الاحد 5 تشرين الاول 2003

 


 

صُحبة إدوارد سعيد

المايسترو! - ماهر جرّار

آخرالنهضويين - فوّاز طرابلسي

"فشلتُ معك" - سماح إدريس

الجهر بالحقيقة - محمد علي الاتاسي

في قلب العالم - شفيق الحوت

يوقَدُ من شجرةٍ زيتونة - محمد حسين شمس الدين

الفلسطيني الذي فجّر الهويات - ياسين الحاج صـالح

الثقافة كممارسة نقدية - حسن خضر

لا تقترب أيها الموت - زياد خداش

إدوارد سعيد: الحاجة الى الماركسية - حاوره صبحي حديدي

ماذا بعد؟ - بلال خبيز

وطن الموسيقى

الولادتان - الياس خوري

 

الدليل

الملحق الثقافي

سلامتك

الاغتراب اللبناني


الصفحة الرئيسية

مساعدة

 

صُــحــبـة  إدوارد  ســــــعـــيــد

 

وطـن الـمـوسـيـقـى

حـواريـة بـيـن ادوارد سـعـيـد ودانـيـال بـارنـبـاوم

تـرجـمـة نـائـلـة قـلـقـيـلـي

 

الكتاب الاخير الذي صدر لادوارد سعيد، هو حوارات حول الموسيقى جمعته بقائد الاوركسترا الاسرائيلي دانيال بارنباوم، الذي تربطه به صداقة كبيرة تعود الى اكثر من عشر سنين، وهو بعنوان "نظائر ومفارقات": Parallels and Paradoxes. Exploration in music and society  صدر عن منشورات Blooms bury في بريطانيا عام .2003 ولد دانيال بارنباوم في بيونس ايريس، وهاجر مع اسرته الى اسرائيل، يقود اوركسترا شيكاغو الفيلهارمونية منذ عام ،1991 وفرقة "ستاتسكا بيلي" في برلين منذ عام ،1992 ويعيش حاليا في المانيا. اللقاء بين الكاتب الفلسطيني وقائد الاوركسترا الاسرائيلي لم يقتصر على ولعهما بالموسيقى، بل امتد ليشمل موقفهما من قضية فلسطين، وضرورة النضال من اجل انهاء الاحتلال الاسرائيلي. وقد اثمر هذا اللقاء اكثر من كتاب، اذ أسس الصديقان عام 1999 "اوركسترا الديوان الغربي  - الشرقي" التي انطلقت فكرتها في فيمار في احتفالات الذكرى المئتين والخمسين لولادة غوته. وتضم الاوركسترا موسيقيين شبانا من العالم العربي واسرائيل، وقدمت عروضها في اكثر من مكان في العالم. ننشر ترجمة لجزء من الفصل الاول من الكتاب الذي حرره آرا غوزيليميان، الذي يعمل مديرا ومستشارا فنيا لقاعة كارناغي في نيويورك.

 

وراء البيانو، مرافقاً عفيف بولس، هارفرد عام .1959

آرا غوزليميان: ابدأ بسؤال اوجهه لكل منكما: اين تشعر بأنك في وطنك؟ وهل تشعر اصلا بأن لك وطنا؟ ام تشعر بأنك في حالة حركة دائمة؟

دانيال بارينبويم: الكليشيه المستخدم والمبتذل هو: "اشعر اني في وطني حيثما اعزف الموسيقى". واقول "المستخدم والمبتذل"، رغم انها حقيقة، لأني والعديد من زملائي استخدمنا فعلا هذا التعبير في مناسبات عندما لم نكن ندري كيف نجيب عن هذا السؤال بالتحديد، او عندما كنا لا نريد ان نبدو فظين في اماكن مضيافة جدا تجاهنا، ولكن لا نشعر فيها بأننا في وطننا. كل مكان استطيع فيه ان اعزف البيانو - ومن المفضل ان يكون ذلك على آلة جيدة ومعقولة - واينما اسافر مع فرق الاوركسترا التي اقودها، اما "اوركسترا شيكاغو السمفونية" او فرقة "ستاتسكابيلي" من برلين، هذا هو المكان الذي اشعر فيه بأني في وطني.

اشعر بأني في بيتي ووطني (الى حد ما) في القدس، لكني اعتقد ان هناك شيئا من اللاواقع في ذلك. انها فكرة شاعرية نشأت عليها. لقد انتقلنا للعيش في اسرائيل عندما كنت في العاشرة من العمر، واقمنا في تل ابيب، وهي مدينة بلا تاريخ يذكر، مدينة عصرية للغاية، ليست ممتعة بشكل مميز، لكنها تعج وتصخب بالحياة. اما القدس فتعني، بالطبع، كل شيء لأناس متعددين ومختلفين، ولهذا السبب، ترافقت السياسة فيها بالاشكاليات بشكل دائم. وفي الخمسينات كان سكان تل ابيب يتطلعون الى القدس لتعويض كل ما يفتقدونه في مدينتهم: الروحانية والفضول الفكري والثقافي. وكل هذه الامور، وللاسف، تتلاشى حاليا، كما يبدو، نظرا لانعدام التسامح من بعض المتطرفين من سكان القدس.

وما اعنيه هو اني اشعر بالانتماء الى "فكرة" القدس. في ما عدا ذلك، اشعر بأني في موطني عندما اكون برفقة قلة من اصدقائي المقربين. وهنا، يجب ان اقول ان ادوارد اصبح بالنسبة لي الصديق الذي استطيع ان اشاركه امورا كثيرة، انه الخليل. اشعر فعلا بأني في بيتي وموطني كلما كنت معه!

انا لست من الذين يهتمون كثيرا باقتناء الاشياء. قطع الاثاث لا تهمني، ولا التذكارات من الماضي. وانا لا اجمع القطع القيمة والثمينة - ولذلك فان شعوري بالانتماء الى بيت وموطن هو فعليا شعور بالانتقال، كما هي الحال مع كل شيء في الحياة. الموسيقى انتقال ايضا. واكون في قمة السعادة وانا في حالة انسجام تام مع فكرة السيولة والمرونة. واشعر بالتعاسة عندما لا استطيع اطلاق سراح نفسي، عندما لا استطيع الاستسلام كليا لفكرة ان كل شيء يتغير ويتطور، وليس بالضرورة نحو الافضل!

ادوارد سعيد: الشعور بالحنين والشوق الى الوطن كان من اولى ذكرياتي، ولطالما تمنيت ان اكون في مكان آخر. لكن مع مرور الوقت، صرت اشعر بأن فكرة الموطن والانتماء اليه مبالغ فيها. هناك الكثير من العاطفية في فكرة "ارض الوطن" بشكل لا يروق لي البتة وفعليا، التجوال هو ما افضّل فعله في الحياة، والسبب الذي يجعلني سعيدا الى هذه الدرجة في نيويورك انها مدينة "حرباء" (متقلبة الالوان والاطوار). يمكنك ان تكون في اي مكان فيها من دون ان تكون منها. وانا معجب بذلك من بعض النواحي.

عندما اسافر، خصوصا عندما اعود الى زيارة الاماكن التي  ترعرعت فيها في الشرق الاوسط، اجد نفسي انغمر في شعور هائل بمقاومة العودة الى هناك. على سبيل المثال، عندما عدت الى القدس مع عائلتي عام 1992 وجدتها مكانا مختلفا تماما. لم اكن قد زرتها منذ خمسة واربعين عاما تقريبا، ولم تعد قط المكان الذي اذكره، وبالطبع كانت فلسطين التي امضيت فيها جزءا من شبابي قد اصبحت اسرائيل. انا لم اعش في الضفة الغربية، ولذلك فان رام الله، وهي مكان رائع حيث احيا دانيال حفلة موسيقية في مبنى الكونسرفاتوار هناك قبل عام تقريبا، هي في الحقيقة ليست وطنا بالنسبة لي. اشعر فعلا بأني في وطني في مكان مثل القاهرة حيث امضيت معظم السنين التي اثّرت في تكويني. وهناك شيء من الازلية في القاهرة. انها مدينة معقدة وممتعة عقليا للغاية، واخيرا ان لهجتها المميزة هي التي تعجبني بعمق!

اعتقد ان احد الامور المشتركة مع دانيال، ولعنا بكل ما له علاقة بالسمع اكثر منه بالنظر. اسوة بدانيال، فان الاشياء المادية في حد ذاتها لا تغويني، باستثناء اني اجمع بعض الاشياء. لديّ مجموعة لا بأس بها من اقلام الحبر السائل لأسباب تتعلق بمهنة والدي. وكأحد اتباع كانط اكره الكومبيوتر. كما اجمع الغلايين والثياب، لكن هذا كل شيء. اقتناء الاشياء لا يدغدغ في ذاتي المشاعر نفسها كما في جامعي القطع الفنية او البيوت او السيارات. قرأت عن اشخاص لديهم خمسون سيارة. وهذا امر لا استوعبه البتة.

ذكر دانيال - وقد انهيت مذكراتي "خارج المكان" بفكرة مماثلة اعتبرها مهمة فعلا - ان الشعور بالهوية مجموعة من التيارات، التيارات الجارية، اكثر منها بمكان محدد او مجموعة ثوابت. ومن المؤكد ان ذلك ينطبق على تجربتي.

دانيال: لا بد ان لفكرة "التيارات" هذه علاقة بالطريقة التي عشت فيها حياتك. لقد ولدت في القدس، التي كانت بريطانية آنذاك، وترعرعت في القاهرة التي كانت بريطانية في ذلك الحين، ثم اصبحت مصرية. وهاجرت الى اميركا. ان نسبة عالية من اهتماماتك اوروبية، فالامور التي تعنيك اكثر من غيرها - اي طريقة تفكيرك، وما تدرّسه، وما تعرفه، ليس فقط في مجالات الادب والفلسفة والتاريخ، بل والموسيقى - كل هذه الامور اوروبية المنشأ.

اذا كان المرء حيويا في مهنة هي بالفعل اكثر من مجرد مهنة، بل نمط حياة، كما هي الحال بالنسبة لنا (لك ولي) - اي اكثر من مجرد دوام من التاسعة صباحا الى الخامسة بعد الظهر - تزول اهمية الجغرافيا. من المؤكد انك عندما تقرأ غوته تشعر شعورا غريبا، كأنك الماني، تماما كما اشعر وانا اقود عزفا لبتهوفن او بروكنر. وكان هذا احد دروس ورشة العمل التي نظمناها في فايمار. وعلى وجه التحديد، ارى انه ليس فقط من الممكن ان يكون للمرء هويات متعددة، بل واضيف ايضا، انه لأمر يحبَّذ الطموح اليه. فالإحساس بالانتماء الى ثقافات مختلفة ليس سوى اثراء الشخص المعني.

آرا: دعونا نتكلم عن ورشة العمل في فايمار. في عام 1999 تعاونتما في مدينة فايمار الالمانية، والتي كانت آنذاك عاصمة اوروبا الثقافية، وهو شرف يُمنح سنويا لمدينة مختلفة بالتناوب. وفي الذكرى الـ250 لميلاد غوته، وفي مدينة لها علاقة وثيقة به، جمعتم موسيقيين عربا واسرائيليين، بالاضافة الى عدد اقل، من الموسيقيين الالمان، للعزف معا في فرقة اوركسترا. اود ان اسألكما: ما الهدف الذي كنتما تطمحان الى تحقيقه، وفي النهاية ما الذي تشعرون انكم حققتموه؟

ادوارد: لقد كانت الى حد ما تجربة جريئة. كانت هنالك محاولات مشابهة في السابق - اعلم ان المانيا دعت موسيقيين من دول عربية واسرائيل للعزف معا في مخيمات للموسيقى، ولاحياء حفلات - لكن الجديد في تجربة فايمار كان،  اولا، في مستوى المشاركة على صعيد القيادة: فقد تضمّنت دانيال ويو يو ما . ولا يمكنك ان تجدي موسيقيين افضل منهما لقيادة مجموعة مثل هذه. وراوحت اعمار معظم المشاركين بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين، رغم اني اذكر عازف فيولونسيل عمره اربع عشرة او خمس عشرة سنة، وهو فتى كردي من سوريا.

استغرق التحضير للحدث وقتا طويلا. وبالطبع، احتاج الموضوع لاختبار اداء اولئك الموسيقيين. ولم يكن مستغربا، على الاقل في بعض الدول العربية، ان يُطرح التساؤل: هل ستسمح الحكومات للطلاب بالمشاركة؟! في النهاية، حضر الجميع، بمن فيهم مجموعة من سوريا، ومجموعة من الاردن، وواحدة من الاراضي الفلسطينية، واخريات من اسرائيل ومصر ولبنان، وربما من دولة او اثنتين اخريين.

كان لدينا افتراض بأن هذا البرنامج ربما يكون طريقا بديلا لصنع السلام. فعملية السلام، كما قلت مرارا وتكرارا في السابق، لم تجن الثمار المرجوة. لكن، لا اعتقد ان انقاذ عملية السلام كان هدفنا الرئيسي. من وجهة نظري، الفكرة كانت في ان نرى ماذا سيحدث اذا جمعنا هؤلاء الشباب ليعزفوا في فرقة اوركسترا في فايمار بروح غوته الذي كتب مجموعة هائلة من القصائد انطلاقا من حماسته للاسلام. اكتشف غوته الاسلام من خلال مصادر عربية وفارسية - فقد احضر له جندي الماني، شارك في الحملات الاسبانية في بداية القرن التاسع عشر، صفحة من القرآن. وقد سُحر غوته بها. باشر دراسة اللغة العربية، لكنه لم يستمر طويلا. ثم اكتشف الشعر الفارسي فألّف تلك المجموعة الرائعة من القصائد حول "الآخر" فعليا، فكان "الديوان الغربي الشرقي" Westostlicher Diwan وهو، في رأيي، فريد من نوعه في الثقافة الاوروبية.

وتلك كانت الفكرة وراء هذه التجربة. اضافة الى ذلك، وتحت هذا الغطاء اردنا ان نجمع الموسيقين في فايمار، وهي قريبة جدا من بوشنفالد، معسكر الموت الفظيع. وفي الحقيقة، لقد تم اختيار مكان المعسكر عمدا، وعن قصد، ليكون قريبا من فايمار التي تحيط بها هالة رومنسية، وضعتها على رأس هرم الثقافة الالمانية: غوته، شيلر، فاغنر، ليست، باخ، جميعهم عاشوا فيها. ولم يستطع احد ان يستوعب ذلك الجوار بين الروعة والرعب!

كانت هناك بروفات (تمرينات) يومية للاوركسترا، في الصباح وبعد الظهر، تحت قيادة دانيال طبعا. وكانت هناك بروفات لفرق الموسيقى الحُجرية، ودروس موسيقى، وكلها في آن واحد. هؤلاء الطلاب، الذين لم يروا بعضهم البعض من قبل، كانوا يلتقون في المساء في ليال عدة في الاسبوع. كنا نقوم بنقاشات بقيادتي حول الموسيقى والثقافة والسياسة واي شيء يخطر على البال، لم يكن اي منا يشعر بأنه تحت اي ضغط للسكوت عن اي شيء. وبما ان المجموعات كانت مختلفة تماما، لم يكن هناك امكان لاخفاء اي عدائية او ود، كان العداء والود ظاهرين دائما. الشيء الوحيد الذي لم يحصل هو الصدام السياسي المباشر، حيث كان لدينا عُرف غير مكتوب حول ذلك على الاقل اثناء النقاشات المسائية.

اذكر النقاش الاول بالتحديد، لأنه بلور كل التوترات التي كانت على بال الجميع. بدأ الحوار بسؤال احدهم للمجموعة: ما شعور الناس حول كل هذا الموضوع؟. رفع احد الفتية يده وقال: اشعر بالتمييز ضدي، لأني حاولت الانضمام الى مجموعة من الشباب كانوا يعزفون عزفا ارتجاليا، لكنهم لم يدعوني اشاركهم.  فسألته: ما الذي حدث بالضبط؟ ففسر لي عازف كمان لبناني الموقف: المشكلة انه بعد انتهاء البرنامج اليومي، وفي المساء، حوالى الساعة الحادية عشرة، تجتمع مجموعة منا ونعزف موسيقى عربية ارتجالية. فاستدرت نحو الفتى الاول وطلبت منه ان يشرح لي المشكلة. فقال لي: انا الباني، انا من اسرائيل، لكن في الاصل من البانيا، وانا يهودي، وهم قالوا لي انت لا تستطيع ان تعزف الموسيقى العربية. فقط العرب قادرون على عزف الموسيقى العربية. كانت تلك لحظة استثنائية وفي غاية الاهمية. يا له من جدال معقد حول من يستطيع ومن لا يستطيع عزف الموسيقى العربية!

كانت تلك مشكلة فعلا. وبالطبع، طرح السؤال التالي نفسه: ما الذي يعطيكم الحق في عزف موسيقى بتهوفن؟ انتم لستم ألماناً. اذاً، هذا النقاش لن يؤدي الى شيء. وكان هناك ضمن الحضور عازف فيولنسيل اسرائيلي بالاضافة الى كونه جنديا، وكان يواجه صعوبة في الحديث باللغة الانكليزية، فطلب منه دانيال ان يتكلم العبرية. فقال ما مضمونه: "انا هنا لأعزف الموسيقى. ولا تهمني كل الامور الاخرى التي تحاولون انتم ان تفرضوها علينا بهذه النقاشات حول الثقافة. انا هنا لأعزف الموسيقى، ولا يهمني اي شيء آخر، وانا محرج لأنه، مَن يدري، ربما يرسلونني الى لبنان، وسأضطر لمحاربة بعض الناس الموجودين هنا. قال له دانيال: اذا كنت تشعر بالاحراج الى هذا الحد، لماذا لا تغادر؟ لا أحد يجبرك على البقاء. لكنه بقي في نهاية المطاف.

اذاً، ساد الجو شيء من التردد في البداية. لكن، بعد مرور عشرة ايام اصبح الفتى، الذي ادعى ان العرب وحدهم يستطيعون عزف الموسيقى العربية، يعلّم يو يو ما كيف يدوزن الفيولونسيل على السلّم الموسيقي العربي. فقد اقتنع اذاً بأن الصينيين قادرون على عزف الموسيقى العربية. وبالتدريج اتسعت الدائرة، واذا بالجميع يعزفون معا سمفونية بتهوفن السابعة. وكان ذلك حدثا في غاية الروعة.

وكان من المدهش ايضا مشاهدة دانيال، وهو يمرّن هذه المجموعة الرافضة لتصبح مقبولة الشكل والمضمون. فالمشكلة لم تكن فقط في ان الاسرائيليين والعرب لا يحبون بعضهم البعض. كان هناك بعض العرب الذين لا يحبون عربا آخرين، واسرائيليون لا يحبون البتة اسرائيليين آخرين. وكان من المدهش مراقبة تلك المجموعة، وهي تتحول الى اوركسترا حقيقية، رغم توترات الاسبوع الاول او الايام العشرة الاولى. وفي رأيي الشخصي، ما رأيناه لم يكن له اي معنى سياسي اضافي. هويات مختلفة حلت محل هويات اخرى. كانت هناك مجموعة اسرائيلية، ومجموعة روسية، ومجموعة سورية، ومجموعة لبنانية، ومجموعة فلسطينية، ومجموعة من فلسطينيي اسرائيل. وكلهم اصبحوا فجأة مجرد عازفي فيولونسيل وكمان، يعزفون المقطوعة نفسها في الاوركسترا نفسها مع القائد نفسه.

لن انسى ابدا نظرة الاندهاش التي رأيتها في عيون بعض الموسيقيين الاسرائيليين اثناء المقطع الاول من سمفونية بتهوفن السابعة حيث يقوم عازف المزمار بعزف مكشوف على سلم "لا ماجور" الكبير. فاستداروا جميعا لمتابعة طالب مصري يعزف على مزماره عزفا مثاليا على هذا السلّم - الذي استطاع دانيال ان يستخرجه منه. فكان تحوّل هؤلاء الفتية من حالة الى اخرى حتميا ولا محالة.

دانيال: ما بدا خارقا للعادة بالنسبة اليّ كان مدى الجهل الموجود حيال "الآخر". الفتية الاسرائيليون ما كانوا ليتخيلوا ان هناك اناسا في دمشق وعمان والقاهرة يتقنون فعلا العزف على الكمان او الفيولونسيل. واعتقد ان الموسيقيين العرب كانوا يعرفون ان هناك حياة موسيقية في اسرائيل، لكنهم لا يعرفون الكثير عنها. وقال لي احد الفتية السوريين انه لم يقابل اسرائيليا من قبل، وان الاسرائيلي بالنسبة اليه، يشكل مثالا سلبيا على ما قد يحصل من سوء لبلاده وللعالم العربي.

والفتى ذاته وجد نفسه يشارك عازف فيولونسيل اسرائيليا منصبا موسيقيا. وكانا يحاولان عزف النوتة نفسها، وان يعزفا بالحيوية نفسها، وبحركة القوس نفسها وبالصوت نفسه، وبالتعبير نفسه كانا يحاولان ان يفعلا شيئا ما معا. بكل بساطة كانا يحاولان ان يفعلا شيئا معاً، شيئا كلاهما متحمس له. وفعلا، بعد عزف تلك النوتة الواحدة، تغيرت نظرتهما الى الآخر لا محالة، فقد عاشا تجربة مشتركة. وهذا، بالنسبة اليّ اهم ما حدث في ذلك اللقاء.

في عالم السياسة اليوم، وفي اوروبا خاصة - لا اريد ان اقول شيئا عن السياسة الاميركية لأنني لا اعرف ما يكفي عنها - ما زال القادة يتصرفون كأنهم يحكمون العالم، بينما هم في الواقع لا يسيطرون على اي شيء تقريبا. يبدو لي ان السياسيين غير مؤثرين البتة، وللتعويض عن ذلك يبالغون في اظهار الثقة بالنفس امام الجمهور. من الواضح ان المال يستطيع شراء اشياء كثيرة، بما فيها القليل من الارادة الطيبة احيانا، ولفترة قصيرة. لكن الحقيقة تبقى انه اذا اردنا ايجاد حلول للصراعات يوما ما، فسيكون ذلك من خلال الاحتكاك والتواصل بين الاطراف المتنازعين.

والمنطقة التي نتكلم عنها -الشرق الاوسط - صغيرة جدا. الاحتكاك حتمي. والامتحان الحقيقي لاحتمال الحل السلمي لن يكون متعلقا فقط بالدولارات، وبحلول سياسية حول الحدود. الامتحان الحقيقي هو الى اي مدى سيكون الاتصال المباشر مثمرا على المدى البعيد.

اني مقتنع بأنه من خلال الثقافة - من خلال الادب - وما هو افضل، من خلال الموسيقى، لأنها لا تتعامل مع الافكار المحددة - اذا رعينا هذا النوع من  الاحتكاك، سنساعد الناس في الشعور بأنهم اقرب بعضهم الى البعض، وهذا كاف!

ادوارد: ان احد الامور المذهلة في عملك هو انك تعمل كمترجم وكعازف في آن واحد، كفنان يهمه التعبير عن ذات الآخرين ربما اكثر من التعبير عن ذاته. وهذا هو التحدي الحقيقي. والمثير للاهتمام لدى غوته - وكذلك في تجربتنا في فايمار- ان الفن، خصوصا بالنسبة الى غوته، كان في الاساس رحلة الى "الآخر" وليس تركيزا على الذات. وهذه النظرة لا تؤيدها اليوم الا قلة. اليوم يتم التركيز اكثر على الهوية، على الحاجة الى الجذور، على قيم ثقافة المرء واحساسه بالانتماء. اصبح من النادر توجيه النفس الى الخارج، لتكون هناك رؤية اوسع.

خلال عملك كعازف يا دانيال وخلال عملي كمترجم - مترجم للادب والنقد الادبي - يجب علينا ان نتقبل فكرة وضع هويتنا على الرف كي نستطيع استكشاف "الآخر".

دانيال: كثيرا ما اشعر اليوم - خصوصا في عالم الموسيقى (خصوصا وليس حصرا) - بأن الخيارات مطروحة بشكل خاطىء. دعنا نعود الى جوهر الموضوع، صوت الاوركسترا. كثيرا ما تسمع: انه لمن المؤسف ان فِرق الاوركسترا الفرنسية اضاعت الصوت الحاد للزّمخر bassoon الفرنسي. وذلك لأنهم يعزفون اليوم على الزّمخر الالماني. وفرق الاوركسترا الاميركية تستخدم في عزفها احيانا البوق trumpet والمترددة trombone الالمانية. وفرقة "فيلهارموني التشيكية" صوتها شبيه بفرقة "سيدني سمفوني" والخ. ما اسوأ العولمة، هذا ما يقوله الناس. وكأنه يجب ان تكون فرنسيا كي تعزف صوتا انفيا حادا او المانيا كي تعزف صوتا المانياً.

هذه هي البدايات الحقيقية لزوال التسامح الثقافي. فعلا، هناك فرق بين التعاطف مع التراث الوطني والافكار الخيالية حول الدولة - الامة. لم يكن اي خلل في شعور الالمان عام 1920 بأن هناك شيئا ثقافيا المانيا بحتا في بتهوفن وبرامز. استطيع ان اتفهم ذلك من دون إشكال. لكن قدرتي على التفهم تتلاشى عندما يدّعون ان الآريين وحدهم يستطيعون فهم بتهوفن والتمتع به. واعتقد اننا في الطريق الى ذلك مجددا.

اما الولايات المتحدة فقد اثبتت عكس ذلك، لأن ابرز الموسيقيين الاميركيين لا يتعاملون مع الموسيقى على المستوى الثقافي. بكلمات اخرى، ان اي موسيقي الماني عظيم سيكون لديه ردة فعل فطرية عميقة على بتهوفن وبرامز اللذين تربى عليهما. انها مسألة تكاد تكون متوارثة ونابعة من الجذور. من الروح - ولن يكون  هذا الشعور لديه لدى التعامل مع "البحر" لدوبوسي، حتى لو كان يؤديه بروعة. اما بالنسبة الى الموسيقي الاميركي، فان بتهوفن و"البحر" هما بالبعد او القرب نفسه، وفقا لموهبته او معرفته. وربما لهذا السبب، لدى كل منا القدرة على ان نكون اشياء كثيرة.


 

PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | | naharpost | | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help


 

Copyright © 2003 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.