غير أنّ إضاءة هذا المفهوم الجديد تبقى ناقصة إذا لم نتحدث عن اللغة: مفهومها ودورها في الكتابة عموماً وفي الكتابة الروائية الجديدة خصوصاً، ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي لغة الرّواية القادمة؟ وهل اللغة بمفهومها المستقر في الأذهان قادرة على حمل هذه الرّواية، أم أنها بحاجة إلى لغة أخرى جديدة ومختلفة وتتساوق مع العصـر الرقمي الذي ولدت من رحمه الرواية الجديدة؟؟
للإجابة على هذه الأسئلة لا بدّ من التعريج أولاً ولو بشكل سريع على مفهوم اللغة ... دورها وأسباب وجودها.
اللغة في الأصل مجموعة من الأصوات يستخدمها الكائن للتعبير عن حاجاته الأساسية، والتواصل مع الآخرين لنيل هذه الحاجات. يقول ابن جني في كتابه الخصائص "إن اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ".1/33
وهذا يعني أنّ اللغة ظاهرة صوتية ذات أهداف اجتماعية، ويؤيد هذا القول ما ذهب إليه العالم اللغوي فندريس في كتابه "اللغة" الذي اعتبر أنّ اللغة "مجموعة من العلامات والرموز الصوتية".ص32
أمّا عن نشأة اللغة فهناك قولان الأول يرى أنّ اللغة من الخالق علمها للإنسان ويحتج أنصار هذا القول بالآية القرآنية "وعلم آدم الأسماء كلها".
أمّا القول الثاني فيرى أنّ اللغة وضعية وجدت نتيجة الحاجة الإنسانية للتواصل، وأنها تطورت مع تطور الاجتماع الإنساني، وأغلب اللغويين قديماً وحديثاً من أنصار هذا القول، فهذا ابن جني يقول "إنّ أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعة كدوي الريح وهزيم الرعد وخرير المياه ونعيق الغراب وصهيل الفرس ... وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل ".الخصائص 1/46.
اللغة كظاهرة اجتماعية
إنّ الهدف الأساسي من اللغة هو التواصل: تواصل البشر مع بعضهم البعض ومع البيئة المحيطة، ومغزى الإنسان من التواصل هو تحقيق الحاجات، وهذا يعني أنّ اللغة ظاهرة اجتماعية، فلم توجد اللغة قبل أنْ يوجد الاجتماع الإنساني . يقول فندريس "في أحضان المجتمع تكونت اللغة، ووجدت يوم أحس الناس بالحاجة إلي التفاهم فيما بينهم، وتنشأ من احتكاك بعض الأشخاص الذين يملكون أعضاء الحواس، ويستعملون في علاقاتهم الوسائل التي وضعتها الطبيعة تحت تصرفهم".مصدر سابق
فإذا اقتنعنا أنّ اللغة ظاهرة اجتماعية فهذا سيعني أنّ اللغة تتطور وتتغير تبعاً لتطور المجتمع وتغيره، ويعني أيضاً أنّ الوسائل التّعبيرية والقواعد والقوانين التي وضعت لتحكم اللغة في عصـر ما لن تكون صالحة بالضرورة لعصر آخر، ونحن نعيش الآن في العصر الرقمي، والثورة الرقمية التي لن تنتظرنا إلاّ إذا فعلنا ما يتوقعه الآخر ( الخصم ) منا.
يقول لورنت موراويك المستشار في وزارة الدفاع الأمريكية في تقرير قدمه أمام المجلس السياسي في البنتاغون "لقد عاش العالم العربي في أزمة منذ 200 سنة، وفوت فرصة الثورة الصناعية، وهو يضيع الآن فرصة الثورة الرقمية ويفتقر إلى مؤهلات الانسجام مع العالم الحديث" ويضيف محللا بحقد "إنّ العرب قد فقدوا احترامهم لأنفسهم فلجأوا إلى القوى الغيبية والعنف وكراهية الغرب وأمريكا والحداثة، وهم منذ استقلالهم لم ينتجوا سوى الحروب، وفشلوا في التنمية ... وهم خارج الحضارة والحداثة وقيم الديمقراطية " وكالات.
هل نحن كذلك حقاً ؟ وهل سنبقى متمترسين خلف التابو المقدس ولغته لا لشيء إلاّ لأنه مقدّس في لا وعينا أو وعينا سيان ثم وهذا سؤال آخر: ألا يمكن أنْ يكون هذا المقدس نفسه قوة دافعة للتغيير الإيجابي، قوة دافعة للتحرك للأمام بدلاً من النكوص على الأعقاب ...وهل هناك من حاول؟؟
لنعد للتاريخ ..تاريخ اللغة وتاريخ الكتابة الإبداعية.
إفساد اللغة
يحدّثنا التاريخ عن مشاريع عديدة أحدثت ثورات كبرى في مسيرة التطور الإبداعي وقد جوبهت كل هذه المشاريع في بداياتها بالرفض والقمع، وذلك لأنّ كل مشروع جديد تأسيس ويحمل في ثناياه بذور الثورة على السائد الراسخ والمستقر، وكل مبدع حقيقي مؤسس وثائر، وكل مؤسس يواجه بالرفض من قبل الآخرين في بدايات طرحه لمشروعه الإبداعي- التطوري.
وهذا شيء طبيعي وبالذات في ظل العقلية العربية السلفية التي تعتبر أنّ الخلق لا يكون إلاّ على مثال سابق لا ينبغي القياس إلاّ عليه، ويستمر هذا الرفض حتى يثبت المؤسس جذوره عميقاً فيتبعه الآخرون.
وقد خضعت اللغة العربية لعملية تثوير كبرى مع مجيء القرآن الكريم وعصر النبوة، حيث قام المعلم الأكبر بامتصاص واحتواء كل اللهجات التي كانت سائدة في الجزيرة العربية وأطرافها من هذلية وبكرية وتميمية وغيرها ثم أخضعها لعملية صهر وبوتقة نتجت عنها اللغة العربية التي حملها النص .ثم استقرت اللغة بعد ذلك على أيدي اللغويين وأهل الكلام الذين قاموا بتقنينها وتأطيرها وإعطائها شكلها الثابت المستقر.
وقد اكتسب هذا الشكل قوة ثبات كبرى هائلة غدا معها من الصعب تغييرها، وذلك لأنها أصبحت لغة مقدسة حاملة لنص مقدس لا ينبغي ولا يجوز اللعب به أو محاولة تغييره، ومن هنا كانت الخطورة، فكل من حاول زحزحة هذا الإرث عن مكانه تم نعته بنعوت لا حد لها، تهم مثل الزندقة والابتداع وليس انتهاء بالتكفير، ولعل أكثر النعوت التي كانت تطلق على من يحاول التغيير كان نعت المفسد والمفسدين!!
ولقد مرّ على هذه اللغة منذ تقنينها ثلاثة مفسدين كبار فعلوا بها الأعاجيب ولم يهابوا، وقد استطاع هؤلاء الثلاثة أن يغيّروا من الطبيعة الراكدة للغة، استطاعوا تثويرها من الداخل، ولنا أنْ نتخيل مقدار وحجم الهجوم الذي تعرضوا له في محاولتهم تلك للعب بما هو مقدس قداسة النص نفسه، فقد اتهموا جميعاً بالإفساد والزندقة والخروج على الملّة، ودفعوا ثمناً باهظاً سواء كان معنوياً أو جسدياً نتيجة فعلتهم النكراء تلك..
المفسد الأول
إنّ اللغة هي طينة الخلاق كما يقول المفسد الثالث، وهذا يعني أنّ اللغة هي المادة الأساسية بيد الخالق ليبدع من هذه المادة شيئاً جديداً ومختلفاً، وبما أنّ هذه الطينة مادة أولى فهي أساس عملية الخلق، ومن هنا تأتى أهميتها الكبرى، ولكن هذه الطينة ليست بشيء ذي بال من غير الخلاق/ المبدع الذي يعيد صياغتها ليعطيها الشكل الذي يرتئيه.
ربما كانت هذه هي الفكرة التي كانت تدور في ذهن أبي تمام وهو يغزل مشروعه الإبداعي، فحين جاء أبو تمام إلى الشعر العربي أحدث ثورة كبرى على صعيد اللغة الشعرية وشكل هذه اللغة، وما زالت أصداء هذه الثورة تتردد حتى أيامنا هذه، فقد "استخدم الكلمات بطريقة أصبحت معها توحي بأكثر من معنى، لأنه أفرغها من معناها المألوف، وخلصها من الحتمية وأسلمها للاحتمال، كما وابتكر معاني جديدة وصيغاً غير مألوفة وسياقاً غريباً" الثابت والمتحول/ صدمة الحداثة ص 19.
ومن هنا فقد قوبل بالرفض والاستنكار من قبل نقّاد عصره وشعراء زمانه فهو برأيهم "أفسد الشعر، وقال بضد ما نطقت به العرب، ولئن كان ما يقوله شعراً فكلام العرب باطل "المصدر السابق ص20.
وفي الحقيقة فإنّ الرفض الذي جوبه به أبو تمام و "الإفساد " الذي أحدثه بمشروعه الإبداعي المختلف مفهوم في سياقه، حيث كانت الأذن العربية - وما زالت - قد اعتادت وترسخت بها العادة على النسج على مثال القديم، والنظم على وزنه وطرقه، وأصبح قول عنترة "هل غادر الشعراء من متردم" هو المثل الأعلى والدليل الأكبر على أنّ كل المعاني قد قيلت، وأن التجويد والتجديد إنما يكون بتنويعات على نفس الوتر، ومن هنا أصبح ما جاء به أبو تمام من أشكال ومعان مختلفة إفساداً، وكلامه ليس من كلام العرب.
ولا يحدثنا التاريخ عن شاعر عربي قديم جوبه بالرفض والنقد والهجاء المر مثل ما جوبه به أبو تمام، ويحدد الدكتور إحسان عباس في كتابه القيم تاريخ النقد العربي عند العرب الوجوه التي كان يؤتى من قبلها أبو تمام حيث يقول "كان الجانب الأكبر من جهد نقاد القرن الثالث في مجالسهم وفيما كتبوه يميل إلى إبراز عيوبه، وقد تحددت تلك العيوب في سرقته لبعض المعاني، وفي تعسفه للاستعارة، وبعض وجوه البديع الأخرى، وفي الابتداءات البشعة، وفي استعماله لألفاظ وحشية غريبة، وفي استغلاق بعض معانيه على الفهم، وهذه هي أهم المظاهر التي تناولها نقاد القرن الرابع " ص148.
وهذا الآمدي في كتابه " الموازنة " يشن هجوماً شرساً على أبي تمام قائلاً "إنّ أبا تمام شديد التكلف، صاحب صنعة، ويستكره الألفاظ والمعاني، وشعره لا يشبه شعر الأوائل، ولا على طريقتهم لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة".
وهو قد فارق عمود الشعر العربي .المصدر السابق ص159
فإذا حلّلنا النّص السابق فهمنا أسباب حنق السلفيين على أبي تمام وهجومهم الكاسح عليه، فشعره صعب على الفهم لما فيه من صور ومعان جديدة تختلف عما اعتادوا عليه في الشعر، وهو قد فارق عمود الشعر العربي باستخدامه للبديع والاستعارة وإتيانه بالمعاني الغريبة (هي غريبة لأنها جديدة ) وذلك على عكس ما تعارف عليه السلف الصالح.
ويذهب الآمدي إلى أبعد من ذلك حين ينفي صفة الشاعر عن أبي تمام بقوله "قد جئت بحكمة وفلسفة، ومعان لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيماً أو سميناك فيلسوفاً، ولكن لا نسميك شاعراً، ولا ندعوك بليغاً، لأنّ طريقتك ليست على طريقة العرب ولا على مذاهبهم". المصدر السابق ص162.
ولقد اشتدّ الجدل في ذاك العهد واتخذ صيغا متعددة، فكان أنْ أخذ قادحو أبي تمام بعقد المقارنات بينه وبين شاعر آخر هو "البحتري " الذي فضّلوه وجودوه وعدوه إماماً للشعر، ذلك لأن البحتري "أعرابي الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المألوف،وكان يتجنب التعقيد". المصدر السابق ص159.
وفي الحقيقة فإنّ تعقيد شعر أبي تمام بالنسبة إليهم، واستغلاقه على الفهم، وصعوبته على الإدراك، وصوره الذهنية التي تحتاج إلى إعمال الفكر لإدراكها كانت إحدى أهم النقاط التي هوجم بها حتى لقد صاح ذات يوم صيحته المشهورة "يا هذا لم لا تفهم ما يقال".
لقد صدم أبو تمام الأذن العربية والذوق العربي الذي اعتاد على سلاسة المعنى وقربه من الفهم والإيقاع الموسيقي من خلال استخدامه المختلف للغة...اللغة التي هي طينة الخلاق .ولقد كان هذا بحد ذاته ثورة حقيقية يمكن تحديد أهم ملامحها فيما يلي:
1) اللعب بالكلمات باستخدام ضروب البديع المختلفة بحيث أصبحت الكلمة عنده ليست مجردة ذات معنى واضح الدلالة، بل أصبحت الكلمة "تحتمل أكثر من معنى" الثابت ص19.
انظر مثلاً قوله في مدح المعتصم:
مطر يذوب الصحو منه وبعده صحـو يكاد من الغضارة يمطر
غيثان فالأنواء غيـث ظاهـر لك وجهه والصحو غيث مضمر
ولنلاحظ هنا استخدامه لكلمتي المطر والصحو، فالمطر كما يقول كمال أبو ذيب في تعليقه على هذين البيتين "من الشفافية والصفاء والنعومة، أي من الصحاوة بحيث إنه يصبح مطراً يذوب منه الصحو، والصحو الذي يأتي بعده من الطراوة والرقة والعذوبة أي من المائية بحيث إنه يكاد من الغضارة يمطر "جدلية الخفاء والتجلي" ص 236.
2) الابتعاد عن المباشرة في قول المعنى من خلال ابتكار صور ومعان جديدة مختلفة عن السائد قبله، وهو الشيء الذي دعا لاتهامه بالصعوبة والغموض والتعقيد، انظر مثلاً قوله في نفس القصيدة.
وندى إذا ادهنـت لمم الثـرى خلت السحاب أتـاه وهو مغدر
فنحن هنا أمام صورة ذهنية غريبة وغير مباشرة، صعبة على الفهم،ولا تعطي مغاليقها للقارئ من الوهلة الأولى، بل تحثّ عقله وفكره (تتعبه) حتى يصل إلى مكنوناتها، وهو غير ما اعتاد عليه العربي في لغته وشعراء لغته، ومن هنا كان اتهامه بالصعوبة والغموض والتعقيد، تماما كما سنجد هذه التهمة نفسها جاهزة وتتكرر في اتهام المفسدين الثاني والثالث.
المفسد الثاني
ربما كان المتصوفة عموماً وابن عربي خصوصاً الثورة الثانية التي طالت اللغة العربية معنى ومفهوماً وكلمات، صحيح أنّ اللغة لم تكن همهم الأساسي، ولكنها كانت أداتهم الرئيسة للتعبير عن رؤيتهم الجديدة للعالم والكون وعلاقة كل ذلك بالذات الإلهية، وعلاقة هذه الذات بالإنسان.
جاء المتصوفة برؤية جديدة لله والكون والإنسان، وكانت هذه الرؤية تخالف ما هو سائد ومترسخ في العقل العربي وللنظام السياسي السائد، كانت رؤية ثورية في عمقها، تدعو للتغيير، ولكن عنف النظام السائد جعل أصحاب هذه الرؤية يلجـأون إلى "التقية" في الدعوة إلى مذهبهم، وقد رسخت محنة الحلاج من هذه التقية إلى حد كبير.
ولكن كل فكرة بحاجة أنْ تصل للناس كي تصبح مؤثرة وفاعلة، وحتى تصل لا بد من الكلام، وبما أنّ الكلام المباشر ممنوع كان لا بد من ابتكار لغة أخرى غير مباشرة وغير مفهومة للوهلة الأولى لتحمل المعنى والفكرة التي تقف خلف المعنى.
هذا سبب، أما السبب الثاني فهو جوهر الفكرة ذاتها، وطبيعة هذه الفكرة التي تحدد الصلات بين الواجد والموجود، وهي صلات تبادلية وعلاقات جذب وحلول ضمن مبد أ الوحدة الشمولية للوجود.
وفي الحقيقية فإنّ السببين يؤديان إلى بعضهما البعض، فمبدأ وحدة الوجود مرفوض في الفكر الإسلامي السائد لغاية الآن، وهذا المبدأ هو مرتكز أساسي من مرتكزات الفكر الصوفي، ولا يغرنا إنكار المتصوفة الظاهري لذلك، فهذا الإنكار ليس أكثر من تقية، وعلى أية حال ليس هذا هو موضوعنا، وإنما اللغة عند المتصوفة هي الموضوع.
جاء المتصوفة برؤية جديدة للعالم وخالق هذا العالم، وبما أنّ هذه الرؤية جديدة ومختلفة فقد اصطدمت بحاجز اللغة السائدة التي لم تكن بقادرة على استيعاب ما يريدون قوله فصاح صائحهم "ما أوسع الفكرة وما أضيق العبارة" ومن هنا بدأ البحث عن لغة أخرى، وكلمات أخرى وطريقة أخرى في القول، وقد ابتدأت هذه اللغة مع النفري وابن الفارض والحلاج وغيرهم من المتصوفة الأوائل، وبلغت كمالها وأوجها مع ابن عربي الذي فتح آفاقاً وطرق مسالك لم يكن من الممكن تخيلها إلاّ بخيال كالذي كان لدى ابن عربي، خيال خلاق حقيقي لا يعرف حداً ولا مدى، ومن يقرأ الفتوحات سيعرف ما أعنيه عياناً.
ابن عربي ولغة الرؤى
لكي تفهم اللغة المبتكـرة التـي جاء بها ابن عربي عليك أنْ تعرف أولا أنّ " ابن عربي هو رجل المشاهـد فـي تاريخ الفكر الصوفي، ينتقل من مشهد إلى مشهد، ومن تجلي إلى تجلي، ومن عالم إلى عالـم، ومـن أرض إلى أخرى "ابن عربي ومولد لغة جديدة ص 62 .
وقد عاش ابن عربي الحياة وكأنه يعيش في رؤيا مستمرة ومتواصلة لا يقطعها شيء، عاش "حياة رؤى تبدأ من ذاته وتشع في كل اتجاه " السابق ص62.
وربما كانت هذه هي نقطة الاختلاف الحقيقية بين ابن عربي ومن سبقه من المتصوفة، فإذا كان النفري والبسطامي من أرباب المواقف كما يقول ابن عربي نفسه في وصفهما، فإن ابن عربي من أرباب المشاهد، "مشاهد تتوالى فلا يقف مع مشهد دون مشهد ولا مع حال دون حال" المصدر السابق ص62.
وقد كانت نتيجة الحياة المشهدية التي عاشها ابن عربي أنْ ابتكر لغة أخرى مختلفة مبنية على المشهد والصورة والحركة، لغة مشهدية باحتراف وهذه هي أول سمات لغة ابن عربي.
السمة الأخرى الفارقة لهذه اللغة كان استعماله للرمز والإشارة للوصول إلى المعنى الكامن خلف ظاهرية الأشياء، وذلك لأنه ليس ثمّة إلاّ الله، وما البشر والكائنات والأشياء سوى "أشباح خالية على عروشها خاوية" الفتوحات، فلا وجود إلاّ للواجد وما تبقى ليس أكثر من عدم ظاهر للعيان، ليس سوى أوهام تعمي أصحابها الغشاوة فتلتبس عليهم الأمور ولا أمور، حتى إذا جاءت الساعة وانزاح عن العين ما يغشاها فانتبهت، إذ لا بد أنْ تنتبه فبصرك ذاك اليوم حديد، عرفت أنْ ليس ثمة إلاّ الواحد، وكل ما تبقى ظلاله.
وحيث إنّ كل هذا كان من المحرم التصريح به والإفصاح عن مكنونه وجوهره، وإلا لعد قائله ملحداً، زنديقاً، خارجاً عن الملة، فقد كان لا بدّ من التلميح لا التصريح، كان لا بدّ من استعمال تقنية الإشارة، ولنتصور صعوبة أنْ ترسم مشهداً بلغة الرمز والإشارة، وكان لا بد أنْ تكون هذه اللغة متطورة حركياً، غنية بالطّاقات الإيحائية لتؤثر في القارئ، وتنقله من طور إلى آخر، ومن لغة رتيبة إلى أخرى حية،محلقة، حيث الكلمات ليست كالكلمات، وما يقف خلف الكلمات أهم وأخطر ...بل ثورة شاملة.
لكي يستطيع المبدع التّعبير عن كل ذلك فلا بد له أنْ يطور في اللغة، أنْ يضيف إليها ما ليس فيها، أنْ يكتشف ..أن يبحر في عمق الظلمة ويعانق عتم المجهول، أنْ يمشي في طرق لم يرتدها غيره، طرق وعرة، وأن يعود منهكاً، نحيلاً، شاحباً، ولكن محملاً بالوهج ولذّة الاكتشاف والريادة.
كان أنْ جاء ابن عربي بمفهوم "الإضافة" للغة العربية "فكل عبارة هي إشارة إلى علاقة يتلمس القارئ معناها في معرفته بالمضاف والمضاف إليه" مولد ص 86 . والعالم في نظر ابن عربي كان "عالم علاقات ونسب وإضافات، وعالم صفات وأحوال وحقائق مفردة تتركب وتحمل معانيها التي تسترها العبارة وتفضحها الإشارة" المصدر السابق ص 86.
والإضافة لغة هي عبـارة تتكـون من لفظين أحدهما يضاف للآخر، أي اسم يضاف إلى اسم مثل نهر القران وبحر الأرواح ...الخ.
وفي الحقيقة فإن ابتداع صيغة الإضافة هو شيء يتماشى تماما مع فكرة ابن عربي الأساسية وهي أنه لا موجود إلاّ الواحد وما تبقى ظلال تضاف إليه، فليس ثمة إلاّ الله، حقيقة الحقائق كلها وعين العين في كل عين.
يمكننا تلخيص ما سبق في أنّ ابن عربي كان يكتب مشهداً ترسمه رؤاه المتصلة، فلغته لغة مشهدية يكتبها بالإشارة ليفضح من خلفها المعنى الذي تستره العبارة، مستخدماً صيغ الإضافة إلى حدودها القصوى.
المفسد الثالث
ربما لم ينل شاعر من النقد والتجريح، وحتى السبّ والشتم والاتهام في عصرنا الحديث مثل ما ناله أدونيس، ومن العجيب أنّ التهم التي كانت تطلق على أبي تمام في زمانه هي نفس التهم التي تطلق على أدونيس في عصرنا الحالي، فهو مفسد، منتحل، شعره لا يشبه الشعر، غادر طريقة النظم العربي، صعب على الفهم، صوره غريبة، خارج على الملة وقواعد العروبة، أفسد خلفه أجيالاً من الشعراء الشبان، وإلى غير ذلـك من التهم التي تلقـى جزافاً، وربما كـان هذا هو قدر كل مؤسس، فكل تأسيس خطر، وكل جديد رعب في العقل العربي، ولهذا يكون المؤسس مفسداً، ملعونـاً، ووحيـداً جـداً.
أسكن في هذه الكلمات الشريرة
وأعيش ووجهي رفيق لوجهي
ووجهي طريقي…
" أغاني مهيار الدمشقي "
اللغة الأدونيسية
نشأ أدونيس في ظل بيئة متدينة، غنية بالفكر الباطني والصوفي على وجه الخصوص، فقد كان والده متصوفاً وعلى اطلاع واسع في مجالات الشعر والتصوف وطرق الباطنية والإسماعيلية، كما كان شاعراً جيداً كما يذكر وفيق خنسة في كتابه "دراسات في الشعر السوري الحديث" ص30 .
ولهذا نجد لغة أدونيس تتأثر تأثراً كبيراً بلغة المتصوفة فهو "يتقمص لغة نفرية متفوقة حركياً، لغة مشحونة بالإيحاء والطاقة، لغة ترتكز على نشر وهج وحالة أكثر ممّا تضع أيدينا على واقع محدد مصاغ، إنها تترك بيننا مسافة، وترشح صوراً وحالات لا حد لها" المصدر السابق ص35.
دعا أدونيس إلى تفجير اللغة، ويعبر أدونيس نفسه عن مفهومه للغة في مقابلة تلفزيونية أجريت معه مؤخراً وبثتها قناة أبو ظبي الفضائية قائلا "إنّ تفجير اللغة يعني إيجاد علاقات جديدة ما بين الكلمة والكلمة، والكلمة والشيء".
وهذه العلاقات الجديدة ترى أنّ "المسالة ليست أنْ يكرر لغة معروفة، بل المسألة أنْ يكتشف لغة غير معروفة" الثابت ص312.
والمبدع في سبيله لاكتشاف هذه اللغة يكافح ويعاني وهو "كفاح يجعل اللغة باستمرار ملغومة، ومحولة عن عاداتها" السابق ص315.
بهذه المعاني والأفكار جاء أدونيس إلى الشعر العربي الحديث، وبلغته المتفجرة فجّر هذا الشعر، حوله عن مسـاره الرتيب، وأعطاه مساراً آخر، ومعنى آخر، وكانت اللغة هي أداته، ولكنها ليست اللغة التي نعرفها، بل كانت لغة أخرى لا تكاد تشبهها اللغة.
مسافر تركت وجهي على
زجاج قنديلي
خريطتي أرض بلا خالق
والرفض إنجيلي
إنّ عالم أدونيس اللغوي يرفض التّحديد المطلق والتّشكّل التام، ويظل إمكانية تهجس بطاقاتها الكامنة والمتجددة، فاللغة تفتح الطريق ولكنها لا تنهيه، حيث إنّ الطريق نفسها تحمل في أحشائها طرقاً متعددة ( links ) لا حصر لها، والكلمة نفسها عند أدونيس حية، وقائمة بذاتها، وبعلاقتها بالكلمة التي تليها، وبالأشياء التي تحيط بها.
ومن هنا تمّ اتهام أدونيس بالإبهام والغموض والصعوبة، وهم محقون في ذلك نظرياً، ذلك لأنهم لم يعتادوا على مثل هذه الطريقة في استخدام الكلمات، كانت الكلمات محددة بمعان ووظائف واضحة، وجاء أدونيس فاغتال المعنى الواحد للكلمة، حررها، وأعطاها الإمكانية لتحمل أكثر من معنى ومفهوم ووظيفة.
المرايا تصالح بين الظهيرة والليل
خلف المرايا
جسد يفتح الطريق
لأقاليمه الجديدة
جسد يبدأ الحريق
في ركام العصور
ماحياً نجمة الطريق
بين إيقاعه والقصيدة
عابراً آخر الجسور
وقتلت المرايا
ومزجت سراويلها النرجسية
بالشموس
ابتكرت المرايا
هاجساً يحضن الشموس
وأبعادها الكوكبية
تتكرر في هذا النص أكثر من مفردة، وفي الحقيقة إنّ تكرار المفردات هو أحد علامات أدونيس الفارقة، وهذا التكرار مقصود بذاته، لا عن عجز لغوي، حيث نلاحظ تكرر مفردات "المرايا، الجسد والطريق" والمفردة الأكثر تكرراً هي المرايا، ويتحرك النص كله كما يذكر كمال أبو ديب في كتابه جدلية الخفاء والتجلي "ضمن ثلاث حركات دلالية وتركيبية وصوتية وهي المرايا، والجسد والأنا" ص264.
فإذا جئنا إلى حركة مفردة المرايا الأكثر تكرراً فإننا نجد أنّ المرآة هي جسد مادي يعكس صور الأشياء التي تقف أمامها، وهذا هو المفهوم العام والمعروف للمرآة، ولكن أدونيس لا يستخدمها بهذا المعنى، فالجسد يقع خلف المرآة، بعيدا عن عينها العاكسة، ورافضا أنْ يكون نسخة معادة حتى عن نفسه، وهذا الجسد الرافض للارتهان ليس سوى ذات الشاعر نفسه، وهو جسد/ ذات يشعل النيران، ويغتال المرايا ( التكرار) ثم يعيد ابتكار المرايا كما يريدها هو، يعيد ابتكار اللغة كهاجس قادر على احتضان نور قلب الشاعر بأبعاده اللانهائية.
نلاحظ هنا كيف تتغير الكلمات ودلالاتها تصبح الكلمة ذاتها غير ذاتها، وهذا هو الخلق والإبداع الذي لا على مثال.
اللغة الجديدة... لغة الرواية الرقمية
ذكرنا فيما سبق أنّ اللغة ضرورة اجتماعية، خلقها الاجتماع الإنساني ثم كيفها وطورها وفقاً لحاجاته الأساسية والجمالية، وأنّ ما جاء من تقنين وتأطير للغة لم يأت إلاّ في سياقه التاريخي والاجتماعي، وأنّ هذه الأُطر والقوانين إذا ما تعارضت مع مسيرة التطور الاجتماعي وحاجات الإنسان للتواصل فغالباً ما كان يتم كسر هذه الأطر، وابتداع أطر جديدة للتعبير، وهذا يعني ببساطة أنّ اللغة كائن متحرك، متحول، لا تبقى على شكل، ولا تثبت في إطار، وإذا ما نظرنا في لغة العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، وقارناها بلغة العرب اليوم لوجدنا الفرق شاسعاً مع أنّ اللغة هي ذاتها بثمانية وعشرين حرفاً في الحالين.
وضربنا مثلاً ثلاثة من المفسدين الكبار الذين وعوا وأدركوا أكثر من غيرهم الحاجة الاجتماعية لتطوير اللغة والثورة على قيودها، ففعلوا ولم يهابوا، لا ولا أثنتهم الصعاب، وتشكيك المشككين وطعن ذوي الإرب من الحساد والحاقدين، فجاء الأول بضروب البديع، واكتشف الثاني الإمكانيات الهائلة في علاقة المضاف بالمضاف إليه، والثالث ميكانيزم الكلمات وعلاقاتها.
ونحن الآن ندخل في عصر جديد هو العصر الرقمي، وفي مجتمع جديد هو المجتمع الرقمي، وفي هذا العصر كما في كل عصر، حاجات جديدة، ومفردات جديدة، ومصطلحات جديدة، وبالتالي لغة جديدة ..هذه هي سنة الحياة وصيرورتها التاريخية التي لا بد هي آتية لا ريب فيها.
وليس يهمنا في هذا السياق اللغة بذاتها، وإنما اللغة في رواية الواقعية الرقمية التي ألقينا عليها الضوء في الفصلين السابقين، فقد كانت اللغة عند الروائي القديم تتكون من كلمات، كانت الكلمة هي أداته الرئيسة، وكانت الكلمة قبل الكلام صوت ثم رسم فإشارة.
جاء اللغويون فقننوا اللغة وحولوها إلى قواعد وأطر وأساليب لا يجوز الخروج عليها، وجاء الروائي فاستخدم الكلمات وحولها إلى كتابة بدلا من قول.
أما آن للكتابة أنْ تغادر قيودها، أما آن للغة أنْ تتمرد على كلماتها، أما آن للروائي أنْ يفجر لغته ليقودها لمتاهة أخرى ..مغامرة أخرى؟؟؟
حين توصل ابن عربي للبعد الآخر للوجود، اكتشف أنّ اللغة الموجودة لن تستطيع احتواءه، فاخترع لغة أخرى من كلمات ورسوم ودوائر ليعبر عن جد وجده بالواجد، وجد وجد الواجد به. ونحن الآن ندخل في بعد آخر، في عالم آخر، وفي رواية أخرى، وهذه الرواية تحتاج إلى لغة أخرى، مختلفة، غير اللغة النمطية، المعروفة، الميتة، هذه اللغة التي علينا أنْ ننقضها تماما، أنْ نفسدها، تماما كما أفسد أبو تمام الشعر القديم، وتماماً كما أفسد أدونيس الشعر الحديث، ولعل أهم سمات هذه اللغة الجديدة - وأنا الآن وحيد ... غريب ...أتلمس خطاي في العتمة المعتمة التي قبلها كنت غيري وبعدها أكون مغايري-:-
أولاً) في لغة رواية الواقعية الرقمية لن تكون الكلمة سوى جزء من كل، فبالإضافة إلى الكلمات يجب أنْ نكتب بالصورة والصوت والمشهد السينمائي والحركة.
ثانياً) الكلمات نفسها يجب أنْ ترسم مشاهد ذهنية ومادية متحركة، أي أنّ الكلمة يجب أنْ تعود لأصلها في أنْ ترسم وتصور، وبما أنّ الرواية أحداث تحدث في زمان ضمن مكان، وهذه الأحداث قد تكون مادية ملموسة أو ذهنية متخيلة فعلى الكلمات أنْ تمشهد هذه الأحداث بشقيها.
ثالثاً) على اللغـة أنّ تكون سريعـة، مباغتة، فالزمان ثابت =1، والمكان نهاية تقترب من الصفر ولا تساويه، ومن هنا فلا مجال للإطالة والتأني، فحجم الرّواية يجب أنْ لا يتجاوز المائة صفحة على أبعد تقدير، ولن يكون هناك مجال لاستخدام كلمات تتكون من أكثر من أربعة أو خمسة حروف على الأكثر، أمّا الكلمات الأطول فيفضل أنْ يتم استبدالها بكلمات أقصر تؤدي نفس المعنى إنْ أمكن.
رابعاً) الجملة في اللغة الجديدة يجب أنْ تكون مختصرة وسريعة، لا تزيد عن ثلاث أو أربع كلمات على الأكثر.
خامساً) إنّ ما سبق يعني أنّ على الروائي نفسه أنْ يتغير، فلم يعد كافياً أنْ يمسك الرّوائي بقلمه ليخط الكلمات على الورق، فالكلمة لم تعد أداته الوحيدة، على الروائي أنْ يكون شمولياً بكل معنى الكلمة، عليه أنْ يكون مبرمجاً أولاً، وعلى إلمام واسع بالكمبيوتر ولغة البرمجة، عليـه أنْ يتقـن لغـة الـ HTML على أقل تقدير، كما عليه أنْ يعرف فنّ الإخراج السينمائي، وفنّ كتابة السيناريو والمسرح، عاديك عن فن الـ Animation.
لقد حاولت شيئاً من كل ما سبق في روايتي "ظلال الواحد"، ففي نسختها الرقمية المنشورة على الإنترنت في الموقعwww.Sanajlehshadows.8k.com كان هناك مشاهد حركية، ومؤثرات صوتية، وصور، ومقاطع من أفلام سينمائية، إلاّ أنّ ظلال الواحد ليست سوى البداية فأدواتي ما زالت بحاجة لتطوير وعمل كثير.
سادساً) إنّ تغيّر اللغة يعني أنْ تتغيّر الرّواية، فلن تعود الرّواية مجرد كتاب، ولعل السؤال الآخر، السؤال المخفي، والذي يطرح نفسه بقوة هو: أي كتاب سيتسع لكل هذا؟؟؟
وهل الكتاب الورقي قادر على ذلك؟؟
الإجابة هي لا ببساطة، وسأناقش هذا الموضوع في الفصل التالي.
محمد سناجلة
***
المراجع:
• كتاب الخصائص/ ابن جني، أبو الفتح عثمان/ دار الكتب/ القاهرة/ 1952.
• اللغة/ فندريس/ ترجمة عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص/ مصر/ 1950.
• تاريخ النقد الأدبي عند العرب/ نقد الشعر/ د.إحسان عباس/ دار الشروق/ عمان/ 1986.
• الثابت والمتحول/ صدمة الحداثة/ أدونيس/ دار العودة/ بيروت/ ط4/1983.
• ابن عربي ومولد لغة جديدة/ د.سعاد الحكيم/ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر/ بيروت/ ط1/ 1991.
• جدلية الخفاء والتجلي/ كمال أبو ديب/ دار العلم للملايين بيروت/ ط1/ 1979.
• دراسات في الشعر السوري الحديث/ وفيق خنسه/ دار الحقائق / ط2/ 1982.