لم يتح لي ان اتعرف على ادوارد سعيد شخصياً. وبالتالي فلا شيء يجيز لي ان اتحدث عنه بشكل أليف او حميمي كما سيفعل اصدقاؤه حتماً. فقط لمحته مرة واحدة في مبنى مجلس الشيوخ الفرنسي المطل على حديقة اللوكسمبورغ الشهيرة وسط باريس. كانت المناسبة هي انعقاد ندوة عن الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وفي القاعة الفخمة والكبيرة لمجلس الشيوخ رأيته يمشي على طول الممرات ذهاباً واياباً، وهو مطرق الرأس وغارق في تأملاته، بانتظار ان تبتدئ الجلسة لمحت وجهه الشاحب على مسافة امتار وتذكرت انه مصاب بمرض خبيث لا شفاء منه.
ثم ابتدأت الجلسة. وكان الى جانبه على المنصة مؤرخ اسرائيلي وأحد قادة الحزب الاشتراكي الفرنسي، وربما بعض الآخرين. وعندما استلم الكلام فوجئت بنبرته الحازمة والقوية. كان خطيباً مفوهاً في اللغة الانجليزية. وقد صفقنا له طويلاً.
بعدئـذ اتيح لي ان اطلع على بعض نصوصه، ولكن عن طريق الصدفة تقريباً. لم اقرأ كتاب الاستشراق الشهير الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وانما قرأت عنه ملخصات مطولة، وربما قرأت مقدمة "تودوروف" للترجمة الفرنسية، وكذلك ردود كبار المستشرقين عليه من امثال مكسيم ردنسون، وكلود كاهين، وبرنار لويس، وبعض الآخرين. كما قرأت انتقادات صادق جلال العظم للكتاب واحسست بأني قريب من كلامه.
على الرغم من ان ادوارد سعيد لم يكن مختصاً بالدراسات العربية ـ الاسلامية، وعلى الرغم من بعض الثغرات العلمية الكبيرة للكتاب، الا انه استطاع ان يهز المستشرقين ويجبرهم على تبرير انفسهم وعملهم. كما واستطاع ان يحدث مناقشة فلسفية كبرى تجاوزت حدود الاستشراق بالمعنى الحصري للكلمة. ثم عمق افكاره اكثر في كتاب كبير بعنوان: الثقافة والامبريالية. وكشف عن الملابسات السلطوية لكل فكر مهما ادعى من موضوعية وتجرد. واعتقد بانه طبق برنامج ميشيل فوكو القائل بوجود علاقة اجبارية بين المعرفة والسلطة. على اية حال فهو يعترف بذلك علناً. فالمغرفة الاستشراقية سبقت وواكبت وخلعت المشروعية على السلطة الكولونيالية. ولكن لا يمكن اختزال عمل الاستشراق الى ذلك، وبخاصة الاستشراق الاكاديمي العالي المستوى. ثم قرأت كتابه المترجم الى الفرنسية تحت عنوان: "ما بين الحرب والسلام. عودة الى فلسطين ـ اسرائيل". واستمتعت كثيراً بقراءته ولم استطع ان اتركه حتى اكملته. وفيه يروي بأسلوب جذاب ومؤثر قصة عودته الى مسقط رأسه في القدس الغربية بعد خمسة واربعين عاماً من الغياب، أحيانا تشعر بالدموع تصعد الى مآقيك عندما تصل الى بعض العبارات او الصفحات. وأحيانا تنسكب غريزة على وجنتيك دون ان تستطيع ردها.. وقد قدم للكتاب صديقه "تودوروف" أيضاً بأسلوب لا يقل شاعريةً وجمالاً.
أما النص الثاني الذي قرأته فعلاً لادوارد سعيد، لاني وقعت عليه بالصدفة ايضاً في مكتبة الحي الذي اسكن فيه، فهو: مذكراته.
ومنذ البداية يتحدث عن الموت بطريقة يقشعر لها البدن على الرغم من ان العبارات التي يستخدمها رصينة جداً ولا أثر للخوف فيها. ولكن لأنها رصينة ومقتضبة فانها تهزك اكثر. فهو يقول بانه في سباق مع الزمن، وانه اراد ان يعود الى الوراء لكي يسجل مذكراته قبل فوات الأوان. في هذا الكتاب يتحدث عن الطفولة الاولى، وفلسطين التي تفتحت عينه عليها لأول مرة. ثم يتوقف مطولاً عند بلده الثاني مصر ويصور أجواءها في الاربعينات، وكانت لا تزال مستعمرة. وقد فوجئت بأنه كان من عائلة غنية جداً، وانه درس في افضل المدارس الاجنبية، وان معظم زملائه على مقاعد الدراسة كان اسمهم: اما جورج، واما هنري، واما مارك او ما اشبه ذلك من أسماء اجنبية. لقد عرفت عنه اشياء كثيرة بعد قراءة هذه المذكرات. فأحياناً يتجرأ على رواية احداث شخصية او عائلية محرجة، ويذكرك الى حد ما "باعترافات" جان جاك روسو، ولا اعرف فيما اذا كان الجزء الثاني من مذكراته قد صدر، او اذا كان قد استطاع كتابته اصلاً.
أما النص الثالث والأخير الذي اتيح لي ان اطلع عليه فهو كتاب صغير باللغة الانجليزية يتحدث عن "فرويد ومسألة الهوية". وربما كان آخر كتاب صدر له، وفيه يبلور أطروحة جريئة جداً وذكية، وذلك على هامش قراءته لكتاب فرويد: موسى والديانة التوحيدية. وهو أيضا آخر ما كتبه مؤسس التحليل النفسي قبل موته عام 1939. ومعلوم ان فرويد فجر قنبلة موقوتة آنذاك عندما قال ان النبي موسى مؤسس الديانة اليهودية، بل والشعب اليهودي، لم يكن يهودياً!! وانما كان مصرياً. ثم ينطلق ادوار سعيد بعد ذلك لكي ينسج خيوط نظرية كاملة حول مسألة الهوية وانه لا توجد هوية صافية. وانما كل الهويات مركبة من عناصر مختلفة وتراثات متغايرة. فمفهوم الهوية ليس ثابتاً ولا جامداً ولا نهائياً على عكس ما نتوهم وانما هو حيوي، ديناميكي، يغتني باستمرار من عناصر ثقافية متجددة.
وبناء على كل ذلك فان سعيد يتوصل الى النتيجة التالية: وهي انه ينبغي تشكيل دولة ديمقراطية واحدة من النهر الى البحر تشمل الجميع من عرب ويهود لانهم ليسوا مختلفين عن بعضهم البعض الى الحد الذي يتصورونه. فكما ان الهوية اليهودية تحتوي على عناصر مختلفة من تراثات المنطقة، فان الهوية العربية او الفلسطينية هي ايضاً مركبة من عدة طبقات جيولوجية بدءاً من اقدم العصور وحتى اليوم. وبالتالي فان الآخر ليس مختلفاً عني بشكل مطلق ونهائي على عكس ما تتوهم الملايين، وكذلك دعاة الخصوصية او الاصالة المطلقة. هكذا نلاحظ ان ادوار سعيد عرف كيف يستخدم فرويد لحل مشكلة معاصرة استعصت على الحل حتى الآن. واعتقد انه فتح افقاً للخلاص، على الاقل على المستوى الفكري او النظري. بقي علينا ان نسير على دربه، وان نستلهم انفتاحه الفكري الواسع، لكي نخرج من هذه الورطة الجهنمية التي وقعنا فيها منذ نصف قرن على الأقل.
نعم ان صوت ادوارد سعيد سوف ينقصنا في السنوات القادمة، بل وحتى في الأيام والشهور القادمة، لأنه كان احد المثقفين العرب القلائل الذين وصلوا الى مرحلة العالمية او الكونية. أقول ذلك وبخاصة ان القضية الفلسطينية تعيش الآن احلك لحظاتها، وربما كانت تقترب من لحظة الحسم.
وفي الختام فإنه في آخر مرة خطر على بالي فيها اسم ادوار سعيد كانت قبل شهر تقريباً. فقد كنت في المغرب اقضي العطلة الصيفية. وكالعادة فان اكبر متعة لي عندما استيقظ صباحا هي ان اذهب الى اكشاك الصحف لشراء الجرائد المغربية ثم "الشرق الأوسط" بشكل خاص لانها تكتسح الساحة المغربية كلياً وسعرها رخيص، (ثلاثة دراهم منذ عدة سنوات وحتى الآن.. لم يتغير ولم يتبدل، فقراءة الجرائد مع الفطور هي "صلاة الصبح" كما كان يقول هيغل. وفجأة وقع بصري على خبر في الصفحة الاولى لجريدة "الاتحاد الاشتراكي" او "الاحداث المغربية"، لم اعد اتذكر بالضبط. يقول الخبر أن جوقة السلام للموسيقى الاسرائيلية ـ الفلسطينية عزفت مقطوعات عديدة بالأمس وأقامت حفلة كبيرة في مسرح "محمد الخامس" بالرباط. وهذه هي اول مرة يحصل فيها مثل هذا الحدث الذي فاجأ الجميع. ثم يردف الخبر قائلا: قبل ان تبتدئ الحفلة قام رئيس الجوقة، وهو اسرائيلي نسيت اسمه، واعتذر للجمهور عن عدم حضور ادوار سعيد الذي كان سيرافقه في العزف على البيانو. ولكن ظروفه الشخصية حالت دون ذلك...
عندئذ فهمت ان احواله الصحية قد تفاقمت اكثر مما يجب. والواقع ان الشيء المدهش ليس هو موت ادوارد سعيد بالأمس، وانما كيف استطاع ان يصمد كل هذه السنوات (أي منذ عام 1991) وحتى الآن ضد مرض خطير وشرير: سرطان الدم! لقد برهن الرجل على شجاعة حقيقية تستحق الاعجاب فعلاً. فخلال هذه السنوات الاثنتي عشرة لم يتوقف عن القاء المحاضرات في شتى انحاء العالم، ولم يتوقف عن الكتابة والانخراط في الهم الفلسطيني والانتاج.
فتحية اذن الى ادوارد سعيد الذي غاب.

