الإصدار الالكتروني مساء كل ثلاثاء
NO. 121 November 2003 - العدد /121/ 2003
 
أرشيف موقع الاقتصادية
أرشيف الموقع
الاصدار الالكتروني مساء كل ثلاثاء -
القطاع العام من منظور الليبرالية الاقتصادية
الإصلاح الإداري لا يتم إلا بالتغيير الجذري للفكر والأهداف والقوانين
تشير آخر الارقام والاحصائيات إلى أن النهج الحالي المت بع, من فكر وتنظيم وإدارة, في مؤسسات الدولة أخفق في تحقيق أهدافه المعلنة في تحجيم البطالة ورفد الخزينة العامة ورفع المستوى المعيشي للمواطن وعجز عن تحقيق تنمية اقتصادية مستقرة. والاصلاح الحالي لا يطول أسباب المشكلة وهو إصلاح شكلي ظاهري قصير الامد لكونه لا يعالج المسببات ويكتفي فقط بمحاكاة المفردات والعوارض.والمرحلة الحالية حساسة وخطيرة لا تحتمل التقصير والخطأ ولا تسمح بالتعثر والتخبط وتعاقب على الخوف. فالوطن محاصر فعلا بين أنياب المنتفعين ومخالب المتطرفين ولا مفر من التمسك بالحزم والشجاعة للنهوض الجذري الجاد بالاقتصاد الوطني تلبية لإرادة الشعب ودفاعا عنه. وفي كل يوم يمر يثبت لنا المعنيون أن القطاع العام الحالي ليس إلا عبارة عن أداة من أدوات التحكم والسيطرة لضمان الثراء السريع حيث أصبح الفساد الاداري الوسيلة البديلة لكسب لقمة العيش. فلم يعد يوجد ما يبرر بقاءه على شكله الحالي الم عوق لكافة المحاولات الاصلاحية الادارية والمالية والانتاجية ولا مفر من إصلاح جذري يطول فكره وعقيدته وأهدافه وبنيته القانونية. وعلينا أن نبتعد أولا عن العديد من المغالطات والفرضيات الخاطئة التي يعتمد عليها المعرقلون في عمليات إجهاض مكثفة لكافة الخطوات التحديثية التي يطلقها السيد الرئيس. فالقطاع العام كما يدعون هو من المقدسات لكونه ملكا للشعب وأن ما يحتاجه لينهض هو فقط إصلاح إداري شامل لشكله الحالي, فهل هذا صحيح, وهل يمكن للاصلاح الاداري أن يحقق أهدافه ضمن هذا الشكل الحالي, أم أنه سيبقى منقوصا ما لم يتطرق إلى الجذور ويبتعد عن القشور؟ وما المعايير الحيوية التي تضمن للقطاع العام أفضل فكر ونهج وأهداف, وكيف يمكننا تحقيق هذه المعايير في دعم وتطوير البنية التحتية الاستثمارية ودفع عجلة النمو؟
يقولون إن القطاع العام هو الركيزة الاساسية للاقتصاد الوطني نظرا لمردوده المالي الكبير, لذا فعلينا أن نهتم به أولا لنصلح شأنه دون المساس بشكله وخطوطه الحمراء. وهذا التوجه أدى إلى تشكيل حكومات أعطت جل اهتمامها للقطاع العام حيث أصبح هذا القطاع دولة داخل دولة لكبر حجمه وتنوع نشاطاته وتشابكها. وإذا ما نظرنا نظرة موضوعية إلى الأرقام والاحصائيات الحكومية والدولية واطلعنا على العديد من الدراسات الاقتصادية والاستشارية ذات الصلة لوجدناها تتفق على الامور التالية:
1- تشكل المواد الاولية (نفط خام + قطن محلوج) وسطيا حوالي 90% من الصادرات السورية إلى شركائنا التجاريين الاساسيين في دول الاتحاد الاوروبي.
2- هذا بدوره يجعل البعض يعتقد أن القطاع العام هو الركيزة الاساسية للاقتصاد الوطني لكونه ينتج الأغلبية الساحقة من الصادرات السورية. وهنا تكمن المغالطة الكبيرة حيث لا وجود يذكر للصادرات الصناعية الحكومية ذات القيمة المضافة عدا صادرات المواد الخام التي تهدر الفرص في أرباح أكبر بكثير عندما ت صنع محليا ثم ت صدر للخارج كمنتجات نهائية!
الدول المتخلفة هي تلك التي تصدر موادها الاولية بأسعار متدنية لكونها عاجزة عن إضافة القيمة المضافة. أما الدول المتقدمة فهي تضيف المعرفة على هذه المواد وتعيد تصديرها محققة أرباحا مضاعفة. وبإجراء عمليات حسابية بسيطة نرى أن حجم الصادرات السورية من الالبسة القطنية الجاهزة مثلا , حيث توجد القيمة المضافة, ضئيل جدا بالمقارنة مع حجم صادرات القطن الخام علما أن صادرات القيمة المضافة فيها مردود مالي أكبر ونسب أرباح أفضل وتبني قدرات تنافسية عالمية وتوفر فرص عمل أكثر. وكذلك الأمر عند مختلف الصادرات السورية الاخرى.
3- يعمل معظم الافراد العاملين في سن العمل في القطاع الخاص بمختلف أشكاله وأحجامه. حيث يعمل فيه حوالي 70% من القوة العاملة دون أن يكون لهم دور فع ال في صادرات القيمة المضافة.
4- معدل حصة الفرد السوري من الناتج القومي هي حوالي 1200 دولار وهي ما دون متوسط المعدل العالمي 1850 دولارا , ومعدلات نمو الناتج القومي لا تزيد عن 3% في أفضل حالاتها رغم ارتفاع معدلات النمو السكاني. والمصدر الرئيسي لهذا الناتج القومي كما رأينا هو صادرات القطاع العام من المواد الأولية, أي ان دور العلم والمعرفة في رفع المستوى المعيشي ضعيف جدا لعدم وجود الاقتصاد المعرفي القادر على تلبية حاجات النمو الاجتماعي الطبيعي.
5- تتفوق صادرات القطاع الخاص ذات القيمة المضافة على مثيلاتها من القطاع العام, عند حذف صادرات النفط والقطن. وذلك رغم ما تعانيه من كلف عالية وعقبات كبيرة.
6- توجد خسائر مزمنة ومتراكمة لدى الاغلبية الساحقة من المشاريع الحكومية الصناعية والخدمية. كما أن الشركات الحكومية القليلة الرابحة تمارس الاحتكار التجاري جزئيا (تاميكو) أو كليا (سيرونيكس) لكونها غير قادرة على المنافسة الداخلية أوالخارجية.وهناك أيضا العديد من الشركات الحكومية الاحتكارية الخاسرة كالمؤسسة النسيجية رغم توفر المادة الاولية المحلية ووجود أفضل الآلات والسيطرة الاحتكارية على أهم مراحل الانتاج (زرع القطن, قطفه وبيعه, حلجه, وغزله).
فالقطاع العام يستنزف خزينة الدولة في مشاريع معظمها خاسر, محتكرا ومعوقا للعديد من الاستثمارات والمبادرات الخاصة الضرورية مسببا بشكل مباشر في إفقار المواطن وتخلفه وإحباطه. كما أنه عاجز عن تطوير تركيبة الصادرات السورية بحيث تشكل المواد الاولية نسبا لا تتجاوز 30% من الصادرات الكلية في اقتصاد معرفي ينمو بمعدلات لا تقل عن 5% سنويا . ولا نريد أن نرمي باللائمة على فكرة مبدأ القطاع العام فهو يظل حيويا ذا قيمة استراتيجية كبيرة عندما يكون مبنيا بالشكل التنظيمي والقانوني الصحيح معتمدا على فكر منطقي وأهداف عصرية. ونقصد بالشكل التنظيمي القانوني جملة القوانين والتشريعات الناظمة لتأسيس الشركات الحكومية ونظامها الداخلي وكيفية إدارتها لشؤونها الداخلية والخارجية من الناحية القانونية وعلاقاتها التجارية التعاقدية مع المؤسسات الحكومية والخاصة والجهات الوصائية والقضائية وتفاعلاتها التجارية مع الاسواق والمستهلكين.

المعوقات ونقاط الاختناق
يجب علينا أولا التعرف وباختصار على أبرز نقاط الاختناق الموجودة حاليا قبل التطرق إلى الحلول الممكنة.
ولا بد من تحديد الاختناق الاكبر والاهم والمسبب المباشر للاختناقات الاخرى والمعوق الأهم لمحاولات الاصلاح المتعددة. فالمشكلات الادارية هي مشكلات ظاهرية ناتجة وليست جوهرية م سببة, وبالتالي فمحاولات إصلاحها أولا هدر للوقت والمال مع ضعف لاحتمالات النجاح.

المشكلة الرئيسية المشتركة
لدى مؤسسات القطاع العام كافة
إن الدراسة المستفيضة والموضوعية لأجهزة القطاع العام وهيكلياتها الادارية والمعرفية وكيفية تناقل المعلومات والتوجيهات والأوامر بين مؤسسات الدولة وداخلها وسرعة الاستجابة للمشكلات وكيفية تشخيصها وطرق الحل المتبعة وأساليب الحصول على المعرفة والاستفادة من التجارب بما يؤدي بالنهاية إلى بناء المنحنى التعليمي التراكمي (Learning Curve) داخل كل مؤسسة, ت شير إلى المشكلة الرئيسية التالية:
عجز فكر ونظام التخطيط المركزي المسيطر على أجهزة القطاع العام عن الاستجابة لمتطلبات التحديث وانعدامه للرؤية المستقبلية العصرية وللمرونة الحركية والموضوعية الفكرية وضعف أهدافه والتزامه الجامد بمدرسة فكرية عقائدية واحدة أصبحت قديمة غير مجدية.
فنظام التخطيط الاشتراكي المركزي المترهل أفرز ولا يزال يفرز العديد من القوانين والتشريعات الناقصة والمتناقضة وال معوقة وبشكل تخبطي يدل على الخوف من التغيير الجذري. وقد أدى كل ذلك إلى بروز النواقص والاختناقات التالية في الجسد الحكومي:
1- الضعف التعليمي الثقافي المزمن: سببه الرئيسي سياسة الاحتكار الحكومي للمؤسسات التعليمية والثقافية لعقود طويلة من الزمن مما أنشأ أجيالا بكفاءات علمية وثقافية محدودة جدا .
2- العجز الاداري: وهو أول نتائج الضعف التعليمي كما ساهم بظهوره ربط التوجه السياسي للأفراد العاملين بمستقبلهم المهني دون الاهتمام بكفاءاتهم العلمية أو الادارية وقدراتهم المهنية.
3- المركزية الشديدة: سببها عدم الثقة بالادارات المؤسساتية والمحلية وإبقاؤها تحت السيطرة الحزبية. والمركزية الحزبية الادارية قتلت روح الابداع والمبادرة وخلقت الروتين وقل صت المرونة وحرية العمل وزرعت بذور الاحباط والفقر.
4- الفقر والفساد: دفع الفقر الناتج عن العجز الاقتصادي العام إلى تنشيط الفساد الاداري لكونه الوسيلة الاسرع والاسهل لسد الحاجات اليومية عند أغلبية مقترفيه. فالعرقلة والتمسك بالروتين والاعتماد الدائم على التفسيرات الخاطئة للقوانين الجيدة أصبحت هي وسائل كسب العيش بدلا من الرواتب والحوافز والعمل الدؤوب.
5- الاحتكار والعرقلة: أدت سياسة الاحتكار الحكومي إلى تدني مستوى الأداء التنافسي وإلى عرقلة الاستثمارات والمبادرات الخاصة ومنعها من الدخول إلى الكثير من المجالات التي يمكن أن تخدم فيها المصلحة العامة بشكل أفضل. وساهم ذلك في تفاقم البطالة وتخ وف الاستثمارات وارتفاع مقياس المخاطرة الاستثمارية.

الهدف الأول والأهم للقطاع العام
لم يعد بالامكان الاستمرار بالأهداف الحالية المعلنة من إنشاء ودعم مؤسسات القطاع العام, فذلك من شأنه أن يو لد المزيد من الاحباط والإخفاق على الاصعدة كافة. فهدف محاربة البطالة أثبت إخفاقه حيث إن معدلاتها وصلت إلى أرقام قياسية لم تصلها من قبل. والقطاع العام, ورغم التحي ز الحكومي والقانوني له, لم يستطع قط أن يكون ال موفر الاول والافضل لفرص العمل, وهو على العكس تماما لم ينجح في رفع وتيرة توفير فرص العمل وتحقيق معدلات نمو مستقرة تتجاوز نسب النمو السكاني ونسب الداخلين في سوق العمل. ولكونه محتكرا ساهم في عرقلة الكثير من الاستثمارات الضرورية الخاصة مما أدى إلى تفاقم مشكلة البطالة وازدياد الفقر وتناقص حصة الفرد السوري من الناتج القومي. فتوفير فرص العمل كهدف من أهداف القطاع العام أثبت إخفاقه الذريع. أما ما يخص حق الدولة في الملكية العامة لوسائل الانتاج, فهذا بدوره هدف غير منطقي بعيد عن الواقع حيث إن ملكية الدولة في مشاريعها مضمونة قانونيا ولا تعني مطلقا التمسك بالاستثمار المباشر أو اتباع أساليب الادارة المركزية. فالملكية والادارة يمكن فصلهما كليا عن بعضهما بعضا . أما فيما يخص هدف إغناء الخزينة العامة ورفدها بالقطع النادر والاحتياطي الاستراتيجي فذلك أثبت إخفاقه أيضا وبجدارة. فقد أدى العجز الادائي العام إلى عدم الاهتمام في مشاريع القيمة المضافة والاكتفاء فقط بتصدير المواد الاولية لإشباع الخزينة. وقادت السياسات المالية الضريبية القصيرة الاجل إلى تضخم الدين العام الداخلي وتباطؤ الدورة المالية النقدية وطبعا إلى عرقلة آلية عمل القطاع الخاص مما عط ل آليات استقطاب الاستثمارات وشج ع على تهريب الاموال. فتوفير فرص العمل وإرساء الملكية الجماعية ورفد الخزينة العامة لم تعد أهدافا مقبولة ت برر أسباب الاهتمام الحكومي الزائد ببقاء القطاع العام على شكله الحالي وتوسعته.
وعلى الرغم من اخفاق القطاع العام في إرساء دعائم التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة, إلا أنه يستطيع أن يقوم بدور أكثر فاعلية في التنمية عندما يكون م وجها فقط نحو الهدف الاستراتيجي الأهم في:
بناء وتطوير البنية التحتية الشاملة وفق أحدث التقنيات والاساليب الادارية الضرورية لدعم وتحفيز القطاع الخاص وضمان استقطاب مستقر للاستثمارات لدفع عجلة النمو الاقتصادي. وهذا هو الهدف الوحيد الذي أثبتت مصداقيته وفاعليته التجارب المماثلة الناجحة كافة (تونس, ماليزيا, تايوان, كوريا الجنوبية, الصين, ايرلندا). فالقطاع العام يجب أن يركز على بناء البنية التحتية التي تشجع الاستثمارات وتتجاوب مع متطلباتها وتعمل على استقطابها.

المعايير الاستراتيجية العامة
للأداء الإصلاحي العام
لا يمكن إنجاز عملية الاصلاح المنشودة بنجاح دون أن تكون الجهود الاصلاحية محصورة ضمن إطار معين له سماته ومعاييره الخاصة ال مقي مة للأداء الاصلاحي العام. وأبرز هذه المعايير هي:
1- دوره في بناء البنية التحتية الاساسية واللازمة لتنشيط الاستثمار وتفعيل معدلات النمو. وهذا هو المعيار الاهم والمحرك الافضل لعملية البناء والتطوير. فقد تكون المشاريع خاسرة (مشاريع النقل الداخلي) أو قد لا توفر الكثير من فرص العمل (مراكز الابحاث المختصة) لكنها جميعا ضرورية لا غنى عنها لتنشيط معدلات التنمية الاقتصادية.
2- دوره في إرساء قواعد الاقتصاد المعرفي عبر نقل وتوطين المعرفة والاستثمار الم رك ز في أحدث التقنيات الصناعية بهدف الاستفادة منها من قبل الجميع. يجب على الدولة أن تتحدى قطاعها الخاص وتدفعه إلى الامام وتكون السباقة في اقتناء التقنيات العصرية ومواكبة الحداثة.
3- دوره في وضع أحدث المعايير القياسية للإدارة والأداء والجودة وتطويرها باستمرار وفرضها على القطاع الخاص عبر المنافسة. يجب على المؤسسات الحكومية الخدمية والانتاجية أن تشكل أمثلة حية ناجحة يحتذى بها للإدارة الفع الة للموارد وأساليب الانتاج وأن تعمل جاهدة على تطويرها المستمر ليستفيد منها القطاع الخاص في تطوير أدائه التنافسي.
4- الابتعاد التام عن المشاريع الاقتصادية العادية (اللاستراتيجية أو غيرالحيوية) حتى عندما تكون تلك المشاريع رابحة (صناعات الكترونية-غذائية) والتركيز على المشاريع الاستراتيجية الضخمة الحيوية والتي قد لا ت غري القطاع الخاص كثيرا لكلفها العالية وضعف جدواها الاقتصادية (مرافق عامة, مستشفيات, صناعات بتروكيماوية, نقل داخلي ... الخ) لكنها تصب في خانة تطوير البنية التحتية الاستثمارية. إن ذلك يزيح الكثير من الاعباء الادارية والمالية عن كاهل الدولة ويجعلها مهتمة أكثر بالقضايا الاجتماعية الملحة وبالتحديث. فالدولة يجب ألا تكون غارقة في النشاط التجاري والصناعي فذلك ي نشط الفساد الاداري وي حو ل موظفيها إلى تجار متضاربي المصالح مما ي عوق الاستثمار الخاص ويحرف الدولة عن أولوياتها في خدمة المصلحة العامة بأحدث الوسائل.
5- نبذ الاحتكار وتشجيع المنافسة فانعدامها داخل السوق المحلية يشكل أحد أهم معوقات تطور الاداء الانتاجي والاداري والتسويقي مسببا بذلك الخسائر لدى العديد من الشركات الحكومية المحتكرة. ويعد الاحتكار من أخطر الجرائم الاقتصادية التي يعاقب عليها القانون في الدول المتقدمة. ولا يوجد ما يفسر التمسك بالاحتكار سوى الخوف من التطور والمنافسة.
6- ضمان حد أدنى مقبول من الملكية العامة. ويمكن بسهولة تحقيق ذلك حتى مع اتباع خطوات إصلاحية جذرية تطول الشكل القانوني والعقائدي للقطاع العام. فيمكن للدولة أن تحتفظ مثلا بنسبة لا تزيد عن 60% ولا تقل عن 25% من ملكية أسهم الشركات الواجب تخصيصها. كما يمكن لها أن تحتفظ بكامل الملكية مع حصة من الارباح ضمن عقود تأجيرية محددة الأمد. ولا يمكن للشركات الحكومية أن تستمر وفق الهيكليات القانونية والادارية الحالية ولا بد من إعادة النظر في أنظمتها القانونية وعلاقاتها الحكومية لضمان استقلالية إدارية مرنة غير مقيدة وذات صلاحيات واسعة.
7- دوره في رفع المستوى المعيشي لعامليه وتحديث موجوداته (التحديث الداخلي الشامل). حيث تقع على كاهل القطاع العام مسؤوليات مضاعفة لكونه يمثل الدولة ومصداقيتها الاجتماعية. لذا فعليه الاهتمام بالنوعية بدلا من الكم ية حين يتعلق الأمر بشوون الأفراد وفرص العمل والمحافظة على موجوداته وأصوله وطرق تطويرها. فعوضا عن ضخ الاموال في مشاريع جديدة تزيد من الاعباء المالية والادارية وتضاعف من حجم المشكلات الموجودة, ت ضخ هذه الاموال في المشاريع الموجودة أصلا لتضاعف الرواتب وت زيد الحوافز وتمو ل أنشطة التدريب المهني والتأهيل وتقل ص من حجم البطالة الم قنعة وتعيد الحياة إلى الصيانة الدورية وتدعم عمليات التحديث الداخلي كافة.
وبالاعتماد على هذه المعايير الحديثة نرى بسهولة أنه عندما يكون القطاع العام أيديولوجيا مركزيا , يفقد مصداقيته ويعجز عن خدمة أهدافه (كالتركيز على المركزية الادارية والاستثمار المباشر بهدف خلق فرص العمل). وعندما يكون غارقا في النشاط التجاري يحيد عن أولوياته وينفي أسباب وجوده (كالتركيز على الاداء المالي واستعمال الاحتكار التجاري لتحقيق الربح). بل يجب على القطاع العام أن يهتم أولا وآخرا ببناء البنية التحتية القوية التي تستقطب الاستثمارات وتدفع النمو عبر التخلي عن التخطيط المركزي ونبذ الاحتكارية والتوقف عن التوسع الفوضوي والاهتمام بالنوعية لا الكمية. والآن ما الخطوات الاولية الاساسية لعملية إصلاح جوهرية تضمن أفضل تطبيق لهذه المعايير والأهداف؟

كيفية إصلاح القطاع العام
ضمن أهدافه العصرية
بناء على ما تقدم يمكننا أن نحدد الخطواط الاساسية العامة لعملية الاصلاح الجذرية بما يلي:
1- الموضوعية في الفكر والتطبيق (التطوير الفكري): تعني ضرورة الابتعاد عن القيود الحزبية ونبذ المغالطات الفكرية والادعاءات الكاذبة وعدم التمسك بالنظريات الم عل بة الجاهزة والافكار المستوردة الغريبة عن ثقافتنا وحضارتنا. فالتخصيص لا يعني بالضرورة البيع بأبخس الأسعار ورمي الآلاف في الشارع بل يمكن أن يكون وسيلة فع الة لتحقيق الاستقلالية الادارية الضرورية والتي تضمن القضاء على الكسل والفساد وت حفز على العمل والنشاط. والقطاع الخاص ليس قطاعا برجوازيا رجعيا ثانويا بل هو وطني تقدمي وأساسي في عملية النهضة.
2- الحكومة ليست فقط للقطاع العام بل هي حكومة وطنية معنية بالجميع.
3- الرأسمالية لا تعني بالضرورة الأمركة أو الخضوع لرغبات وأطماع الغرب العدواني بل هي أقدم فكر اقتصادي طو رته البشرية عبر عصورها واعتمدت عليه معظم حضارات العالم ومنها حضاراتنا السامية والعربية والاسلامية. يجب علينا أن نتمسك بالمنطق ونستجيب بشفافية وذهن منفتح مستفيدين من التجارب الناجحة ومعتمدين بقوة على حرية المبادرة والعمل وتكافؤ الفرص وشمولية القانون وشفافيته.
4- تغيير الشكل القانوني القديم تغييرا جوهريا لفصل الإدارة عن الملكية وتحقيق حد مقبول من الاستقلالية الادارية المرنة. فمبدأ الشركات المساهمة مثلا يسمح للعديد من الشركات الحكومية الصناعية أو الخدمية بأن تتحول إلى شركات تديرها مجالس إدارة منتخبة داخليا تتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية عن الحكومة التي ت عي ن عضوا منتدبا واحدا في مجلس الادارة دون أن يكون لها الحق في فرض رئيس المجلس أو المديرين الآخرين. وينتخب مالكو الاسهم الأعضاء الآخرين في مجلس الإدارة. فمثلا ت و زع أسهم الشركة الم خصصة على النحو التالي: 25% للدولة, 40% للاكتتاب العام, 20% للعاملين بأسعار تشجيعية تحسم من الراتب, 15% لشركة خاصة مختصة. ويتم العمل الإنتاجي والتسويقي بالتعاقد مع الوزارة المختصة والتي يمكن أن يكون لها في بعض الحالات حق حل المجلس عندما يخفق في الالتزام بالعقود والاتفاقيات الم وق عة. إن ذلك الشكل القانوني حافظ على حق الدولة وفع ل الملكية الجماعية وأصبح العمال من خلاله مالكين فأعطاهم أفضل الحوافز وأدخل الادارة التنافسية الحديثة عبر الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص. وهذا التخصيص لا يعني مطلقا بيع الشركة بأبخس الاسعار كما يدعي البعض. وهناك أنواع اخرى من أساليب تحقيق الاستقلالية الإدارية (التخصيص) كالتأجير و BOOT و B.O.T وغيرها.
5- إنشاء حزمة متكاملة من القوانين التجارية الشفافة واخضاعه التام لها, ومنها جملة القوانين التي تمنع الاحتكار التجاري وتحرم تثبيت الأسعار وعمليات الإغراق التسويقية والمتاجرة بالمعلومات الحساسة والسرية وكل ما من شأنه إلحاق الضرر بالمنافسة العادلة وبالمستهلك. إن خضوع القطاع العام للشفافية القانونية والتزامه الكلي بها يدعم بقوة المصداقية الحكومية في بناء المناخ الاستثماري المستقر. كما أصبح من الضروري الإسراع في تشريع البنية القانونية الناظمة لتداول الاسهم المالية كشرط أساسي لنجاح عمليات التخصيص وفصل الإدارة. وهناك أيضا جملة القوانين المتعلقة بالإفلاسات والتحكيم التجاري والرقابة المالية والضريبية وقوانين المصارف والشركات المساهمة.
6- التوقف عن التوسع العشوائي الفوضوي للأنشطة التجارية والصناعية الحكومية, والتأن ي في تمويل المشاريع الجديدة قبل إصلاح ما هو موجود أولا (النوعية قبل الكمية). حيث ت عطى الاولوية في المشاريع التوسعية الجديدة إلى الاستثمارات والمبادرات الخاصة, وذلك لتوفير الموارد والطاقات الحكومية وحشدها نحو التحديث الداخلي الاداري والانتاجي, كتطوير الآلات والتقنيات والاهتمام بالصيانة ورفع أجور العمال وتنمية طاقاتهم ومداركهم وإعطائهم أفضل الحوافز. ولا يوجد أبدا ما يبرر تورط العديد من المؤسسات الحكومية في أنشطة تجارية لا علاقة لها بعملها وأهدافها, كتملك الأراضي والعقارات للاستثمارات السياحية مثلا . كما أن التوسع الاستثماري الحكومي المباشر في مشاريع جديدة غير حيوية فيه تبديد للثروات وهدر للموارد دون الحصول على نتائج إيجابية تخدم المصلحة العامة, حيث إن العمالة فقيرة والبطالة متفاقمة والك لف عالية والاستنزاف المالي لا يتوقف. ولم يعد يخفى على أحد أن توسعة القطاع العام لا تخدم في الواقع إلا المصالح الشخصية الضي قة لقلة من المنتفعين عبر المناقصات والعمولات التي لا تنتهي لتخلق بذلك اقتصادا رأسماليا أسود يعيش في الظل على الفساد وغسيل الاموال. لذا فمن الواجب الوطني العمل على إقفال أبواب الفساد كافة وتوفير الموارد والثروات وتوجيهها نحو التحديث الداخلي الشامل.

التغيير الجذري شرط أساسي
لنجاح الاصلاح الإداري
فمشكلة القطاع العام كما رأينا ليست في وجوده, فهو فع ال قوي في أكثر الدول رأسمالية, إنما في شكله القانوني المترهل وفكره العقائدي اللامنطقي وأهدافه المعلنة المنقوصة وضعف علاقاته العضوية التشابكية مع مختلف مفاصل الدولة ورداءة تفاعله مع المنافسة السوقية وبطء استجابته للضرورات التحديثية وعدم انصياعه لبنى قانونية عصرية شفافة. فلقد أدى كل ذلك إلى بروز العجز الاداري داخل مؤسساته فأفقرها وأفقر موظفيها وأدى إلى تفشي كافة الظواهر السلبية كالفساد والكسل والاعتمادية فأصبح القطاع العام ملاذا مغريا لمن يريد أن يرزق بسرعة معتمدا بقوة على قدم وتخلف النظم المالية والقانونية والاقتصادية مما خلق اقتصادا أسود تديره مافيا المعرقلين والمستفيدين. وتؤكد الدراسات والأبحاث المتعلقة إستحالة تحقيق الاصلاح الاداري في قطاع عام ضخم والمحترفة إن وجدت فسوف تغرق في خضم المشكلات الانتاجية والادارية اللامنتهية وسوف تصدم بالوجود القوي والكثيف للعقليات المتخلفة والم عرقلة. فبقاء القطاع العام على شكله الحالي يقتل المحاولات الاصلاحية في مهدها ويستنزف العقول الجيدة ولا يستفيد منها بشكل مؤثر فع ال. وحتى في حال نجاح الاصلاح الاداري فالحجم الفوضوي الحالي سيقف عائقا أمام:
1- الاستثمار الخاص والمبادرة الفردية فالدولة داخلة في كل شيء 2- الاهتمام الحكومي الضروري بالمواطن وحاجاته ورسم الاستراتيجيات التنموية فالدولة غارقة تماما في إدارة الجهاز الحكومي الضخم
3- الاصلاح بأنواعه فهو سيكون بطيئا نظرا للضخامة وكثرة المشكلات التي ستتكرر في المستقبل القريب وسنبقى دائما محصورين في دو امة الاصلاح الادراي. والموضوع لا يحتاج لعلماء الذرة لفهم أبعاده, فكلنا يعلم أن الاصلاح الاداري هو مقدمة الاصلاح الاقتصادي وأن إصلاح الرواتب والاجور لا بد منه لنجاح الاصلاح الاداري. وهذا يعني بالضرورة أن تتضاعف أجور العم ال وكذلك رواتب المديرين قادة الاصلاح الاداري في مؤسساتهم, فالمدير الجيد لا يرضى بالأجر المتدني! خصوصا عندما تكبر مسؤولياته.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو هل سنأتي بمديرين يملكون الكفاءات الادارية اللازمة ويولون كل اهتمامهم وجهدهم برواتب لا تزيد عن 15000ل.س شهريا وطبعا لا إذا ما علمنا أن المواطن السوري الآن يحتاج فعلا إلى حوالي 30000 شهريا ل.س كحد أدنى للعيش المتقشف الميسور. ولنفترض أننا سنعطي الكفاءة الادارية الجيدة راتبا متوسطيا مقداره 20000 شهريا , علما أن هذا الراتب لا يكفي لسد الحاجات المعيشية الضرورية, فمن أين سنأتي بالأموال اللازمة لتمويل ذلك مع هذا الكم الهائل من المديرين الحكوميين؟
قدر الخبراء المختصون أن 10% فقط, كحد أقصى, من حجم الجهاز الاداري الحكومي الحالي كافية لادارة القطاع العام بمختلف أشكاله وأنواعه. أي أن عشرة مديرين محترفين ذوي كفاءات علمية عالية يقبض كل منهم راتبا شهريا مقداره 40000ل.س يكونون أكثر فع الية وعطاء بكثير من مئة مدير براتب 20000ل.س من ذوي الكفاءات المحدودة. الفارق التكلفي واضح بين كتلة رواتب ادارية مقدارها أربعمئة ألف ل.س وبين أخرى مقدارها مليونا ل.س هي خمسة أضعاف التكلفة مع مردود أقل بكثير. إن إصلاح الرواتب والأجور سيبقى منقوصا م عوقا لجهود الاصلاح الاداري والاقتصادي ما لم يتغير الشكل القانوني الحالي للقطاع العام ويتطور فكره وتتبدل أهدافه. أي بكلام آخر, سنهدر عقدا أو عقدين من الزمن لنقتنع بأن الاصلاح الاداري لا يتحقق إلا بالتغيير الجذري للفكر والعقيدة والقانون بما يضمن استقلالية إدارية مرنة تنبذ الاحتكارية والغش وتعتمد على التطوير التنافسي الدائم وتخضع للمساءلة والمحاسبة القانونية وتشجع القطاع الخاص وتتعاون معه في التنمية الاستثمارية.
وعملية إصلاح القطاع العام ليست بالمستحيلة رغم كثرة مصاعبها وعظمة مشكلاتها, ويمكن تحقيقها بسرعة وبهدوء. وهي تحتاج قبل كل شيء إلى توفر العزيمة والجرأة لمنازلة الخصوم بالحجة والمنطق وقهر الخوف من تقبل الافكار الجديدة والقفز فوق المعتاد وقلب الفرضيات القديمة والنظر إلى الأمور من نوافذ مختلفة. فما حدث في تونس وماليزيا مثلا ليس بالمعجزة مطلقا بل كان نتيجة الانفتاح الفكري الموضوعي على العالم دون التفريط بالثوابت الثقافية والدينية, واتباع سياسات تسامحية واحترام القانون وتقديس قدرات المواطن العادي والعمل على إغنائها عبر الاهتمام بالانسان وإتاحة الفرص أمامه وتحفيز المبادرة التجارية والدعم اللامحدود للقطاع الخاص وعدم الرضوخ للضغوطات الداخلية ضد التغيير وتو خي الحذر من أطماع ومؤامرات الحاقدين في الخارج والابتعاد عن تقليد الحلول والنظريات المستوردة. وشك ل القطاع العام ركيزة اساسية من الركائز الاقتصادية, ليس عبر الاستثمار المباشر في التجارة والصناعة, بل عبر الاستثمار في الانسان وبناء البنية التحتية الحديثة التي تغري وتستقطب الاستثمارات.
أخيرا لا بد من التأكيد مجددا على أن العجز الاقتصادي يول د الاحباط واليأس في قدرات النظرية العلمانية ومصداقية أهدافها لعدم سعيها الجاد لتطوير فكرها ونهجها مما يخلق الظروف الملائمة لزرع بذور التطرف الداخلي وي عرض الوطن لمخاطر التطرف الخارجي. لذا فالإسراع في الانفتاح والتحديث ضرورة وطنية ملحة لضمان الامن والاستقرار ودعم الوحدة الوطنية ودحر مزاعم الأعداء. أما التباطؤ في القرار والضعف في التنفيذ والقصور في الرؤية والاهداف والخوف من المستقبل فكلها ت عر ض الوطن إلى المزيد من النهب والسرقة وتضعفه جسديا ومعنويا وتفسح المجال أمام المتطرفين والاعداء ليلعب كل منهم دوره ويحقق مآربه. إن الطريق الاصلاحية الحقيقية واضحة لمن يريد أن يسلكها بشجاعة وحزم وشعبنا لا يقل شجاعة ولا حزما عن باقي الشعوب التي أصلحت أمورها بسرعة وحققت أحلامها في التقدم والازدهار
  فارس الشهابي

 

 
 
 


Powered by:

Net Systems




جميع الحقوق محفوظة للمجموعة العربية للصحافة والإعلان

About us | Contact us | Advertise with us

تصميم وتطوير