|
المتأمل في
أفق الفضاء السياسي السوداني، هذا
الفضاء الذي بدأ في التبلور مع صعود العزة الوطنية في
الشخصية
السودانية بعيد أحداث عام 1924م حيث برزت مدارس أبو روف والفجر
الفكرية وجمعية واد مدني الأدبية
كمنابر للتعاطى مع الشأن العام بالقدر الذي تسمح به أنذاك
حكومة جلالة
الملكة ثم إرتقت الممارسة في خريف عام 1936م الى مؤتمر الخريجين
والذي تولدت من رحمه معظم أحزابنا
السياسية التي شاركت في عملية البناء الوطني منذ الأستقلال . يشهد المتأمل أن هذا الفضاء لم
يسجل أي تقدم ذي بال في أية قضية من قضاياه الأساسية مثل
التحديث والنهضة، الوحدة الوطنية، الديمقراطية، الهوية، التخلف
الفقر.......إلخ، أذ ما زلنا ندور في حلقة مفرغة ولم نتمكن بعد
من إنتاج فكر سياسي سوداني
محدد المعالم والصفات، كامل الوجود والمقومات ولا أن نفلح
في ترسيخ قيم
وقناعات مشتركة تساعد على تشكيل أطاراً حضارياً و مرجعيةً عامة
ننطلق من خلالها نحو بناء وطن على
خلفية ثقافة سياسية تطابق منطوقها مضمونها و تعبر عن
وجهة نظر الأمة
ومصالحها على أختلاف الأعراق واللغات والديانات. أنه ليؤلمنا
ويحز في نفوسنا
ان تكون الحقيقة كذلك، أما الآن، والحالة هذه فالسؤال المنطقي
الذي يطرح نفسه هو ما الذي حدث؟ وما
السبب؟ سؤال لا نقصد به محاكمة وعينا بقدرما نطمح في
النظر عما هو
غائب في فكرنا السياسي. التاريخ يقول أن النخبة
السودانية وعند بداية يقظتها في منتصف الحقبة
الإستعمارية وجدت نفسها أمام قضية جوهرية ومهمة تاريخية وحيدة تتعلق بمسألة
التحرر الوطني. إزائها إنقسمت النخبة الى من نادى بالإستقلال التام في مواجهة من
وقف مع الاتحاد مع مصر العربية. ما لم يعيه الفريقان
وقتئذ أن كلا
الخيارين حملا في طياتهما أبعاداً ايدولوجية ومعان نفسية.
فالإستقلال كان يعني فيما يعنى بداية
معالم دولة حديثة على غرار النموذج الأوروبي ممثلة في
ثقافة المستعمر
الإنجليزي بكل أبعادها ،أما الاتحاد فكان يستصحب معه أمال
تاريخية لأمة تمتد من الخليج الى
المحيط فاقت حديثا من سباتها على أنغام الناصرية. إذن كان
من الطبيعي جداً
أن يكون الإختيار مصحوباً بنوع من التوتر النفسي بل والعنف
أحياناً- أحداث
عام - 1954م- وقد وجد هذا التوتر طريقه فيما بعد الى
خطابنا وثقافتنا وممارستنا السياسية
المأزومة الأمر الذي لم نستطع معه من إستعادة
توازننا وإنسجامنا حتى اللحظة هذه أو
أن ندير خلافاتنا الفكرية والسياسية على مستوى حضاري
. القارئ لهذا
الخطاب - سواء في مجريات الماضي أو معطيات الحاضر- لابد وأن
يلاحظ عمق ضحالته - إن صح
التعبير – ليس فقط من حيث طبيعته كخطاب وثقافة وممارسه
وإنما ايضاً وبدرجة أهم، من
حيث الموضوعات التي حاولت النخبة تسيسها وتعميق الوعي
بها. فالجماهير الكادحة وقد نالت
الإستقلال كانت تنشد الحرية والعدالة ولكنها تتوق أيضاً
الى الخبز
والدواء، تريد أن تقهر الجهل وتقتل الفقر، ترغب في استعادة أمجاد
ماضيها وتاريخها وتراثها وأصالتها دون
التفريط في متطلبات الحداثة أو أسس التقدم والمدنية.
إذن كان من
المتوقع والمفترض أن يتناول خطابنا مقتضيات النهضة وشروطها، ويتطرق
الى مقومات التنمية وأهدافها،
التخلف أشكاله وأسبابه، أسس نظام الحكم وقيم الحرية
والمساواة،
التكامل القومي واحلال الاعتبارات الوطنية فوق التطلعات
الجهوية والقبلية في مجتمع هجين كاد أن
يفتقد الى الإجماع في كل شيء ويفتقر الى الهوية القومية التي تتجاوز التعدد
اللغوي والدينى والقبلي والاقليمي. اما النخبة
وقد إستوت على
السلطة وتمكنت من الثروة فبدلا من أن تواجه الواقع التعس
وتقوم بتحليله لفهم كافة أبعاده وشتى
جوانبه ومن ثم الانطلاق من هذا التحليل لبناء نموذج
يستجيب لمتطلبات
الواقع المعاش ويطابق الوعي السائد ويطرح الحلول للتحديات
الحاسمة التي تواجه الأمة بإستمرار،
بدلاً من ذلك، وكتعبير عن عجزها في مواجهة مهامها التاريخية، هربت النخبة الى
شعارات لم تكن تمثل أولوية على صعيد قضايانا الوطنية
وتبنت أنماطاً من
الفكر والايدولوجيا المستوردة والتي هي بدورها عمقت من حدة
الإستقطاب واثرت
سلبا على تطور الحياة السياسية والثقافية في البلاد الى الحد
الذى غدت فيه اليوم رابطة العشيرة
والقبيلة والأقليم محددات لوعي الساسة والمثقفين. في تقديرنا الشخصي، ان المحنة
التى لازمت حراكنا السياسي المشوه تكمن أساسا في مواقفنا
المتأرجحة من مسألة الديمقراطية، ذلك لأنه رغم كثرة
التعقيدات التي
يطرحها واقع الثقافة السياسية السودانية فإن هذه التعقيدات
وفي صيرورتها النهائية ما تلبث وأن
تتلخص في أفق سياسي واحد هو الديمقراطية. من هنا تعود التعقيدات الاخرى لتطرح
نفسها في سياق جديد ومن هنا أيضا ً يبحث واقعنا عن
أسباب التخلف
والأنحطاط والهزيمة. بالطبع لا نعني ولا ينبغي لنا
أن نعني بالديمقراطية مجرد التعددية
الحزبية أو المشاركة السياسية الشكلية أو الاقتراع الدوري رغم أهميتها وضرورتها
جميعا،ً إنما نقصد بها – أي بالديمقراطية- نظام يضبط
حركة المجتمع
بأسره، إنها قيم ومؤسسات، حقوق وواجبات، التزامات واستحقاقات،
فكر وثقافة، فن وأدب، حرية وكرامة،
انها باختصار الحياة على مختلف تجلياتها. الديمقراطية بهذا المعنى كانت
وما زالت غائبة، ليس فقط عن وعي النخبة ولكن أيضا ًعن
المخيال الجمعي
لكثير من العامة. وبالنظر لعدة اسباب موضوعية
وعملية فقد إجتبينا اليسار واليمين
كنموذجين يمكن أن يقدما أوضح صورة لكيفية تعامل النخبة
السودانية مع
مسألة الديمقراطية. فرغم الإختلاف الظاهري بينهما والعداء
التاريخي اللدود فإن مواقفهما من
الديمقراطية لا يختلفان كثيرا ًإلا في الغلاف الإيدولوجي
الذي يتمظهران
به، أي الاطار المرجعي الذي يفكر كل منهما في داخله، أما
نمط تعاملهما مع الديمقراطية
واساليب عملهما فواحدة. ثم أن كليهما عصفا بأنظمة ديمقراطية منتخبة ليقيما
أوليجاركيات عسكرية مارست مستويات من القهر والقمع لم
يألفها الشعب
السوداني طوال تاريخه السياسي، وللمفارقة فقد انتهى كلاهما
ضحية العسكر. بيد أن الدافع الاساسي
لاختيارهما كنموذجين هو النظر في كيفية تعامل كل منهما مع أخطر أزمتين سياسيتين
واجهتهما الحياة السياسية السودانية في تاريخها الحديث،وليكن اليسار نموذجنا
اليوم. جميعنا يذكر تلك الندوة
الأدبية التي أقيمت بأم درمان في
الاسبوع الاول من نوفمبر عام 1965م حيث تعرض أحد طلبة معهد
المعلمين – وقيل
أنه ينتمي الى الحزب الشيوعي- تعرض الى حديث الأفك وتفوه
بكلمات تمس الرسول عليه أفضل الصلاة
والسلام وما تبع ذلك من تطورات سياسية أدت الى تعديل
دستور عام
1964م وإجازة قانون بحل الحزب الشيوعي وطرد أعضائه من الجمعية
التأسيسية واسقاط عضويتهم. وحتى لا نمارس أى نوع من
التاثير على القارئ تعمدنا إختيار اسلوب السرد فى تناول هذه
الازمة، عليه يجدر بنا أن نورد أولا مضمون التعديل الدستوري الذي أثار الأزمة،
حيث أشار التعديل الى الأتي: " تعدل المادة
الخامسة من دستور
سنة 1964م بأضافة الحكم الشرطي الأتي في أخر البند الثاني
من المادة الخامسة: (............ على انه لا يجوز لاي شخص أن
يروج أو يسعى لترويج الشيوعية، سواء كانت
محلية أو دولية أو يروج أو يسعى لترويج الالحاد أو عدم
الاعتقاد في
الاديان السماوية أو أن يعمل أو يسعى للعمل عن طريق القوة والارهاب
أو اي وسيلة غير مشروعة لقلب نظام
الحكم). يضاف البند الجديد الأتي بعد
البند الثاني من المادة
الخامسة: " كل منظمة تنطوي أهدافها أو
وسائلها على مخالفة الحكم الشرطي الوارد في ذيل
الفقرة أعلاها تعتبر منظمة غير مشروعة وللجمعية التأسيسية أن تصدر أي تشريع
تراه لازما ً لتنفيذ أحكام ذلك النص". تبع هذا التعديل سلسله من الاجراءات
التشريعية والتعديلات الأخرى انتهت بإجازة قانون حل
الحزب الشيوعي
السوداني في مرحلة القراءة الثالثة في يوم 9/12/1965م ونشر
بغازيته جمهورية السودان في ذات اليوم
حيث نص: "منذ سريان هذا القانون يحل
الحزب الشيوعي السوداني وجميع
المنظمات غير المشروعة في حدود المعنى الوارد في المادة
السابقة وتقفل
دورها وتصادر ممتلكاتها وصحفها وجميع وسائلها". وبناء على هذا
القانون قررت
الجمعية التأسيسية في جلستها المنعقدة بتاريخ 16/12/1965م اسقاط
عضوية الاعضاء الثمانية وهم السادة:
حسن الطاهر زروق، عزالدين علي عامر، محمد ابراهيم نقد، عمر مصطفى المكي، الرشيد
النايل، عبد الرحمن الوسيلة، الطاهر عبدالباسط، جوزيف
لاقو. الان وقد أصبح الحزب الشيوعي
بلا شرعية، ولا نواب، ولا صحف ولا مقر بل وأن الدعوة لمبادئه جريمة
يعاقب عليها القانون، إزاء هذا الوضع ساد شعور بالغبن
والغضب وسط عموم
قبائل اليسار عبر عنه أحد قادتهم قائلا ً"نحن لسنا شياه تقاد
من قرونها الى مسالخ الذبح ولا
أيتام نجلس القرفصاء مرتعدين على موائد اللئام ولا جدار
قصير يبول خلفه
كل منافق". هذا الحزب الذي كان يسيطر
تماما ًعلى معظم النقابات السودانية ذات
الفعالية فضلا عن وجوده الواسع والعريض وسط القطاع الطلابي
مع اختراق عميق
للمؤسسة العسكرية ذات النفوذ القوي والحاسم، وفي ظل المد
الثوري والإشتراكي الذي عم المنطقة
أنذاك بدءا ً من مصر الناصرية والجزائر وسوريا والعراق
واليمن، كان
الجميع يتوقع أن يرتكب الحزب الشيوعي حماقة الإنقلاب خاصة وأن
موقف اليسار – كفكر وتجربة عالمية
–من الديمقراطية سواء على المستوى النظري أوصعيد الممارسة العمليه لا يحتاج منا
الى بيان، فالديمقراطية في نظرهم ما هي إلا "خديعة برجوازية تتعرض لها الطبقات
الكادحة لأنها في حقيقة الأمر ما هي إلا حرية
الاقطاع والرأسمالية". على أن الحزب الشيوعي وفي سياق
تعامله مع هذه الأزمة خالف توقعات الجميع - ولو الى
حين – فتصرف بحكمة غير معهودة عندما اختار القضاء والقانون حكما، إذ أقام جوزيف
قرنق وآخرون القضية رقم ق م – عليا - 93 – 1965م أمام
المحكمة العليا
ضد مجلس السيادة والجمعية التأسيسية والنائب العام لحكومة
جمهورية السودان، حيث انصب الطعن في
الأساس على أن التعديل الدستوري السابق يتنافى ويتناقض
مع الحقوق
والحريات الأساسية التي كفلها الدستور والمتعلقة بحرية الإعتقاد والحق
في أداء الشعائر وحرية التعبير
والتجمع وتأليف الجمعيات والإتحادات والأحزاب ...الخ. لأهمية هذه القضية الدستورية
والتي كان لها تأثيرا ً مباشرا ًعلى تطور الحياة السياسية في
السودان حتى تاريخه، فليأذن لي القارئ أن أسترسل قليلا. بعد أن إستمعت المحكمة العليا
وإطلعت على كافة المذكرات المتبادلة، خلصت الى صياغة نقطة نزاع
رئيسيةFraming of
issues وهي
عملية فنية قانونية بالغة التعقيد وتتطلب درجة عالية من
الحيطة والحذر لأنها الأساس في سماع الدعوى وتقديم البينات وتطبيق القانون،
والنقطة كانت : "هل يحق للجمعية التأسيسية
تعديل الدستور المؤقت لسنة 1964م
تعديلا ً من شأنه تقييد أي من الحقوق الأساسية المكفولة
في الدستور؟ وهل
هذا التعديل الذي تم دستوري أم غير دستوري؟ " فى سياق إجابتها لهذا السؤال ناقشت
المحكمة العليا حجج الاطراف والتي جاءت في مذكرات بالغة
الرصانة، رفيعة
المستوى ومليئة بأقتباسات من أعظم فقهاء القانون الدستوري
كالعلامةJames parkers
hall والفقيه Wade&
Phillips Bassue والبروفسير
وغيرهما،
وللمفارقة إستشهدت المحكمة بسابقة قضائية مماثلة جرت في أستراليا
حيث صدرفي عام 1950م قانون بحل
الحزب الشيوعي الاسترالى Australian
Communist Party v. The Commonwealth. بعد نحو عام من التداول أصدرت
المحكمة قرارها في يوم
22/12/1966م ، إذ
خلصت في النهاية الى أن الحقوق الأساسية المكفولة في الدستور
لا يمكن تقييدها بواسطة المشرع
وأن التعديل غير دستوري وبالتالي تعتبر كل التشريعات
التي بنيت عليها
باطلة بما فيها قانون حل الحزب الشيوعي وقرار طرد أعضاء
البرلمان . في مساء ذات اليوم عقد مجلس
الوزراء جلسة طارئة أصدر بعدها قرارا ًغير مدروس جاء فيه "أن الجمعية
التأسيسية هي الهيئة العليا في البلاد ومصدر السلطات
وسيادتها فوق كل
سيادة وحقها في تعديل الدستور حق لا يسلب وحرية لا يعتدى عليها
، وأي اعتداء عليها اعتداء على
هذا الشعب........" المخرج الوحيد الذي
تبقى كان مجلس السيادة ، إذ تطلع
الشعب الى ما قد يصدره المجلس في شأن حل هذه الأزمة
الخطيرة ، بيد أن
المجلس فاجأ الجميع في بيان شهير صدر في 19/4/1967م وصف فيه
الحكم الصادر من المحكمة العليا
بالخطأ وأن سلوك المحكمة كانت بدعة لم يسمع بها من قبل
وخروج عن الحياد
الذي يجب أن تتصف به المحكمة ليطمئن الناس الى أحكامها. وهكذا
تم القضاء على آخر بارقة أمل في
حل الأزمة . عندها اجتمعت نقابة
المحامين وأصدرت قرارا ً جاء فيه
أن بيان مجلس السيادة يعتبر خروجا ً على الدستور وإنتهاكا
ًلإستقلال القضاء
كما إجتمع معظم القضاة في جمهورية السودان وقرروا تقديم
استقالات جماعية إذا لم تحل هذه الأزمة
بصورة ترد للقضاء كرامته واعتباره واستقلاله. رغم السرد السابق فإن أفضل
تلخيص لهذه الأزمة يكمن في استقالة رئيس القضاء مولانا بابكر عوض
الله والتي نورد منها المقتطفات التالية دون تعليق: السادة رئيس وأعضاء مجلس
السيادة الموقر
تحية واحتراما
ً.. وبعد ....
يسرني أن أخطركم
بموجب هذا انني قد قررت التخلي عن منصبي كرئيس للقضاء وأرجو
أن تعتبروا هذا إخطارا ً مني
بالتقاعد وفقا ًلأحكام المادة 31 (2) من قانون المعاشات
لسنة
1962م.
إنه ليؤلمني أن
يكون الدافع الوحيد لهذه الخطوة من جانبي هو موقف مجلسكم الموقر من
القضية الدستورية .......... لقد حاولتم في بيانكم الأخير
أن تصفوا رأيكم
في الحكم بأنه مجرد رأي، ليس رأيا ً قضائيا وأن للمرء أن يتساءل
ما هي المصلحة العامة في أن تبدى
هيئة لها خطرها الدستورى كهيئتكم رأيا مجردا فى حكم
قضائى وهى تعلم
أن هذا الرأي لا يخدم غرضا ً من الناحية القضائية – كما للمرء
أن يتساءل ما هي الضمانات في أن
تكفوا في المستقبل عن ابداء الأراء المجردة في أحكام
المحاكم؟
اسمحوا لي أن
أؤكد أن الجرح العميق الذي تركه عملكم هذا في الكيان القضائي سوف لن يندمل
ما دمتم قدمتم الكبرياء الشخصي على المصلحة العامة ورفضتم ان تسحبوا بيانكم
المذكور أو أن تعتذروا عن الخطأ الذي ارتكبتموه. أرجوا أن تسمحوا لي أن أقرر
بهذه المناسبة أنني خدمت القضاء قرابة ربع قرن كان أغلبها في
ظروف حالكة عانيت فيها الكثير من محاولات الحكومات المختلفة لفرض سلطانها لتحقيق
المآرب السياسية ولكنني أحمد الله على أنني أترك القضاء وأنا مرتاح النفس لأنني
لم أقدم يوما ًعلى عمل لم يرض عنه ضميري. .... لقد كان الاستعمار يريد
للقضاء أن يكون أداة طيعة في يده ووقفت في وجهه وأنا في أول
درجات القضاء ثم أتت الحكومات الوطنية المتعاقبة ونحت
نفس
المحنة....أقولها بكل صراحة وقوة أنني لم أشهد في كل حياتي
القضائية اتجاهاً نحو تحطيم الجهاز
القضائي والتحقير من شأنه والنيل من استقلاله كما أرى
اليوم. .....انني أرى أنه من واجبى أن
أوجه النصح لمن لا يؤمنون بحكم القانون ان نظم الحكم السياسية
لا تخشى القضاء ولا تستعديه لأن القضاء السليم انما
هو أقوى سند لكل
حكومة تستشعر واجباتها من ايمان مطلق في حكم الدستور
وسيادة القانون .....انه وإذا يؤلمني هذا
الاتجاه الشاذ في ظروف أحوج ما تكون البلاد فيها لقضاء نزيه مستقل،
ليشرفني انني عملت ما في وسعي لصيانة استقلال القضاء
منذ أن كان لي
شرف تضمين ذلك المبدأ في ميثاق أكتوبر ولا أريد لنفسي أن أبقى
على رأس الجهاز القضائي لأشهد
عملية تصفيته وتقطيع أوصاله وكتابة الفصل المحزن الأخير
من فصول
تاريخه...... بابكر عوض الله – رئيس القضاء مع الاسف كان
ذلك هو الفصل
الأول لمغامرات كبرى جرت على حساب الانسان السودانى وباسمه بدءا
من مايو 1969 وإنتهاء بأبريل من
عام 1989 ولكن ما أن أدركت النخبة أن الايدلوجيات لا
تضرب جذورها فى
كل أنواع التربة حتى إنكفأت على العصبوية القبلية وأدب
التهميش والجهوية ثم قالت وداعا
لدكتاتورية البروليتاريا، وداعا أيتها التوجه الحضارى.
|