|
صُــحــبـة إدوارد
ســــــعـــيــد |
الثـقـافـة
كـمـمارسـة نقـديـة
حـسـن خـضـر
رام الله...
يقال، دائما، عندما يرحل شخص ما، ان روحه ستبقى
بيننا. هي كلمات لطيفة يعرف الناس انها لا تعني شيئا في معظم الاحيان.
وغالبا ما يطويها النسيان، حتى المناسبة الجنائزية التالية. لكن روح
ادوارد سعيد ستبقى بيننا، لأن ضمير الجماعة لا يشمل العائلة
والاصدقاء وحسب، بل اشخاصا في اربعة اركان الارض ايضا: في الهند
والصين واليابان والولايات المتحدة وفرنسا والكاميرون ومصر واليمن
والسلفادور. استمد هؤلاء وغيرهم من حضور ادوارد سعيد في الدنيا على
مدار ثلاثة عقود، ما يمكنهم من فهم العالم بطريقة افضل.
واذا حدث وفعل شخص شيئا يدخل في باب تمكين
الآخرين من فهم العالم بطريقة افضل، فإن بقاء روحه لا يخضع للنيات
الحسنة، او لمدى ما تكنه العائلة وجماعة الاصدقاء من حب، بل لمدى ما
تتسم به الافكار من ديمومة وقابلية للحياة.
في هذا المعنى سيبقى ادوارد سعيد دائما بيننا.
وفي ميراثه الكبير يمكن التوقف امام فكرتين مدهشتين مارستا نفوذا واضحا
على مناهج العلوم الانسانية، كانت نتيجته اعادة النظر في كثير من
الافكار المعترف بها في علوم الأدب والتاريخ والسياسة، وصياغة فرضيات
نظرية جديدة ، تسمح بالحصول على معرفة افضل بالموضوع نفسه.
الفكرة الاولى هي كون الشرق المتداول في
الادبيات والمخيال الغربي موضوعا مفتعلا ومتخيلا، جرت صياغته في اطار
التوسع الكولونيالي الاوروبي خارج القارة العجوز، وتبلورت علوم
الاستشراق في سياقه في اعتبارها ادوات للسيطرة. بلور ادوارد سعيد
نظريته هذه في كتابه الكبير، "الاستشراق"، الذي فتح حقلا جديدا في
الدراسات الاكاديمية يعرف بدراسات ما بعد الكولونيالية.
كان ادوارد سعيد من اوائل النقاد الاميركيين،
الذين انتبهوا الى اهمية البنيوية الفرنسية، وعملوا على تقديمها الى
الاوساط الاكاديمية، واوساط الجمهور العريض، في الولايات المتحدة
والعالم الناطق بالانكليزية بشكل عام. وقد لعب هذا الاهتمام المبكر لدى
سعيد دورا بارزا في تمكينه من صياغة نظريته حول الشرق المتخيل في
كتابات المستشرقين.
اخذ ادوارد سعيد عن فوكو كون المعرفة تتكون من
طبقات، واولوية العلاقة بين المعرفة والسلطة، وكيفية تجلي السلطة في
الدلالة اللغوية. وقد وظف هذه المعرفة في تفكيك الخطاب الاستشراقي،
ورده الى عناصر اولية تجرده من حياده المزعوم، وتضعه في سياق المشروع
الكولونيالي الغربي.
لكن ادوارد سعيد كان معاديا لرؤية العالم
بلونين أبيض وأسود، فهناك كثير من الظلال، والطبقات الدنيا، التي تكشف
حقيقة حضور الابيض في تكوين الاسود بدرجات متفاوتة القوة والوضوح،
وحضور الاسود في تكوين الابيض بالطريقة نفسها. وقد كانت هذه فكرته
المدهشة الثانية التي صاغها في عمله الكبير "الثقافة الامبريالية".
ففي نظره خلقت الامبريالية للعالم تاريخا
كونيا موحدا، ولم يعد من الممكن تفتيت هذا العالم تواريخ معزولة من دون
ممارسة الحذف والاقصاء على طريقة الحركات القومية الرومنسية في افريقيا
وآسيا واميركا اللاتينية، وحتى في اوروبا نفسها بداية من النصف الثاني
من القرن التاسع عشر.
تعلق ادوارد سعيد بجوزف كونراد في سن مبكرة،
وظل مفتونا به حتى اللحظة الاخيرة من حياته. لم يكن مصدر التعلق القيمة
الادبية لكونراد، او حتى اعتباره اديبا من ادباء الامبريالية - كما
يحلو للبعض تصنيفه - وحسب، بل ربما كان المصدر الحقيقي للتعلق الاحساس
بتشابه المصائر. كلاهما يعيش في بلد غير بلده، ويكتب بلغة غير لغته
الاصلية، ويشعر بتفكك عالمه الخاص، وبتحول المنفى وطنا دائما.
هذا التعلق قاد ادوارد سعيد الى خلاصة مفادها
تعدد الهويات في الازمنة الحديثة. كانت تلك هي الفكرة المركزية في
"الثقافة والامبريالية". فلا توجد هويات تعيش في عزلة، وتنمو وتقتات
على ذاتها. حتى المثقف الحديث ليس سوى خلاصة هويات متعددة وربما
متضاربة. قد يصبح التضارب مصدرا للابداع، وقد يصبح مصدرا للعُصاب.
ويمكن العثور على الحالتين في الشرق والغرب على حد سواء.
وبفضل تعدد الهويات، ووجود كثير من الاشياء في
اعتبارها ملفقة ومبتكرة، كان ادوارد سعيد عرضة للاعجاب بقدر ما كان
عرضة للكراهية وسوء الفهم. فقد كتب كتابا عن الموقف المعادي للاسلام في
الغرب (تغطية الاسلام) وهذا يدخل في باب اهتمامه بتفكيك الخطاب الغربي.
ولم يكن المقصود من الكتاب الدفاع عن النظام الايراني، او اي من
الانظمة الاسلاموية او الحركات الاصولية. المفارقة ان مترجم الكتاب الى
اللغة الفارسية اضاف الى الكتاب فصولا تمتدح الايرانيين زعم انها من
تأليف ادوارد سعيد، كما أن عددا كبيرا من الاصوليين يستخدم افكار
ادوارد سعيد في نقد الخطاب الغربي وتفكيكه لتعزيز الجوهرانية،
متناسيا ان ادوارد سعيد كان معاديا للجوهرانية، كما كان علمانيا، وكان
يرى نفسه مزيجا من الشرق والغرب.
بالقدر نفسه، وقف ادوارد سعيد موقفا نقديا من
ممارسة المؤسسة السياسية الفلسطينية. ولم يصدر هذا الموقف عن تحزب لجهة
دون غيرها، بل صدر نتيجة اقتناع بالدور النقدي للمثقف، وبمدى ما تلحقه
المؤسسة السياسية من ضرر بالصورة التعددية لفلسطين. وقد حاولت بعض جهات
المعارضة استغلال تلك المواقف في اعتبارها تصب في مصلحتها السياسية
المباشرة. والحقيقة ان نقد ادوارد سعيد لتلك الجهات لم يكن اقل عنفا من
نقده للمؤسسة الفلسطينية نفسها.
من بين كتبه الكثيرة ومقالاته التي يصعب حصرها،
تحضر سيرة ادوارد سعيد، التي نشرها قبل سنوات بعنوان "خارج المكان". في
هذا الكتاب كسر ادوارد سعيد تابو الاهل، والذكريات الحميمة، التي لا
تدخل عادة تحت مجهر التأمل، ولا تندرج في باب السيرة الذاتية كما
يعرفها العرب. فعل ادوارد سعيد في السيرة ما فعله في كتبه الاخرى:
الخروج على البداهة، وطرح مقاربات وفرضيات جديدة.
اخيرا، في زيارته الاخيرة لرام الله، لم اكن
اعرف ان تلك ستكون المرة الاخيرة اسمع فيها ادوارد سعيد يتكلم عن حياته
ومشاريعه المستقبلية. ومن بين اشياء كثيرة سمعتها في ذلك اليوم البعيد
قوله: كل ما اريده العيش لعشر سنين اخرى، هناك اشياء اريد كتابتها.
لم تمن عليه الحياة بما اراد، لكنه ترك،
بالتأكيد، الكثير مما سيبقى. واذا اردت تلخيص الرسالة الاهم لأدوارد
سعيد يمكن القول انها الوظيفة النقدية للمثقف. وقد فعل ذلك على مدار
حياة غنية فيها الكثير مما يمكن تعلمه عن معنى الثقافة كممارسة نقدية،
وعن الدور الاجتماعي للمثقف.
|