عام 1991. لذا فليس بغريب ان تكون مجلة "الآداب" هي المجلة العربية الاولى التي اصدرت اضخم ملف عن ادوارد سعيد عام 1994، وضم ما يزيد على سبعين صفحة حول حياته ومؤلفاته وترجماته. وازدادت العلاقة بيننا حميمية مع تبني "دار الآداب" كتبه فأصدرنا "الثقافة والامبريالية" بترجمة كمال ابو ديب، و"خارج المكان" وهو مذكرات ادوارد سعيد الادبية، واصدرنا ايضا كتاب "ما بعد اوسلو"، وهو عبارة عن مجموعة مقالات كان قد نشرها في الصحف. والآن خلال بضعة ايام وبمحض الصدفة سيصدر عن "دار "الآداب"" لادوارد سعيد، كتابان احدهما "تأملات عن المنفى"، وهو من 500 صفحة يتضمن مقالات كثيرة عن ظاهرة المنفى بوجهيها الداخلي والخارجي، علما بأن المنفى الداخلي عند ادوارد سعيد هو اغتراب المثقف وهامشيته، بحيث لا يكون في مركز السلطة، كما يبقى قادرا ابدا على الجهر بالحقيقة. وهذا الكتاب هو من ترجمة الدكتور ثائر ديب. اما الكتاب الثاني فهو بعنوان "فرويد وغير الاوروبيين" ترجمة فاضل جاتكار ود. ثائر ديب.
لقد احب ادوارد سعيد اصدار كتبه بالعربية عن "دار الآداب"" لأنه كان يشعر بثقة كبيرة بأن ثمة من يعيد النظر بالترجمة ويدقق ويصحح، وهذا ما كنت افعله بنفسي تفاديا للهنات التي لا بد منها عند كل ترجمة. احيانا كان يقترح اسم المترجم كما فعل حين اختار كمال ابو ديب، الذي سبق وترجم له "الاستشراق"، او كنا نقترح عليه ويوافق كما حدث حين اخترنا فواز طرابلسي لترجمة "خارج المكان". والمترجمان صديقان حميمان للفقيد، ويعرفان اعماله جيدا.
اثناء زيارة ادوارد سعيد الاخيرة الى بيروت، والتي كانت منذ اشهر، تكرم وزارني في بيتي، فكانت بيننا حوارات من اكثر حواراتنا صراحة، رغم خلافاتنا السياسية، ووجدته كلما تقدم في السن ازداد تواضعا وخف تعاليه، وهو تعال كان في معظمه تعالياً ظريفاً وليس فيه عنجهية الا في مواجهة من هم في الاصل من المتكبرين ويحبون الاستهزاء والاستخفاف بالآخرين. وجدته رغم مرضه الطويل ما يزال مرحا، قريبا الى القلب، ولا يرضى الا ان يكون شابا. منذ حوالي سنة حين التقينا، وضعت يدي على بطنه، وقلت له: "ما هذا انت تسمن يا ادوارد". فنظر الي غاضبا وقال: "هذه ليست السمنة، هذا السرطان يا غبي". شعرن بالخجل وابتعدت عنه، وحين عدت اليه معتذرا قال: انظر الى ظهري، تلمسه هل ترى اثرا لشحم زائد، انا رياضي، وشديد العناية بشبابي". ولا بد من الاعتراف ان ادوارد سعيد كان يتصرف دائما على انه شاب. حتى حين ارخى ذقنه كشيخ حقيقي، ظل يتصرف بروح فتية، تحركه شهوة المعرفة والسؤال والاستفسار عن سلوك الناس، يريد ان يعرف حين يأتي الى بيروت، ماذا فعل هذا، وما هو تاريخ ذاك، وماذا طرأ على حياة من يعرفهم ومن يتعرف اليهم. كان ينتهز الفرصة وهو يعرف انه في اميركا لن يتمكن من الاطلاع على الدقائق والتفاصيل.

* رئيس تحرير مجلة "الآداب"

* من كتبه:

ـ جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية
ـ البدايات: النية والأسلوب
ـ الاستشراق
ـ العالم والنص والناقد
ـ تمثيلات المثقف
ـ سياسات الاقتلاع
ـ الثقافة والامبريالية
مواضيع ذات صلة إنسخ في الذاكرة المؤقتة أرسل النص بالبريد الإلكتروني إطبـــــــع إحفظ في الأقــراص

إدوارد سعيد.. رجل من عصرنا

فاضل السلطاني



من اين تنبع قيمة الراحل الكبير ادوارد سعيد، نعتقد انها تنبع من المصدر نفسه الذي غذى الاسهامات الكبرى في تاريخنا الحديث، الحفر في اعماق الشخصية الانسانية في المكان والزمان، في المكان الذي كان يتنقل مع ادوارد سعيد من القدس حتى القاهرة حتى كولومبيا، والزمان الذي فلت من بين يديه حين غادر تلك السماء الاولى، واخذ يهدده منذ منتصف التسعينات ممثلا بالمرض الرهيب.
لكن صاحب "تأملات في المنفى"، استطاع، مثلما استطاع غيره من الشخصيات الكبيرة، وهذا سر كبرها ايضا، ان يسيطر على العنصرين سيطرة ذهنية عبر التأمل وسبر اغوارهما في اعمال تنتمي الى التاريخ كله، اكثر من انتمائها الى مكان وزمان معينين.
ولم يكن سفره الكبير "الاستشراق" مهما اختلف المرء مع بعض طروحاته، بعيدا عن هذا المعنى، ولم يكن "خارج المكان" سوى تأمل عميق في معنى هذا المكان للسيطرة عليه، واستخراج مغزى منه هو مغزى شخصياتنا ووجودنا.
من هنا كان سعيد، في الوقت نفسه، منفيا ابديا، مثله مثل جوزيف كونراد. وقاده الاحساس المعذب بنفيه الى البحث الدائب عن شخصيته الحقيقية التي قسمت، بشكل لا انساني، بين "هنا" و"هناك"، مثلما قسمت شخصية الوطن الى قسمين.
يروي لنا في "خارج المكان" بأنه لجأ الى الاطباء النفسيين في مرحلة مبكرة من حياته ليعرف اين تكمن شخصيته الحقيقية، واين يختفي مكانه.
ومع ذلك، استطاع سعيد امتلاك الاثنين فيما بعد امتلاكا ذهنيا، اتاح له انتاج كتاباته وتأملاته الخلاقة، والقى به في محيط انساني فسيح، فضاؤه وجغرافيته هما الانسان. ولا بد ان يقود كل ذلك الى موقف نقدي لا تحركه، غالبا، الاهواء. وهكذا كان ناقدا لاذعا لما يجري في ارضه الاولى فلسطين، بالحدة نفسها التي كان فيها ناقدا لما يجري في وطنه المتبنى: اميركا. وهذه الحدة سببت له مشاكل كثيرة في الحالتين الفلسطينية والاميركية، لكنها كانت ربما سلاحه، فهو لم يستطع ان يكون ناقدا اكاديميا يطل على المشهد الساخن من فوق بأدوات المحلل المجردة، بل كان في قلب هذا المشهد روحيا وجزءاً منه وضحية له ايضا. ومع ذلك، كان خارجه ايضا ذهنيا، مما اتاح له رؤية مبكرة لما كان يحصل وسيحصل وخاصة في الساحة الفلسطينية، ومن هنا، كان افتراقه عن سياسات القيادة الفلسطينية، واشهاره هذا الافتراق على رؤوس الملأ.
وفكريا، كان الجوهر نفسه وراء اعماله التي شغلت الغرب اكثر ما شغلت الشرق، ليس على المستوى الاكاديمي فقط، وانما على المستوى الشعبي ايضا. واعتقد ان الشعبية التي يتمتع بها هنا في لندن، تفوق شعبيته في اي مكان عربي آخر. فما ان يعلن عن اشتراكه في ندوة او محاضرة، حتى تنفد التذاكر قبل فترة طويلة. وليس سهلا بالطبع ان يعرف مثقف موسوعي مثل ادوارد سعيد ان يصل الى اكبر عدد من الجمهور. ولكن ليس من الصعب ان نعرف سر ذلك: ان القضايا التي تشغله هي القضايا نفسها التي تشغلنا جميعنا: مكاننا في هذه الارض وعذاباتنا المشتركة كبشر، ومصائرنا الغامضة في كون يمزق نفسه بنفسه، ويقتلع أبناءه مكانا وزمانا.
مواضيع ذات صلة إنسخ في الذاكرة المؤقتة أرسل النص بالبريد الإلكتروني إطبـــــــع إحفظ في الأقــراص

حكايات الحب المجنون تصحر عاطفي عربي أم تطهر على الطريقة الإغريقية؟

قيس وليلى وصفة نفسية مجربة لمجتمعات مكبوتة تقف ضد الحب وتحشر العذول والحرمان في معظم أغانيها وقصصها العاطفية

محيي الدين اللاذقاني
الحب أجمل الاوهام، لذا لا يجوز التعامل مع القصص العاطفي بميزان الصحيح والمنحول فتلك عقلية نظار مدارس ومراقبي امتحانات، وان كنا قد اضطررنا اليها الاسبوع الماضي تحت إلحاح اسئلة كثيرة عن حقيقة الحب العذري فها نحن نحاول ان نكحلها ونأمل ألا نعميها.
ان خيط التوهم ليس كخيط الكذب، ففي الاول الذي نجده بغزارة في قصص الحب لا توجد نوايا خبيثة ولا رغبات دفينة في الايذاء والاخفاء، لكنه مجرد خيال يعمل على خلق ما هوغير موجود وغير معقول ثم يبهره ويزينه ويحسن نكهته ليبدو معقولا وموجودا عند مستمعين متعطشين، فهو والحالة هذه، وصفة مجربة وناجحة لانه يقدم خدمات نفسية مجانية لمن يحتاجونها، ومن هو أكثر حاجة من المكبوت عاطفيا الى قصة حب تبل ريقه ليفرح ويتفاءل ان كانت نهايتها سعيدة أو يسكت ويتعزى حين يسمع عمن يشاركه الهموم ذاتها.
ان التوهم والتأليف الخيالي حاجة ماسة للمجتمعات البدائية فانت ان ضجرت اليوم تذهب الى السينما او المسرح أو تقرأ كتابا او تكتفي بالتلفزيون، لكن ماذا يفعل بضجره وكبته من ليس عنده غير الرمل دوما وضوء القمرأحيانا وبينهما تقاليد أكثر قسوة من الجلاميد.
وقبل ان نخوض في تفاصيل أكبركذبة جميلة اخترعها الرواة العرب، دعونا نتذكر ان القصص الواقعي لا يصلح لشحذ الخيال، وان القصة المتوهمة تحتاج الراوي اكثر من حاجة الراوي للقصة فما بين الخيال والواقع مساحة وهم استولى عليها الرواة وحرروها وحولوها الى واحات سياحة روحية يقصدهم الناس من أجلها، فالراوي الجيد في هذه الواحات ليس من يصدق وينقل التفاصيل بدقة بل من يخترع ويضيف ويسربل الحقائق بالاوهام التي يدرك ان حاجة مستمعيه اليها كحاجة القمح للمطر.
وانطلاقا من هذه الخلفيات فاننا لا نؤذي التراث العربي ولا نحاربه حين نقول ان حكاية مجنون ليلي أكبر كذبة اخترعها الرواة بل نضع القصة في سياقها الصحيح فهي في الحكم النهائي ـ ومهما تأسينا لصاحبها وصاحبتها ـ محصلة وهم جماعي اخترعه البدو ليرطبوا به جفاف الصحراء وليعزوا أنفسهم بالايحاء، ان كل مصيبة تهون أمام فقدان الحبيب فنحن هنا مع شكل من اشكال التطهر الاغريقي الذي يغسل ضمائر البشر بإغراقهم بالتراجيديا.
وكما اكثر الاغريق من المسرحيات التراجيدية أكثر العرب من قصص الحب المحطم والتعيس والمنكود الى درجة انك لا تجد قصة حب واحدة بنهاية سعيدة، وان سالت نفسك لماذا يوجد العذول في كل قصة حب و في واحدة من كل ثلاث من أغاني الحب عندنا على الأقل فسوف تجيبك تلك النفس الحلوة الذكية. ان تلك الظاهرة نشأت لأننا مجتمعات تقف ضد الحب وتضع في وجهه الحراس والبوابات والأسوار وكل ما يكرهه محمد عبده في واحدة من اجمل أغانيه التي تلعب على هذه الاوتار المعروفة في النفس العربية.
ان قصة قيس بن الملوح مع ليلى العامرية لا يمكن تفسيرها الا بهذه الحاجة الجماعية للتطهر النفسي وكل من يقرأ اخباره بدقة يكتشف ـ وان لم يكن من اصحاب الخبرة بالبحث العلمي ـ تناقضها وعدم اتساقها وهي مشكلة شغلت من قبلنا فاضطروا لوضعها في اطار الصحيح والمنحول لان مناهج دراسة علم النفس لم تكن قد وجدت لتساعدهم على فهم الغنى العاطفي في تلك النصوص وحاجة المجتمعات اليها كشكل من أشكال العزاء في وجه التصحر العاطفي، فالبشر أيضا يتصحرون ويجفون وتقل المساحات الخضراء في قلوبهم حين لا يحبون ولا يجدون حولهم من يحب او يحكي عن الحب ولو من باب التحذير و التراجيديا.

* شكوك ابن الكلبي

أول مشاكل قيس ليلى ان الرواة لا يتفقون على اسمه فهو تارة قيس واخرى مزاحم وثالثة معاذ ورابعة مهدي والشك بوجوده قائم منذ عصره فابن الكلبي يشير صراحة الى وضع القصة حين يقول: أخبروني ان حديث المجنون وشعره وضعهما فتى من بني أمية كان يهوى ابنة عم له وكان يكره ان يظهر ما بينه وبينها فقال تلك الاشعار ونسبها للمجنون.
وعلى خلاف من جلس ليخبره فان هناك من ذهب ليحقق ويتحقق وهو ايوب بن عبادة الذي قال بعد جولة مضنية على مضارب العامريين:
سألت بني عامر بطنا بطنا عن مجنون بني عامر فما وجدت أحدا يعرفه.
وتطول حكايات من سألوا فخذا فخذا وقلبوها ظهرا لبطن فما وجدوا ما تطمئن اليه عقولهم لكن قلوبهم كانت مطمئنة ومستمتعة بقصائد عاطفية مليئة باللوعة والشجن وحب يرافق الإنسان من المهد للحد:
تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة
ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت اننا
إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم
وهناك من يعتمد بنفي حكايات ليلى والمجنون ليس استنادا الى التناقض بالاسماء وسؤال سكان الحارات والاحياء بل الى طبيعة القبائل التي ينسبون اليها رقة عاطفية ليست منها ولم تسمع عنها، فابن دأب الاخباري يطرق الاناء من جانب آخر ويقول سألت رجلا من بني عامر أتعرف مجنون بني عامر الشاعر الذي قتله العشق؟ فقال: هيهات بنو عامر أغلظ أكبادا من ذلك انما يكون هذا في اليمانية الضعاف قلوبها الصعلة رؤوسها، فإما نزار فلا.
ونزارهذا الجد الاكبر لقيس وليلى فهم حسب رواية التوهم من قبيلة واحدة من قبائل الاصل النزاري القديم الذي يختلف عن الفرع النزاري الجديد، الذي اسسه نزار قباني استاذ علم التوهم والايهام في المسائل العاطفية والذي ادرك اكثر من غيره اننا لا نعيش ويستحيل ان نعيش دون حب أو وهم حب، وان ذلك الحب يظل كبيرا طالما امتلكنا القدرة على عدم تأطيره وتقنينه وتحويله الى فيلم هندي أو مصري حيث يعيش الجميع في سبات ونبات، ويخلفون البنين والبنات، وخير ما يمثل المذهب النزاري الحديث في جعل الحب يرقص حافي القدمين على حد الوهم والترقب قصيدته الذائعة ـ الى تلميذة:
قل لي ولو كذبا كلاما ناعما
قد كاد يقتلني بك التمثال
كلماتنا في الحب تقتل حبنا
ان الحروف تموت حين تقال
الحب ليس رواية شرقية
بختامها يتزوج الابطال
لكنه الابحار دون سفينة
وشعورنا ان الوصول محال
هو ان تظل على الأصابع رعشة
وعلى الشفاه المطبقات سؤال
هو هذه الايام تسحقنا معا
فنموت نحن وتزهر الآمال
ان قصة مجنون ليلى تحقق كل العناصر المطلوبة للحب العربي المشروحة نظما في هذه القصيدة فالوصول محال والنهاية التقليدية مرفوضة والرعشة على الاصابع والشفاه والسفينة تبحر الى ما لا نهاية في بحر لا يحده غير حلم وجنون.
هل تذكرون خاتمة رواية ماركيز (حب في زمن الكوليرا)؟ عاشقان يلتقيان آخر العمر على ظهر قارب ويحيط بهما الحرس والطاعون ولا مهرب الا ان تظل السفينة مبحرة الى ما لا نهاية فهذا ما يتمناه كل عاشق حين تكون حبيبته معه، أما حين لا تكون كما في حالة قيس وليلى ـ مجازيا ـ فلا مانع عند مجتمعات تحت كل خيمة فيها مأساة عاطفية من خلق عشرات المآسي المماثلة للتعويض النفسي، فاذا اشتاق احدهم الى أرض كان يقابل فيها الحبيبة وحن اليها حنين الابل الى المرتع الخصب، وذهب يتنشق عند اطلالها ريح الحبيب وجد في قصائد قيس الافتراضي ما يعزيه:
أمر على الديار ديار ليلى
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا
واذا وجد من يلومه كثيرا على تضييع نفسه في حب يائس محروم، وكل انواع الحب بائسة ومحرومة في مجتمعات الكبت، سارع الى أقوى الأسلحة ليزعم كما زعم قيس ان الحب اصعب من الجنون وهذه رخصة جاهزة لتفعل ما تشاء كلما زادوا في تبكيتك ولومك فهذا عين ما فعله الراوي العربي الذي تخيل ان ام قيس ذهبت الى ليلى تسألها المساعدة في ان يثوب اليه رشده وبعض عقله فأتته ليلا خوفا من اهلها وقالت له: يا قيس ان أمك تزعم انك جننت من اجلي فأتق الله وابق على نفسك فبكى وأنشد:
قالت جننت على رأسي فقلت لها
الحب أعظم مما بالمجانين
الحب ليس يفيق الدهر صاحبه
وإنما يصرع المجنون في الحين
وذا نهشت الغيرة قلب عاشق زوجوا حبيبته من غيره قسرا وجد العزاء عند مجنون سارع ذات يوم يستوقف زوج حبيبته ليسأل ذلك السؤال الغريب الحزين:
بربك هل ضممت إليك ليلى
قبيل الصبح أو قبلت فاها
وطبعا فعل، فالرواق الصباحي خلق للقبل، ولما هو أبهى واجمل لكن هذا ليس مما يتحدث عنه الازواج ولا المحبون ولا العقلاء، اذن لا بأس ان يأتي السؤال على لسان مجنون اختلطت عليه الامور جاز له كالشعراء ما لا يجوز لغيره.

* عشق الأثافي

واذا اضطررت ان تخفي اسرارك وتظهر غير ما تبطن حرصا على من تحب وخوفا على سمعتها وربما حياتها وجدت الجواب هذه المرة عند ليلى وليس قيس فقد وضع رواة الأوهام الجميلة على لسانها اشعارا لا بأس بها من بعضها قولها لهكذا مناسبة:
كلانا مظهر للناس بغضا
وكل عند صاحبه مكين
تبلغنا العيون مقالتينا
وفي القلبين ثم هوى دفين
وبالمناسبة فإن الحالات الوحيدة التي تسامح فيها المجتمع مع خيانة الزوجات مهما كان نوعها ـ حسية أو روحية ـ كانت مع المجانين والعذريين، فليلى العامرية متزوجة وكذلك ليلى الأخيلية ولبنى وبثينة والقائمة تطول، وكلهن عاشقات استمرت قصص حبهن بعد الزواج السعيد.
ان الحب عند الاعراب وسواء كان تصحرا عاطفيا عربيا او تطهرا على الطريقة الاغريقية ينهض كالأثفية التي يطبخون عليها على ثلاث قوائم العاشق والمعشوقة والعذول ـ يا عواذل فلفلوا ـ ومن شاء ان يقوي اثفيته ويجعل قصته اكثر اثارة يضيف العمود الرابع وهو الزوج وغالبا ما يختاره الرواة ليبهجوا مستمعيهم دميما بخيلا جبانا حتى يظل التعاطف محجوزا كليا للعاشق الجسور:
من راقب الناس لم يظفر بغايته
وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
اذن ليكن العاشق على جنونه فاتكا لهجا مقداما فصيحا ناظما ناثرا وليظل كل ما هو عكس هذه الصفات للزوج العاقل المسكين الذي يدخل القصة مرغما ويفوت المجالس كشخص غير مرغوب فيه ـ بيرسونا ننا كراتا ـ ففي سهرات السمر على ضوء القمر لا تحلو غير أحاديث الحب والغرام بين قوم قاوموا جفاف الطبيعة وقتامة التقاليد بالقفز الى منطقة التوهم العاطفي، حيث كل شيء في حكم المباح حتى يدرك شهرزاد الصباح وتنام غرائز المحرومين على قناعة اننا لسنا في هذا الهم وحدنا.... ألم أقل لكم ان اختراع الحب في مجتمعات تقف ضد الحب حاجة نفسية ماسة وعملية ضرورية مباركة، فحين لا ينزل المطر لا ننتحر، لكننا نعزي أنفسنا بوفرة العطشى حولنا ونظل نحلم بخرير شلالات رخيم لأنهار طويلة وقصية.
مواضيع ذات صلة إنسخ في الذاكرة المؤقتة أرسل النص بالبريد الإلكتروني إطبـــــــع إحفظ في الأقــراص