مجلة فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب الكبير وتصدر مؤقتا مرة كل شهرين

الحركة الإسلامية في تونس من الدعوة إلى الهجرة

العدد التـــاسع
السنة الثانية/ أكتوبر 2003


الأستاذ فريد خدومة (*)

طيلة ثلاثين سنة مضت ما فتئت الحركة الإسلامية التونسية تلقي بظلالها على الشارع سلبا وإيجابا. وهذه ظاهرة صحية لكل حركة غير متقوقعة، بل ذهبت الحركة أبعد من ذلك في أحد مؤتمراتها إذ رفعت شعار التنظيم من أجل الفعل في الخارج، ووصل هذا التوجه الصحي ذروته، على حد الإعلان عن مجلس شورى موسع علني، بل والذهاب إلى خلق قيادات شعبية محلية، تتولى إدارة شؤون الأحياء[1] .

وقد كان التطور العددي والبرامجي، والزخم القيادي، الذي أثر سلبا حسب بعض التقويمات الداخلية، كما اعتبر عنصر قوة وتواصل في تقرير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، حيث أورد التقرير بفصيح العبارة "أن هذه الحركة لا يمكن القضاء عليها، وذلك لإمكانية التوليد القيادية، التي تتمتع بها". وقد نشر هذا التقرير في بعض الصحف في خضم الصراع مع السلطة، وإن كان التوقيت مشوها، إذ يبدو كأنه دعوة صريحة للسلطة، كي تسارع على القضاء على أكبر عدد ممكن من القيادات، كي تهمش الباقي الضعيف، أو تسد أمامه أبواب التنسيق والتنظيم.

الحركة والشارع

دفعت تلك الأسباب الحركة إلى الشعبية والعلنية مكرهة أو طائعة، فالحركة منذ نشوئها كان قدرها معانقة الشارع. فهل يمكن أن نقول إنها حققت برامجها، أو وصلت إلى ما تصبو إليه؟ أو هل يمكن أن نقول إن الشارع لم يتقبلها أو لم يستسغها، أو أنها حركة لا يمكن لها إلا أن تنمو في الفضاء الطلابي، فقدرها النخبوية.

ومن حقنا كذلك أن نسأل إن كان قبول الشارع لمشروع ما دليل على كون ذلك المشروع سليما من الثغرات وذا مصداقية وأصيلا.

الحركة وسياسة المراحل

عندما يحاول المتتبع للشأن الإسلامي في تونس مواكبة تطورات الحركة يقع في إرباك كبير. إذ إن المراحل في حد ذاتها متداخلة ومتشابكة، ثم على درجة من الغموض في استنباط العلامات الدالة على البدء في مرحلة أو نهايتها. ولذلك سنحاول انتهاج مسلك جديد في البحث، واعتماد اسم الحركة علما على مرحلة، مع علمنا أن الحركة منذ نشأتها واكبتها العديد من الأسماء، مما له أيضا دلالات خاصة.

مرحلة الجماعة الإسلامية

مرت الحركة الإسلامية في تونس بالعديد من المراحل إذا اعتمدنا التسميات. والحق أن التسميات كانت علامات دالة على برمجيات ورؤى تعكس توجه القيادة في مرحلة قد تطول أو تقصر. فمنذ النشأة عرفت الحركة باسم الجماعة الإسلامية. هذا الاسم، الذي له دلالات عميقة في ارتباطه بالطرح الديني التقليدي، والذي يجنح أصحابه إلى التزام النصوص بقراءة حرفية، أبعد ما تكون عن التأويل، وإن كانت الحركة في تونس تجديدية دون شك منذ بداياتها، لتأثر المؤسسين الشيخ راشد الغنوشي والمحامي الشيخ عبد الفتاح مورو بالحركة الإخوانية المجددة. والتقى داخل الحركة نفسها التكوين الزيتوني، المكتمل بالتكوين القانوني والحقوقي بالتكوين الإخواني، الذي تلقاه الشيخ راشد الغنوشي في سورية، والممزوج بخلفية فلسفية أكاديمية، وبقية إرث زيتوني، استفاد منه أيام الدعوة، وآخر عروبي، باعتبار العروبة طرح مغاربي أقرب لمعانقة الإسلام، من الطرح القومي المشرقي، الأقرب لمعانقة الماركسية. وكان الشيخ قد صرح بكل فخر واعتزاز بأنه تلميذ الشيخ عبد العزيز العكرمي أحد قادة محاولة انقلاب 1962 والمعروف بانتمائه إلى التيار العروبي الزيتوني. ولعل هذا الفكر هو الذي كان الشيخ يتبناه أيام كان مدرسا ابتدائيا في قصر قفصة، قبل رحلته إلى المشرق لإتمام التحصيل العملي.

وقد ألقى الشيخان بظلالهما على الجيل التلمذي الأول، فنشأت الجماعة تحت ظل المؤسسين. وكان اختيار اسم الجماعة، الذي اختارته الحركة الإسلامية في الهند، وتبني الطرح الإخواني فكريا وتنظيميا، هروبا مبررا من تهمة الإخوانيين، خاصة بعد التجربة الدامية، التي وقعت بين حركة الإخوان المسلمين ونظام عبد الناصر، واشتغال آلته الإعلامية في التشويه والاتهام بالعمالة للإنجليز وعرقلة التصدي لإسرائيل. فكيف لتيار يريد أن يتقبله الشارع أن يجد له موطئ قدم في بلاد العروبة، التي أصبح جمال عبد الناصر زعيمها دون منازع.

الجماعة الإسلامية ميدانيا

كانت الجماعة الإسلامية ميدانيا أقرب إلى جماعة الدعوة والتبليغ منها إلى الحركة الإخوانية، ولقد كان مشائخ الدعوة والتبليغ يعتبرون الشيخين من أتباعهم. ولعل الحاجة إلى أنصار وقاعدة كانت الداعي إلى إنتهاج الجماعة هذا الأسلوب، مع قلة التجربة، وانسداد الأفق، أمام غياب وسائل أخرى كالصحافة.. وقد تطور ذلك فأثمر دروسا أسبوعية ومناسباتية كانت الوقود الأول الذي أيقظ جذوة التدين في السبعينيات، وأسس صحوة تحتاج ترشيدا وتنظيما كي تنجح، فاقتحم ذلك الرعيل الأول الجامعة، محاولا أن يجد له فضاء جديدا أكثر عمقا وشمولية، إلا أنه ثم صده من قبل اليسار صاحب الإرث النضالي في الجامعة.

انتهاء المرحلة

هل نعتبر انتهاء هذه المرحلة التي عرّفت بالحركة في كل الولايات تقريبا وأوجدت لها أنصارا أو لنقل تنظيما بانتهاء السرية . ونعتمد نص الإعلان التأسيسي للحركة في 1981 والإعلان عن تسمية جديدة ابتداء لمرحلة أخرى ثم أن المرحلة القديمة ما تزال مستمرة ولكن حصلت ظروف سرعت بانتهائها وابتداء أخرى.

خطاب الحركة

يبدو أنه بدخول الحركة الجامعة التونسية اكتشفت أن خطابها التقليدي، بعيد عن معايشة عقول تونسية نخبوية، تطمح للجديد، ومتعودة على ثورة اليسار، وما تزال تتجرع مأساة الحركة اليوسفية والتيار الزيتوني العروبي، الذي قضي عليه بمحاكمات 1962. فوجدت الحركة خطابها بعيد عن إمكانية قيادة معركة الجامعة، فلجأ الرعيل الأول إلى قراءات جديدة، وبدأت تبرز على السطح دعوات للقطيعة مع الخط الإخواني.

ولعل بروز الثورة الإيرانية فجأة ودون مقدمات، وجه شباب الجامعة وجهة جديدة. هذه الثورة ألقت بظلالها على الحركة والشارع والجامعة، بل جعلت الحركة في دائرة أمنية، بدأت تضيق عليها، وأيقنت أنها صارت مستهدفة. حيث أصبحت صورة الإمام الخيمني مألوفة داخل تونس خاصة عند الإسلاميين، وجلبت الثورة قراءات جديدة وكتبا جديدة وأطروحات مختلفة. وكانت الحركة الإسلامية في تونس من أوائل الحركات التي باركت هذه الثورة، وأرسلت من يمثلها إلى طهران صحبة وفد التنظيم الدولي للإخوان المسلمين لتهنئة الشعب الإيراني بثورته.

وهكذا بدأت مرحلة في استنفاد أغراضها بتجربة صحفية، لم تنضج بعد، وجامعة أصبحت تخوض حروب كرّ وفر بين الإسلاميين، الذين أصبح يحسب لهم ألف حساب، ويسار بدأ في فقدان مواقع تاريخية، فلم يمانع في التحالف مع السلطة لاسترجاع مواقعه، ولا أدل على ذلك من مجزرة منوبة التي سال فيها الدم الإسلامي، بتنسيق واضح ومفضوح بين اليسار والسلطة.

اكتمال الدائرة

بدأ غلق الدائرة بتخرج جيل جديد من القيادات من الجامعة، والتحاقه بالمراكز الأولى لصنع القرار في الحركة. والحق أن هذا الجيل الجديد هو الذي سارع بوأد التسمية، باعتبار أن المرحلة قد انتهت واستنفدت أغراضها، ولابد للحركة من الخروج إلى العلن، وممارسة السياسة التي تحركت بها في الجامعة. وكان ذلك مغامرة، لأن هذا الخروج كان يستتبع فقدان الحصانة، التي ضمنتها الحياة الطلابية، والدخول في الحياة العامة، التي يهيمن عليها الحزب الواحد، ذو العصا الغليظة.

كانت هذه المغامرة واقعية إلى أبعد الحدود، وذلك لتأكد القيادة من أن ضربة قوية أو محاولة استئصالية بدأت تلوح في الأفق. فتقرر عقد مؤتمر صحفي في مكتب الأستاذ عبد الفتاح مورو للإعلان عن تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي.

كان الحدث، الذي حاولت جميع القراءات السابقة التكتم عنه وتجاهله لعديد الاعتبارات هو إلقاء البوليس التونسي القبض على الشاب صالح كركر، ومعه حقيبة تبين في مقرات الداخلية أنها تحتوي أرشيف الجماعة الإسلامية. فماذا أبقت الحركة من مجهول كي تناور به أمام النظام. وما دام تنظيم الجماعة صار مكشوفا فلا بد من مشاركة الشعب في هذا العبء الثقيل، ولو من باب المناورة أو إلقاء المسؤولية التاريخية على عاتقه ومقاسمته المسؤولية.

المرحلة الثانية: ميلاد الاتجاه الإسلامي

بدأت المرحلة الجديدة بسلسلة من الاعتقالات، أسست لنمط جديد في التعامل مع الحركة، لم تألفه من قبل. سلسلة اعتقالات ومحاكمات وسجون وإعدامات وتصفيات... وبذلك بدأت التأسيس لعمل تنظيمي مغرق في السرية، ألبسته الحركة لبوس التنظيم الإخواني ذي المسارين:
- مسار سياسي تربوي مدني
- مسار تنظيمي

 فحركة مستهدفة لابد لها من الاستعداد للمواجهة. وقد بدأت هذه المرحلة تؤسس للعمل المهجري، وذلك بهجرة بعض القيادات الشابة، مثل الحبيب المكني وعبد الرؤوف بولعابي. وهو توجه لازم أغلب الحركات التجديدية في العالم. أما حركة الاتجاه الإسلامي وإن انطلق عملها المهجري ضعيفا واضراريا، فقد تطور منذ سنة 1987 ليصبح في بداية التسيعنيات ممثلا رسميا لجسم الحركة الضخم، وفيه يوجد المكتبان التنفيذي والشوري، وفيه تعقد المؤتمرات وأصبح كل بلد يقيم فيه أنصارها بمثابة منطقة تنظيمية مع بروز بريطانيا كفضاء للقيادة المركزية.

وهي مرحلة شهدت تباين كثير من وجهات النظر، إذ بدأت تؤسس لجيلين من القيادات المقيمين بانجلترا والمقيمين بفرنسا. فقيادة فرنسا هم في الغالب قيادات طلابية سابقة وقيادات بريطانيا هي قيادات تنظيمية تاريخية، تلتف حول دور الشيخ المؤسس، ولكل من التيارين أنصار في بقية البلدان.

خصوصية المرحلة

برز في مرحلة الاتجاه الإسلامي وجوه الخصوص الأتية :
- دخول الحركة المعترك السياسي العلني مع الاحتفاظ بتنظيم قوي.
اعتبار السلطة للحركة رقما لا يستهان به.
- بروز أول بادرة انشقاق رسمي تمثلت في خروج أحميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي ومحمد القوماني، وثلة أخرى من المناضلين، لتأسيس ما بات يعرف باليسار الإسلامي، أو الإسلاميين التقدميين. وقد بين هذا التحرك أن الاتجاه الإسلامي كغيره من الحركات، خاصة الإسلامية، يحمل في طياته بذور الانشقاق، وذلك للحاجة الفكرية المتواصلة والعقائدية والسياسية التي تلازم تطورها. وقد سألت المهندس "علي الزروي"[2] أيام التسعينيات المنصرمة هل تنبأ للحركة بالانشقاقات؟ فأجاب "نعم ولأكثر من ثلاثة أو أربع تشكليلات".. ولكن ألم تنتج حركة الإخوان المسلمين في مصر عشرات الحركات الإسلامية.

الاعتقالات

لا يتسع المجال لسرد تقليدي لأطوار الاعتقالات، ولكن أود أن أشير إلى أن الحركة في هذا الطور الثاني دخلت مرحلة المحن، فهل نستطيع أن نقول إن القيادة السرية الاستثنائية للاتجاه الإسلامي، نجحت في إدارة دفة التنظيم وقت الأزمة؟

تقاس الأمور في ذلك بظواهرها وبنتائجها. فرغم المحنة غير المألوفة والتضييق، فالتنظيم واصل نموه وامتداده داخل القطر، وتواصل وجوده في الجامعة، بل أصبح رقما طلابيا يحسب له ألف حساب، ويساهم مساهمة فعالة في إدارة الوجود في الجامعة، وأصبح الإسلاميون يتحركون لتأسيس فضاء نقابي مستقل عن الفضاء اليساري، الذي عجز عن أخذ المبادرة، وعقد مؤتمره الخارق للعادة.

وقد تربى داخل الفضاء النقابي الجديد "الاتحاد العام التونسي للطبلة" العديد من القيادات الشابة، الذين مارسوا بعد ذلك القيادة الميدانية في التنظيم الأم: عبد الكريم الهاروني والعجمي الوريمي والأمين الزيدي وغيرهم.

الخروج الأول من السجن

شهدت الحركة في ذلك الوقت ما يشبه تجربة تفاوضية مع السلطة، أيام حكومة مزالي، أدت للإفراج عن القيادات المعتقلة وكثير من أنصارها، ليبدأ عدّ جديد لمحن أخرى أشد وأعتى، مع إفلاس المشروع البورقيبي وتصادمه مع الجميع.

وكان الشيخ عبد الفتاح مورو قد بعث برسالة إلى الرئيس الحبيب بورقيبة، يوضح فيها منهج حركة الاتجاه الإسلامي، ومطالبها، ويطلب نظرة جديدة فيما يخص المعتقلين. هذه الرسالة كان قد رفضها كثيرون، ومن بين ما تم الإعراض عليه لفظة المجاهد الأكبر، التي خاطب بها مورو رئيس الدولة.

وقد صرح "علي الزروي" في جلسة معه أن وسطاء مزالي طلبوا من القيادة الاعتراف ببورقيبة زعيما للبلاد، ومجاهدا أكبر دون منازع، إرضاء لجنون العظمة لديه، مقابل الاعتراف بشرعية الوجود العلني. فلماذا رفضت الحركة هذا العرض ولماذا تكتمت عن هذا المطلب ولم يصرح به للعلن ولو في ورقة واحدة؟

وهل أصابت الحركة برفضها الاعتراف ببورقيبة، وهي التي اعترفت فيما بعد برئاسة ابن علي، بل دعت أنصارها لترشيحه في انتخابات 1989؟

الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي

شهدت مرحلة الثمانينات صدور ورقة فكرية عن الاتجاه الإسلامي، وزعت على نطاق واسع علنيا، سميت الورقة "الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة الاتجاه الإسلامي"[3]. وقد حاولت الورقة أن تميز الحركة عن التيار الإخواني والتيارات السلفية.

وكانت هذه الورقة بمثابة الحد الجامع المانع بمصطلح المتكلمين، وبمثابة دستور للحركة ومرجعية لها.

المرحلة الثالثة: ميلاد حركة النهضة

يمكن اعتبار حركة الاتجاه الإسلامي قد خرجت منتصرة من محنة 1987، ولا أدل على ذلك من سقوط النظام البورقيبي. كما لا يفوتنا أن التجربة توجت بحدثين خطيرين:
- بروز الحركة كتيار قوي بالبلاد
- تحرك ما سمي "بمجموعة الإنقاذ الوطني" لإزاحة بورقيبة.

وهكذا دخلت الحركة محورا جديدا، لعل من ملامحه الطموح إلى السلطة. وهل يوجد تيار سياسي في العالم ليس له طموح للسلطة لتجربة برامجه واختبار رجالاته؟.

ما بعد المحنة الثانية

ولدت حركة النهضة في فضاء متساهل نسبيا، جاء نتيجة لتضحيات كبيرة، جلبت للحركة آلاف الأنصار الجدد، كما أفرزت المواجهة رموزا ارتقوا في السلم التنظيمي ارتقاء سريعا ومخيفا. ورأت الحركة أنه من حقها أن تقطف ثمار نضالاتها، ويكون لها دور رسمي ولو صغير في البلاد. وكان أن التقى الشيخ الغنوشي بالرئيس ابن علي في قصر قرطاج، وتلقى وعودا بعلاقة أفضل وأكثر شفافية.

قامت الحركة بتزكية ابن علي في انتخابات 1989 سيئة الذكر. هذه التجربة التي كال بعدها القيادات والقواعد كل منهما للآخر التهم، وإلقاء المسؤولية، بعيدا عن الصدى الإعلامي. فقد رأت القيادة أن القواعد هي التي زجت بها في هذه التجربة، من أجل الاستعراض وإغاضة الحزب الحاكم. أما القواعد قرأت أن القيادة لم تحسب خطورة الموقف، ومازالت مأخوذة بنشوة إسقاط بورقيبة. والحاصل من الموقفين أن التجربة كانت مخطئة. وقد خاضت الحركة في هذا الفضاء الجديد تجربتين مهمتين:

- التقدم بطلب رسمي لوزارة الداخلية لنيل التأشيرة القانونية.

- تغيير التسمية: تم ذلك إثر نقاش طويل، توج بالمحافظة على التسمية القديمة داخل الجامعة.

وكانت التسمية الجديدة علامة على التيار الإصلاحي، الذي انطلق منذ نهاية القرن التاسع عشر، وقدمت الحركة تيارا إصلاحيا منحها الشرعية التاريخية.

المسار

دخلت البلاد منذ بداية التسعينيات مرحلة لم تقرأ حساب حجمها، ولم يكن للمجتمع التونسي طاقة لتحملها، ويمكن رصدها في أربعة وجوه:

- دخول أغلب رموزا الحركة ومعظم أبنائها السجون، ومعاملتهم أسوء معاملة شهدها تاريخ البلاد، من تعذيب وتقتيل وتجريم وتشريد وتشف وإذلال، مما أعاد الذاكرة إلى تجربة الإخوان المسلمين، سواء في مصر أو سورية، بل هناك من يعتبر التجربة التونسية أكثر مرارة لانسداد أفق الحل.

- اعتبار الحركة أمرا منتهيا داخل البلاد، ووجودها في الهجرة، مع التزامها نوعا من النشاط الإعلامي والسياسي، منضبط بالمواثيق والقوانين القطرية والدولية.

- دخول عوائل أبناء الحركة والمناضلين، الذين أنهوا مدة العقوبات في حالة بؤس وفقر، وكذلك دخول البلاد في حالة رعب، وفقدان الشعور بالأمان... كما شهد المجتمع ردّة أخلاقية وحضارية فضيعة، صنعها النظام باعتدائه على الحجاب والمساجد وإضعاف الخطاب الإسلامي وتمييعه.

- كشفت المواجهة الجديدة أن الحجم الهائل، الذي كان يلتف حول الحركة ما كان إلا وهما، مصداقا لقوله تعالى "ليميز الخبيث من الطيب"، فقدمت السلطة خدمة جليلة للتيار الإسلامي، بغربلة آلاف الأنصار وعشرات القيادات.

الآفاق

من الحكمة التريث قبل الخوض في تحليلات واستشرافات قد يفندها المستقبل القريب، فكل الاحتمالات مفتوحة في ظل نظام مزاجي يصالح ويعادي. وكل الاحتمالات مفتوحة لأكثر من شق وأكثر من وسيلة عمل، بل حركة لها رصيد نضالي هام أثبتت خلاله قدرات خارقة على الصبر والمغالبة.

وفي ظل غياب هذه الحركة التي كان لها تأثير ميداني على مدى عشرين سنة، برزت إلى السطح حركات أو تيارات إسلامية جديدة، تحاول استئناف الدور التقليدي الذي كانت تلعبه الحركة الإسلامية الأم في تونس. فمن أوجد هذه التيارات وهل هي قادرة على كسب شارع لم يألف خطابها من قبل؟ ما علاقتها بالسلطة؟ وهل ساهمت هذه الأخيرة في إنشائها من عدم؟ وهل يكتب لما أنشأه الظرف الاستثنائي الاستمرار في الظرف الطبيعي؟.


-1 وهو المشروع الذي احتواه النظام من وثائق حكة النهضة لصياغة ما سمي بلجان الأحياء.
2- المهندس علي الزروي قيادي من حركة النهضة أصيل مطماطة الجديدة بقابس غادر السجن منذ أكثر من سنة
3- نشرت في كتاب "أشواق الحرية" "للهاشمي الحامدي" الكويت، 1989، ولمزيد التوسع أنظر: خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، عبد المجيد النجار، تونس ، دت.


(*) روائي وشاعر عضو اتحاد الكتاب التونسيين صدر له رواية "ترشيش الأعرج" وله دواوين شعر وروايات أخرى تنتظر الطبع.


نــــــدوة أقلام

العفو التشريعي العام في تونس

ملف العــــــدد

المصالحة الوطنية في تونس


في الحاجة إلى المصالحات الثقافية والسياسية الشاملة
د. رفيق عبد السلام


المصالحة الوطنية في تونس: أطرافها وشروطها وعوائقها والمستفيدون منها
نورالدين العويديدي


الحركة الإسلامية ومشوار التمكين: هل حان زمن المصالحة مع الأنظمة؟
د. خالد الطراولي


النهضة.. المعارضة، السلطة، والمصالحة الوطنية
سيد الفرجاني


المصالحة السياسية في تونس في حكم التّأجيل
حسين الجزيري


شروط المصالحة الوطنية
علي كردي
  


الشيخ راشد الغنوشي لـ"أقلام أون لاين":
الصلح هو خيارنا الاستراتيجي،
بعد ذلك نتعامل مع الواقع
حاوره أحمد قعلول


الأستاذ أحمد نجيب الشابي  لـ"أقلام أون لاين"
الجبهة الوطنية باتت ملحة.. ولا يمكن تحقيق أي شيء دون جرأة وشجاعة
حاوره نورالديين العويديدي


د. منصف المرزوقي لـ"أقلام أون لاين":
المصالحة كالحب والزواج لا تكون من طرف واحد..
حاوره حسين الجزيري


المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين لـ"أقلام أون لاين":
المصالحة بين الحكام والشعوب وترتيب البيت الداخلي هو سبيلنا لمواجهة التحديات

حاوره أحمد قعلول


قضايا وتحــاليل


التطرف المتستر بالحداثة والتطرف المتستر بالدين: وجهان لعملة واحدة
نورالدين البحيري


جذور الدكتاتورية ونشأة الديمقراطية المريضة في تونس
أحمد السميعي  


النخبة المغاربية والتغيير
عبد العزيز التميمي


مأزق اللائكية الاستئصالية في تونس
أحمد قعلول


الرابطة والحجاب وحرية النقد ومواقف السيد الطريفي
نورالدين العويديدي


أي مستقبل للتيار القومي العربي في تونس؟
علي بن سعيد


هجرة الحبشة والفعاليات الإسلامية المهجّرة في الغرب وعلاقتها بالوطن الأم منهجا وخطابا
د. خالد الطراولي


الحركة الإسلامية في تونس من الدعوة إلى الهجرة
فريد خدومة

2003 Aqlamonline . All Rights Reserved