الإصدار الالكتروني مساء كل ثلاثاء
NO. 116 October 2003 - العدد /116/ 2003
 
أرشيف موقع الاقتصادية
أرشيف الموقع
الاصدار الالكتروني مساء كل ثلاثاء -
السياسة المالية في سورية
بقلم الدكتور الياس نجمة
نعود اليوم لنتكلم في موضوعات كانت تشغلنا وتملأ علينا عقلنا وحواسنا, نعود لنتكلم بالصراحة نفسها التي اعتدنا عليها وبالموضوعية نفسها التي نسعى لإدراكها والتي تعطي للشعور بالمسؤولية المقام الأول في كل ما نقوله وما نفعله, وفي كل ما نسعى لترسيخه من اتجاهات وأفكار, ننشد من ورائها حوارا صريحا بناء فيه الخير للوطن والمواطنين.
السياسة المالية في سورية
نعود اليوم لنتكلم في موضوعات كانت تشغلنا وتملأ علينا عقلنا وحواسنا, نعود لنتكلم بالصراحة نفسها التي اعتدنا عليها وبالموضوعية نفسها التي نسعى لإدراكها والتي تعطي للشعور بالمسؤولية المقام الأول في كل ما نقوله وما نفعله, وفي كل ما نسعى لترسيخه من اتجاهات وأفكار, ننشد من ورائها حوارا صريحا بناء فيه الخير للوطن والمواطنين.
اسمحوا لي قبل أن أدخل في موضوع محاضرتنا أن أعترف أمامكم كم هي هشة وسطحية حالة الفكر الاقتصادي بشكل عام والمالي على وجه التخصيص في بلادنا, وحالة الخواء والفوضى الفكرية والقحط التي يتصف بها, والاضطراب الذي أتانا به أدعياء الممارسة والتنظير القادمون بأفكارهم من وراء البحر أو هؤلاء القابعون خلف المكاتب والأفكار القديمة الذين اختلطت لديهم الوسائل بالغايات والمصالح بالمبادئ والخاص بالعام, وتضاءل لديهم الحس بالواقع اليومي الشعبي والوطني المعيشي, لمصلحة رؤى ومفاهيم تسعى لاستعادة ملك أضاعوه, ونفوذ فقدوه, أمام انطلاقة الشعب بكل فئاته الذي رغم كل ما يقال في تجربته, خلال السنين الماضية, ما زال يمثل, ملحمة شعبية, وطنية, تاريخية, وبناء متينا شامخا , علينا التأسيس عليه, والارتقاء به, ومعالجة ثغراته, وإصلاح مواقع الخلل والضعف فيه, لا هدمه وتدميره وازدراؤه كما يفعل الشامتون والساعون لذلك. ونحن نقول: ذلك ليس من موقع المقصرين الذين لا يعرفون ما عرفوه, بل لأننا نؤمن بأن الوطن قيمة مطلقة, وأن مصالح الفقراء, والجماهير, والناس البسطاء, والضعفاء اقتصاديا هي فوق كل مصلحة, فما الفائدة أن نحدث التقدم والنمو, إذا اقتصر على فئة هامشية محدودة من المواطنين؟ ما الفائدة أن نحدث النمو, ليغنى الأغنياء ويفقر الفقراء - علما بأن التجربة التاريخية تفيدنا بأن كل تنمية وكل إصلاح اقتصادي لا يطول جميع فئات الشعب - يحدث اختناقات تقود إلى توقفه وإخفاقه, وتقود إلى اضطراب حال الوطن والمواطنين, فعندما أطلق العنان لأصحاب الحجوم الكبيرة, والأفكار الاقتصادية الصغيرة, كان الانكماش, وكان الركود, وزادت الفجوة بين أصحاب الدخول, وتفاقم سوء توزيع الدخل, وتراجعت مستويات المعيشة حيث زاد عدد الأكواخ, ونبتت القصور كالفطر, وذلك من خلال الاستفادة من جملة إجراءات, مالية ونقدية وضريبية - تم فيها التسامح مع أصحاب الدخول الطفيلية والكبيرة, وتم فيها اضطهاد أصحاب الدخول الصغيرة والمتوسطة. فعندما تعطي الدولة أو غير الدولة المستخدم لديها 30% بالمئة من استحقاقاته وما لا يكفي تغطية حاجاته الضرورية, عندما تشتري قوة العمل ب- 30% من قيمتها الحقيقية, ماذا تكون قد فعلت؟ ألا تمارس بذلك الاستغلال؟ وهل يجوز للدولة أن تمارس الاستغلال؟ هل يجوز للدولة أن تثرى على حساب المواطن لأي سبب أو ذريعة أو مبدأ؟ وسنأتي إلى ذلك, لاحقا كما ستلاحظون.
ونعود إلى صلب المحاضرة التي سنتكلم فيها وبشيء من الايجاز عن الوضع المالي العام للدولة, ثم نستعرض سياسة, بل سياسات الإيراد العام, ثم ننتقل لدراسة النفقات العامة, وهي بأهمية الإيرادات العامة نفسها, فالمال عصب الدولة, والنفقة العامة بالتعريف: هي ما ينفقه الشخص العام, من المال العام, لإحداث منفعة عامة, فعندما نختصر الإنفاق العام أو نحول دونه, نكون بكل بساطة قد قصرنا في خلق المنافع العامة وقصرنا بالتالي في القيام بالمهام والمسؤوليات المنوطة بأصحاب الشأن العام.
1- الوضع المالي العام في الدولة
يعاني الوضع المالي في سورية من ضآلة الموارد العامة بشكل عام, والضعف الشديد في الموارد الضريبية وشبه الضريبية بشكل خاص, بسبب تخلف النظام الضريبي السوري, وكثرة الإعفاءات فيه وقصور الإدارة الضريبية في أداء مهامها. وكان من الممكن أن يصبح الأمر خطيرا جدا , لولا الزيادة المطردة في الموارد البترولية والتي استطاعت في السنوات الأخيرة أن تعوض النقص جزئيا , وان تساعد على استمرار النشاط الحكومي بشكل معقول, رغم عدم استقرارها وخضوعها لتقلبات أسعار السوق النفطية ولكونها في الأصل ايرادا من ثروة ناضبة.
وأمام هذا الواقع المالي, وبسبب غياب الارادة والسياسة الجدية والواضحة للقيام بإصلاحات مالية جذرية لزيادة الموارد العامة وتطويرها سنويا لتغطية حاجات الإنفاق العام المتزايدة والضرورية. اتجهت الحكومة (وزارة المالية) ومنذ منتصف الثمانينات وحتى بداية الألفية الجديدة إلى ممارسة سياسة إنفاق انكماشية لتقليص العجز, وعدم استفحال أمر المديونية, كما لجأت إلى استخدام أساليب وتدابير محاسبية غير مقنعة أو غير نظامية أحيانا , لتحقيق توازن موازني مصطنع وظاهري بين الواردات والنفقات. رغم ما لهذه السياسات والتدابير من كلف وآثار سلبية على النمو والنشاط الاقتصادي, ومستويات الأجور والرفاهية العامة والعمالة. وعلى صعيد آخر عمدت الحكومة وخلال فترة التسعينات إلى تكوين احتياطي نقدي بالعملة الوطنية وكان مبلغا لا بأس به. إلا أن هذه العملية لم تسلم من النقد لكونها تمت على حساب الإنفاق العام وخصوصا الاستثماري منه وزيادة الاقتراض وليس بسبب وفرة الموارد ويصبح النقد أكثر خطورة, عندما نكتشف أن هذا الاحتياطي النقدي قد تكون من خلال تغذية حساب الحكومة الدائن لدى المصرف المركزي بأموال وواردات كان من المفترض قانونا أن تذهب لتغطية العجوزات التموينية بدلا من الاستدانة لتمويلها من المصرف المركزي بالذات وتسديد الديون المترتبة على الدولة لدى المصرف المركزي أيضا بدلا من تدويرها والتي تتجاوز حاليا في مجموعها وبكثير مجمل المبالغ المودعة في حساب الاحتياطي النقدي. وإذا كان من كلمة أخيرة لا نستطيع إغفالها, هي أن السياسة المالية لا يمكن أن تختزل بالحصول على توازنات شكلية ودفترية, وأن عقل الدولة وفلسفة الإنفاق العام وخلق المنافع العامة, تتجاوز بكثير مدركات العقل المحاسبي, وان حل القضايا المالية المعقدة والخطيرة بأساليب محاسبية ومهما ارتقت هذه الأساليب, لا يستطيع تحقيق التوازن الحقيقي ولا ينتج عنه سوى حالة من الإرباك والفوضى المالية, والتي نعاني منها الآن والتي ألقت بظلالها على الوضع المالي العام للدولة, وأدت في الوقت ذاته إلى تراجع خطط الاستثمار وإلى انعدام السيولة في شرايين الاقتصاد الوطني.
وقادت بالإضافة لعوامل أخرى إلى حالة من الانكماش الاقتصادي وتباطؤ النمو, تبدت آثاره واضحة على صعيد الاستهلاك العام والخاص وتفاقم أزمة العمالة. وبالتالي إن استدراك الموقف وأخذ زمام المبادرة يعطي للإدارة الاقتصادية ميزة صنع القرار الذي يستجيب لحاجاتها, بعيدا عن الضغوطات الداخلية والخارجية في حين أن التردد في مواجهة التحديات والتصدي للمشكلات يولد الوهن في حسم الإدارة الاقتصادية ويفقدها هيبتها ومصداقيتها, كما انه لا يفيدها بشيء سوى تراكم الأعباء.
2- الواردات الضريبية
تشكل الواردات الضريبية وشبه الضريبية في الأغلبية الساحقة لكل دول العالم المصدر الأساسي لواردات الدولة وذلك لاعتبارات وطنية واقتصادية واجتماعية. وقد كان الحال لدينا هكذا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي, حيث شكلت 90 - 95% من مجمل الواردات العامة في أعوام الخمسينات, وبلغت 96% في عام 1960 وعام ,1965 كما يبين الجدول المرفق.
في حين تراجعت منذ ذلك التاريخ لتصبح في الموازنة التقديرية لعام 2003 أقل من 30% من الموارد العامة, وحيث إن معظمها يأتي من الضرائب المترتبة على القطاع العام.
وقد عوض عن هذا التراجع بالفوائض الناتجة عن نشاط شركات ومؤسسات القطاع العام, والفوائد والضرائب الناتجة عن استثمار النفط, والتي قدرت ب- 152 مليار ليرة سورية, وشكلت 51,8% من مجمل الإيرادات المحلية الذاتية في الموازنة التقديرية لعام 2003 أيضا .
ومن نظرة تحليلية للموارد العامة نلاحظ أنها تأتي من ثلاثة مصادر رئيسية:
أولا - الواردات الضريبية وشبه الضريبية:
ثانيا - الفائض المتاح وهي فوائض القطاع العام.
ثالثا - عوائد البترول (فائض متاح + ضرائب + أتاوة الحكومة).
رابعا - إيرادات استثنائية (القروض).
إذا استبعدنا المصدر الرابع الذي نأمل أن تتراجع نسبته إلى الحد الأدنى, لكونه يمثل العجز ولا يصح أن نسميه إيرادا , تبقى لدينا المصادر الثلاثة الأخرى التي تشكل الإيرادات الذاتية المحلية. بالنسبة للإيرادات ذات المصدر النفطي, فهي تشكل المصدر الرئيسي للواردات العامة لدينا منذ عدة سنوات وحتى الآن. ومن المنتظر أن تستمر كذلك إلى سنوات مقبلة لا نملك بالضبط تقديرا دقيقا لها. إنما نستطيع القول إنها إيرادات غير مستقرة, إذ إنها تخضع لتقلبات أسعار السوق النفطية, كما إنها ذات طبيعة استثنائية ومؤقتة وتأتي من خلال استهلاك ثروة ناضبة. ولذا تقتضي الحكمة والمنطق بأن نتعامل معها وفقا لطبيعتها المذكورة أعلاه, وأن نركز على المدى المتوسط والطويل على الإيرادات الأخرى الثابتة والمستمرة في تمويل وتغطية الإنفاق العام. أما بالنسبة للقطاع العام فهو مصدر أساسي للإيرادات سواء من خلال فوائضه الاقتصادية أم من خلال الضرائب المترتبة عليه. لكن هذه الإيرادات ترتبط أساسا بنجاعة القطاع العام وإعادة تأهيله, الأمر الذي يتطلب استثمارات كبيرة جدا قد تتطلب كامل إيراداته وفوائضه ولسنوات طويلة لا تقل بتقديرنا عن 5 - 10 سنوات. أمام هذا الواقع ومن خلال استقراء المستقبل وبشكل موضوعي من أجل الحصول على موارد عامة مستقرة ودائمة. فإن الجهد الأساسي يجب أن يركز على جعل الموارد الضريبية بقدر الإمكان وخلال فترة زمنية متدرجة المورد الأساسي لتغطية نفقات الموازنة العامة للدولة, لكونها الوحيدة التي تتمتع بصفة الاستمرار وكذلك بالاستقرار النسبي لجهة عوائدها أكثر من كافة المصادر الأخرى, كما انها ذات مرونة ومقومات تتيح استخدامها كأداة لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية مباشرة وخصوصا اذا كانت شاملة وعادلة وفعالة ماليا , لأنه لا يمكن لهذه الأداة أن تكون فاعلة اقتصاديا واجتماعيا اذا لم تكن بالأساس شاملة وفعالة ماليا , لذا يبدو لنا أن العناية بالموارد الضريبية وتطويرها يجب أن يصبحا حجر الأساس في أية سياسة موارد عاقلة ورزينة لدينا وخصوصا ان العبء الضريبي لدينا ما زال في أدنى الحدود, وهو أقل بمقدار النصف مما هو عليه في جمهورية مصر العربية مثلا , وفي هذا الصدد لنا في تجاربنا وتجارب الدول الأخرى المجاورة وغير المجاورة أمثلة نحتذي بها, فقد استطاع لبنان خلال السنوات الأخيرة من تطوير موارده الضريبية, حيث ضاعفها أكثر من مرة وأصبحت تشكل لديه المصدر الأول لوارداته العامة, كما تمكن هذا البلد من إدخال ضرائب جديدة كضريبة المبيعات, والتي قدرت عائداتها لهذا العام بأكثر من 800 مليون دولار وهي مرشحة للزيادة المستمرة خلال تعميمها, كما استطاع ان يرفع ايراداته الجمركية الى أكثر من مليار ومئتي مليون دولار, في حين لا تتجاوز هذه الإيرادات لدينا 250 مليون دولار رغم التماثل النسبي في حجم المستوردات, وفي هذا المقام تجدر الإشارة الى أن زيادة الموارد الضريبية لا تعني إرهاق المكلفين, بل من الممكن تحقيقها (وهذا هو المطلوب) من خلال نظام ضريبي متطور وفعال يؤمن العدالة بالتكليف والوفرة في الموارد, وقد دلت التجارب المعاصرة أن هاتين المسألتين شبه متلازمتين لأسباب عديدة لا مجال هنا لشرحها.
3- الإعفاءات الضريبية:
إن هذا الموضوع قد أصبح مقلقا في الآونة الأخيرة, فقد لجأت مختلف الإدارات والوزارات لدينا ولأسباب مبررة أحيانا وغير مقنعة أحيانا أخرى إلى منح إعفاءات ضريبية متنوعة بحجة تشجيع النشاط الاستثماري, أو لأسباب أخرى ذات اعتبارات تاريخية لم تعد مقبولة, وقد اتسعت هذه الإعفاءات التي تستفيد منها بشكل أساسي الفئات الميسورة لتغطي أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي (اذا استبعدنا منه مداخيل اقتصاد الظل الذي يتهرب أساسا من كافة التكاليف الضريبية أو الرسوم) كما جاء مرارا وتكرارا على لسان كبار المسؤولين الماليين لدينا, حيث كانوا دائما يبررون ضآلة الموارد الضريبية بسبب هذه الإعفاءات المتعددة والتي تشكل خرقا كبيرا لمبدأ مساواة المواطنين أما الضريبة فقد ألقت على كاهل المواطنين والنشاطات التي لا تستفيد من هذه الإعفاءات عبء التكليف الضريبي بكامله, مما جعل البيانات والاحصاءات التي تتكلم عن العبء الضريبي في بلدنا والمقدر ب- 13% من الناتج المحلي الإجمالي ذات دلالة غير واقعية وانها غير صحيحة على صعيد الواقع الفردي والقطاعي, وانها في الحقيقة تفوق ذلك بكثير على من لم تشملهم تلك الاعفاءات, علما أن الواردات الضريبية تأتي أساسا من القطاع العام بينما لا يؤدي القطاع الخاص سوى جزء يسير لا يتناسب مع حجمه في تكوين الناتج المحلي الإجمالي, وتجدر الإشارة انه رغم هذه الإعفاءات الكبيرة فإن تشريعنا الضريبي قد خلا تماما إلا بنسبة ضئيلة وفي حالات قليلة من الاعفاءات الشخصية والعائلية وإعفاءات الحد الأدنى من الدخل والتي تركز عليها جميع التشريعات الضريبية المعاصرة والعادلة.
إن فلسفة الإعفاء الضريبي على الصعيد الاقتصادي, هي خروج عن القاعدة العامة في التكليف, فكما أشرنا سابقا فقد وجدت لمساعدة ودعم الأنشطة والمشاريع ذات الريعية والربحية الضعيفة, أو تلك التي لايرغب المستثمرون بالقيام بها بسبب ضخامة الأخطار أو صعوبات المكان, وليس من أجل التعويض عن فقدان عناصر أخرى تعوق الاستثمار ويمكن معالجتها بطرق وأساليب أخرى.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل استنفدنا كل الطرق وأزلنا كل العقبات التي تقف أمام الاستثمار والتي بإمكاننا تذليلها ولم يبق أمامنا سوى الإعفاء الضريبي كي نلجأ اليه؟!.
لقد دلت التجربة العملية لدينا أن الاعفاء الضريبي في كثير من الحالات قد منح للمشاريع ذات الريعية والربحية العالية, أو على الأقل بغض النظر عن الأمر, وكان بشكل عنصر استرضاء للقيام بها تعويضا عن فقدان الشروط اللازمة والضرورية للاستثمار والتي علينا وبمقدورنا أن نواجهها بشجاعة نتيجة لمعالجتها وايجاد الحلول الملائمة لها, وبذلك نشجع على الاستثمار ولانفرط بحقوق الدولة, ولا نعمد الى الإعفاء الضريبي إلا كملجأ أخير عند الضرورة ووفقا للحاجة.
ونتساءل: اذا كان الإعفاء الضريبي هو الشرط الحاسم في قرار الاستثمار, فلماذا لم تأت الينا الاستثمارات الأجنبية والعربية خصوصا بعد اصدار قانون تشجيع الاستثمار رقم 10 لعام ,1991 رغم إعفائها من الضرائب في الوقت الذي تتحمل فيه هذه الاستثمارات ضرائب وبنسب عالية تصل الى 50% من أرباحها في بلد كفرنسا أو في غيرها من البلدان التي ينشط فيها الاستثمار؟
وبالتالي لماذا لم تضعف مستويات الاستثمار العربية والسورية في الخارج (في أوروبا وأميركا) رغم وجود الضرائب على الأرباح هناك, وتتضاءل لدينا رغم الاعفاء من الضرائب؟ ماذا أثمرت سياسات الاعفاء الضريبي بعد سنوات من تطبيقها سوى تكديس الثروات لدى من استفادوا منها وتفاقم أزمة توزيع الدخل القومي, لقد أعفينا عددا من النشاطات والمداخيل من الضرائب وضحينا بالعائدات الضريبية على أمل أن نشجع الاستثمار ونحدث التقدم بحجة أن الاستثمارات والنمو يمكن أن يكون لهما آثار ايجابية مباشرة وغير مباشرة في المستقبل على النشاط الاقتصادي وعلى الحصيلة الضريبية لاحقا فماذا كانت النتيجة؟ ضحينا بالضرائب, ولم نحقق الاستثمار والنمو, والسبب أن ضعف الاستثمار لدينا لم يكن بسبب الضرائب, بل كان لعوامل أخرى تتصل بالإدارة والقضاء والسوق والبنى الهيكلية وعقدة الخوف والتردد المتجذرة عند عدد كبير من رجال الأعمال لدينا تجاه الاستثمارات طويلة الأجل ولكن لم نتصد لها أو نعالجها مع الأسف, بل لجأنا الى الحل السهل وهو الهروب من المشكلة عن طريق الإعفاء من الضرائب, الذي لا يعالج سوى عنصر من عناصر كثيرة متعددة تتصل بالاستثمار, لنواجه الحقائق نفاذا الى الجوهر ولا ندور حولها حفاظا على الشكل, إن الاعفاء من الضرائب في حقيقته لم يكن إلا نادرا لتشجيع الاستثمار, بل كان استجابة مجانية لدعوات أصحاب المصالح وأصحاب النصائح الاقتصادية المسمومة من الذين هربوا أموالهم الى الخارج وأصحاب المداخيل الكبيرة والثروات للتهرب من تحمل تكاليف الضرائب كغيرهم من باقي المواطنين, وأكبر مثال فاضح على ذلك اعفاءات شركات تأجير السيارات من الضرائب والرسوم الجمركية وغير الجمركية لإقامة هذه الشركات علما أن أرباحها كانت هائلة وأن آلاف المواطنين كانوا مستعدين لإنشاء هذه الشركات دون الإعفاء الضريبي نظرا لربحيتها الكبيرة, وإن معالجة هذا الموضوع أصبحت ضرورة ماسة لإعادة التوازن بالتكليف وللحفاظ على حقوق الخزينة ولإقامة العدالة والمساواة بين المواطنين أمام القانون والتكاليف الضريبية.
ملحق رقم 1
بعض الاعفاءات الضريبية الحالية الأساسية:
1- إعفاءات القطاع الزراعي, وإعفاءات القانون رقم 10 لعام 1986 للشركات الزراعية.
2- إعفاءات القطاع الصناعي بالقانون رقم .103
3- إعفاءات القطاع السياحي.
4- قانون تشجيع الاستثمار رقم .10
5- رواتب وأجور العسكريين.
6- مؤسسة الطيران العربية السورية وفندق الشيراتون والمريديان رغم ملكية الدولة لها.
7- المشافي الخاصة مقابل 10% من الأسرة كخدمة مجانية وهي غير مطبقة إطلاقا .
8- إعفاءات تتصل بالمدارس الخاصة, ورجال الدين والمستخدمين المحليين في سفاراتنا في الخارج.
9- إعفاءات من ضريبة التركات بما يتصل بالودائع مهما بلغت والعقار المسكون أو المختار مهما بلغت قيمته, وفي هذين الأمرين نعتقد انه يجب أن يكون هناك سقف لمبلغ الإعفاء لا يتجاوز المليون ليرة للودائع و5 ملايين ليرة للعقار, على أن تسدد الضريبة بكاملها عند التصرف بالعقار وليس عند الوفاة للحفاظ على لم شمل العائلة وعدم التسبب بتشريدها.
4- التشريع والإدارة الضريبية:
آ- التشريع الضريبي:
ويقوم التشريع الضريبي على مجموعة من القوانين والأنظمة القديمة والأقل قدما , اتخذت في أوقات ومحطات زمنية متباعدة وعن مصادر فكرية مالية مختلفة, مما أفقدها الوحدة والتماسك والتجانس, كما انها جميعها تعود الى أصول فقهية واتجاهات مالية متراجعة ولم تعد قائمة كما انها كتبت بصياغات ضعيفة مفككة تفسح المجال لتفسيرات وتأويلات متباينة وتساعد على التهرب, مما جعلها تفقد فعاليتها واستجابتها للحاجات والأغراض المالية الحديثة, ولا تواكب المتغيرات التي طرأت على قطرنا بالذات منذ أكثر من 50 عاما , إذ إن آخر التشريعات المالية المهمة ظهر لدينا في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن الماضي, واذا عدنا الى التقارير الرسمية وغير الرسمية كافة التي ظهرت منذ أربعين عاما وحتى الآن بأقلام خبراء أجانب أو سوريين لوجدنا العرض نفسه تقريبا , من حيث المطالبة بالإصلاح والتجديد وتحديث التشريع الضريبي, ولكن مع الأسف بقيت جميع الصيحات المخلصة وما جاء في التقارير والتوصيات والمؤتمرات عبارة عن تمنيات ورعة وحبرا على ورق, بسبب تقاعس وقصور الإدارة الضريبية لدينا بشكل مريع وخطير, و بسبب سيطرة البهلوانيات المالية والأساليب المحاسبية على عقلنا المالي وسياستنا المالية التي تمت إدارتها بأدنى مستويات المعرفة التشريعية والمالية والضريبية رغم ما كان يحدث لدى جيراننا وأشقائنا في لبنان والأردن ومصر من إصلاحات وتقدم جعلت التشريعات الضريبية والإدارات الضريبية في هذه البلدان, وخصوصا الأردن ومصر على مستويات معقولة من التطور والفعالية والحداثة, فلقد أدخلت هذه البلدان ضرائب حديثة كضريبة المبيعات وضريبة الايراد العام مثلا , والتي كنا سباقين بإحداثها بالقانون رقم 130 لعام ,1961 والذي لم ينفذ مطلقا , لذا بدا لنا أن اصلاح التشريع الضريبي الحالي لدينا أصبح أكثر من ضرورة, وذلك باتجاه العصرنة والحداثة والتماسك والتجانس والوحدة في الرؤية والتشريع بما يحقق العدالة في التكليف والمساواة بين المواطنين والوفرة في الموارد, ليصبح فعالا على الصعيد المالي والضريبي وفعالا كأداة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة, حتى نستبدل بمجموعة القوانين والأنظمة الضريبية ذات الصياغة السيئة والمتناثرة والمبعثرة نظاما ضريبيا يستجيب للواقع والعصر ولحاجات القطر ويستحق هذا الاسم.
ب- الإدارة الضريبية:
يقولون ماذا تنفع أفضل التشريعات الضريبية وأحدثها, وأكفؤها, اذا طبقت من قبل إدارة ضريبية ضعيفة تفتقر إلى الكفاءة وتعاني من ضعف النزاهة ومصابة بالترهل؟
ويقولون ألم تنجح بعض البلدان بزيادة مواردها الضريبية عدة أضعاف (كالأرجنتين مثلا ) وزيادة فعالية أنظمتها دون أن تغير بالتشريع ولكن من خلال زيادة ورفع كفاءة الإدارة الضريبية وتحديثها وتأهيلها وتنقيتها؟ فالوسط الإداري الضريبي والقيم والطروحات السائدة في الإدارة الضريبية, اذا كانت جيدة وإيجابية تستطيع تلافي الكثير من مساوئ أو تخلف التشريع, وتساعد على إشاعة ثقافة مالية نزيهة, وخصوصا في الإدارات الضريبية المتصلة بضريبة الدخل أو الرسوم الجمركية, كما تساعد على تخفيض نفقات التحصيل التي تأكل أحيانا جزءا كبيرا من حصيلة بعض الضرائب لدينا, حيث ما زالت تسود أساليب قديمة في التحقق والجباية الى غير ما هنالك من مظاهر التخلف, ومع الأسف وفقا لكافة التقارير والدراسات التي قام بإعدادها خبراء سوريون وأجانب, يتبين لنا أن ضعف الإدارة الضريبية لدينا وتخلفها لا يعادله سوى ضعف التشريع الضريبي وتخلفه, حيث تعاني من غياب وعدم وجود مديريات حديثة ومتخصصة أصبحت من ضرورات العمل المالي والتكليف الضريبي ولابد من إحداثها وتفعيل المترهل منها, كما انها تعاني من نقص شديد مع الشأن المالي بعقل محاسبي ضيق وبأساليب إدارية بيروقراطية, أضاعت على الخزينة العامة أموالا كثيرة في الوقت الذي كان ي دعى عكس ذلك, بعد أن ز عم تحقيق نجاحات موهومة على صعيد التفاصيل, وأضاعوا فرصا كبيرة على الصعيد الكلي والعام, لذا أصبحت الضرورة أكبر من ماسة لإعادة النظر في تنظيم الإدارة الضريبية وطريقة عملها ومهام أقسامها واحداث مديريات جديدة تستجيب لمقتضيات التكليف الضريبي المعاصر, وإحداث معهد عصري يتبع لوزارة المالية لتكوين وتأهيل كوادرها والعاملين فيها.
5- القروض العامة:
تعد القروض العامة إحدى أدوات السياسة المالية تستخدمها الدولة لخدمة أغراضها العامة ويمكن تعريف القرض العام بأنه مبلغ من المال تحصل عليه الدولة عن طريق الالتجاء الى الغير من الأفراد أو المصارف أو غيرها من المؤسسات المالية الوطنية والأجنبية وتلجأ الدولة للقروض العامة عندما لا تكفي ايراداتها العامة لتمويل نفقاتها المالية.
القروض الداخلية:
1- قروض من المصرف المركزي الممنوحة للحكومة.
2- قروض من المصارف المتخصصة الممنوحة للحكومة والقطاع العام.
3- حصيلة شهادات الاستثمار.
4- اكتتاب المؤسسات ذات الطابع الاقتصادي بإسناد الدين العام لقاء نسبة 35% من أموالها لدى المصارف من دون فائدة.
5- الفوائض المتحققة من مؤسسة التأمين والمعاشات ومؤسسة التأمينات الاجتماعية مقابل قيام وزارة المالية بدفع تعويضات المتقاعدين وفي ذلك مخالفة صريحة للقواعد المالية الصحيحة الناظمة لعمل ونشاط هاتين المؤسستين.
القروض الخارجية:
هي مجموعة المبالغ المترتبة على الحكومة تجاه العالم الخارجي والتي تلجأ لها الدولة في حال عدم كفاية الإيرادات الذاتية العامة بالنقد الأجنبي لتغطية النفقات العامة بالنسبة نفسها وتعتبر جزءا لا يتجزأ من العجز المالي للدولة.
إن عدم كفاية الموارد الداخلية لتمويل الانفاق العام في سورية يدفعها بشكل مستمر للاستعانة بالقروض الخارجية إضافة الى ذلك فإن بعض المشاريع التي تعتمد على الآلات والتكنولوجيا المستوردة يدفع الدول للحصول عليها عبر قروض أجنبية, وتشمل القروض التي تحصل عليها سورية:
1- القروض الخارجية النقدية التي تقدمها الجهات الأجنبية للصندوق أو للجهات المستفيدة مباشرة.
2- القروض العينية وتشمل تسهيلات الدفع الممنوحة من الجهات الأجنبية الموردة للبضائع والسلع والتجهيزات للشركات والمؤسسات العامة في سورية.
3- التسهيلات الائتمانية وتشمل تسهيلات الدفع الممنوحة من الموردين الأجانب أو المصارف الأجنبية لقاء شراء تجهيزات وخدمات عامة لتنفيذ مشاريع استثمارية في سورية.
4- القروض من المؤسسات المالية الاقليمية والعربية وقد أصبحت سورية منذ عام 1990 تعتمد على هذه المؤسسات بسبب شروطها الميسرة.
ونلاحظ أن القروض الخارجية كانت تتجه الى التزايد ففي عام 1993 تضاعفت حوالي خمس مرات عن العام السابق واعتبارا من هذا العام بدأت المديونية الخارجية تظهر بشكل واضح في سورية لتصل في عام 2000 إلى مستويات لم يعد ممكنا التسامح معها, ثم عادت لتتراجع قليلا في عام ,2002 ويمكننا أن نفسر هذا التراجع ببدء سورية بتسديد ديونها الخارجية وحل مشكلات المتأخرات مع دول العالم عدا روسيا, فاذا حذفنا الديون الروسية المتنازع عليها والبالغة 12 مليار دولار تصبح ديون سورية الخارجية بحدود 6 مليارات دولار وهي تعادل للناتج 30% وهذه الديون تنقسم الى قسمين:
1- الديون التجارية والصناعية التي عقدتها الحكومة مع صناديق التمويل العربية وهي تعادل 3,5 مليارات دولار.
2- الديون العسكرية المتراكمة للاتحاد السوفييتي السابق وقد انتقل هذا الدين الى روسيا الاتحادية وهناك جدل حول هذا الدين.
إن ظاهرة الاعتماد على الديون الأجنبية لتمويل العجز قد ساهمت في زيادة المديونية السورية ودفعت الحكومة الى اتخاذ اجراءات تقشفية منها الضغط على الواردات من أجل تخفيض حجم النقد الأجنبي اللازم لتمويل المستوردات وتخصيص الفائض من أجل تسديد الديون والضغط على الموازنة العامة (تخفيض المشاريع الجديدة أو عدم تنفيذها) وتحول العجز الى ظاهرة هيكلية حيث مازالت الحكومة تخطط سنويا لهذا الايراد الاستثنائي, لذلك على الدولة ايجاد الحلول السريعة لمسألة المديونية التي تؤثر على القرار السياسي والاقتصادي في سورية علما أن الحالة مقبولة مقارنة مع الدول العربية الأخرى.
6- النفقات العامة:
يتفق الجميع على أن النفقة العامة في البلدان النامية تشكل المصدر الرئيسي لخلق المنافع العامة, وعلى حجمها يتوقف تحقيق الرفاهية العامة والتقدم, وقد دلت التجربة أن مستوى النمو أيضا ارتبط في كثير من هذه البلدان بالازدياد المطرد للنفقات العامة, نظرا لضعف النفقات الأخرى ولكونها لا تهدف أساسا لتحقيق أغراض عامة ومن خلال التدقيق والمراجعة لإنفاقنا العام يتبين لنا أنه بسبب ندرة الموارد, كانت سياسات الانفاق لدينا حذرة بل انكماشية, مخافة الاضطرار للتمويل بالعجز والوقوع بالتضخم, إلا أن استمرار هذه السياسات والذي أصبح غاية بحد ذاته يمارسه الماليون لدينا غير مدركين لآثاره الخطيرة, وفي غياب البحث عن حلول للتمويل قاد في الآونة الأخيرة الى تراجع الانفاق العام نسبيا , وخصوصا الانفاق الاستثماري قياسا مع الحاجات وقياسا مع ما هو قائم في البلدان المجاورة والبلدان العربية غير النفطية وغير المجاورة لنا, فقد بلغ متوسط الانفاق العام في سورية في السنوات الأخيرة حوالي 300 دولار للفرد الواحد في حين بلغ أكثر من 100 دولار في البلدان المذكورة آنفا وهو بدوره أقل بكثير من البلدان المتقدمة والتي يتجاوز الانفاق العام فيها 6000 دولار في السنة للفرد الواحد, لذا قد يكون من المناسب في ضوء الموارد المتاحة ونسب التمويل بالعجز المتسامح بها, أن تعطى هذه المسألة أهمية خاصة وأن نبادر الى إحداث زيادات حقيقية مستمرة بالانفاق العام, تساعد على خلق الدخول وزيادة القوة الشرائية وتوفير السيولة وخصوصا في فترات الانكماش, كما تساعد على زيادة ورفع مستوى الخدمات العامة في الصحة والتعليم وغيرها من المرافق, بالإضافة الى الانفاق الاستثماري الذي يتوقف عليه انجاز خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
7- الرواتب والأجور:
إن ازدياد الأسعار في العقود الأخيرة وبالنسب التي تمت بها, لم يعبر عن ظاهرة التضخم النقدي فقط, في القطر والذي تنعكس آثاره على القطاعات الاقتصادية كافة وأغلب الناس - الى حد ما - بل أدى وبشكل جارف بسبب تثبيت الرواتب والأجور الى عملية تحويل للدخل والثروة هائلة ومستمرة, وذلك من أصحاب الرواتب والأجور الى أصحاب الأرباح والريوع, أو بلغة أكثر بساطة وأقرب للواقع من الفقراء الى الأغنياء.
إن النمو الاقتصادي اذا ترك لعفويته ينتج خللا في توزيع الدخول والثروات ويحابي الأقوياء اقتصاديا على حساب الضعفاء اقتصاديا , وهكذا الى جانب الخلل الناجم عن التضخم وعن سوء توزيع الدخل القومي في مواجهة كتلة الدخول المتأتية من الأرباح والريوع, وهبوطها الى مستويات دنيا أصبحت تنذر بأضرار وتوترات اجتماعية خطيرة وخطر اقتصادي حقيقي وذلك من خلال الاختناقات الاقتصادية التي تحدثها, وتأثيرها باتجاه الهبوط على الطلب الفعال في السوق الداخلية مما قاد في السنوات الأخيرة الى ظهور انكماش وكساد في الأسواق لدينا بشكل واضح لا لبس فيه, فتثبيت كتلة الرواتب والأجور في العقود الماضية وفي الوقت الذي كان يزداد فيه الناتج المحلي الاجمالي بالأسعار الجارية, بسبب التضخم وبسبب التنمية يعني وبكل بساطة تجيير كافة الزيادات المتحققة في الناتج المحلي الإجمالي الى أصحاب الأرباح والريوع, يضاف الى ذلك أن انخفاض الأجور كما يقول الخبراء أدى الى التقاعس والفساد والتستر على الخطأ وعدم المحاسبة بسبب الوضع المعيشي للمقصرين, كما زاد (خلافا لما هو منتظر) من كلف المشاريع لأن انخفاض الأجر عن المستوى اللازم لتغطية النفقات الأساسية والضرورية لأصحابه, ينعكس مباشرة على مستوى الانتاج والانتاجية, لكون زيادة الانتاج ورفع مستوى الانتاجية يرتبط الى حد كبير بمستوى الأجور وارتفاعها كما يؤكد ذلك كل الاقتصاديين الجديين, ففي عام 1968 ووفقا للمجموعة الاحصائية لذلك العام, كان عدد العاملين بأجر في القطر 450 الف عامل وعاملة وكانوا يشكلون 30% من مجمل العاملين في القطر, وينالون 43% من الدخل القومي, أما الآن فإن عدد العاملين بأجر هو في حدود 60% من مجمل العاملين لدينا ولا ينالون أكثر من 25% من الناتج المحلي الاجمالي, علما أن هذه النسبة تصل الى ما بين 50-70% في معظم دول العالم, وأن ايجاد حل هذه المسألة اصبح ضرورة ملحة لأن الوضع الحالي يصعب الاستمرار فيه دون المساس بمستوى أداء العاملين بأجر سواء لدى الدولة أم لدى القطاع العام أم في اطار المجتمع بأكمله, ودون المساس بعدالة التوزيع التي اعتمدها مجتمعنا ووطننا واعتبرها أحد الأساسيات التي يقوم عليها نظامنا الاقتصادي والاجتماعي.
وبكلمة أخيرة:
هل من الممكن الاستمرار بهذا المستوى من الرواتب والأجور قياسا مع ما هو قائم في البلدان المجاورة وغير المجاورة؟ ولماذا يستطيع بلد مثل لبنان أو الأردن أو تونس أو المغرب وهي جميعا بلدان عربية غير بترولية, وضع سياسة للرواتب والأجور معقولة تحافظ على حقوق أصحاب قوة العمل في مواجهة أصحاب رأس المال, ولانستطيع نحن القيام بذلك؟ هل لأن هذه البلدان ذات نظم تقدمية وشعبية أكثر مما هو قائم لدينا؟! وهل الآثار الاقتصادية الإيجابية لسياسة تثبيت الرواتب والأجور هي أكبر من النتائج السلبية الاجتماعية المدمرة والاقتصادية الجائرة في نظر المدافعين عنها؟! أليست هذه السياسة في الحقيقة هي النتيجة المباشرة لضعف مواردنا العامة وعجزها وقصور وعجز الإدارات التي انيطت بها هذه المهام؟ وهل انتهى عهد ترديد المعزوفة القديمة بأن كل زيادة للأجور تؤدي الى تحريض الظاهرة التضخمية, في ظل غياب زيادة الإنتاج؟
من الرجوع الى الوراء نلاحظ, أن الرواتب والأجور في بلدنا لم تكن في يوم من الأيام مسؤولة عن التضخم, بل في كل مرة كان يعمد لزيادتها كان يتم ذلك للحاق بركب الأسعار المتزايدة ولمحاولة تصحيح الغبن والوضع الذي تردى, هذا إذا لم نردد مع بعض الاصلاحيين الذين يتساءلون عما اذا كان على أصحاب الرواتب والأجور وحدهم مهمة مكافحة التضخم وهم أول ضحاياه, وذلك من أجل أن تنتفخ ثروات أصحاب الأرباح والريوع.
خاتمة:
لذلك وبعد كل ماعرضناه, وحتى لا يذهب التحليل والعرض الذي قدمناه أدراج الترف الفكري والاستعراضي فإننا نقترح خطة للإصلاح المالي تهدف الى صياغة وتطبيق سياسة مالية تتيح:
1- زيادة موارد الدولة الدائمة الضريبية وغير الضريبية بحيث تستطيع تغطية نفقاتها العامة المتصاعدة (الجارية والاستثمارية).
2- توفير أدوات تدخل مالية لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية إيجابية تتصل بتحفيز وتشجيع الاستثمار وإعادة توزيع الدخل القومي.
وذلك من خلال نظام ضريبي متطور وفعال يتصف بالشمولية ويحقق العدالة في التكاليف والوفرة في الموارد, ومن خلال سياسة إنفاق جارية واستثمارية ترفع طاقة الدولة في خلق المنافع العامة وتلبي احتياجات الوطن على الصعيد الأمني والخدمي والاقتصادي والاجتماعي.
على صعيد النظام الضريبي والواردات:
تقوم رؤيتنا على اتخاذ اجراءات وتدابير على جبهتين متوازيتين:
أولا : على صعيد التشريع الضريبي.
ثانيا : على صعيد الإدارة الضريبية.
ثالثا : الواردات غير الضريبية.
 

 

 
 
 


Powered by:

Net Systems




جميع الحقوق محفوظة للمجموعة العربية للصحافة والإعلان

About us | Contact us | Advertise with us

تصميم وتطوير