النظام الفدرالي
خير ضمان للتلاحم والاستقرارعمر الشيخ

أولاً ـ مفهوم الفدرالية


ليست "الفدرالية" بكلمة عربية ومن اصل اللغة، وانما كلمة دخلت قاموس هذه اللغة وغيرها في العراق، الكردية والتركمانية والسريانية.. الخ، في فترات مختلفة، وأصبح يجري تداولها بعد انتفاضة آذار 1991 أكثر فأكثر.
وهي تترجم عادة بكلمة "الاتحاد" كأقرب عبارة لها. وهي، في الحقيقة، تعني شكلاً محدداً من اشكال الاتحاد. وعليه فهي لا تعني "التجزئة والانفصال"، كما يذهب البعض، كما لا تعني "القهر والاندماج القسري"، كما يرى البعض الآخر.
وقد تعرض مفهوم الفدرالية الى التشويه والرفض في العراق شأن الكثير من المفاهيم الأخرى، تارة بسبب الفهم الخاطئ لمحتواه وأخرى بسبب النظرات القومية الضيقة من هذه الجهة او تلك، وثالثة جراء الحساسية من الجهة السياسية التي طرحته، وأحيانا بسبب المطامع غير المشروعة لجهة ما خارج القطر، او مخاوف غير مشروعة، او مراعاة ومسايرة للمطامع غير المشروعة هذه من جهة حليفة لها.
وفي الحقيقة، فان النظام الفدرالي شكل من اشكال الأنظمة وجد لينظم حياة المجتمع، وهو يأخذ بنظر الاعتبار حل مشاكل حياتية وتناقضات يواجهها النظام (اجتماعية، اقتصادية او قومية وغيرها) من خلال إقامة كيانات ادارية ضمن إطار النظام العام.
انه نظام ينطوي في معناه على تواجد كيان واحد عام (النظام السياسي الاجتماعي) ذو خصائص متميزة، يتألف بالأساس من كيانين اداريين او أكثر، ولكل من هذه الكيانات ومكوناتها خصائصها المتميزة أيضاً، والغرض من إقامتها هو احتواء هذه الخصائص وما ينشأ عنها من مشاكل لصالح عملية تطور النظام، جزءاً وكلاً.
ومن بين القضايا او المشاكل الأكثر تعقيداًالمشاكل القومية. ولما كان أبناء القومية الواحدة يعيشون عادة على ارض يسكنونها (ارض آبائهم وأجدادهم)، ولذا فان حلّ مشكلتهم في النظام الفدرالي يتخذ شكلاً ادارياً أيضا، شأن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، وشكلا جغرافياً.
وهذا الأمر لا يتعلق بأشخاص او جماعات من ذات القومية تهجّر او ترحل بسبب ظروف وعوامل مختلفة الى منطقة سكنية لقومية أخرى وتندمج في حياتهاالمعيشية مع أبناء هذه القومية، وفي الغالب في مناطق سكنية مختلفة وعديدة.
ان النظام الفدرالي هو نظام ديمقراطي بالأساس يرتكز على ادراك حقيقة الخصائص المتعلقة بالأجزاء المكونة له ورعايتها والاعتراف بالحقوق الديمقراطية لمكوناته وتوفير مستلزمات ممارسة هذه الحقوق، لا في ظرف تاريخي محدد فقط وانما تطوير إمكانية هذه الممارسة تبعاً لتطور الواقع. إنه وسيلة لاطلاق العنان للطاقات والامكانيات المتوفرة في كل جزء من أجزاء النظام العام بهدف تطوير الشعب وتقدمه.
واذا كان النظام الفدرالي قد وجد لحل مشكلة هذا الجزء او ذاك، كأن يكون الجزء قومية ما، فعملية الحل تخص الجزء ومصلحته وهي تخص الشعب كله ومن مصلحته أيضاً.
ان قوة ونمو ورفاهية شعب أي بلد هي من قوة ونمو ورفاهية كل جزء من أجزائه والعكس صحيح أيضاً.
فليس من مصلحة الكل ولا من مصلحة الجزء تجزئة البلاد، ولذا فان انفصال أي شعب او قومية (الجزء)، رغم ما له من حق في تقرير المصير بما فيه الانفصال، هو ليس من مصلحته اذا ما روعيت حقاً مستلزمات إقامة النظام الفدرالي وديمومته، وانما يلحق به الضرر أكثر مما يلحق الضرر بالكل. فبسبب من محدودية رقعة أرض هذا الشعب لوحده (الجزء)، ومحدودية عدد سكانه وموارده الطبيعية وطاقاته البشرية وإمكانياته المالية نسبيا،ً فهو اضعف قدرة من قدرة النظام ككل على درء مخاطر أي عدوان خارجي محتمل وتجاوزاته، واقل قدرة، ان لم نقل عاجزاً، في اكثر الأحيان عن إقامة المشاريع الاقتصادية الضخمة ذات التأثير المحوري الفعال على كامل التطور الاقتصادي وتسريعه في البلاد، وبالتالي على وضعه ودوره السياسي والاجتماعي في مختلف مجالات الحياة.
وعندما توضع العراقيل امام تطور أي جزء ومساره، بحجب حقوقه الديمقراطية وممارستها، او من جراء التمايز والاضطهاد، وهو ما يجري عادةً من قبل الفئات الحاكمة ذات المصالح الضيقة في البلاد باسم الاكثرية قسراً، تبدأ النزاعات وتستفحل، وبالتالي يتعثر ويتعرقل مسار سائر الأجزاء وتطورها، ما يلحق الضرر بالشعب بأسره.
ومن هنا، بقدر ما يجري الاخلال بالديمقراطية تنشأ النزاعات وتحتدم الصراعات ويجري افراغ النظام الفدرالي من محتواه الحقيقي، ويصبح جسراً للتجزئة والانفصال. وبقدر ما يجري احترام الحقوق الديمقراطية تتعزز روح الاخاء والتعاون بين مكونات النظام وأجزائه ويعم التآلف والمحبة ويتطور الكل ويتم اشباع النظام الفدرالي بمحتواه، فيصبح طريقاً لمزيد من التلاحم والاستقرار والنمو. فهو نظام يرتكز على الاتحاد الاختياري الحرّ الواعي، بعيداً عن القسر والاستبداد.
لقد سلكت شعوب بلدان عديدة، وقبل عقود وعقود، سبل إقامة الانظمة الفدرالية لحل مشاكل واجهتها في مسيرتها، منها قومية وأخرى اجتماعية وغيرها اقتصادية.. الخ ( سويسرا،الاتحاد السوفياتي سابقا، الولايات المتحدة، المانيا، الهند، السويد، البرازيل، دولة الامارات العربية المتحدة.. وغيرها). واحرزت غالبيتها الساحقة نجاحات باهرة في مسيرتها.
وفي ما يتعلق بالمسألة القومية، هناك انظمة احرزت نجاحات ملموسة واتسم مسارها بالديمومة والتقدم في حل المسألة القومية لحد اليوم (سويسرا، مثلاً) بسبب حرصها على مستلزمات إقامة وديمومة النظام الفدرالي. وواجه غيرها (الاتحاد السوفياتي السابق) مصاعب واخفاقات، وحتى الفشل في هذا المجال، بالارتباط مع اخفاقات في مجالات الاخرى، وذلك بسبب الاخلال بمستلزمات ومحتوى النظام الفدرالي وتطوره.
ودرءاً لمخاطر الاخلال بمستلزمات وجود وديمومة النظام الفدرالي، يمكن تطوير آليات ديمقراطية لا تتعلق فقط بمؤسسات وسلطات النظام العام المركزية وتوزيعها (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، ولا بتلك التي تفرضها المصالح المشتركة العامة، كالدفاع والخارجية والمشاريع الاقتصادية الضخمة والمالية وحدودها، وبالخطوط العامة لما تتطلبه المصالح العامة في المجالات الاخرى والتي لاتتعارض مع المصالح الخاصة وبالحقوق الديمقراطية والمعترف بها عالميا، وانما بالسلطات المتنوعة الخاصة بالاجزاء ومؤسساتها وصلاحياتها ايضاً والعلاقة بينها. ويدوّن كل ذلك في الدساتير والقوانين مع الاخذ بنظر الاعتبار توفير ضمانات تطبيقها.
وعند الاخلال بهذه المستلزمات واستفحال التمايز والاضطهاد والعنف تنشأ وتتطور حالات انعدام الثقة الى حدّ تعذر التعايش وعرقلة مسار البلاد، ويؤدي الوضع الى الانفصام والانفصال كحلّ لامناص منه او يكاد.
وحالة الانفصام هذه تدوم حتى تعود الثقة، وتنشأ علاقات طبيعية وتتعزز نحو الاتحاد على اسس سليمة.
ان الاتحاد ميل تاريخي (موضوعي)، وخاصة في عصرنا الراهن حيث تتطور حياة المجتمعات في مجرى متناقض. فمن جهة تتشابك المصالح وتترابط في مجالات الحياة المختلفة، ويتطلب الامر التقارب والوحدة. ومن جهة اخرى، تتطور الخصائص المميزة اكثر، مما يستوجب مزيداً من اللامركزية في بعض جوانب الحياة.
وتنقسم جميع بلدان العالم الى ادارات وولايات، ولكن انظمة هذه البلدان لا يطلق عليها النظام الفدرالي.
 
ثانياً ـ واقع المجتمع العراقي
من ناحية المكونات
ان العراق بلد يتميز بالتعددية القومية والقبلية والدينية والمذهبية والطائفية، وغيرها. وهكذا كان منذ ان نشأت الدولة العراقية الحديثة بعد الحرب العالمية الاولى رغم بعض التغيرات التي طرأت عليها. ولكل من هذه المكونات خصائصها المميزة. وغالباً ما يجد المرء التعددية ايضاً في الواحدة من هذه المكونات، ولكل منها خصائص مميزة ايضاً.
وما هو جدير بالملاحظة ان لكل من المكونات او بعضها مثيلات في البلدان المجاورة للعراق، ولا تستطيع الحدود المرسومة وأساليب القهر ان تحول دون روابطها الطبيعية والمشروعة ببعضها البعض (قومية كانت أم قبلية، دينية كانت ام مذهبية ام غيرها)، بصرف النظر عن عمق هذه الرابطة او تلك، او شكلها وديمومتها.
واذا كان ابناء الشعب العراقي يجمعهم انتماؤهم الوطني فإن ذلك لا يتناقض مع الانتماء القومي او القبلي او الديني او المذهبي..الخ. والامر الصحي والسليم هو احترام كل هذه الانتماءات والاعتزاز بها بعيداً عن أية ردود فعل لاساءات واستفزازات صدرت او قد تصدر هنا وهناك.
وفي حين لا تصح المبالغة في بعض هذه الخصائص او تلك، كذلك لايصح اهمالها  وتجاهلها ايضاً، بل من الضروري ازالة الغبن التاريخي وتوفير كل المستلزمات لممارسة المكونات لحقوقها الديمقراطية.
كما لا يصح النظر الى هذه الخصائص جميعاً نظرة واحدة من حيث طبيعتها وعلاقتها بحياة المجتمع وتطورها، ولايصح وضع حلّ واحد لكل هذه الحالات لما يمكن ان ينجم الضرر بمصالح الشعب ومكوناته.
فهناك انتماءات تتعلق بالفكر والقناعة الشخصية او الايمان، ويمكن للمرء ان يغير موقعه وانتماءه رغم قدسية هذا الانتماء، وذلك في لحظة تغير قناعاته ووفقاً لارادته. ولكن الامر ليس كذلك بالنسبة الى الانتماء القومي. ومن هنا تتأتى تعقيدات المشاكل القومية.
فالانتماء القومي لا يتعلق بارادة الفرد وقناعاته، ولا بسجلات دوائر الدولة والمراسيم الحكومية. فللقومية خصائص مميزة، والتغيرات التي تطرأ على القوميات تتم في مجرى التطور التاريخي وفي فترات زمنية طويلة، ولأجيال واجيال من المعاشرة اليومية المستمرة والتزاوج والاندماج وبتأثير عوامل  عديدة وظروف مختلفة. فالطفل يولد لأبوين من قومية معينة في دياره وعلى ارض ابائه واجداده، ويتعلم لغة الابوين ويترعرع ويكبر ويندمج بالحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. ولغته هذه هي اداة التفاهم والمعاشرة. وجراء ذلك تنشأ خصائص معينة. واحياناً تكون للبيئة السكنية والجغرافية خصائصها، وهي تجد انعكاسها ومؤثراتها على المواطنين وان كانت ضئيلة وبمديات زمنية طويلة. ولما كان ابناء هذه القومية لا يعيشون في فراغ وانما على ارض سكنية محددة، يترتب على ذلك تنظيم الحياة في ادارات ومؤسسات في هذه البقعة لرعاية الحقوق الديمقراطية التي تتطلبها هذه الخصوصية والحياة الطبيعية وممارسة الواجبات الاجتماعية مادام المواطنون يظلون في ديارهم.
وهذا لايعني ان الصورة تبقى دون تغيير وتنسحب في حلّ المشكلة على ابناء ذات القومية عندما يرحلون وينتقلون من ديارهم لأسباب وعوامل شتى ويعيشون في منطقة قومية اخرى، وفي الغالب يتعلمون لغة هذه القومية الجديدة ويمارسون الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ويندمجون مع ابنائها في سائر مرافق الحياة والعمل، وتتم معاشرتهم باللغة الجديدة. وهكذا شأن من يولدون من اطفال المرحلين والمنتقلين في هذه الديار الجديدة  الذين يعيشون فيها. واذا ما نشأت مشاكل محددة في هذا التواجد بسبب نسبتهم الى عدد السكان والعلاقات الاجتماعية، فيتم حلها باشكال مختلفة لاتؤثر سلباً على الحياة الطبيعية للسكان كلهم.
وفي ذات الوقت لايمكن النظر الى الخصوصية القومية على نحو يماثل الخصوصية التي توجد بين المحافظات.
ثالثاً - مواقف القوى السياسية العراقية
من الفدرالية
 
في تاريخ شعبنا العراقي، وخاصة بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958،استخدم هذا المصطلح من قبل بعض القوى الوطنية وفي المقدمة الحزب الشيوعي العراقي بشكل واسع في البيانات والمقالات والتظاهرات الجماهيرية الواسعة تحت مسمى "الاتحاد الفدرالي"، للتعبير عن مطلب اقامة شكل العلاقة (الادارية ـ السياسية) بين الجمهوريتين العراقية والسورية، او العراقية مع الجمهورية العربية المتحدة. وبالرغم من ان طابع ما كان مطروحاً هو اداري ـ سياسي، فقد كان الهدف منه هو السير في طريق معالجة مسألة القومية العربية مع احترام خصوصية كل بلد.
ولكن الشعار جوبه بالرفض من قبل أوساط قومية عربية مخلصة وأخرى غير قومية أصلاً،طالبت بالوحدة الاندماجية الفورية. فضاعت فرصة تاريخية في تحقيق الاتحاد الفدرالي، ونشأت مصاعب في توحيد الصف الوطني، علماً ان بعض الأوساط القومية لم تستطع وهي في الحكم حتى تحقيق أمنية التضامن. وهذا ما يؤسف له، دع عنك ما أصاب شكل العلاقة بين البلدين الوحدة الاندماجية من فشل.
كما استخدم المصطلح بالاقتران مع النظام في العراق وحده وعلى نطاق أضيق تحت مسمى "الاتحاد الفدرالي" او "النظام الفدرالي في العراق"، وهو يقرن بمواصفات أخرى (الديموقراطي، التعددي، الموحد..الخ) كحل للمسألة القومية الكردية في العراق، لما كانت قضية هذه القومية تتسم بالتعقيد والتأزم، وفي أكثر من مناسبة.
ان شعار "النظام الفدرالي في العراق" ليس بشعار جديد في أجندة بعض الأحزاب الوطنية، ومنها الحزب الشيوعي العراقي. وغالباً ماكان الحزب يطرحه على شكل "حق تقرير المصير"او "حق تقرير المصير بما فيه حق الانفصال"
ومن ضمن الأهداف الستراتيجية المرحلية. وهو حق للشعب في تقرير مصيره فيما يتعلق باختيار شكل العلاقة مع شعوب البلدان التي يسكنها أكثر من شعب واحد، سواءً كان ذلك على شكل اتحاد فدرالي او كونفدرالي او الانفصال او غيره. وهو الشعار الذي يعزز الثقة بين شعوب البلد المعني ويخلق الأجواء الصحية لاتحاد اختياري وللتلاحم والاستقرار.
اما اليوم فقد اصبح الشعار يطرح لا كشعار للدعاية او التحريك وانما كشعار للعمل والنضال لتنفيذه وتحويله الى واقع ملموس.
ولم يكن هذا يعني في طروحات الحزب الشيوعي العراقي تجاهل حقوق القوميات الاخرى، كالتركمان والكلدان او الكلدواشور، وحتى الأرمن في حينه. اذ كان يجري التأكيد دوماً على المساواة التامة في الحقوق، او الغاء التمييز بين القوميات والاقليات القومية، او الحقوق الثقافية والادارية، تبعاً لتبلور القضية ونضجها ووفقاً للظرف الملموس وتوازن القوى.
وبعد انتفاضة اذار عام 1991، وجدت قيادة الحزب الشيوعي بأن الوقت قد حان لطرح شعار النظام الفدرالي شعاراً للعمل. وفي اول اجتماع للجنة المركزية للحزب تم اقرار النظام الفدرالي للعراق، وبموازاته اقرار شعار تطوير منظمة اقليم كردستان للحزب الى حزب يتمتع بصلاحيات كاملة في شؤون كردستان العراق.
وبدأت قيادة الحزب بطرح الشعار في اطر تنظيمية داخلية لبحثه ومناقشته بانتظار اقراره في اول مؤتمر وطني عام للحزب باعتباره صاحب القرار النهائي.
وقد طرح الشعار في وقت لاحق في المجلس الوطني الكردستاني (البرلمان) لاقليم كردستان العراق، واقر تبنيه، ما اعطى الشعار بعداً علنياً. ولقي هذا الشعار الترحيب والتأييد من الحزب الشيوعي العراقي ببيان صدر من المكتب السياسي للجنته المركزية آنذاك، حتى قبل اقراره من المؤتمر الوطني الخامس للحزب عام 1993. ومن الملاحظ ان الشعار طرح في برلمان اقليم كردستان للتصويت عليه وأقر دون أي بحث او نقاش يذكر حول محتواه واطاره وكيفية تحقيقه.
ولم يمض وقت طويل حتى تأسس "المؤتمر الوطني العراقي الموحد" في صلاح الدين، وضم  ممثلي العديد من القوى السياسية المعارضة ان لم نقل اكثريتها الساحقة. وتبنى  شعار النظام الفدرالي في اجتماعاته، وادرج الشعار في برنامجه دون الخوض في النقاشات او الاتفاق على محتوى الشعار واطاره وما يتعلق بكيفية تحقيقه ايضاً. وربما كان ذلك بدافع تجنب اثارة ما يمكن اثارته من خلافات وما يمكن ان يخلق المتاعب والعراقيل امام توحيد الصف للاطاحة بنظام صدام.
كما أقر الشعار ايضاً في مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في نهاية 2002 حيث صدر بيان تضمن الشعار. وأقرّ ايضاً في مجلس الحكم الانتقالي، الذي تشكل بعد انهيار النظام، بعيداً عن البحث والنقاش.
ولذا لم يكن أمر التراجع عن الشعار من قبل البعض بعد اقراره وفي كل مرة مستغرباً. كما لم يكن تفسيره من منطلقات مختلفة من الاخرين، وحتى إفراغه من محتواه الحقيقي، بأمر مستغرب ايضاً، علماً ان الشعار يعبر بصدق عن مصالح الشعب العراقي بأسره بما فيه الشعب الكردي اذا ما احسن فهمه وتطبيقه.
لقد وجدت كثرة من شعوب بلدان العالم في النظام الفدرالي خير سبيل لحل مشاكل معقدة واجهتها واحرز العديد منها ايضاً، ان لم نقل اكثريتها الساحقة، نجاحات باهرة.
اننا بحاجة الى دراسة تجارب الشعوب في هذا المجال قدر المستطاع، بايجابياتها وسلبياتها، والى دراسة ابحاث وطروحات يستحق كتابها كل تقدير. وهذا يتطلب عدم الانفتاح على تجربة واحدة فقط والانغلاق امام غيرها. كما يتطلب تجنب الرفض الاعمى. وفي ذات الوقت، فان الاستنساخ والاستيراد أمران غالباً ما يؤديان الى اخفاقات.
فالنظام الفدرالي امر يرتبط قبل كل شيء بواقع حياة المجتمع وبمجرى تطوره التاريخي.
رابعاً - مجرى التطور التاريخي
لواقع المجتمع العراقي
رسمت خارطة الدولة العراقية الحديثة، شأن سائر دول المنطقة، بعد الحرب العالمية الاولى. وهي لا تزال تحتفظ بذات الخارطة او تكاد. رسمت هذه الخارطة دون ارادة شعوبها ومكونات هذه الشعوب، بعيداً عن الاخذ بنظر الاعتبار مصالحها الاساسية ومصالح هذه المكونات. ورسمت بالاساس انطلاقاً من ارادة ومصالح الدول الكبرى المنتصرة في الحرب (بريطانيا العظمى، فرنسا..الخ) عبر المساومات متعددة الاطراف ووفقاً لمبدأ تقسيم مناطق النفوذ. وكانت هذه الدول هي التي تتحكم بمقدرات العالم آنذاك.
وجرى تجاهل الوعود التي قطعت للعرب بتكوين الدولة العربية الكبرى ابان الحرب وقبلها. كما جرى التراجع عن الوعود التي قطعت للكرد والتي وجدت التعبير عنها في معاهدة سايكس بيكو وسيفر وبنود ميثاق عصبة الامم حولها، بالرغم من مشروعية طموح كل من الامتين العربية والكردية في التحرر والوحدة.
وأصبح العراق من حصة بريطانيا التي سبق ان احتلته بمكياج "المحرر" لا "الفاتح". وظلت هي الدولة المهيمنة على مقدرات البلاد حتى بعد اقرار عصبة الامم باستقلال العراق وسيادته. وكانت صاحبة وعود جديدة للكرد والاشوريين بعد تكوين الدولة العراقية ايضاً، دون ان ترى هذه الوعود النور.
ان المشاكل التي كانت تواجه شعوب المنطقة، وخاصة الشعب العراقي، وما يتعلق بالتعددية، لم تجد لها الحل برسم خارطة البلاد، كما لم تجد لها الحل طيلة تواجد الدولة العراقية الحديثة هذه، بل اتخذت هذه المشاكل وسيلة لاثارة التناقضات وتشديد الصراعات من اجل ضمان الهيمنة البريطانية وديمومتها متى تطلب الامر ذلك، وفي مقدمتها المشكلة القومية والكردية بالذات.
وكانت المعاناة الناجمة عن حلول هذه المشاكل تتأرجح بين المد والجزر، ولكن المحصلة النهائية هو ما نشهده اليوم. وقد تعقدت على مسرح الحياة وهي تشغل بال الجميع ويجري الرهان عليها.
ومهما قيل عن الاسباب الداخلية لهذا التعقيد، ودور الفئات الحاكمة ومصالحها في هذه البلدان، وغياب الديمقراطية، وهي امور صحيحة، فان لبناتها الاولى هي من صنع الدول الاستعمارية الكبرى، ومصدرها الاساسي هو التدخل الاجنبي المباشر وغير المباشر. والخارطة التي رسمت انبثقت منها تدخلات جديدة تتمثل بتدخلات الدول الاقليمية في شؤون العراق ايضاً، علماً ان التدخلات الدولية لم تكن غائبة عن الحضور بشكل مباشر او غير مباشر، وحتى يومنا هذا.
خامساً - العلاقات بين مكونات الشعب العراقي
خلال العقود الماضية ومنذ نشوء الدولة العراقية تعززت الروابط بين مكونات الشعب العراقي موضوعياً من النواحي الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية بفعل عوامل ومؤثرات مختلفة. ولكن نهج الانظمة غالباً ما كان يتسم بالتمييز والاضطهاد، وانكار الحقوق الديمقراطية، مما ادى الى تعقيد العلاقات القومية والطائفية، وبشكل خاص في ظل النظام العنصري الطائفي المنهار، وفي ظل صمت دولي واقليمي مقرون بالدعم احياناً، مما عرض الوحدة الوطنية الى مخاطر جدية.
حصيلة معاناة المكونات والحلول
تعرض المجتمع العراقي الى التشوه فيما يتعلق بالتركيب السكاني والنفسي والاجتماعي وفي المجالات الاخرى، وخاصة في عهد نظام صدام. وتولدت معاناة قاسية معروفة جراء ذلك. ومن اجل معالجة ما يتعلق بمكونات الشعب لابد من معطيات اساسية دقيقة وميدانية وتاريخية.
وتعتبر القضايا القومية من بين اكثر المشاكل المطروحة تعقيداً، وفي مقدمتها الكردية التي التهبت اكثر من مرة وتعرضت جراءها الوحدة الوطنية الى الخطر.
القضية الكردية
شهد تاريخ العراق الجديد مفاوضات واتفاقيات مع الحكومات المركزية بهذا الصدد، وصدرت قرارات ايجابية وتحققت مكاسب قومية في بعض الفترات. وسرعان ما كانت هذه المكاسب تسلب مع تغير الظروف وتوازن القوى، مما بعث اليأس لدى الشعب الكردي في امكان تحقيق الحقوق القومية المشروعة على شاكلة التجارب الماضية.
وقد كانت حصيلة المعاناة في مشاعر الشعب الكردي معروفة، جراء استخدام الاسلحة الكيمياوية وزرع الالغام وحملات الانفال السيئة الصيت وتدمير القرى والتهجير والتعريب والقبور الجماعية. والاخطر من كل ذلك هو ما رافق هذه الممارسات من حملات تضليل اعلامية واسعة متواصلة، وتنفيذها بواجهات عسكرية عربية، وفي ظل صمت عربي وحملات دعائية عربية من اوساط ثقافية وسياسية دفاعاً عن نظام صدام ونهجه تتواصل حتى يومنا هذا. علماً ان الجيل الجديد من الشباب لم يتعرف على المشاعر الحقيقية للجماهير العربية في العراق ونضالات القوى الوطنية دفاعاً عن الحقوق القومية الكردية في العهود الماضية. وترك كل هذا التي امتدت لاكثر من عقد اثاراً سلبية مؤلمة، وخلق مشاعر انعزالية لدى الجيل الجديد.
وفي فترة انتفاضة اذار 1991 ، عندما تحررت مناطق واسعة من هيمنة النظام وبصرف النظر عن الثغرات والسلبيات في التجربة، عاشت الجماهير بشكل عام حياة استقرار، حيث البرلمان والحريات النسبية والتحسن النسبي في اعادة بناء القرى والحياة المعيشية، مما خلق لديها هاجس الخوف من ضياعها حتى في ظل النظام الفدرالي. و هو ما يجعلها تنظر الى شعار الفدرالية ايضاً بنوع من القلق وعدم الرضا، ولو بدرجات متفاوتة.
ان جهود الاحزاب الكردستانية وقادتها، وتأكيداتها المستمرة على الوحدة الوطنية ضمن اطار النظام الفدرالي، قد اثمرت. كما ان تبني مجلس الحكم وقوى وطنية عربية خارج المجلس لهذا الموقف هو الآخر شيء ايجابي جيد.
ومن هنا فان خير حل لمعالجة المسألة الكردية في العراق هو اقامة نظام وطني ديمقراطي فدرالي. وهذا يتطلب:
1-
الادراك السليم لمحتوى الشعار.
2-
الاتفاق من منطلق التوافق على ما هو مركزي فيما يتعلق بالسلطات والصلاحيات والحقوق، بما فيها المالية.
3-
الاقرار بالخصوصية وما يتعلق بها من سلطات وصلاحيات.
4-
وفي مجال التطبيق ستواجهنا قضايا مختلفة:
أ - ارجاع اللاجئين والمرحلين قسراً الى ديارهم، آخذين بنظر الاعتبار الحرية في العودة وتوفير مستلزماتها وحل المشاكل التي تواجهنا بالتوافق.
ب - تحديد مشاكل الحدود بالاعتماد على اسس سليمة، ادارية - جغرافية - اجتماعية واقتصادية.. واحترام ارادة الجماهير ومصالحها من خلال البحث والنقاش والتثقيف ومن ثم الاستفتاء.
إن اهم اساس للحل والتفاهم هو الروحية في النظر الى ىالمشاكل والتعامل معها. وليس من الصعب التوصل حتى الى حلول مؤقتة، مع تطوير حلول مستقبلية تدريجياً، يرافقها الجهد التثقيفي والمساعدات المادية.
ولابد هنا من الاشارة الى قضية القوميتين التركمان والكلدو اشور، والتي تأتي في المرتبة الثانية من التعقيد. ان ابناء هاتين القوميتين قد اصابهم الغبن في البلاد تاريخياً. وهم عانوا معاناة ابناء الشعب الكردي حيثما تواجدوا في المناطق نفسها. وهناك بقايا نزعات قومية ضيقة لدى القوميات القاطنة معاً. واعقد ما في الامر هو ما تعانيه من تبعثر وتشتت، في مدن ومناطق مختلفة.
ان الاقرار بالمساواة في الحقوق او بالحقوق الثقافية والادارية يتطلب دراسة دقيقة وتطبيقاً متسماً بروح الاخاء القومي. ومن الجدير بالذكر ان ابناء القوميتين قد نالوا بعض حقوقهم من الحرية، وشارك الاشوريون في البرلمان الكردستاني في ظل ادارة اقليم كردستان. لكن ما تحقق لم يكن بمستوى حل المشكلة جذرياً، ويتطلب الامر الدراسة المشتركة بروحية الشعور بالمسؤولية وباهتمام اكثر من اجل رفع الغبن كليا عن القوميتين.