هذا الموقع برعاية المركز الاقتصادي السـوري - برنامج تنمية الصادرات

www.seczn.com
مقالات واراء
متى يُرفع سيف الرقابة عن رِقاب العباد ؟؟؟

 تعددت جهات الرقابة المفروضة على القطاع العام في الدولة فأخُضعت إلى الجهات الوصائية المباشرة في المؤسسة ذاتها وإلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية وهيئة تفتيش الدولة، ولقد تبين من خلال الواقع أن معظم هيئات الرقابة والتفتيش تحتاج إلى من يمارس الرقابة عليها وعلى آلية عملها ؟؟؟؟ فباتت تشكل سيفاً مسلطاً على رقاب العاملين بالدولة .. وغدا الفساد مستشرياً أكثر من ذي قبل، مع الأخذ بعين الاعتبار وبأهمية كبيرة أنه كلما اتسعت دائرة الرقابة ضاق أفق نجاح الإدارة ودلَّ على فشلها في تحقيق مبررات وجودها.

إن الدور الذي تضطلع به هيئات الرقابة عموماً دور سلطوي يُمارَس بشكل مباشر على قطاعات العمل في أجهزة الدولة كافة عدا عن اتباع بعض ممن ينتمون إليها أنماط مختلفة من الكيدية وعدم الدقة والموضوعية في العمل الموكل إليهم، ولم تستطع هيئات الرقابة والتفتيش بتقارير بعثاتها والكتب المعتمدة من قبلها أن تحدّ من عمليات الفساد أو استدراك خطأ وظيفي ممكن تجنّبه عن طريق اتباعها الوقائية كسبيل لتخفيض الأخطاء المرتكبة، فازدادت العطايا مقابل إخفاء الخطايا .. فأمسى الفاسد يسرع ليتدبر أمره كالبرق ويخترق القانون بسهم الوساطات الرامية إلى إخراجه من المأزق الكبير .. والرقابة غائبة، وكل الممارسات تتجاوز ما شرّع وسُنَّ وما قيل عن ضرورة المحاسبة والتقيد بما تعتمده تقارير الرقابة وبعثاتها التفتيشية .. وهنا لابد لنا أن نسأل : أين الإلزام حين يحتاج الأمر إلى صفة الإلزام وأين المصلحة المغيبة للعامل في الدفاع عن حقه أو التظلم مما لحقه من ظلم .. ؟؟ 

هناك من يقول إن هيئات الرقابة لا يتطلب عملها إنهاء حالات الفساد المستشرية في المؤسسات .. ونسأل لماذا إذن وُجدت وسلّطت سيوفها على رقاب العباد ؟ !!

ما زلنا ندور في حلقة مفرغة ونحن ندعو لإلغاء سلطات الرقابة المبالغ فيها حتى عاد الصدى مفرغاً من أية استجابة ، وباتت هيئات الرقابة تمارس عملها كأية سلطة قضائية وليس للأهداف المنصوص عنها في قوانين تشكيلها ..

في الأمس القريب استبشرنا خيراً بإلغاء محاكم الأمن الاقتصادي وباتت الحاجة أكثر إلحاحاً من البارحة في استكمال هذه الخطوة الإيجابية إلى تعديل السلطة الممنوحة إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ، واعتبارها هيئة رقابة وليست هيئة تحقيق، وأن تقتصر مهمتها على كشف الخطأ وتصحيحه قبل أو أثناء وقوعه .. فماذا تفعل الرقابة الداخلية إذن ؟ وما هي نقطة البدء بمهام بعثات التفتيش ؟؟ هل ننتظر إلى أن يُكشف الخطأ وعلى الملأ حتى ندعو للتقصّي والاستيضاح والتحقيق في حين يقوم الفاعل الحقيقي أو المسبّب بتدبير وسائط إبعاده عن المدى المنظور والتخفي حتى عن التلسكوب الرقابي الذي لا يقدر على تبيان دوره الفعلي والإرادي بما جرى .

 باختصار .. تشغل الرقابة الداخلية أحد احتمالين أو كليهما : 

فهي إما انعكاس لبعبع الهيئة المركزية .. مسلّط كتلك، وبالتالي تكون تابعة لها في كل ما يصدر عنها، وفي وجودها الهامشي دليل على فقرها للقوة في حمل روح القانون لا شكله، وفي الدلالات والمؤشرات التي تعمل على تطبيقها وفق القانون في المؤسسة التي تنتمي أولاً وآخراً إليها .. أو أن تكون غائبة عما يُرتكب من أخطاء جسيمة تنخر في جسد الإدارة والاقتصاد نخراً مهلكاً ..... فتلاحق الأخطاء بعد أن يقع المحظور .. فلا تعبّر عن جدية وضرورة وجودها لتستبق وقوع الفعل وتقي المؤسسات من خطر لاحق، وإن فعلت فهي تمسك بخيوط واهنة تعود لأسماك السردين بينما الحيتان ينعمون بظل محكم لا يسلط عليهم ضوء لا من فوق السطح ولا من أسفل القاع  ..

لقد أوضحت التوجيهات السياسية مذ أطلقت مسيرة التطوير والتحديث ومن بين الأهداف المراد الوصول إليها الرقابة والمحاسبة مبدآن أساسيان في العمل ... ولكن للأسف تعددت الجهات الوصائية والرقابية والتفتيشية والتحقيقية وكادت تنتفي من الوجود نتائج عملها المفترض أن يكون على مستوى عالي من المسؤولية ليتم تحقيق أسباب وجودها ، وانعدمت آليات العمل الجديدة والمرنة وهي أحوج ما تكون إليها واستمرت تعمل بأساليب عفا عليها الزمن ..

وفقاً لدستور الجمهورية العربية السورية .. يُعتبر كل متهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي مبرم .. وهنا لابد من القول إن ما ينطبق على المحاكم الاقتصادية التي ألُغيت وباتت من الماضي الذي لا نحبّذ استذكاره .. ينطبق على هذه الهيئات الرقابية السلطوية والمُفرَغَة حقيقة وواقعاً من أهداف وجودها .

إن التوصيات التي تصدر عن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش تأخذ طابع القرارات الإعدادية القضائية الملزمة فإلى متى يستمر هذا الحال ؟ ( ونشدد هنا على كلمة ملزمة ) فهل توافرت الموضوعية والحيادية أساساً وكقاعدة لعمل المفتشين ؟؟ وهل خرجت آلية انتقائهم عن النمطية القاهرة لما هو مُتّبع في أروقة المسابقات التي تُجرى لانتقاء الفائز بشرف الانتساب إلى هيئة كتلك ؟؟؟ وهل تتوفر في كوادرها الخبرات المؤهلة تأهيلاً كافياً يمكّنهم من تولي مهامهم الدقيقة والمعقدة فتشرف الرقابة على حسن تنفيذ الخطط الاقتصادية والمشاريع الإنمائية والخطط الإدارية والإنتاجية والإنفاق العام والعمال ؟؟؟ وهل ابتعدت بمضمون عملها وشكله عن دور المفتش القضائي إلى مهمة الإشراف المباشر لهذه المهام ؟؟  

وبعدُ .. فنحن لا نملك إلا الدعوة لاستكمال الدرب الذي بدأنا نخطو منذ أمد قريب .. لكيلا نضيّع الخطى وننسى إيجابيات خُلقت، لنضيف إلى الحلقات الموجودة حلقة قوة لا ضعف .. لتتماسك بقية الحلقات وتصنع ما كنا نحلم به ..        

نضال كرم      

 


نشر بتاريخ :2004-03-06
This Site Is Powered By Innovative Systems www.innosys.org