آخر تحديث الساعة 00:11 بتوقيت الإمارات السبت 4 اكتوبر 2003

بحث متقدم

3 Oct 2003 20:11:45 GMT

آليات الهيمنة والخضوع في النظام الشمولي

بقلم :جاد الكريم الجباعي

حرر النمط الرأسمالي الفرد من الروابط الأولية التي كانت توفر له الحماية والأمن وتمنح حياته معنى واتجاهاً، وألقى به في خضم عالم فسيح وغريب قوامه التنافس والتنازع والصراع، فملأه شعور بالوحدة والعزلة والقلق والشك والعجز والحنين إلى «الفردوس المفقود»؛ ولكنه منحه حرية اختيار مهنته وحرية الفكر والرأي والعقيدة، وبات عليه أن يحقق حريته الإيجابية مع الآخرين.


ولكن معنى الحرية وأساليب ممارستها أو الهروب منها تختلف بحسب انتماء الفرد إلى إحدى فئات المجتمع أو طبقاته الدنيا أو الوسطى أو العليا في الهرم الاجتماعي الذي بات تقسيمه الطبقي صارماً ونهائياً إلى حد كبير. وإذا كانت الحرية الإيجابية لا تزال مقصورة على أفراد الطبقة العليا المالكة للثروة والسلطة ووسائل الإنتاج، فإن الحرية السلبية (التحرر من) هي ما حصلت عليه الطبقات الأخرى، فغدا معنى الحرية لدى الطبقات الدنيا، ولا سيما الطبقة العاملة.


هو العمل في سبيل تغيير النظام القائم، أما الطبقة الوسطى، وهي أكثرية المجتمع، فهي التي تتجلى فيها تناقضات النظام، إذ تميل إلى المحافظة على النظام القائم من جهة، وتحتج على التفاوت الاجتماعي الذي ينمو باطراد من جهة أخرى، ولذلك تتكثف لديها مظاهر الخوف من الحرية والهروب منها.


الرأسمالية، في المركز والأطراف، وضعت الفرد الذي حررته من الروابط الأولية إلى غير رجعة، إذ بات من غير الممكن استعادة تلك الروابط إلا بصورة وهمية، وضعته أمام أحد خيارين: إما التقدم نحو الحرية الإيجابية والتصالح مع العالم ومع نفسه، بالحب والعمل والإبداع، والتعبير الأصيل عن قدراته العاطفية والحسية والعقلية، وإما الهروب من الحرية إلى التبعية والخضوع.


ويتناسب هذان الخياران مع تيارين متناقضين في النظام الرأسمالي ذاته، التيار الديمقراطي والتيار الفاشي أو الهتلري، على اختلاف تفريعاته ومظاهره. وإن كان عالم الأطراف والهوامش أكثر عرضة للتسلط والاستبداد والدكتاتورية. وهذان التياران كلاهما متجذران مؤثران في النظام الرأسمالي العالمي، في مركزه وأطرافه على السواء؛ إذ يقترن أولهما بالتنافس، ويقترن الثاني بالاحتكار، والتنافس والاحتكار تياران أساسيان في النظام الرأسمالي العالمي.


وإذا كان التيار الهتلري نوعاً من مرض خبيث يصيب القومية، أعني التعصب والاستعلاء القوميين، والشعور الوهمي بالتفوق العرقي، فإنه لا يستنفد في هذه الصفة التي ترجع هي ذاتها إلى عوامل اجتماعية اقتصادية وسياسية وثقافية تتعلق بالفئات الوسطى بصورة أساسية، وبالحالة «الجماهيرية» التي تنتجها هذه الفئات التي تجلت لديها النزعات التسلطية والتدميرية والنمطية الآلية، في غير مكان من عالمنا المعاصر.


والنزعة التسلطية، على الصعيد النفسي لدى الفرد والجماعة، وعلى الصعيد الحضاري العام، ترجع إلى الخوف من الحرية والهروب منها. والخوف من الحرية والهروب منها تعبيران عن الرغبات المازوخية والسادية التي تساور الأفراد، ولا سيما في الدول الشمولية والتسلطية، بدرجات متفاوتة لدى الأسوياء، وتبلغ لدى المرضى حالة العصاب.


وأبرز مظاهرها التخلي عن استقلال الذات الفردية ودمجها في شخص آخر أو في حزب شمولي أو حركة توتاليتارية، أي في سلطة ما، وخضوعها خضوعاً مطلقاً لهذه السلطة، حتى لتبدو هذه السلطة قوام الذات وكيانها وماهيتها. وأساس هذه النزعة هو الهروب من العجز الفعلي إلى القوة الوهمية، ومحاولة فرض الأوهام الذاتية على الواقع الموضوعي. ووجها هذه العملية المتناقضان والمتكاملان هما الرغبة في الهيمنة والرغبة في الخضوع.


الرغبة في الهيمنة والرغبة في الخضوع تسمان العلاقات الاجتماعية والسياسية في النظام الشمولي، الهيمنة على الأضعف والخضوع للأقوى؛ الهيمنة على الأضعف تتخذ صيغة ممارسة سادية إزاء الآخر، كثيراً ما تكون عارية، (كالتعذيب الجسدي والنفسي في السجون والمعتقلات، وضرب الأولاد والزوجات ... إلخ)؛ ترافقها وتبطنها في الوقت ذاته ممارسة مازوخية صريحة حيناً وضمنية أحياناً إزاء الذات القلقة الباحثة عن ملجأ وملاذ.


والملجأ والملاذ قوة وهمية: قوة الروابط الأولية التي يحاول الفرد استعادتها والانغماس فيها من جهة، وقوة الزعيم أو الحزب أو الحركة التوتاليتارية التي يتماهى بها، ويضفي عليها صفات العصمة والقداسة والكمال، من جهة أخرى. وكلما بدا له أن استعادة الروابط الأولية مستحيلة، يحاول إعادة إنتاجها في صيغة «روابط ثانوية» بديلة، في الحزب الشمولي وفي الحركة التوتاليتارية وفي صورة الزعيم التي تكثف السلطة والقوة الرمزيتين.


وليس أمراً بلا دلالة اهتمام «الكائنات التوتاليتارية» بصور الزعيم تماثيله، وبترديد أقواله والإعجاب غير المتناهي بأفعاله، وإن كانت هذه الأخيرة من نوع الجرائم الموصوفة التي يدهش الإعجابُ بها العالمَ المتمدن. ولذلك تتحول الأحزاب السياسية في البلدان التابعة والمتأخرة، التي لم يكن تطورها الرأسمالي كافياً للإجهاز على الروابط الأولية، إلى «بنى موازية» لبنى المجتمع التقليدي، أو لكسوره الاجتماعية، العشائرية والمذهبية والإثنية والمحلوية. ودراسة آليات الانشقاق في الأحزاب السياسية العربية تؤكد ذلك.


الكائن التوتاليتاري لا يستطيع أن يحب الآخرين وأن يقدرهم حق قدرهم، لأنه لا يعرف كيف يحب نفسه ويحترمها ويقدرها حق قدرها. إنه بالأحرى كائن أناني أنانيته جشعة مفتوحة على هوة لا قرار لها، فلا يمكن إشباعها. والأنانية هي «نقص التوكيد للنفس الحقيقية ومحبتها، أي للوجود الإنساني العيني بكل إمكانياته» فهي لا تتطابق مع محبة النفس، بل مع عكسها. ومن ثم فالأناني غير قادر على الحب، وهو إلى ذلك يكره العمل بصفته فاعلية ذاتية خلاقة ذات محتوى اجتماعي وإنساني.


ولذلك تراه ميالاً إلى تنفيذ الأوامر وإلى العمل التكراري، الروتيني، وإلى تنفيذ المهمات بحذافيرها من دون أي هامش للمبادرة الذاتية. وإذا كانت هذه المشكلة هي مشكلة الإنسان الحديث في المجتمع الرأسمالي، فإنها مدفوعة إلى حدها الأقصى في البلدان التابعة والهامشية.


ولما كانت العلاقات الاجتماعية والإنسانية قد تحولت إلى علاقات بين أشياء تخلو من أي اكتراث بالعنصر الإنساني، وغدت محكومة بمنطق السوق، يمكننا القول إن الكائن التوتاليتاري إنسان باع نفسه، وضحى بكرامته الوطنية والإنسانية على مذبح القوة الوهمية، في سبيل «الغنيمة والعشيرة والعقيدة».


رفعت الحركة التوتاليتارية، حركة الفئات الوسطى، التي كان ذات يوم أحزاباً سياسية تتنافس في المجتمع المدني وتحت قبة البرلمان، شعارات الحرية والمساواة والعدالة، والوحدة القومية أو الوحدة الإسلامية أو الأممية البروليتارية، بغض النظر عن التباس مفهومي الحرية والتحرر لديها، وكثفت هذه الشعارات في شعار «تحرير الأرض والإنسان»، والإنسان عندها مقلص إلى عضو الحركة التوتاليتارية، فاستمالت إليها كتلة شعبية واسعة من المتعطشين لمضمون هذه الشعارات، بحكم تقارب مستويات الوعي وبحكم قوة الايديولوجيا.


وفور استيلائها على الحكم، بقوة الجيش، كما حدث في عدد من البلدان العربية، قامت بحملات تطهير في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن السرية، وفي الإدارة العامة، ثم ما لبثت أن قامت بتأطير هذه الكتلة الشعبية في تنظيمات توتاليتارية، ولم تستثن النقابات، بل أعادت صوغها على شاكلة التنظيمات التوتاليتارية ذاتها، فتقلصت الفروق العملية بين نقابة المحامين أو نقابة الأطباء أو نقابة المهندسين أو اتحاد الكتاب وبين اتحاد الفلاحين واتحاد الشبيبة واتحاد الطلاب وغيرها.


عمليات التطهير والتأطير المتواصلة وضعت الأفراد الذين تحرروا للتو من الروابط الأولية أمام أحد خيارين: أولهما، أن يتخلى كل منهم عن حريته واستقلاله وفرديته، فينضوي، ويضوي، في أحد تنظيمات السلطة التي لا توفر له الأمن والحماية فقط، بل تمنحه بعض الامتيازات أيضاً، بصفته مناضلاً باع نفسه، في سبيل الأهداف النبيلة. وتتناسب الامتيازات طرداً، لا مع الولاء الشخصي فحسب، بل مع درجة الضراوة في محاربة أعداء الحركة الفعليين والمحتملين.


وهؤلاء الأعداء المحتملون قد يكونون بعض رفاقه، فضلاً عن الآخرين من أفراد الشعب، وهذا ما يقتضي من المناضل أو الرفيق، أو الأخ، المجاهد، وهي صفات تطمس سائر صفات الفرد الأخرى أو تلغيها، مزيداً من اليقظة والحذر ومزيداً من الحماسة والحمية في الدفاع عن «الثورة» وعن قيادتها الحكيمة وعن القائد الذي تنسب إليه كل الصفات الحميدة، حتى حين يكون الزعيم «أميراً للمؤمنين»، أي قائداً لحركة إسلامية يفترض أن يردعه إيمانه الديني عن مثل هذه الممارسات المبتذلة.


وإن مجرد احتمال أن يكون في إطار الحركة، ولا سيما في قلبها، أعداء مندسون أو رفاق داخلهم الشك فزعزع ايمانهم، وينبغي كشفهم والإجهاز عليهم، يجعل كل واحد من أعضاء الحركة موضع ريبة وشك من الآخرين ورقيباً عليهم في الوقت ذاته. وتغدو الريبة والشك والحذر والخوف من أبرز صفات المناضل والمجاهد.


وتزداد وتيرة الشك طرداً مع ترقية أعضاء الحركة في مراتب القيادة واقترابهم من مركز القرار الذي يضيق تدريجياً بسبب الشك والخوف معاً حتى ينحصر في شخص الزعيم الذي يشك في الجميع ويخاف منهم بالقدر ذاته. ومن البديهي وهذه الحال أن تغدو السادية والمازوخية معاً بطانة العلاقات السياسية وبطانة السلوك السياسي الذي يرتدي بالضرورة طابعاً أمنياً. والمازوخية والسادية كلاهما تعبيران نفسيان عن الخوف من الحرية والهرب من تحمل تبعاتها وأعبائها ودفع تكاليفها.


في نطاق هذه الوضعية المرعبة التي لم يعد يكفي معها الخضوع والطاعة والامتثال وتوكيد الولاء بجميع الوسائل والأساليب الممكنة، وفي مقدمها الوشاية و«النقد الذاتي»، يفقد عضو الحركة نفسه الشعور بالأمن والاستقرار، على الرغم من جميع مظاهر القوة والعظمة والأبهة والجاه، ويسكنه الحنين إلى «الفردوس المفقود»، أي إلى الروابط الأولية التي لا يزال قريب العهد بها، فيأخذ في إعادة إنتاجها في إطار الحركة ذاتها، ولكن بصورة وهمية هذه المرة.


ولا تلبث الروابط الأولية أن تظهر في هيئة روابط بديلة، عشائرية ومذهبية وجهوية ومحلوية تشبع الرغبة في الخضوع لدى جميع أعضاء الحركة. ولا عجب وهذه هي الحال أن تنقسم الأحزاب السياسية عندنا، وكلها تنويعات على الحركة التوتاليتارية أو استطالات لها أو انشقاقات عنها، بحسب الانتماءات ما قبل الوطنية؛ فالانشقاق يكشف ما كان خافياً ومستوراً.


والثاني، أن يختار حريته واستقلاله وذاتيته، ويبحث عن طريق أخرى يؤسس بها نفسه في العالم الجديد، وهذا الخيار مقرون في بلادنا وفي سائر المجتمعات المتأخرة، بالمكابدة والعناء، ويحتاج إلى كثير من الثبات والصبر. وكثيراً ما يكون ثمنه باهظاً، ما لم يستعد المجتمع المدني قدرته على حماية الأفراد من خلال مؤسساته الطوعية أو الإرادية، كالنقابات والجمعيات والنوادي والأحزاب السياسية، فضلاً عن المؤسسة الدينية، وما لم يكن القانون سنداً للحرية وضامناً لها.


ـ كاتب سوري




  رياضة |   فنون |   منوعات |   كتب وترجمات |   الرأي |   سياسة |   محليات |   اقتصاد |   الأولى

حقوق الطبع محفوظة لمؤسة البيان للطباعة والنشر