|
|
|
|
|
|
|
|
التضخم
آفة اقتصادية
"الأحد,
04-يناير-2004" - أحمد ماجد الجمال
إن مشكلة
التضخم قديمة قدم المال نفسه ففي الأزمنة الغابرة
تسبب خفض قيمة عملات الفضة والذهب بزيادة ثمن بقية
المعادن ذات المستوى الأدنى وعلى الرغم من أن قدر
الأذى الذي تسبب فيه التضخم المعتدل محل جدال إلا
أنه لا أحد يشك في أن التضخم الجامح والزائد الذي
يجعل المال لاقيمة له عملياً كان مسئولاً عن
الكثير من المعاناة الإنسانية كما أنه أشعل فتيل
الاضطرابات الاجتماعية . فالخوف من التضخم يبلغ
درجة من القوة قد تجعل صانعي السياسات يترددون في
اتخاذ خطوات المجابهة ومقابلة الانكماش. إلا أن
نوع التضخم العام والمستدام حيث يرتفع متوسط العام
للاسعار ارتفاعاً ملحوظاً بصورة دائمة ومستمرة
والذي ظهر تحديداً منذ الحرب العالمية الثانية
يعتبر ظاهرة حديثة أما تاريخياً فإنه عندما كانت
مستويات الاسعار ترتفع كانت دائماً تعود للهبوط
مرة أخرى وكان مشكلة الانكماش مألوف في القرنين
الثامن عشر والتاسع عشر. فكل من التضخم
والانكماش يطرحان تحديات لصانعي السياسات فتغيرات
السياسات المصممة لمجابهة احدهما أو الآخر تستغرق
وقتاً وقد ينجم عنها عكس النتائج المرجوة فإذا بدأ
التضخم بحلول الوقت الذي تصبح فيه السلطات النقدية
واعية به وتبشر في تطبيق اجراءات لازالة التضخم
فان الانكماش قد يكون هوالنتيجة ولو تم الانتظار
لفترة اطول مما يجب بدون مواجهة الانكماش ينعكس
ذلك بالعجز عن بدء العمل في الاقتصاد مرة أخرى
وهذا بالضبط ما دفع الاقتصادي الشهير كينز بوضع
النظرية الاقتصادية واستخدام مجموع من الحزم
والادوات السياسية للخروج من مأزق التضخم
والانكماش ومع ذلك فقد تتسبب سياسات مكافحة ازالة
التضخم في اقتصاد يتميز باجور واسعار جامدة في
زيادة البطالة لفترة ممتدة بدون خفض
التضخم. ويشير الاقتصاديون أن تضخماً بسيطاً قد
يكون أهون الشرين بالنظر في معدلات البطالة
العالمية والخسارة الكبيرة في الناتج التي تصحب
مكافحة التضخم والتضخم لايعرقل بالضرورة
النمو. فباستخدام أدوات السياسة النقدية في
التعامل مع التضخم من خلال جهاز البنك المركزي فان
الامر لايكون سهلاً في مراحله الأولى فالقانون
مثلاً يلزم البنك بان يقوم بتحقيق استقرار في
الاسعار بمعنى أن تكون معدلات تغير مستويات
الاسعار بطيئاً ومطرداً فعدم استقرار الاسعار يؤدي
إلى أنعدام المصداقية والثقة وتشويه عملية صنع
القرار وعرقلة النمو الاقتصادي. فمبدأ اللا
توازن الاقتصادي وانعدام الاستقرار نتيجة تلقائية
للتضخم أي الارتفاع المطرد في المستوى العام
للاسعار الذي يتم قياسه بمؤشر سعر المستهلك وهذا
المؤشر يقيس التغير في تكلفة سلعة من السلع
والمنتجات والخدمات بما فيها العقارات والاراضي
والكهرباء والمياه والمواد الغذائية والخضروات
والفواكه والمواصلات والنقل وهذا المؤشر عادة ما
يصدر عن مراكز بحث علمية احصائية أما الحالة
العكسية للتضخم وهو الانكماش يعني الانخفاض المطرد
في مستوى الاسعار وقد كان نادر الحدوث منذ الحرب
العالمية الثانية رغم أنه ظهر بشكل متدني إلى
السطح كخطر قادم. يمكننا طرح هذا السؤال العام
ما هي أسباب التضخم تكون الاجابة الفورية
والتلقائية ان زيادة السيولة النقدية أو بشكل مفرط
هي الاساس للتضخم بمعنى وجود كمية كبيرة من النقود
أمام كمية أقل من السلع والخدمات ومن خلال الاغراء
الذي يصيب الناس جراء توفر كميات كبيرة من النقود
في أيديهم بالتالي يدفعهم إلى طلب المزيد من السلع
والخدمات . وإذا لم يقابل هذا الطلب المتزايد
في الأجل القصير بزيادة في الانتاج وهو أمر حتمي
فإن ذلك يؤدي إلى زيادة في الاسعار. وبناء على
ذلك فان البنك المركزي ربما يستطيع التأثير على
معدل التضخم عن طريق تغيير معدل عرض النقود من
خلال استخدام أدوات السياسة النقدية مثل سوق
مفتوحة لشراء وبيع الأوراق المالية الحكومية
لامتصاص الكميات الكبيرة من أوراق النقود
المتداولة بين الناس فعندما يقوم الناس والمؤسسات
والشركات بشراء أذون الخزانة مثلاً يهبط عرض
النقود والمتاح في الاقتصاد وبذلك يرتفع سعر
النقود وهو في الاساس سعر الفائدة الزائدة الذي
تؤدي بدورها إلى تخفيض الطلب خاصة على المضاربة
بالعقارات والأراضي والسلع الاستهلاكية المعمرة
والمرصودة كأصول مثل الأجهزة والسيارات والمعدات
وكذا السلع الاستثمارية يؤدي هذا الاداء إلى تخفيض
التضخم من حيث المبدأ والعكس من ذلك سوف يكون له
تأثير معاكس وهو جموح التضخم. أما تحقيق مستوى
مستهدف من أسعار الفائدة على المدى القصير وتحديد
سعر الخصم ويعني بسعر الخصم السعر الذي يقوم البنك
المركزي بتحديده اثناء اقراضه للبنوك
التجارية. هذه الطروحات النظرية تواجه صعوبات
كبيرة لأن العالم الحقيقي أكثر تعقيداً فسرعة
دوران النقود على سبيل المثال تميل إلى التباين
بطرق لايسهل توضيحها فالتحكم بكميات التداول
للنقود ورصيدها وحجمها ليست دائماً تحت سيطرة
البنك المركزي وخصوصاً اذا كان الاقتصاد يعمل
بآلية السوق مع سعر صرف محدداً وليس معوم فإنه من
اللازم أن تكون اسعار الفائدة المحلية محافظة على
اسعار الصرف عند مستواها المحدد وبالتالي يفقد
البنك المركزي الميزة الخاصة بالسيطرة على التوسع
النقدي والتضخم النقدي. ولكي يحقق البنك
المركزي هدفه من خلال أدوات السياسة النقدية
للوصول إلى مستويات متدنية ومستقرة من التضخم فقد
برزت منذ بداية التسعينات المعايير اللازمة لذلك
تمثلت بالآتي: الالتزام الواضح بتحقيق معدل
تضخم محدد ومستهدف ومعروف مداه خلال فترة زمنية
محددة. الشفافية في طرح المعلومات واعلانها
للجميع من خلال نشر بيانات صحفية تورد بها
القرارات والشكل يومي وشهري
ودوري..الخ. استقلال عمل البنك المركزي عن
الهيكل الحكومي والاداري وبترتيبات مؤسسية لضمان
اخضاعه للمسائلة عن تحقيق الهدف وبحيث يكون حراً
في السعي لتحقيق هدفه من التضخم وحتى اذا حددته
الحكومة. ولنجاح الهدف من التضخم لابد من
استخدام حزم من ادوات السياسة النقدية وادوات
السياسية الاستثمارية وأدوات السياسة المالية وهذه
الاخيرة تتمثل في اصلاح الموازنات العامة وذلك
للابقاء على موازنة المالية العامة للحكومة تحت
السيطرة وإلا فان الحكومة قد تضطر وتقوم باجبار
البنك المركزي على تمويل العجز المفرط في الموازنة
من خلال زيادة طبع النقود والتوسع النقدي كل هذه
الادوات للسياسة الاقتصادية تأخذ جميعها اتجاه
واحد ومتوازن لتحقيق الوظيفة الاقتصادية المتمثل
في تحقيق التوازنات الاقتصادية. وبالرغم من ان
التصحيح النقدي والمالي يزيد من أحتمال نجاح تثبيت
المستوى العام للاسعار فانه قد لايكون كافياً وكما
أن احتمال الفشل في الاحتفاظ بالمكاسب الأولية
المقاومة التضخم يمكن أن يكون العثرة الكبرى لعدم
التمكن من تصحيح السياسة الاقتصادية بأكملها
. باحث وزارة المالية
|
|
|
|
|
|
|
|
|
| |
| |
 |
|
 | |
|
|