الايديولوجيا والهوية في التنظيمات السياسية
التاريخ: Dimanche, septembre 21
الموضوع: السياسة المحلية


بقلم: عبدالله جناحي
المصدر: نشرة الديمقراطي- العدد الرابع
تثار على الساحة السياسية وفي بعض المنتديات جملة من التساؤلات حول هوية الجمعيات السياسية عامة، وهوية جمعية العمل الوطني الديمقراطي على وجه الخصوص، وبعض هذه التساؤلات تحتضن اتهامات حول فقدان الهوية او عدم وضوحها، وبعضها تحتضن الرغبة في المعرفة واستيعاب الابعاد الايديولوجية والنظرية والفكرية لجمعية العمل الوطني الديمقراطي.

وحيث ان مسالة الهوية الفكرية والايديولوجية لاي تنظيم سياسي هي من اعقد المسائل واكثرها تشعبا، وهي مسالة بحاجة الى حوارات عميقة وجادة حولها, ولذلك فاننا وعبر هذه المساحة المحدودة نحاول تبيان العناوين الكبرى والخطوط العامة والتساؤلات التي تفتح فضاء الاجوبة اكثر من تبيان الحقائق المطلقة والاجوبة الحاسمة وذلك ضمن منظور الاجتهاد الشخصي بعيدا عن ربط هذه الرؤية بالموقف الرسمي للجمعية مع الامل ان تكون البداية لحوار عميق وجاد بين الكوادر والقواعد وصولا الى بلورة موقف مشترك نسبيا تجاه الهوية والفكر.
 
الاحزاب في مرحلة الفلسفات الكبرى
في خضم التحولات الاجتماعية والسياسية التي حدثت في اوربا بعد الثورة الصناعية وبروز الطبقة الاجتماعية الاكثر تضررا من انتقال المجتمع الاوربي من المرحلة الاقطاعية إلى المرحلة البرجوازية والمتمثلة بالطبقة العاملة، برزت تلك الحركات الثورية العمالية او الاحزاب التي اخذت تتبنى الدفاع عن المصالح الطبقية، وخاصة مصالح الطبقة العاملة وحقوقها المهمشة امام جبروت اصحاب المصانع والدول الغربية التي اخذت تتحول الى امبراطوريات كولونيالية الصبغة بعد استعمارها للمناطق والدول في قارات اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية.
وكان من الطبيعي ان ترتبط هذه الاحزاب الثورية بنظريات فلسفية اخذت تساهم في بلورة هوية الطبقات الاجتماعية وتطرح رؤيتها تجاه الواقع الراسمالي انذاك والذي اتسم بالاستغلال البشع لقوة العمل ( العمال) من ساعات طويلة في العمل الى اجور منخفضة الى استغلال المرأة والاطفال وشروط وظروف العمل القاسية وغير الآمنة والاضطهاد والقمع اليوميين للعمال والفقراء الذين اخذوا يزدادون كلما ازدادت الصناعات والطبقة البرجوازية الاوربية . ورغم وجود كثرة من الفلسفات الكبرى في اوروبا المثالية منها والمادية الا ان معضمها كانت فلسفات تبحث في القضايا الكبرى كالحق والجمال والوجود ، وهنا علينا ان نسجل مسالة مهمة تتمثل في ان القارة الاوربية كانت تعج بالفلسفات التي يتجادل مؤيديها فيما بينهم في الجامعات او على صفحات المجلات الفكرية غير ان اغلبيتها لم تتحول من فلسفات الى حركات اجتماعية وسياسية ونضالية اللهم القلة منها وعلى رأسها الماركسية للاسباب التي ذكرت اعلاه، ولو ان الماركسية مارست نفس التي مارستها باقي الفلسفات في بحثها فقط في القضايا الكبرى لما تحولت الى عقيدة شبيهة بالعقائد المقدسة من حيث عبادة نصوصها رغم ان بنية هذه الفلسفة الديالكتيكية ترفض المطلق والجمود والثبات وتؤمن بالتغيير الدائم وهو ما مارسه زعيمها كارل ماركس امام كل محطة مفصلية. اكانت مراجعات فكرية او تنظيمية حيث لم يتردد في نسف الاحزاب التي شكلها واعترافه المستمر في عدم صلاحية الاممية الشيوعية بعد كل هزيمة للطبقة العاملة في محطات النضال المتعددة!!!.
ولابد من تبيان مأثرة ماركس بأنه من الفلاسفة القلة الذي مارس العمل النضالي بجانب الفكري دفاعا عن الطبقة العاملة وعمل على تغيير الواقع حسب منظوره الطبقي حيث اكد ضمن مقولاته بان الفلاسفة السابقين عليه قد عملوا على تفسير وتبرير الواقع والدفاع عنه وعن الطبقات المسيطرة فلسفيا واجتماعيا وليس العمل على تغييره، وان المطلوب هو تغيير العالم من خلال القوى الاجتماعية الجديدة التي لها دائما مصلحة في تغيير الواقع نحو اللاطبقية، حيث كان ماركس من المؤمنين بالحتمية التاريخية لمسار البشرية وان هذا المسار الحتمي لابد وان يؤدي إلى المجتمع اللاطبقي ( الشيوعي ) وهي رؤية امنت بها الاحزاب العمالية الماركسية في جميع انحاء العالم غير انها تحطمت امام التجربة الاشتراكية السوفيتية والتجارب الاخرى وانتهى تقريبا بسقوط جدار برلين!!.
ومنذ اواخر القرن التاسع عشر تمكن فلاديمير ايلتش لينين ورفاقه من الثوريين الروس من تاطير وتاسيس عدد من الحركات الثورية في روسيا القيصرية حيث بدأ التنظير للحزب الثوري الطبقي المؤدلج، وتم ربط الحزب بالضرورة بالايديولوجية والطبقية، وبعد ثورة 1905 الروسية قام لينين بالتنظير العلمي للحزب العمالي المعتمد على منهجية فلسفية كان اساسها النظرية الماركسية والفلسفة المادية والديالكتيكية،وتم الهجوم والنقد المعتمد أيضا على الطبقية والفلسفة والايديولوجيا ضد كافة الحركات السياسية الأخرى التي كانت تتبني رؤى وتحليلات سياسية وفلسفية أخرى تختلف عن الحركات الثورية العالمية، كالاحزاب الليبرالية أو الفلاحية أو الاصلاحية او النقابيوية أو القومية، حيث تم التنظير الطبقي والعقائدي ضدها وربطها بالطبقات الرجعية تارة أو الطبقات غير الثورية تارة أخرى، وبعد وفاة (لينين)، قام (ستالين) بدور القامع لكافة الاطروحات غير الماركسية وبرزت الأحزاب العمالية المعتمدة على النظرية الماركسية وأضيفت لها اللينينية، وتم إدخال جملة من المفاهيم الأيديولوجية التي أصبحت من اليوتوبيات الحزبية، كالحزب الشيوعي ممثلا عن الطبقة العاملة لوحده، والمركزية الديمقراطية، ولا حركة ثورية دون نظرية ثورية والحزب، وغيرها من المفاهيم التي أخذت القواعد الحزبية ترددها دون محاولة لتفكيكها أو انتقادها أو التأكد من مدى صحتها، وأخذت الاحزاب في العالم، وخاصة في الصين بعد انتصار ثورتها الاشتراكية تنظر ضمن نفس المنظور الطبقي والايديولوجي.
 
الاحزاب في مرحلة الحرب الباردة
لقد كانت مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي قمة الاستقطاب الايديولوجي حيث تم تجيير كافة المواقف والاحداث السياسية والاجتماعية والتطورات الاقتصادية لصالح أحد المعسكرين الاشتراكي بتنوعاته وتفرعاته والرأسمالي بتجاربه الدولية الأمريكية أو الأوربية، وتم التنظير الايديولوجي للفكر والاقتصاد والسياسة والاجتماع كلها ضمن هذين المنظورين، وأصبحت الأحزاب حتى المستقلة عن تبعيه المعسكرين متأثرة بالعمق المنهجي للتنظير الايديولوجي أكان قوميا أو يسارياً لدرجة أن برزت على الساحة كثرة من الأحزاب التي كانت تعلن عن تغيير نظرياتها الفكرية أمام المحطات السياسية المفصلية أو الهزائم الكبرى كما حدثت للاحزاب والحركات القومية العربية التي تحولت إلى أحزاب قومية تتبنى النطرية الماركسية  بعد هزيمة حزيران عام 1967م.
ولذلك كانت المفاهيم الحزبية السائدة والمهيمنة على العقل والوجدان هي تلك التي تنطلق من ترويض الواقع السياسي المتغير دوماً وسحبه صوب اليوتوبيات الايديولوجية والفكرية الجاهزة التي تم التنظير لها في أمهات المراجع الماركسية من طليعية الطبقة العاملة أو المجتمع الشيوعي اللاطبقي أو الاقتصاد المركزي وربط الملكية الفردية بالمطلق بالاستغلال والتنظير للملكية الجماعية لوسائل الانتاج بما فيها  حتى تلك المؤسسات الخاصة الصغيرة جداً، وأصبح اقتصاد السوق والحوافز والمنافسة والديمقراطية والتعددية وقبول الرأي الاخر والمصالح الاخرى من المفاهيم الرأسمالية والرجعية التي يجب محاربتها.
ولقد برزت على الساحة السياسية العربية في تلك الفترة، وبالاخص بعد هزيمة 1967م وانتصار الثورة الإيرانية الاسلامية ذات الصبغة الشيعية، تلك الاحزاب الاسلامية العقائدية حيث مثلت الوجه الاخر من عملة الاحزاب اليسارية المؤدجلة، فكلاهما كان لديهما تصورهما  المثالي والنظري للواقع المجتمعي المطلوب ،اكان مجتمعا شيوعياً أو اشتراكياً أو مجتمعا اسلاميا  نموذجة أيام الخلافة الراشدية أو أيام الرسول الكريم وأصبح الواقع السياسي بقواه المتعددة وتحولاته ومتغيراته يقيم ويتخذ المواقف بشانها من المنطلق الايديولوجي أو العقائدي لهذين المنظورين دون الدعم للمواقف السياسية المبدئية والمقنعة إذا كانت صادرة عن الاحزاب او الافراد التي لا تتبنى هاتين الايديولوجيتين.
 
التعويم الأيديولوجي 
بانهيار المعسكر الاشتراكي والانتهاء من الاستقطاب الأيديولوجي، أخذت كثرة من المفكرين والمؤدلجين وكذلك الاحزاب المؤدلجة في المراجعات الفكرية في المفاهيم المطلقة التي كانت تؤمن بها، غير ان بعض هذه المراجعات كانت سطحية وتبريرية ودفاعية عن ذات النظريات دون محاولات جادة لنقد جوهرها، وكأن لسان حالها هو ذاته لسان حال الاحزاب الاسلامية والمفكرين الاسلاميين الذين كانوا و ما يزال بعضهم  مستمرا في تبرير التجارب الاسلامية الفاشلة باعتبار أن الخطأ في التطبيق الاسلامي في الدول التي رفعت الاسلام أو اعتبرت الاسلام كدين هو هدفها كما في افغانستان أو إيران أو السودان أو السعودية أو غيرها من الدول، وهكذا برزت التبريرات بأن سقوط التجربة الاشتراكية بنموذجها السوفيتي هو سقوط لتطبيق خاطئ وليس للنظرية الماركسية في أركانها الاقتصادية أو السياسية أو الفكرية أو غيرها، إنها العملة ذاتها بوجهيها الماركسي والاسلامي المؤدجلين.
بيد أن الانهيار الكبير للتجربة الاشتراكية قد أثر على عدد من المفكرين والاحزاب اليسارية لدرجة إنها أخذت تمارس نقداً صادقاً لمقولاتها وممارساتها ومراجعة جذرية وانقلابية في المفاهيم المطلقة والاطلاع على التجربة  الانسانية الحزبية المعاصرة، خاصة في الدول الأوربية التي تمكنت من تحقيق العدالة والمساواة والحرية والديمقراطية. بشكل أرقى وأفضل من غيرها من المجتمعات الاشتراكية التي رفعت ذات الشعارات، كالسويد على سبيل المثال، وكذلك الاستفادة من التحولات الفكرية والسياسية والممارسات والتعامل مع العقيدة والقناعات الفكرية للعضو في الاحزاب الشيوعية أو الاشتراكية الأوروبية التي اتهمت في المرحلة الستالينية بالتحريفية عندما بدات تستقل عن المركز السوفيتي وتلغي جملة من المبادئ التي كانت تؤمن بها الاحزاب الشيوعية كديكتاتورية البروليتاريا أو الاعتراف بالتعددية والانتقال السلمي وتبادل وتداول السلطة أو الاعتراف باقتصاد السوق بضوابط اجتماعية أو غيرها من المفاهيم التي كانت تعتبر سابقا من المفاهيم الرأسمالية غير الصالحة للمجتمعات الاشتراكية بقيادة الطبقة العاملة.
ومن أهم تلك المفاهيم التي تمت مراجعتها تلك المرتبطة بوجود إيديولوجية فكرية محددة للحزب السياسي الذي يعمل ويناضل ضمن حقل سياسي علني وسلمي وفي مجال المجتمع الديمقراطي المتعددة الأطياف والقوى الطبقية والاجتماعية والسياسية والفكرية بما فيها القوى الطبقية التي كانت ضمن التناقض الرئيسي حسب المفهوم الماركسي والتي لابد من القضاء عليها وإزالتها عن الوجود بدل الحوار أو التفاوض للوصول إلى المصالح المشتركة معها كالطبقة الرأسمالية أو البرجوازية التي كانت تتهم بالرجعية والتخلف.
وأصبح مفهوم تعويم الايديولوجيا أحد المفاهيم الحزبية المقبولة، حيث يصبح للحزب السياسي برنامجه السياسي العام وثوابته القومية والاجتماعية والسياسية ومنطلقات فكرية عامة تترك تحت ظلالها لجميع الافكار والعقائد والايديولوجيات التي يعتنقها الاعضاء أن تتجادل فيما بينها ضمن تلك الثوابت الوطنية والديمقراطية والسياسية والاجتماعية.
 
جمعية العمل الوطني الديمقراطي
فالهوية على سبيل المثال تنحصر ضمن الايمان بالديمقراطية والتعددية واحترام الرأي الأخر المخالف والسماح له بالانتشار بالوسائل المتاحة للجميع، ولذلك فالممارسة والآلية الحزبية يجب أن تجسد هذا الهدف، وكذا الحال بالنسبة للهوية القومية حيث يعتبر الحزب نفسه حزباً قومياً مؤمناً بالوحدة العربية وبتحرير التراب الفلسطيني ولذلك فأن مواقفة تجاه الاحداث والمواقف القومية والوحدوية أو الانفصالية تنطلق من هذا الثابت، وإذا ما تم التأكيد بأن الحزب يؤمن بأن أبناء الوطن نتاج الحضارة العربية الاسلامية وأن الثقافة العربية الاسلامية هي مادة وعيها وتكوينها، فأن المواقف والممارسة اليومية أو التحليل السياسي والاجتماعي لابد أن تصب في التعاطي الايجابي مع حضارتنا واعتبار أن الدين الاسلامي مكون رئيسي وأساسي من مكونات هذه الحضارة وأن هناك كثرة من القراءات المختلفة لتاريخ هذه الحضارة العريقة، وهكذا دواليك على الصعد الاقتصادية أو الاجتماعية حينما يؤكد البرنامج العام على انحياز التنظيم السياسي لمصالح الطبقات الفقيرة وذوي الدخل المحدود والمتوسط في تحقيق مطالبها الخدماتية والضرورية كالتعليم والصحة والإسكان والترفيه والعمل وحماية البيئة ومحاربة الفساد والعدالة في التوزيع، وحتى حينما يتبنى الحزب وبجراة مبدأ التخصيص واقتصاد السوق والانفتاح على الاسواق فأن هذا الخيط الفكري المنحاز للطبقات الفقيرة والمتوسطة يكون حاضراً حيث يضع الضوابط للتخصيص ولا يترك لآليات العرض والطلب وحدهما تقودان اقتصاديات الاسواق دون تدخل حكومي للتصحيح أو التخطيط الممنهج هذا على صعيد التنظير الفكري للبرنامج السياسي، أما على صعيد الواقع العملي فلقد أثبتت التجارب العالمية الناجحة وكذلك التجربة السياسية القصيرة الراهنة لبلادنا أن هناك تناقضاً فاضحاً لدى الاحزاب التي تدعي بأنها تمتلك أيديولوجية واضحة كالأيديولوجية الماركسية أو الاسلامية، فمواقفها السياسية المفصلية مثلا لا تنسجم ومع تلك الايديولوجيات، فما علاقة انضمام الحزب الشيوعي العراقي مثلا لمجلس الحكم المؤقت المصنوع من قبل الاحتلال (الإمبريالي الأمريكي) والمتجمع فيه كافة القوى الطبقية أو الاجتماعية ( الرجعية والكمبرادورية)  بالنظرية الماركسية اللينينية التي تتعارض أركانها مع الإمبريالية والكمبرادورية و الرجعية !!؟ وكذا الحال بالنسبة للاحزاب الاسلامية المشاركة في هذا المجلس فما علاقة مواقفها هذه بالاسلام كعقيدة وفلسفة تحارب الشيطان الاكبر وقوى الاستكبار والاحتلال؟ اليست المسالة متعلقة بالتحليل السياسي الراهن فقط بعيداً عن ربط هذا الموقف بالأيديولوجيا والعقيدة؟
 وكذا الحال في بلادنا، فما هي العلاقة بين قبول التيارات الاسلامية المشاركة في المجلس الوطني الراهن بالموافقة على القروض الربوية  بالعقيدة الاسلامية اليست المسالة مواقف سياسية تغلف بتاويلات وتفسيرات اسلامية ؟ وكذا الحال بالنسبة للمشاركة في الانتخابات من عدمها فما علاقتها بالنظرية الماركسية أو حتى بالمقولات اللينينية وحتى الموقف الذي يتم الترويج له بتحالف اليسار مع الإسلاميين وهو التحالف الذي يتعارض حسب قول البعض مع الهوية اليسارية!!! أو الماركسية حيث المفترض أن يكون التناقض مع الظلاميين والتحالف مع التقدميين، فكيف يفسر ماركسيا التوافق في الموقف من المشاركة في الانتخابات بين الماركسيين والاصوليين من السلفيين، اليس ذلك في المضمون يعتبر تحالفا لانجاح مسالة المشاركة ولمواجهة المقاطعين!!؟
 
ولناخذ المسالة من بعدها العملي والواقعي، فالجمعيات السياسية التي تدعي بأنها تمتلك هوية واضحة ولنفترض انها هوية اشتراكية او ماركسية او شيوعية او اسلامية، فهل شروط عضويتها مرتبطة بضرورة ايمان المتقدم للانضمام الى هذا التنظيم بان يكون كذلك، وهل واقع هذه التنظيمات يؤكد ذلك أم ان هناك كثرة من الاعضاء في هذه التنظيمات المؤدلجة نظريا لا يعترفون بهذه النظريات منهجا في الحياة لا على صعيد الممارسة الفعلية ولا على صعيد واقعهم الطبقي ولا على صعيد طريقة تفكيرهم وتحليلهم. وحتى اذا انتقلنا الى بنية الفكر الماركسي والهوية الواضحة التي يعتقدون بانهم يعتمدونها، فهل البرنامج السياسي للجمعية السياسية ذات الهوية الماركسية مثلا يدعو علنا لتبني الماركسية منهجا، وان افترضنا ان هناك نوع من التقية بسبب الخصوصية الاسلامية لمجتمعنا ومن ثم عدم الجرأة في طرح الهوية الماركسية علنا كما يمارسها الاحزاب الشيوعية العربية التي اعلنت بانها شيوعية الفكر والموقف نظريا على الاقل وان كانت مواقفها السياسية المفصلية غير مرتبطة بالضرورة بالنظرية الماركسية، نقول حتى وان افترضنا ذلك فهل البرنامج السياسي للتنظيم المؤدلج سيتضمن الموقف الرافض من اقتصاد السوق والملكية الفردية ومع الاقتصاد المركزي للدولة وضد التخصيص وتحويل الملكية العامة الى الملكيات الخاصة، وهل هو مع المركزية الديمقراطية كمفهوم لينيني للحزب العمالي او مع ديكتاتورية البروليتاريا او هو مع التعددية وتداول السلطة بالشكل السلمي وقبول الهزيمة والانتقال الى صفوف المعارضة الديمقراطية او غيرها من الاعمدة الاساسية التي تعتمدها النظرية الماركسية في ابعادها الاقتصادية بالدرجة الاولى . وان رفض او تغيير هذه الاركان الاساسية تحت تبرير التطوير والتغيير والنسبية يعني اننا نتكلم عن نظرية وهوية اخرى غير النظرية الماركسية المعروفة باركانها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وحينها فنحن نتكلم عن منهج التفكير والتحليل واعتبار المنهج الديالكتيكي هو المنهج الوحيد السليم والصحيح للتحليل غير ان  هناك كثرة من المناهج الفلسفية بما فيها المثالية تتبنى هذا المنهج الجدلي وما ساهمت بها الماركسية في هذا الشان هي تمكنها وقدرتها القوية في ابرازه بالشكل المنهجي الدقيق وذلك عندما تمكنت من التنظير للماركسية باعتبارها نتاج فلسفتين الاولى الفلسفة المادية المستوحاة من الفيلسوف فورباخ والثانية الفلسفة الديالكتيكية للفيلسوف هيغل.
ان الفلسفة الماركسية قدمت للبشرية نتائج عظيمة اكانت في طريقة التفكير والتحليل او تشريح دقيق لتطور المجتمعات الاوربية او تفكيك رائع لبنية الاقتصاد الراسمالي في مراحله الاولى والتناقضات الكامنة فيه، غير ان هناك فلسفات كبرى مثالية حسب المنظور الماركسي وفي جميع الحضارات الاوربية او العربية الاسلامية او غيرها احتضنت قيما ومفاهيم ومناهج التحليل المفيدة للبشرية، ولولا التنظير الطبقي الحاد والمؤدلج بشكل سافر في كتب ودفوعات ونقودات اللينينيين والاستالينيين والتي تشربت بها الاحزاب السياسية منذ العشرينيات من القرن الماضي والتي قسمت الفلسفات الى فلسفات تخدم الطبقات الرجعية وفلسفات تخدم الطبقات الصاعدة والافكار التقدمية بالمطلق في غالب الاحيان، نقول لولا ذلك لتمكنت هذه الاحزاب عبر برامج تثقيفها ان تستلهم كثرة من وسائل ومناهج المعرفة والتفكير والتحليل من هذه الفلسفات دون موقف سلبي وهجومي مسبق منها وهو الموقف الذي ما زالت افرازاتها بينة وفاضحة في طريقة التفكير والاولويات المرحلية وعدم القدرة في التصالح المعرفي والفكري مع ثقافات وافكار غير ماركسية ، والمسألة تنطبق بنفس الحجية مع الاحزاب الاسلامية المؤدلجة غير القادرة على الخروج ايضا من شرنقة الحقيقة المطلقة لديها والتصالح مع الفلسفات الاخرى!!.
ان الواقع الاجتماعي والطبقي والطائفي والاثني والقبلي والريعي المشوة وانعكاساته السياسية والاقتصادية والفكرية والعقائدية، هو واقع معقد بدرجة شديدة حيث لا يمكن ان نتيقن بان التمسك المطلق بنظرية او ايديولوجية محددة كفيل بان يحقق لنا التحليل الصائب ومن ثم الموقف السياسي او الاجتماعي او الثقافي او الاقتصادي الصائب، ولذلك فعندما ندعوا الى التحرر من قيود الايديولوجيا الصنمية الجامدة بنصوصها المقدسة كما تم ترويجها في المراحل السابقة وندعوا الى الانفتاح على نتاج العلوم الحديثة وافكار المفكرين ومناهج التحليل المعاصرة المتعددة التي انتجتها عقول قيمت التحولات وتابعت المستجدات بعد مرحلة الفلسفات الكبرى او الاحزاب الثورية المناضلة في ظل ظروف القمع والسرية والصراع الدولي الحاد فاننا في ذلك دعوتنا تصب في التحرر من الجمود و التعويم الايديولوجي للايديولوجيات المغلقة على ذاتها او المجترة لنصوصها او المدافعة عن يوتوبياتها غير الواقعية الشبيهة باليوتوبيات المثالية الافلاطونية او الدينية، وهي دعوة نحو الانطلاق في فضاء المناهج الفكرية المتعددة التي تجاهد ايضا من اجل تعزيز قيم ومباديء العدالة والحرية والمساواة والديمقراطية، وهذه المباديء هي بمثابة البوصلة الفكرية التي تخدم الانسان كغاية الحركات السياسية وتخدم الاهداف التي يناضل المخلصون من اجل انتقال مجتمعاتهم من اغلال وقيود ملكوت الواقع الراهن ( الضرورة) الى ملكوت الحرية (ما ينبغي ان يكون عليه المجتمع).