الليبيون القدماء عاشوا بثقافة فينيقية خلال العصر الروماني واستخدموا لغتها وكتبوها بالأحرف اللاتينية تأثراً بالرومان

هل ستحظى ثروة ليبيا الأثرية بالقدر نفسه من الاهتمام الخارجي بمواردها النفطية؟

طرابلس: نزار عبود
ليبيا، التي ظلت غائبة عن أذهان كثيرين لعقود عديدة، تنفض هذه الأيام الغبار عن شوارعها ومبانيها تأهباً لاستقبال الزائرين الآتين للبحث في دولة المليوني كيلومتر مربع عن كنوز أثرية وعجائب نادرة حفظتها منذ آلاف السنين. فأرض ليبيا تخفي حضارات الانسان الأول الذي سكن الكهف وأوقد النار، ورسم ذاكرته على الجدران الصخرية. كما تكشف حينا، وتخفي أحيانا حضارة الانسان الذي علم الحرف، واعتنق الديانات، وبنى الحصون والقلاع والقصور فضلا عن المساكن.
وهذه الأرض الشاسعة القريبة من ساحل أوروبا الجنوبي غنية بكنوز أثرية لا تقل أهمية، بل تتجاوز قيمة كنوزها النفطية. واذا كانت مشاريع التنقيب عن النفط والغاز هي الغنيمة التي تترقبها الشركات المتحفزة لدخول ليبيا، فإن المشاريع السياحية التي قد تقوم قرب الآثار الليبية، ومشاريع التنقيب عن الآثار تمنح ليبيا وضعا مركزيا في خريطة السياحة العربية. قبل فترة قصيرة، حفر أحدهم أساساً لمسكن جديد في حي الاندلس بمدينة طرابلس ـ العاصمة الليبية التي عرفها الفينيقيون الكنعانيون بـ «ويات» او«أويا» كما يسميها البعض خطأ ـ واكتشف مصنعاً فينيقياً للفخار. الا ان مصلحة صاحب الأرض الجديد تغلبت على مصلحة صاحب المصنع الفينيقي، فارتفعت أعمدة المسكن. انها مجرد حادثة واحدة تذكر هنا على سبيل ولا ينبغي أن تتكرّر. فآثار ليبيا المتنوعة في الأعماق أكثر من تلك التي تشمخ فوق الأرض.
* رحلة مع التراث
* «الشرق الأوسط» التقت أخيراً الباحث الدكتور عبد الحفيظ الميّار، المؤرخ وأستاذ التاريخ القديم في كلية الآداب بجامعة الفاتح الليبية، وراحت معه في مشوار أضاء فصولا جديدة من دورالحضارة الفينيقية التي أنشأت موانئ على الساحل الليبي، وحولتها الى مدن رئيسية على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
الساحل الليبي المقابل لأوروبا يمتد مسافة ألفي كيلومتر، والمسافرون على المراكب التي تقترب منه يشاهدون مدنا كاملة بساحاتها، وأسواقها، ومسارحها، وأعمدتها الرخامية وشوارعها المبلطة، باقية منذ آلاف السنين. إنها في الأصل مجموعة من الموانئ التي نقلت ثقافة الفينيقيين الكنعانيين وتجارتهم الى العالم. هذه المدن تشمل لبدة (لبتيس ماغنا) وصبراتة وطرابلس، فضلا عن مدن أخرى غير فينيقية مثل شحات (سيرين أو كايريني) الإغريقية. كل هذه المدن الساحلية مدن تزاحمت الحضارات عليها، تحتل واحدة منها الأخرى أو تتكامل فوقها. ومع الابتعاد قليلا عن الساحل تأتي منطقة ما قبل الصحراء، ثم مئات الكيلومترات من الصحراء القاحلة تتخللها واحات قامت حولها القرى والمدن.
هذا التباين المناخي والجغرافي في البلاد الشاسعة أدى الى تنوع وتكامل حضاري. فلمدن الشمال حضاراتها المختلفة عما لقرى منطقتي الوسط والجنوب ومدنهما، وهذا رغم أن التفاعل بينها لم يتوقف في يوم من الأيام. ولئن كان الجنوبيون تأثروا ثقافيا بحضارات الشمال التي كانت في معظمها أجنبية، فإنهم احتفظوا بمعتقداتهم الأصلية وأضافوا إليها. وفي كثير من الحالات صاهروا بين الثقافات والديانات الوافدة، وبين دياناتهم.
الدكتور ميار يشير الى ان «على رأس الحضارات المؤثرة والفاعلة في شمال ليبيا حضارة الفينيقيين الذين قدموا من قرطاجة المجاورة في تونس، بعد صور اللبنانية. ويتابع «جاء الفينيقيون من اجل مصالح متبادلة مع السكان، وليس كمحتلين. وقد شبه هيرودوتوس تجارتهم مع تلك المنطقة بالتجارة الصامتة. فهم كانوا يأتون بسفنهم الى الشواطئ الافريقية، ويشعلون النار حتى يشاهد الأهالي الدخان، وعندها يقتربون من الشاطئ، ومن ثم يترك الفينيقيون بضائعهم على الشاطئ، ويعودون الى السفن. ويضع الأهالي ثمن البضائع بالذهب. فإذا قبلوا الثمن، أخذوا الذهب وتركوا البضائع....
... الفينيقيون اسسوا مدينة لبتيس ماغنا (لبدة) ـ واسمها الصحيح لفقي ـ في نهاية القرن السابع قبل الميلاد. وسميت باللاتيني «لبكيس». وكان المؤسسون أهالي مدينة صور الفينيقية من عبدة الاله ملك عشتارت وإله الكون أرص ـ ومن هذه الكلمة الأخيرة خرجت كلمة «أرض» ـ، وهي نفس عبادات صور، ولم يكن هذان الإلهان يُعبدان من قبل في ليبيا. حتى في المدن الليبية الأخرى مثل ويات (طرابلس) وصبراتة، لم يكن الأهالي يعبدون هذين الإلهين وهذا يدل على أن صوريي لبدة حملوا من مدينة صور ألهتهم التي لم تكن تعبد حتى في لبدة الكبرى ...
... كانت المدن الفينيقية في الأساس مراكز أو محطات تجارية ساحلية قبل أن تصبح مدناً. وقد اختاروا مواقعها في مناطق صخرية لدفن موتاهم والحفاظ عليها. واعتبر الفينيقيون القبور أماكن الراحة الأبدية. فهذا ما أشارت إليه نواويس صيدون التي نقشوا عليها: «دعوا الموتى في اماكن الراحة الأبدية انسجاما مع ايمانهم بالحياة الأخرى وإن لم تكن فكرتهم عن الحياة الأخرى واضحة. لم تكن لديهم عقيدة الحساب والعقاب على طريقة المصريين القدامى. فالإله أوزوريس المصري حارس الموتى كان يجلس بجوار الملتهمة على صورة وحش. فإذا كانت السيئات تفوق الحسنات، التهمت الملتهمة قلبه. ومن كانت حسناته أكثر، ذهب إلى الجنة.
أنجز الاكتشافات الأثرية الأولى في ليبيا الايطاليون الذين كان همهم الأول ابراز معالم الآثار الروماني للدلالة على أن الأرض كانت ايطالية في الأساس. وتجري عمليات تنقيب في ليبيا حتى الآن على ايدي فرق من جامعات ايطالية وأخرى من جامعات بريطانية وفرنسية». وحسب الدكتور الميار «العمليات مستمرة، لكنها تحتاج الى المزيد من الاهتمام والعمل في سبيل الكشف عنها، لا سيما بالنزول الى الأعماق الموجودة فيها. والكشف في المناطق التي لم تكشف حتى الآن، مثل ويات (طرابلس) هذه مدينة هامة بالنسبة للفينيقيين كميناء رئيسي».
الميّار يرى أن الايطاليين لجأوا الى تدمير بعض اللآثار الفينيقية اثناء التنقيب لمنح احتلالهم لليبيا شرعية تاريخية بتعزيز مكانة الآثار الرومانية. كما أن المدن الرومانية شيدت على بقايا مدن فينيقية كما برهنت الاكتشافات الأخيرة في لبدة وصبراتة، وبالتالي طمست الكثير من معالم المدن الفينيقية الأصلية.
وهو يعتقد أيضاً أن اجراء المزيد من الحفريات في طرابلس (ويات) سيكشف عن عمق جذور الحضارة الفينيقية الكنعانية في التاريخ الليبي. «فهذه المدينة كانت دائما مبنية ومأهولة وبالتالي لم تتح الفرص لاجراء حفريات فيها على غرار الحفريات التي اجريت في صبراتا ولبدة. ورغم هذا فإن الحضارة الفينيقية جلية في المدن الكبرى الثلاث: لبدة الكبرى وويات وصبراتا. وهذه المعالم ما زالت موجودة وظاهرة ثم انتقلت إلى أعماق ليبيا. ويرى الباحثون أن اتجاهات أبواب قوس الامبراطور الروماني ماركوس اوريليوس تمثل اتجاهات المدينة الفينيقية القديمة التي اقيمت عليها مدينة رومانية».
* الفينيقيون في الداخل
* الحضارة الفينيقية انتقلت الى الجنوب كحضارة، بصورة غير مباشرة، ليس بواسطة الفينيقيين انفسهم. فالفينيقيون لم يبنوا مستوطنات في منطقة ما دون الصحراء لحرصهم على البقاء قرب الساحل حيث التجارة البحرية. على أن سكان البلاد نقلوا حضارة الفينيقيين الى الجنوب، وتعلموا عادات الفينيقيين، واستعملوا كتاباتهم، وأطلقوا الأسماء الفينيقية على أبنائهم. وفي الداخل الليبي المزارع انشئت على الطراز الفينيقي: «أوبس افريكانوم» (المزارع المفتوحة) وهناك الكثير من هذه المزارع في منطقة وادي العمود. ويضيف الباحث والاكاديمي الليبي إن «النقوش الموجودة على أضرحة الليبيين تدل على تأثر الليبيين بالحضارة الفينيقية، فالليبيون كتبوا النقوش باللغة البونية وبالحروف الفينيقية. وكانوا يطلقون على اولادهم أسماء فينيقية مع الاحتفاظ باسم العائلة الاصلي ليبيا. ومن الأسماء التي كانت منتشرة أريشان، وحنا بعل (البعض يسميه خطأ هنيبعل)، وطابابي وغيرها. وهناك في مقبرة وادي العمود في المزرعة المفتوحة، أحد الليبيين واسمه الفينيقي مسكوان، شيد قبرا لوالده وزوجته. اسم والده يمرر بن جطيط المصلي، أما والدته زط التغلبية فألحق باسمها لقب «التغلبية»، ولعل في هذه النسبة لتغلب ـ على غرابتها ـ دليل على عمق الأصول العربية في ليبيا».
* الفينيقية ... في العصر الروماني
* مجيء الرومان لم يوقف استخدام الثقافة الفينيقية، كما تدل النقوش التي كتبت باللغة البونية بحروف لاتينية. وهذه النقوش موجودة في منطقة القصور الصحراوية، وهي منطقة الحدود الرومانية. «لقد كانت حدود الرومان ـ حسب الدكتور الميار ـ مؤلفة من الطريق الاستراتيجي الجبلي، مثل قلعة بونجيم والقريات الغربية وحصن غدامس (أقصى غرب ليبيا). فما بين قلعة بونجيم والقريات الغربية وحصن غدامس وبين الجبل أحواض الأودية. وكان فيها ما يسمى بالقصور، وهي عبارة عن مساكن خاصة بالليبيين اقيمت على غرار الحصون العسكرية المقامة في ليبيا ابتداءً من عهد الامبراطور الليبي سبتيموس سيفيروس. وفي القرن الثالث ميلادي شيدوا بعض الحصون، مثل وامس وحصن قصر زويف( قرب زنتان) وحصن بير ترسين (قرب مزدة) وحصن بوالاركان (قرب بني وليد)، وحصن زرزي (قرب قلعة بونجيم). وهذه حصون عسكرية دلت عليها النقوش اللاتينية».
ويشير الدكتور الميار الى ان الليبيين سموا منازلهم المبنية على غرار الحصون «كنتيناريوم» أو «سنتيناريوم». وهذه التسمية تعني «المئة». أما النقوش التي وجدت في المنطقة فقد قال عنها المؤرخ غوتشايلد في الخمسينات من القرن الماضي إنها مكتوبة بلغة غير معروفة. ولكن ترجمة النقوش دلتنا على أن المباني كانت بيوتاً». ثم يشرح قائلاً «الليبيون كانوا يسمونها كنتيناريوم تقليدا للرومان، ولقد نقلوا نفس التصميم والتسمية، تماما كما يسمى أحدنا اليوم منزله «فيلا» والفيلا تسمية رومانية للبيت القروي. وغوتشايلد سمى تلك البيوت «منازل المزارع المحصنة»، وهي تمثل الدور الثاني الذي جاء بعد الت«أوبس أفريكانوم» أي المزارع على النمط الفينيقي التي بناها الليبيون وكانت مفتوحة. الليبيون عاشوا بثقافة فينيقية في العصر الروماني وكتبوا الفينيقية بالأحرف اللاتينية كدليل على تأثرهم بالرومان. وأطلقوا اسماءً رومانية على اولادهم ... وهذا ما دلت عليه نقوش في مداخل القصور، مثل قصر شميخ في وادي البير».
* اللغات الفينيقية في ليبيا
* انتشرت في المدن الليبية الفينيقية الأولى اللغة البونية الدارجة التي كانت مستخدمة في قرطاجة، ثم انتشرت في المناطق المجاورة بعد تدمير قرطاجة عام 146 ق.م. ويشرح الميار ان «اللغة البونية الدارجة التي استخدمت في المدن الليبية تطورت عن اللغة الفينيقية الأم. وهي لغة قرطاجة، وكلمة «بونية» مشتقة من كلمة «بونيقي» التي اطلقها الرومان على الفينيقيين، الذين عرفهم الاغريقيون بالفينيقييين. وهي التسمية نفسها، فالحرف «بي» الروماني المشدد يحل محل الحرف «فاء» عند اليونان. ونشأت البونيقية من الاختلاط مع شعوب شمال أفريقيا ولغاتهم الأصلية. ويتابع الميار شرحه فيقول «الحروف البونية أطول من الحروف الفينيقية الأصلية، وأجمل في الكتابة، وهي بدون فواصل، الحروف والكلمات متصلة ببعضها البعض. حتى أن هناك تشابها في الحروف البونية مثل النون والتاء والدال والراء بحيث يصعب التمييز بين هذين الحرفين. ومع الزمن، تطورت الحروف من الفينيقية الى البونية ومن ثم الى البونية الجديدة».
* العبادات الليبية
* بنى الفينيقيون معبد الإله ملك عشتارت ومعبد الإله ملك شادرتفا في لبدة الكبرى وهما الإلهان الحارسان للمدينة. ويؤكد نقش بوني مكانة الإلهين في المدينة. وخلال العصر الروماني وجدت نقوش تشير الى الآلهة فينوس الرومانية وربما كانت تعبد الآلهة عشتارت تحت اسم الآلهة فينوس. ومن جهة أخرى استفاد الفينيقيون من التسامح الديني لدى الرومان. فمارسوا عباداتهم تحت اسماء الآلهة الرومانية، وهو ما يسمى عادة بالمطابقة بين الآلهة من حيث المهمة التي تختص بها كل من تلك الآلهة. فالإله ملك عشتارت كان يعبد تحت اسم الإله هرقل. والإله شادراتفا كان يعبد تحت اسم الإله ليبرباتر. وكان للإله ليبرباتر معبد في صبراتة وفي بعض الأماكن الأخرى. واستفاد الفينيقيون الليبيون من هذه المطابقة والمعادلة لممارسة عباداتهم الخاصة. لكن هذه العبادات بقيت في المدن فقط. وبالنسبة للمناطق الأخرى خارج المدن، يشرح الميار فيقول «ان القبائل لم تعترف بتلك العبادات أو تمارسها وظلت تمارس عباداتها الليبية الخاصة. فهي رفضت العبادات الدخيلة. ووصفتها بأنها الديانة الفينيقية أو الأغريقية أو المصرية التي جاءت في عصور متأخرة مثل العصر الهلنستي. ونجد مثلا آلهة مصرية في لبدة ومعابدها وفي صبراتة، وبين الآلهة المصرية إيزيس العظيمة، التي أشاد بعظمتها حتى أبوليوس، الذي تحدث في كتابه «ابولوجيا» أو الاعتذار، عن الآلهة أيزيس وعن عظمتها ودورها كأم للكل وأنها «سيدة البحار». كذلك اشاد بالآلهة تانيت وهي آلهة فينيقية. وكان كثيرون من الباحثين والكتاب يعتقدون ان تانيت كانت آلهة ليبية. لكن تشير الدلائل الى أنها آلهة فينيقية. وذكر اسمها الى جانب الإلهة عشتارت في نقش فينيقي وجد بمنطقة ساربتا (الصرفند) قريباً من مدينة صور الفينيقية يعود عهده الى القرن السابع قبل الميلاد. وفي دليل على تأثر الليبيين بآلهة الفينيقيين، ما زالت رموز الآلهة تانيت الفينيقية مستخدمة حتى يومنا هذا في ليبيا، ومنها السمكة والكف الأيسر المرفوع والعين. وما زال الناس يستخدمون هذه الرموز كتمائم لحماية الأطفال من الحسد والشر. وعن السمكة أيضا يقال بالعامية «حويتة وخميسة». لكن بوجه عام استمر الليبيون القدماء في عبادة آلهتهم لا سيما الإله آمون، وله معابده وأكبرها اثنان الأول في سيوة وآخر في أوجلة، وتنتشر معابد آمون من سيوة الى مليتا».
ويستطرد الميار فيقول «معابد آمون المنتشرة في غرب ليبيا كانت تبنيها أحيانا الأسر الغنية مثل الحداجية أو معبد المحيجيب في ترهونة، الذي بناه أحد افراد الأسر الثرية وكرسه للإله آمون، والنقوش عليه تكريسية. وللعلم النقوش عادة تكون اما تكريسية أو جنائزية للموتى. وهذا النقش في المحيجيب في ترهونة يذكر فيه شخص ليبي ثري اسمه تاكسوف إبن ماسوكان انه اقام المعبد للإله آمون، وكرس المعبد والغرف الملحقة به والأعمدة والرواق المعمد لهذا الاله. وقال في النقش ايضا إنه بني في عهد البروقنصل الروماني لوكوس أيليوس لاميا الذي تولى ولاية (برو قنصلية) شمال افريقية في عهد الامبراطور تيبيريوس (طيباريوس) خليفة الامبراطور أوغسطوس (اوكتافيوس) الذي تولى الحكم عام 14 ميلادية. وهذا النقش يقول :«رب تحت رب محنة (رئيس اركان الجيش) بسد لوبيم (بأرض الليبيين) وهذه هي التسمية الصحيحة للقبائل الليبية غير الخاضعة للسلطة الرومانية في شمال افريقيا. فلا يوجد اسم بربر أو غيره كما ورد عند الرومان في القرن الثالث والرابع ميلادي.. لكن التسمية الصحيحة هي ليبيا أو لوبيا، التي وردت عند الاغريق كما ذكرها الكاتب والمؤرخ هيرودوتوس والشاعر هوميروس وغيرهما. ووردت كلمة لوبيم في هذا النقش ...
... وتمسك الليبيون بعبادة الإله آمون وابنه من بقرة الإله غورزيل، ورمزه الثور الذي يحمل بين قرنيه قرص الشمس، وليس مثل رمز أبيه الذي يحمل قرص الشمس بين قرني الكبش. وبلغ تقديس هذا الاله في نفوس الليبيين درجة أنهم كانوا ينقلونه معهم الى ساحات الحرب. فشيخ جرنة، وهو شيخ قبيلة لواتة، احضره معه في حروب القبائل الليبية مع البيزنطيين. وشيخ جرنة هذا كان الكاهن لهذا الاله وكان في الوقت ذاته زعيم قبيلة لواتة، وزعيم اتحاد القبائل الليبية التي حاربت الرومان. وعرفنا هذا في التفاصيل من مصادر ومن ملحمة الشاعر اللاتيني كوريبوس من مواليد تونس. وشرح فيها كيف أن شيخ جرنة قتل وهو يدافع عن الهه العظيم غورزيل الذي حطمته سيوف الاعداء البيزنطيين».
من المعابد التي أقامها الليبيون هناك معبد الإله جوبيتر حامون، فالإله آمون عودل بالإله جوبيتر الروماني في قرية بونجيم، حيث القلعة العسكرية في قطاع الحدود الرومانية. وفيها معبد لحامون وآخر للإله فانامون. وفي هذه المعابد قاعات للمصلين في الداخل، وساحات للصلاة في الخارج. وهناك غرف لتوزيع اللحم المشوي، وهي إحدى الشعائر التي مارسها الليبيون الأوائل الذين كانوا ينشئون المعابد في الغابة المقدسة، مثل معبد آمون في ترهونة. وهناك معابد أخرى منتشرة في الاقليم. وعثر في منطقة زليتن على نقش يشير الى اسم الاله آمون وآلهة إسمها أبريتوبتا».
* الفينيقيون ... والقرابين
* ويذكر الدكتور الميار أن من ضمن المعابد الفينيقية المعروفة معبد التفيت، وهو عبارة عن قطعة من الأرض مسيجة ومفتوحة، لم يكن لها سقف انسجاما مع عقيدتهم القاضية بأن يقدموا الأضاحي لهذه الآلهة. وكانوا حقاً يضحّون حتى بأطفالهم، لا سيما الابن البكر وهو في سن صغيرة تقل عن السابعة، وكانت الأضاحي تقدم الى الإله بعل حامون والآلهة تانيت.
ثم يقول «كان للإله بعل حامون تمثال من البرونز بين رجليه موقد كبير للنار، وكانوا يضعون الأضحية بين يديه. كانت الامهات تأتين بأطفالهن عن طيب خاطر. وكان يتوجب على الأهلين أن يظهروا الرضى التام لكي تقبل أضحيتهم وتؤدي الغاية منها. وكان هؤلاء الأطفال المضحى بهم مقدسين. وللعلم بدأت شعيرة التضحية بالأبناء منذ الإله أل (ايل) كبير آلهة الفينيقيين في لبنان، فقد أتي بإبنه جيود والبسه لباس امراء ثم ذبحه وقدمه للآلهة في سبيل حماية مدينته بيبلوس (جبيل حالياً) ... وكانوا يقدمون الثمرة الأولى من كل شيء: أطفالهم، أو من مواليد مواشيهم أو زرعهم في سبيل الآلهة».
* قلق في محله
* كلمة أخيرة، هي ان الدكتورالميار قلق الى حد بعيد على كيفية التعاطي مع اعمال التنقيب في ليبيا، ويخشى ألا تمنح الآثار الحماية الكافية سواء من فرق التنقيب، أم من اللصوص الذين استباحوا الحضارات على مر العصور سواء في زمن الفراعنة أم اليوم. وهو لذا يناشد زيادة الرقابة من أجل الحفاظ على هذه الثروة الهائلة في بلاد تحرص على تطوير السياحة، لا سيما السياحة الثقافية.
مواضيع ذات صلة إنسخ في الذاكرة المؤقتة أرسل النص بالبريد الإلكتروني إطبـــــــع إحفظ في الأقــراص