|
مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين |
|
بعد احتلال العراق ليبيا: من المواجهة إلى المهادنة مع الإدارة الأمريكية |
العدد الثـــامن | ||||
|
شكل حدث سقوط بغداد وغياب القيادة العراقية دون توفر أخبار حقيقية عن مصيرها، ودخول القوات الأمريكية البريطانية الغازية بلاد مابين الرافدين وأرض الحضارات، واستحكام السيطرة في دواليب الشأن العام بالعراق، حدثا سياسيا كبيرا يؤرخ لبداية مرحلة جديدة من تاريخ العلاقات العربية ـ الأمريكية والعلاقات الأوروبية ـ الأمريكية على حد سواء. وقد دعت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، بعد أن حققت انتصارها في الحرب غير المتوازنة على العراق، بعض الدول العربية إلى أخذ العبرة من ذلك، وخاصة سوريا وإيران وفلسطين وليبيا، هذه الأخيرة التي نحاول في هذا المقال أن نرصد بعض ملامح التطور في علاقاتها مع واشنطن ماضيا وحاضرا ومستقبلا. ليبيا تخلد الذكرى 17 للهجوم الأمريكي عليها سنة 1986 أي قبل 17 سنة خلت، شهدت مدينتا طرابلس وبنغازي الليبيتان عدوانا أمريكيا مباغتا لا مبرر له، قصفت فيه الطائرات الأمريكية عددا من الأحياء السكنية الآمنة، ومنزل القائد الليبي معمر القذافي، مما أدى إلى استشهاد وإصابة العديد من المواطنين الأبرياء، وهدم منازلهم عليهم، وكان ذلك كله بأمر من الرئيس الأمريكي السابق رولاند ريغان. هذا الحدث/العدوان، بما يعني من توظيف للقوة العسكرية في غير محلها، ودون داع، يؤرخ لمرحلة كانت فيها العلاقات الأمريكية الليبية في أجلى درجات التوتر والتشنج، بسبب اتهامات أمريكية للجماهيرية، صنفتها على إثرها ضمن الدول المارقة، التي شقت عصا الطاعة لحكومة واشنطن، وكان ذلك تحت ادعاءات من مثل امتلاك طرابلس لأسلحة كيماوية، وإيوائها لعناصر إرهابية، وتورطها في تفجير طائرة "بانام" الأمريكية في أجواء مدينة "لوكربي" الاسكتلندية، وحينها كانت الجماهيرية تعلن في خطاباتها وتصريحاتها عن عدائها للموقف الأمريكي، وتصف الإدارة الأمريكية بأنها أصل الشر، ومنبع السطو والظلم في العالم. تغير في الخطاب الرسمي الليبي لم يعمر الخطاب الليبي المعادي للولايات المتحدة الأمريكية طويلا، ذلك أن أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ودخول واشنطن في حرب عالمية ضد "الإرهاب"، وتصنيف ليبيا ضمن قائمة الدول العربية الإسلامية، التي يخشى منها لاحتضانها عناصر إرهابية، كل ذلك جعل الدول العربية بما فيها الجماهيرية الليبية تسارع إلى إظهار شهادة حسن السيرة والسلوك لإدارة الرئيس بوش، قبل أن تشتد الأزمة بين البلدين أكثر، خاصة وأن التلويح بالتدخل الأمريكي المباشر في سياسات بعض الدول العربية كان واضحا ومحسوما فيه، داخل مقرات صناعة القرار الأمريكي. أمام هذه الوضعية، واستفادة مما وقع للعراق الشقيق، الذي برغم استجابته للمطالب الأمريكية، لم ينجح للأسف الشديد في الإفلات من ضربة عسكرية أطاحت بنظامه، حرص الزعيم معمر القذافي على استخدام لغة دبلوماسية هادئة، للتعبير عن موقفه من الغزو الأمريكي ـ البريطاني للعراق، تضمنت أحيانا نفس الأفكار، التي رددتها الأنظمة العربية الأخرى، من مثل أن الحرب ستؤدي إلى فوضى شاملة في المنطقة ككل. وتضمنت أحيانا أخرى رغبته الشخصية في التوسط بين الرئيس الأمريكي بوش ونظيره العراقي السابق صدام حسين. وفي قراءة في هذا النوع من الخطاب الليبي الجديد نحو أمريكا، يذهب الباحث خالد حنفي علي في مقال له في موقع "إسلام أون لاين" إلى أن ثمة تغييرا في السلوك الليبي تجاه الدول الغربية، وخاصة أمريكا، بما يجنب الوقوع في مأزق شبيه بالذي وقع فيه العراق، لاسيما وأن الإدارة الحربية الأمريكية أعلنت أن الدور سيكون لاحقا لبعض الدول العربية الأخرى، ومنها ليبيا التي ما تزال تصنفها واشنطن ضمن الدول المارقة. وتجمع بعض التحاليل السياسية على أن المعطيات، التي اتخذتها إدارة واشنطن أسبابا لضرب العراق هي نفسها متوفرة في النظام الليبي، ويمكن تفعيلها أكثر عند الضرورة، ويكفي أن يأمر الكيان الصهيوني المتحكم في الإعلام الأمريكي بذلك. فاتهام ليبيا بامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وإيواء عناصر من القاعدة، وحادث لوكربي، يضاف لذلك موقعها الجغرافي، الذي يمثل أهمية كبرى لأمريكا، من حيث الاقتراب من أكبر مواقع إنتاج المواد الخام في إفريقيا، على أن هذه الأهمية تزداد بعد الاكتشافات البترولية في أنجولا ودول إفريقية أخرى، تتوفر على نسبة مهمة من النفط العالمي.. كل هذه المعطيات والأسباب تشكل مبررا أمريكيا لغزو ليبيا. القدافي يعلن انتهاء الصراع مع واشنطن أدركت الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية أن المعطيات الاستخباراتية، التي نشرت أخيرا، والتي تشير إلى أنها ماضية بشكل جدي نحو امتلاك أسلحة الدمار الشامل، قد تشكل مبررا سرعان ما توظفه الإدارة الأمريكية للقيام بضربة عسكرية ثانية لها، قد تصل حد الغزو، فهبت لاستخلاص العبرة، وإبعاد كل الشبه التي تلتصق بها. ومن هنا ذهب الباحث خالد حنفي علي إلى أن من أبرز المؤشرات في السياسة الليبية الجديدة لتلافي مثل هذا الغزو ما يلي: ـ إبعاد شبهة امتلاك أسلحة نووية، بحيث لم تقتصر إدارة العقيد معمر القذافي على نفي امتلاكها لمثل هذا النوع من الأسلحة، بل دعت من موقعها إلى نزعها أينما كانت، وجاء في كلمة ألقاها القذافي خلال زيارته لمالي قبل انطلاق العدوان الأنجلو ـ أمريكي على العراق بيومين "نحن جميعا ضد أسلحة الدمار الشامل، ويجب المباشرة بتدميرها ابتداء من الولايات المتحدة الأمريكية. وكان قد أعلن قبل ذلك أثناء قمة الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا في إثيوبيا، حيث عرض وساطته بين صدام وبوش، عن رغبته في "إنقاذ السلام الدولي، والتخلص من أسلحة الدمار الشامل، لا في العراق وحسب، ولكن في منطقة الشرق الأوسط كلها، وبعد ذلك في شتى أنحاء العالم". ـ التعاون الأمني مع الولايات المتحدة الأمريكية: حيث صرح القذافي لمجلة /نيوزويك/ في منتصف يناير الماضي بوجود تعاون أمني ليبي أمريكي للقضاء على تنظيم القاعدة، إلا أنه لم يشر لتفاصيل هذا التعاون، وفضل الإعراب عن تفاؤله بمستقبل العلاقات مع واشنطن. وهذا السلوك يعتبر من الناحية السياسية أهم مؤشر على أن ليبيا تسعى جاهدة لإبراز حسن النية نحو الإدارة الأمريكية، خاصة في ظل بروز قضية محاربة "الإرهاب" بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل إن العقيد معمر القذافي أعلن عن أن الصراع مع الولايات المتحدة انتهى، وأن طرابلس تأمل في بناء علاقة إيجابية مع واشنطن. ـ تحسين العلاقة مع أوروبا، وأقصد بالضبط أن الجماهيرية الليبية استطاعت فعلا إعادة العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا منذ عام 1999، بعد إقرار طرابلس بالمسؤولية عن قتل الشرطية البريطانية "إيفون فليتشر"، ودفعت مبلغ ربع مليون جنيه استرليني لعائلتها. واستطاعت أيضا أن تعيد علاقاتها مع فرنسا، فقامت بتعويض ضحايا طائرة "يوتا"، التي أدانت محكمة فرنسية ستة ليبيين، بينهم صهر العقيد القذافي بتفجيرها في سماء النيجر سنة 1989. وبالموازاة مع ذلك استطاعت ليبيا أن تستقطب إليها عدة شركات أوروبية للاستثمار فيها، كما أغرت عدة شركات أمريكية أخرى لنفس الغرض، وبالتالي سعت هذه الشركات إلى الضغط على الإدارة الأمريكية بقوة لإلغاء قانون "داماتو"، الذي يحظر عليها التعامل مع ليبيا. ـ رؤية جديدة للصراع القائم في فلسطين، تحولت رؤية العقيد معمر القذافي من ضرورة مقاومة الكيان الصهيوني واجتثاثه من أصوله أينما حل وارتحل، إلى الاعتراف الضمني به، والدعوة إلى توفير جو للتعايش معه في سلام إلى جانب الشعب الفلسطيني، وقد اخترع لذلك اسما سماه دولة "اسراطين" في إشارة إلى "إسرائيل" + فلسطين. ودعما لذلك التوجه أوقفت السلطات الليبية دعمها للمنظمات الفلسطينية المناوئة من وجهة نظره لعملية السلام، وسلمت بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين. كيف قرأت واشنطن هذه الرسالة؟ هذه الإشارات، التي أطلقها القذافي جعلت إدارة واشنطن تقتنع شيئا فشيئا بأن طرابلس غيرت من موقفها نحو أمريكا والغرب، وأنها أصبحت فعلا تؤمن بقواعد النظام الدولي الجديد، وبالتالي قررت أنه لا مانع من إقامة علاقات معها، تستند إلى المصالح المتبادلة، الأمر الذي أعطى نتائج مباشرة وسريعة تمثلت في أن الإدارة الأمريكية لم تصنفها ضمن دول محور الشر، الذي أعلن عنه جورج بوش عقد أحداث 11 سبتمبر 2001، بخلاف العراق وإيران وكوريا الشمالية. وللإشارة فإن عدم تصنيف الجماهيرية العربية الليبية ضمن محور الشر لا يعني أنها قطعت نهائيا مع مرحلة الظلام، التي خيمت على علاقاتها مع أمريكا في الثمانينيات وبداية التسعينيات، ولكن مع ذلك مازالت تقارير الخارجية الأمريكية تضعها ضمن الدول الراعية للإرهاب، وتصفها بأنها دولة مارقة، هذا في الوقت الذي أكدت فيه التقارير الأمريكية لسنوات 2000 و2001 و2002 أن ليبيا دخلت في خطوات عملية لتحسين صورتها دوليا. خلاصة يمكن القول، بالنظر إلى ما سبق، إن ليبيا استفادت من الدرس العراقي، وأنها ستظل في مأمن من كل عدوان أمريكي، ما لم يتقرر في يوم من الأيام غزوها واستبدال نظامها بنظام آخر، وسط صمت عربي، وربما دولي أيضا، وستجد الإدارة الليبية نفسها مضطرة لمواصلة إظهار حسن السيرة والسلوك شأنها شأن الدول العربية، حرصا منها على سد كل ذريعة لعدوان مستقبلي، ولا شك سيكون لهذا تأثيره الواضح على علاقتها بدول المغرب العربي، والاتحاد الإفريقي على السواء. (*) كاتب وصحافي مغربي |
رئيـس التحريـر نورالدين
العويديدي أسرة التحـريــر أحمد
قعلول
| ||||
|
© 2003 Aqlamonline . All Rights Reserved |