"النهار"

السبت 11 تشرين الاول 2003

الكاتب الاميركي ذو الشهرة العالمية بول أوستر خصّ "النهار" بأوّل حديث لصحيفة عربية [1]:

أميركا هي عـلى الأرجـح الاكثر عـداء للثقافـة والاقـلّ اهتمامـاً بالفكر في العـالم

العيش بلا مـال مـن أسـوأ اللعنات للانسـان فـي عالمنا المادي والرأسمالي والمعولم

حادثته جمانة حداد

 

بدأت القصّة مثلما تبدأ كل القصص الجميلة. فكرةٌ بدت مجنونة للوهلة الاولى، وأكثر انتماء الى الرغبات منها الى "الممكن"، ثم ازدادت تبلّراً ووضوحاً مع الوقت، حتى غدت هدفاً قابلاً للتنفيذ. وعندما بعث بول أوستر اليّ برسالته الجميلة بخطّ يده، موافقاً فيها أخيراً على اجراء المقابلة، لا أخفي اني شعرت بشيء من الفرح الذي يوازي انبهار الطفل بهدية غير متوقعة. فصحيح أني كنت أعمل منذ مدة ليست قصيرة على نيل الحوار، إلا انني فوجئتُ رغم ذلك، وربما كان يساورني شك في ان يوافق، هو الذي يضنّ بالاحاديث حتى على أكثر الصحف والمجلات الغربية شهرة وانتشاراً. "عزيزتي السيدة حداد، قال، لم أكن أعرف البتة ان لي قراء في العالم العربي. يا له اكتشافاً رائعاً! بأي لغة تقرأونني يا ترى، بالانكليزية ام بالفرنسية؟". "بالاثنتين، اجبته في افتخار، فنحن اللبنانيين نتقن لغات كثيرة". آثرت ألا اعترف له بأن "ثلاثية نيويورك" و"في بلاد الاشياء الاخيرة" ترجمتا الى العربية منذ نحو عشر سنين بغير علم منه، وصدرتا في بيروت تحديداً.

عشية الحديث معه أحسستُ بشيء من الرهبة. انه الكاتب الذي تمجده الصحافة الادبية الغربية وتصفه بالاسطورة. لكن ما ان سمعت صوته على الهاتف للمرة الاولى حتى زال كل ارتباك على الفور. شعرت بانه قريب جداً مني كانسان، بعدما كان قريباً ومألوفاً ككاتب أتابعه منذ زمن. "انكليزيتكِ ممتازة" قال لي في نبرة تنطوي على الاعجاب والدهشة. طليق اللسان هو، اجاباته بسيطة انما عميقة ومتعددة الطبقة، وتواضعه صادق وغير مفتعل ولا يتعارض مع كونه رجلاً انوفاً جداً.

انطلقت شهرة اوستر عالمياً مع رواية "ثلاثية نيويورك"، ولم يكفّ اسمه عن الترسخ منذ ذلك الحين. وُصفت اعماله بكتابة ما بعد الحداثة وما بعد الوجودية، واستفزت عدداً لا يُحصى من الدراسات والمقالات والتحليلات، لكني اخترت هذه المرة ان افسح لتحليله الخاص لها، فمن افضل من الكاتب ليروي نفسه وقلمه؟ والحقيقة أن ما سأورده هنا على مدى حلقتين ليس سوى مقتطفات من حديثنا الذي طال وتشعّب، فهو لم يكتف بالاجابة عن أسئلتي، بل طرح علي أسئلة كثيرة بدوره، عن عالمنا وحياتنا وأدبنا. وكنت أشعر بنظرته الثاقبة والمعروفة تخترقني كلما واجهته بموضوع يتطلب قدراً من التركيز، وبعينيه تبرقان حبّاً كلّما أتى على ذكر زوجته سيري، شريكته منذ نحو عشرين عاماً. واضطررنا الى التوقف عن الكلام بضع مرّات، مرةً لانه انزعج من الصخب بسبب تشغيل المكنسة الكهربائية في الغرفة المجاورة لغرفته، والمرات التالية لأنه كان يريد إشعال سيكاره الصغير الذي لا يفارقه.

 

* لنبدأ من الصرخة الأولى، من لحظة اكتشافك انك تريد ان تكون كاتباً. متى عرفتَ ذلك وفي اي مرحلة من حياتك؟ اعلم انك مارست عدة وظائف، ومنها غريب جداً، كبحّار أو عامل في مزرعة مثلاً...

- أعتقد أن الولادة التي تشيرين اليها تمت على الارجح عندما كنت في السادسة عشرة. لطالما كنت قارئاً نهما، وكنت اكتب القصائد والقصص حتى في صغري. لكني اعتقد أني اصبحت جدياً حيال المسألة في السادسة عشرة، فقلت في نفسي: هذا ما أريد فعله في حياتي. رحتُ اكتب النثر والشعر على السواء، لكني اتجهتُ كلياً الى الشعر بعد ذلك ببضعة اعوام، وتحديداً خلال حرب فيتنام، اذ كنت يومذاك طالباً في جامعة كولومبيا في نيويورك، وكانت لدي اقتناعات سياسية قوية بينما البلاد تشهد حال غليان وأجواء مشحونة بالضغوط، فتنازعتني رغبتان متناقضتان، الرغبة في المشاركة في شؤون بلادي العامة والالتزام سياسياً، والرغبة في الجلوس وحيداً في غرفة معزولة وكتابة القصائد والروايات. واذ كنت تعلمت الفرنسية في المدرسة، أتيح  لي الاطلاع على الادب الفرنسي، وسحرني الشعراء السورياليون لأنهم استطاعوا تحديداً الجمع بين هذين النقيضين، فهم لم يكونوا يريدون تثوير الشعر فحسب، بل تثوير الحياة ايضاً وخاصة، ولذلك اتخذتهم مثالا وافتتنتُ بهم الى أقصى حد، وكان اجملهم وأصفاهم بول ايلوار. اذكوا نار حماستي لكتابة الشعر. لم أكن بالطبع متأثراً يوماً بهم في كتاباتي.

* هكذا بدأت مع الشعر، ثم انقطعت عن الكتابة كليا، ولما عدت الى احضانها في اواخر السبعينات، وتحديدا عام ،1978 اتجهتَ مباشرة نحو النثر. وبدا كما لو انها بداية جديدة لك، ومفصلا بين مرحلتين في حياتك كاتبا، الاولى كشاعر والثانية كروائي. ولم تعد الى الشعر مذذاك رغم ان كثرا يتأرجحون بين الشعر والرواية من دون ان يعيشوا عملية فصل قاطعة بينهما. فلِمَ قرار التحول الحاسم هذا لديك؟

- ما حصل معي في الحقيقة اكثر تعقيدا وغرابة وقدرية من مفهوم القرار. فكما ذكرت، لطالما كنت اكتب النثر منذ بداياتي، الى الشعر بالطبع، وكان طموحي الحقيقي ان اغدو روائيا. وخلال اعوام مراهقتي كنت اكتب الكثير من النثر لكني لم اكن راضيا عنه ولم اكن اريه لاحد. في المقابل شعرت بأني احقق تطورا اكثر اهمية في الشعر، فازددت غوصا في هذا الاتجاه، وفكرت في مرارة: لعلي لا املك موهبة كتابة الرواية. وفجأة، في تلك المرحلة تحديدا، اصطدمت بجدار مرعب. لم اعد استطيع الكتابة، وبت عاجزا عن توليد قصيدة واحدة. في اختصار، علقت في ما يشبه الفخ. ومرّ وقت لم اكتب فيه اي كلمة، باستثناء رواية بوليسية نشرتها باسم مستعار بغية تحصيل بعض المال.

* تلك التي عدت واوردتها حديثا كحاشية في كتابك "ايام التقتير"؟

- تماما، حاشية من 250 صفحة الاطول بلا ريب في تاريخ الحواشي! وحين عدت الى الكتابة مجددا بعد فترة، صار الكلام يولد مني نثرا. كان امرا غريبا للغاية في الواقع، وطبيعيا وفطريا في الوقت نفسه، وانا عاجز حتى عن تفسيره. لم اتُخذ اي قرار بل اتُخذ القرار عني وجل ما فعلته هو الامتثال. انتِ على حق كأني ولدت مرتين كاتبا. فجأة مات الشاعر وولد الروائي. والاوقات الوحيدة التي اكتب فيها اليوم شيئا يدور في فلك الشعر هي المناسبات العائلية، كأعياد الميلاد مثلا اذ اكتب اشعارا مضحكة ومسلية. فضلا عن اني كتبت خلال الاشهر الستة او السبعة الاخيرة نصوص اغان لبعض الموسيقيين، لكني لا اعتبرها قصائد، بل تجربة مختلفة في حياتي. وسوف تؤدي هذه الاغاني فرقة صغيرة من حيّ بروكلين حيث اقيم، اسمها One ring Zero، وهي فرقة تستخدم آلات موسيقية وتقنيات تسجيل غريبة وغير مألوفة، ضمن البوم مثير للاهتمام تحت شعار "مشروع الكاتب". وفكرة الالبوم انه سيكون معتمدا بكامله على نصوص من ادباء مختلفين، امثال مارغريت اتوود وجوناثان ايمز ودنيس جونسون ودانييل هاندلر وريك مودي وسواهم كثر. انها فرقة شديدة الارتباط بالحياة الثقافية هنا، ونعمل معا كذلك على مشروع آخر هو البوم غنائي لابنتي صوفي التي بلغت السادسة عشرة وتملك صوتا رائعا، لذا كتبت لها بعض الاغاني. وهذه ايضا تجربة مسلية وجديدة لي.

* في الحديث عن التجارب الجديدة، انت متنوع للغاية، اذ خضت ايضا تجربة اخراج مع سيناريو لك عنوانه "لولو فوق الجسر" فهل ارضتك تلك الخطوة الى حد تكرارها؟

- كانت تلك فعلا تجربة مسلية وممتعة بدورها، وانا سعيد جدا لأني قمت بها، لكني لا اعرف ان كنت اكررها. فصناعة الافلام تستهلك الكثير من الوقت، ويتطلب تنفيذ الفيلم حدا ادنى من سنتين او ثلاث، ولا اعتقد اني املك الرغبة في التضحية بالكتابة وتكريس وقتي لهذا الموضوع. انهمكت الى الآن في ثلاث افلام مختلفة، وشكل هذا الجانب محض فصل اضافي مغن في حياتي، ولاسيما انه امر نادر ان يتسنى لرجل في اواخر اربعيناته ان يقوم بشيء جديد، بل غالبا ما يكون عالقا في عالمه وقراراته المهنية. اما وقد سنحت لي الفرصة لأتعلم بعض الامور عن فن جديد لم اكن اعرفه عن كثب من قبل، فلا شك في اني عشت مرحلة مدهشة ومنشطة، ناهيك بأنها مفيدة جدا على الصعيد الانساني، لكني لا اعتقد اني سأكررها. في اي حال، لا يمكن التنبؤ بالمستقبل، ومن الصعب جدا ان نقرر اي شيء سلفا، فالحياة تجرفنا الى اتجاهات لم نكن لنتخيّلها.

* كثيرة التجارب الابداعية التي انطلقت من رواياتك، ففضلا عن اقتباس احداها للسينما وتحويلها فيلما، وهي  رواية "موسيقى الحظ"، حوّل الرسام المشهور آرت شبيغلمان "مدينة الزجاج" قصة مصورة، ومن اعمالك ما حوِّل ايضا مسرحية وباليه وحتى اوبرا. فكيف تتفاعل مع رؤى الآخرين الخلاقة متقاطعة مع رؤاك؟

- حصلت معي بالفعل امور غريبة، استثنائية، رائعة في هذا الاطار، ويعجبني ان توحي كتاباتي برؤية ما لفنان آخر، سواء كان رساما او موسيقيا او مسرحيا او راقصا او سينمائيا. لعل اكثر هذه القصص تأثيرا فيّ تلك التي تناهت اليّ اثناء حصار ساراييفو في التسعينات، عندما كانت الحرب هناك في ذروتها، اذ اكتشفت ان احد المخرجين المسرحيين حوّل روايتي "في بلاد الاشياء الاخيرة" مسرحية، اي ان كتابي هذا تمكن من تجاوز حدود الزمان والمكان ومن مخاطبة شخص يعيش ظروفا مأسوية في مدينة مدمرة في جزء آخر من العالم. اجد هذا التفاعل الخلاق مع كتبي جميلا ومثيرا، وافتخر به بالتأكيد.

* لكن لو اخذناجانب تحويلها افلاما في الاعتبار، مثلا، الم تقل مرارا وتكرارا ان الافلام المقتسبة من الكتب مخيبة وتغمط الكتاب حقه؟

- بلى، فأنا مقتنع بأنه ليس للأفلام عمق الكتب، وغالبا ما ينقصها شيء. السينما فن ساحر وقوي وراق جدا، اذا استثنينا الصناعة الهوليوودية التي ازدري مفهومها، لكني اجهل ان كان يمكن حقا تحويل الروايات افلاما. طبعا لا يشمل ذلك كتابة السيناريو، وهو ما فعلته في "دخان" و"لولو على الجسر" فعندما تكتبين نصا بنيّة تحويله فيلما، تكونين في طور "مشاهدته" اثناء كتابته، والنية هنا، او "مصير" الكلمات، مهمان للغاية. الافلام الجيدة المقتبسة من كتب غالبا ما تكون قائمة على روايات غير ناجحة في جسدها المكتوب. تروفو مثلا حقق افلاما رائعة استنادا الى كتب ليست رائعة على الاطلاق، بل هي من الدرجة الثانية، مثل "عازف البيانو" مثلا. في المقابل، عندما يكون بين يدي المخرج نص ادبي معقد، من الصعب جدا عليه تحويله فيلما ناجحا وترجمته الى صور، وخاصة في ما يتعلق بي لاني روائي "غير سينمائي" الى حد كبير، اذ ليس ثمة حوارات كثيرة في كتبي، فضلا عن تقشفي في الوصف الجسدي، واجتنابي الانتقال من مشهد الى آخر في تسلسل متوقع. كتبي سرد متواصل للشخصيات التي تسكنها.

* وكيف تطرد هذه الشخصيات بعد الانتهاء من كتاب ما؟ لا تسكنك ايضا وتحوم حولك باستمرار؟

- بالتأكيد، كيف لا! ولاسيما اني احتاج عادة الى وقت طويل جدا لكتابة رواية ما، وافكر فيها اعواما طويلة قبل ان اشرع في كتابتها. افكر وافكر وحتى تمسي تلك الشخصيات جزءا من حياتي وهواجسي ولاوعيي، حتى تعيش معي واصير اعرفها جيدا كأنها شخصيات حيّة، بل ربما اكثر من الاحياء لانها لا تفارقني هنيهة. لكن الغريب في الامر اني عندما انهي الكتاب واطلق سراحه بين الناس، تظل تلك الشخصيات داخلي، تعشش وترفض الرحيل، ولا اظن اني سأستطيع يوما التخلص منها.

* لا بد انك انسان "مكتظ" للغاية اذا فكّرنا في الجموع التي لا بدّ انها تسكنك منذ روايتك الاولى الى اليوم!

- (ضحك) صحيح، هناك "عجقة" في الداخل لكني أيضا شاسع وفسيح ولدي مناطق كثيرة غير مأهولة لذا آمل في استقبال المزيد من الزوّار قريبا!

* احد "زائريك" كان بول اوستر نفسه الذي استضفته ذات مرة في "ثلاثية نيويورك"، وتحديدا في "مدينة الزجاج". هل كانت تلك تقنية تهدف الى تصعيد غموض الرواية وغرابتها، ام انها تعكس مفهومك عن الكتابة وعن حتمية "تورط" الكاتب في كتبه؟

- احد ابرز الاسباب التي دفعتني الى فعل ذلك موجود في كتابي "المفكرة الحمراء"، وهو اتصال هاتفي وردني مرتين ليلا من طريق الخطأ من شخص يسأل عن وكالة تحر. من ذاك الاتصال الليلي ولدت فكرة الكتاب الأولى، وكان مفهوم توريط نفسي في القصة جزءا منها من الاساس. في الوقت نفسه، لطالما كنت مهتما الى ابعد الحدود بالانحناء على الفرق بين ذات الكاتب وذات الانسان، فهما شخصان مختلفان للغاية. قد يخيل الى القارئ انه يعرف الانسان اذ يعرفه الكاتب جيداً، لكن ذلك محض وهم. وكان بمنزلة التحدي لي ان احمل اسم الكاتب من الخارج، من موقعه المطمئن على الغلاف، وان اضعه داخل الكتاب لكي ارى ما يمكن ان يحصل. وكيف يمكن ان يتفاعل الكاتب كشخصية مع عوالم كتاب وضغوطها. والطريف والمميز في اوستر - الشخصية في "مدينة الزجاج" ان كل ما يقوله تقريبا هو نقيض تام لما يؤمن به اوستر - الكاتب.

على سبيل المثال، ذاك الخطاب الطويل الذي يلقيه عن دون كيشوت والذي لا يعكس رأيي الحقيقي في هذا الكتاب ولا في الادب بعامة. اعتقد اني حاولت من خلال اوستر الشخصية ان اسخر من اوستر الكاتب واوستر الانسان على السواء، اي الا آخذ نفسي على محمل الجد. اوستر ذاك ليس انا. بلى، انه يشبهني، ويحمل اسمي، وله الزوجة نفسها والابنة ذاتها، لكنه ليس انا. فرغم ان حياة الكاتب وادبه يصبحان لصيقين احيانا الى حد استحالة الفصل بينهما، الا انني اشدد على ان اوستر الذي يكتب رواياتي ليس نفسه اوستر الذي يدفع فواتير الكهرباء ويخرج النفايات الى الشارع ويغازل زوجته. انه بكل بساطة جزء مختلف مني.

* لكنك موجود رغم ذلك في بعض اعمالك، وخاصة في مقالاتك الطويلة في "لماذا اكتب"، و"تقرير عن حادث"، فضلا عن انك كتبت جوانب من سيرتك الذاتية في "اختراع الوحدة" و"ايام التقتير" مثلا...

- صحيح، لكن رغم تناولي جوانب من حياتي في هذين الكتابين الاخيرين،  لا اعتبرهما من نوع السيرة الذاتية. فـ"اختراع الوحدة" هو ما قد اسميه تأملا في بعض مسائل الحياة المهمة كالآباء والابناء، والحياة والموت. انه قصة من قصص حياتي، وانا داخله كجزء من السرد. اما "ايام التقتير" فانا موجود فيه ايضا لكنه محض جزء مني. انه على الاصح دراسة وتأمل في مسألة المال، او بالاحرى في مسألة الافتقار الى المال. ظللت اهجس بهذا الموضوع اعواما طويلة، وكانت فكرتي الاساسية ان اكتب نصا مجردا وفلسفيا عن المال، لكن فجأة اضحى الموضوع شخصيا وذاتيا للغاية. فنقلت في الكتاب جانبا من حياتي، والجانب الذي كافحت فيه لأعيش واكسب ما يكفي من المال لكي اكرس نفسي للكتابة، وخاصة في مرحلة اقامتي لسنتين ونصف سنة في باريس، وهي مرحلة كانت رغم صعوبتها رائعة لأنها اغنتني واتاحت لي تحقيق ما كنت في حاجة اليه آنذاك، اي الابتعاد عن بلدي ووضع مسافة بيني وبينه والتنفس بعيدا عنه لكي اكتشف هل كان في وسعي الكتابة حقا. اعرف ان الحديث عن المال هو مثل "تابو"، لكن العيش من دون مال هو احدى اسوأ اللعنات التي قد تصيب الانسان في هذا العالم المادي والرأسمالي والمعولم الذي نعيش فيه، وذلك ما حفزني على كتابة "ايام التقتير".

* لا بد ان الانفاق من مال الكتابة شعور رائع  ومكافئ جدا، ففي عالمنا مثلا، مفهوم تحصيل لقمة العيش من الادب غير شائع وشبه غائب تماما، ما خلا بعض الاستثناءات، ونشعر دوما بأنـنا مضطرون الى سرقة الوقت لنكتب. اما الان وقد بتَّ تملك المال، علام يحلو لك انفاقه؟

- يجب ان اعترف لك بشعوري بأني محظوظ، محظوظ للغاية، لأني قادر على اعالة عائلتي من الكتابة. لم اعتقد يوما ان ذلك قد يكون ممكنا، ولم تكن الفكرة تخطر لي، حتى في اكثر احلامي جنونا وفلتانا. بالطبع، لم ابدأ في كسب المال، الا عندما اصبحت في الاربعين تقريبا، وخضت معركة طويلة من الكفاح ومن الحرمان في حياتي. ما املكه اليوم ليس هائلا، لكنه بلا ريب يجعل حياتنا مريحة، واجمل  والذ ما في الامر هو انني بت املك ترف عدم القلق في شأن المال بعد اليوم. اما على صعيد شراء الامور، فانا لست انسانا استهلاكيا على الاطلاق. اكاد لا اشتري شيئا ويصعب عليّ دخول المتاجر. لا انفق المال، الا اذا استثنينا الكتب والالبومات الموسيقية، ودفع الفواتير المترتبة عليّ. في ما يتعلق بثيابي مثلا، زوجتي هي التي تشتريها لي دائما. تخرج وتعود وتقــول لي: الــيك هذه القمـيص، او هذا البــنطلون، فاشكرها والبسهما، هكذا بكل بساطة. لكني مطمئن واشعر حقا باني محظوظ، وانا ممتن للحياة ولقرائي على هذه المعجزة.

* وقراؤك هؤلاء، هل تفكر فيـهم عنـدما تكـتب؟

- لا، لكني اشعر بأني اتوجه الى احدهم، وبأن الكلمات التي اكتبها مرصودة لشخص آخر. لا اعرف  من هو هذا الشخص، لعله القارئ المثالي، انما لا شكل له. اؤمن كذلك بأن الكتب صنعها الكتّاب والقراء معا. بلى، القارئ يصنع الكتاب ايضا، ولكل قارئ كتابه المختلف، اذ يحمل الى كتابي الذي بين يديه ذكرياته وافكاره وتجاربه واحلامه الخاصة. بل اذهب ابعد من ذلك: ان القارئ هو الذي يخلق الكتاب في آخر المطاف، والجميل في الادب، وما يجعلني اصر على انه لا يمكن ان يموت رغم كل ما يحكى عن موته المزعوم، هو أنه المكان الوحيد في العالم حيث يستطيع غريبان ان يلتقيا حول موضوعات حميمة جداً من دون اي حرج وان يشعرا بهويتهما الانسانية المشتركة. هذا الشعور هو ما يجعلنا نذهب الى الكتب، هو ما يجعلنا في توق وحاجة إليها. ولا تجربة فنية أخرى تضاهي هذه، لا اللوحات ولا الافلام ولا الموسيقى. في الكتب وحدها نستطيع ان نجد هذا النوع من الاستبطان، من الالتفاف على الداخل، على جوهر الاشياء. القراءة لقاء بين شخصين، بين الكاتب والقارئ، بين كاتب وقارئ ربما غير متزامنين ولا ينتميان حتى الى العصر نفسه. وهي تجربة ذاتية للغاية لان كل شخص يعيش اللقاء ويدركه على طريقته. والدليل الاكبر على أني أسعى الى هذا اللقاء تحديداً في كل ما أكتبه هو أني لم أستطع يوماً أن أكتب يومياتي. حاولتُ ان أفعل ذلك حين كنت أصغر سناً، لكني لم استطع المضي قدماً في التجربة لأني لم أكن "أرى" قارئي، ولم يبد منطقياً لي أن اكتب عن نفسي لنفسي، وألا يكون ما أكتبه مرصوداً لآخر.

* ومن هو قارئك الاول؟ هل هي زوجتك سيري؟

- فعلاً، سيري هي دائماً قارئتي الاولى وشريكتي في كل عوالمي، وهي الناقدة الأهم بالنسبة إلي ورأيها أساسي في ما أكتبه. أعرف أشخاصاً كثيرين عاشوا تجربة الزواج من شريك من العالم نفسه وفشلوا، لكني لا أفهم سبب هذا الفشل، حقاً لا أفهمه. إذ ما الذي يمكن ان يكون افضل وأجمل من أن نعيش مع شخص يفهمنا ويحدس بما نقوم به، شخص ينتمي الى كوكب الاهتمامات والمشاغل الذي ننتمي اليه نحن؟ عندما التقيتُ سيري، كانت تجربة صادمة وحاسمة، اذ وقعت في حبها في جنون منذ اللحظة الاولى، وعرفت أنها "هي". لغز كبير وقوع المرء فجأة في حب شخص بالكاد يعرفه. انها بالطبع امرأة جميلة، لكن هنا جميلات كثيرات في العالم ولا اشعر بأي انجذاب نحوهنّ على الاطلاق، فالجمال وحده ليس الموضوع. إنها شعلة التواطؤ والشغف والانجذاب "القدري" التي تشعرين بها حيال انسان آخر، والقدرة على التواصل معه، والتناغم الاروسيّ الجوهري، فضلاً عن أهــمية الثـقافة والذكاء. فأنــا لم أتمكن يوماً من الوقوع في حب امـرأة ليست ذكية او مثقفة، امرأة لا استطيع الحديث معها. عندما تجتمع كل هذه العناصر في امرأة واحدة، فتلك هي المرأة التي يريدها الرجل دون كل نساء الارض، انها التي ينتظرها، ولا يمكن أي امرأة اخرى أن تحلّ مكانها، لذلك تجدينني حريصاً على الحفاظ على هذا الحبّ وعلى استححقاقه دوماً وعدم التفريط فيه.

* يبدو لي أن تجربتكما مميزة كثنائي، فسيري روائية أيضاً، وحين يكون الزوجان من العالم نفسه قد تولد عامة بعض المشاكل رغم لذة التواطؤ بينهما، إذ يغلب التنافس والنرسيسية احياناً على الحب...

- صحيح، فكما ذكرت سيري روائية أيضاً، لكني أؤدي معها الدور نفسه الذي تؤديه هي معي، فاقرأ ما تكتبه انا ايضاً واعطيها ملاحظاتي. اتفقنا منذ البدء على ان نكون صادقين الى آخر حدّ في ردودنا، وإلا ما جدوى مشاركة العمل مع الآخر؟ لا يعني التعليق السلبي أنك لا تدعمين الشريك، بل ان ما يقوم به يهمّك الى حد أنك تريدينه ان يكون افضل ما يمكن ان يكون، ولذلك تدفعينه الى ان يعطي اكثر ما يملك، تحرضينه، تستفزينه. في طور كتابتي رواية ما، أنزع الى قراءة ما كتبته لسيري مرة كل شهر تقريباً. فعندما تصبح لدي 20 او 30 صفحة جديدة، نجلس معاً وأقرأها لها في صوت عال. القراءة في صوت عال تسمح لي بأن أتلقى ما كتبته على نحو اكثر موضوعية وتجردا، وان أدرك مكامن القوة والضعف فيه، وتعليقات سيري مهمة جداً لي، حتى لو اكتفت بالقول: جيد، جيد، تابع القراءة. فهي تعطيني أحياناً ملاحظات دقيقة وصائـبة ويسـاعدني ذلك الى حد كبير على تحسين تواصلي مع قارئي. مدهش هو اللقاء بين الكاتب والقارئ ومدهشة قدرة الكتب على مخطابة قلوب الناس وعقولها في شكـل مباشـر، لـذا علـينا منحـها افضـل ما لـدينا.

* لا بد انك تختبر هذا الشعور كقارئ. كيف يخاطبك كاتب او كتاب ما؟

- بلى، انه شعوري ازاء دون كيشوت مثلاً، فالكتب الحقيقية تعيش الى الأبد، لا تنفك تولد من جديد وتتجدّد كلما لمسها وجدان قارئ من جيل جديد. قبل فترة قريبة مثلاً، نشرت كتاباً لم يكن معروفاً للروائي الاميركي من القرن التاسع عشر ناثانيال هاثورن، وقدّمت له بنص طويل. وجدتُ انه من الرائع ان أعود الى الغوص في حياة هاثورن وكتاباته ومخيلته. وهو بين سائر الكتّاب الاميركيين اكثر من يخاطبني في عمق، وصاحب الصوت الاقدر على اختراقي. أحبه كثيراً واقرأه باستمرار، وان كان لا يعلم مدى تأثيره فيّ.

* ربما يعلم...

- بلى، ربما. من يدري؟ (صمت) تعرفين، أشعر الآن بأننا في احدى رواياتي (ضحك).

* ومن يعجبك من معاصريك من الكتّاب الاميركيين؟ مثلاً ما هـو الكـتاب الموجود قرب سريرك اليوم؟

- اقرأ الآن كتابا عنوانه "اختراع موريل" لكاتب أرجنتيني اسمه أدولفو كازاريس وهو صديق حميم لبورخيس. انه كتاب مثير للاهتمام، رواية تتشابك فيها الفانتازيا مع المغامرات وتقف عند الحدود بين الهلوسة والواقع. لكن لو كان علي اختيار الكتاب الذي لا يفارقني البتة ولا أتخلى عنه وأعود اليه باستمرار فلا بد من ان اقول انه "دون كيشوت" لسرفانتس. انه الكتاب الذي يحوي كل الكتب في رأيي، والرواية التي تستكشف فكرة الرواية على نحو أشمل من اي رواية أخرى قبلها وربما حتى بعدها. كنز لا ينضب من  الافكار والعواطف وحس الفكاهة هو "دون كيشوت"، وتحفة ادبية حقيقة من دون شك. ستصدر قريباً ترجمة جديدة له بالانكليزية، واني انتظر في شوق معاودة قراءته من خلالها. اما في ما يتعلق بالشق الاول من سؤالك عن الكتّاب الاميركيين المعاصرين، فعالمنا واسع للغاية ومتنوع ومتشعب وغني، وثمة اليوم عدد هائل من الكتّاب الذين ينتجون اما كتبا جيدة او جيدة جداً او ممتازة. هناك كتّاب يتلاءمون مع كل الاذواق الادبية في الولايات المتحدة، والطريف في الامر، او المفارقة على الاصح، تكمن في أن اميركا هي على الارجح البلد الغربي الاكثر عداء للثقافة والاقل اهتماماً بالفكر في العالم، لو قورنت باوروبا وحتى بعواصم أميركا اللاتينية.

ورغم ذلك ها نحن ننتج كتّاباً وفنانين عظماء، ولا اعرف السبب. لدينا عدد كبير من الكتاب الجيدين، وانما ليس لدينا عدد يوازيه من القراء. فالشغف بالكتب الى تراجع، وهو لم يكن يوماً مرتفعاً عندنا في اي حال. في بلدان أخرى، كفرنسا مثلاً، يظهر الكتّاب على شاشات التلفزيون، والناس يريدون رؤيتهم والاصغاء اليهم، اما هنا فلا يحصل ذلك قط. ما يميل الـناس الى قراءته عامة هو الروايات الشعبية مثل كتب ستيفن كينغ او دانييل ستيل. لكني من حين الى آخر أتلصّص على عناوين الكتب التي بين أيدي الـناس فـي المـترو فألتـقي شخصـاً يقرأ تولسـتوي مثلاً، ويشعرني ذلك بسعادة غامرة.

 

(غداً حلقة ثانية نقرأ فيها: الديناصور وأولمبيا وطقوس الكتابة، أستاذي ادوارد سعيد وصديقي اللبناني جميل، عندما زارني الموت وقتلت جدّي جدّي، حياتي المجنونة والمدن التي أعشق، عن تفكيك المستوطنات والعودة الى حدود 1967).


الصفحة الأولى| محليات سياسية|اقتصاد-مال-أعمال|العرب والعالم| قضايا النهار|القضاء والقدر|مقالات|المقسم 19| مذاهب وأديان | تحقيق| مناطق| بيئة وتراث| مفكرة|أدب-فكر-فن|مدنيات-تربويات|وفيات| اعلانات مبوبة| رياضة| حول العلم والعالم|مرايا الأحوال| نهار الشباب| كومبيوتر وانترنت | النهار الرياضي |مساعدة|

الدليل| الملحق الثقافي| سلامتك| الاغتراب اللبناني| الصفحة الرئيسية


PDF Edition (Arabic) | HTML Edition (Arabic) | Listen to An-Nahar | | naharpost | | Archives | Contact us | Feedback | About us | Main | Help

Copyright © 2003 An-Nahar Newspaper s.a.l. All rights reserved.