تنزيلات بدل الإصلاحات !!

 

                       د. فيصل القاسم

 

هل تستطيع أنظمتنا العربية أن تنكر أنها - بمعظمها-  أتت إلى السلطة لأغراض ربحية بالدرجة الأولى؟ فالذين جاءوا لخدمة أهداف وطنية هم قلة قليلة جداً وقد أصبحوا من مقتنيات المتاحف السياسية العربية لندرتهم وانقراضهم. حتى إن بعضهم لم يستطع السير في الركب الوطني الذي ادعاه لفترة طويلة فتحول حكمه تدريجياً إلى حكم نفعي احتكاري لا يفيد سوى مجموعة ضيقة جداً من المقربين والأقارب والأزلام المتمثلين إما بالعشيرة أو القبيلة أو العائلة أو الطائفة أو الطغمة المتحالفة معه من أجهزة وعسكر.

 

لم يعد العمل الوطني العام غاية في حد ذاته إلا ما ندر، بعبارة أخرى لقد انحرفت الأنظمة التي بدأت وطنية مئة وثمانين درجة عن مسارها. لماذا؟ لأن العمل الوطني مهما كان مخلصاً يبقى عرضة للانحراف والفساد في غياب المحاسبة الديموقراطية، فلا يكفي أن تحمل شعوراً وطنياً كي تكون حاكماً، فالحاكم الوطني الحقيقي هو الحاكم الديموقراطي الذي يقبل بالمراقبة والمعارضة التي تصحح خطاه فيما لو بدأ ينحرف عن خطه الوطني، فما بالك إذا كان الكثير من أنظمتنا قد اتخذ من الوطنية مجرد غطاء مفضوح لتحقيق أغراض شخصية وفئوية جداً، فحتى الأحزاب التي رفعت شعارات قومية عريضة للغاية كانت تكذب على الجماهير في بعض الأحيان، فقد تبين لاحقاً أن تلك الشعارات الواسعة أكثر من اللازم كانت مجرد ستار كاذب للتغطية على أهداف مصلحية ضيقة للغاية، كأن يرفع أحدهم مثلاً الشعار القومي العام ثم يحكم من خلفه بطريقة عائلية أو عشائرية، فقمة القومية بالنسبة لنظام صدام وأمثاله مثلاً هو أن تشرك عدداً أكبر من أبناء العشيرة أو المجموعة في الحكم لا أكثر ولا اقل. لقد غدونا فعلاً بحاجة إلى أضواء كاشفة جداً للعثور على سياسي أو حزبي وطني حقيقي، فالمتاجرون بالوطنية أصبحوا هم القاعدة  والآخرون هم الاستثناء.

 

لقد غلب الطابع التجاري المنفعي على السياسة العربية منذ عقود، بحيث صار الهم الأول والأخير للعديد من ساستنا وحكامنا وحتى صغار موظفينا تجميع أكبر ثروة ممكنة من العمل السياسي أو الخدمة العامة. وقد أصبح هدف الأنظمة الحاكمة في معظمها هو الحفاظ على مكتسباتها المادية الذاتية بأي وسيلة. لهذا فهي تضرب بيد من حديد كل من يحاول أن يمس تلك المكتسبات المادية تماماً كما يفعل اللص الذي يدافع عن مسروقاته بأسنانه. وقد ابتكر بعض المتحكمين بثروات بلادنا طرقاً وأساليب جديدة لحماية مسروقاتهم كأن يضعوا كل من يتهمهم بنهب مقدرات الوطن في غياهب السجون بحجة أنه عدو للشعب والوطن وعميل خطير لأعداء الأمة. لاحظوا كيف يصبح كاشف الفساد مخرباً والفاسدون الحقيقيون الذي حولوا البلاد إلى مزارع خاصة أمناء على ثروات الوطن! 

 

لو توقف الأمر عند الاستئثار وحماية ما ملكوا واستملكوا لقلنا على مضض إن من حق السياسي أو الحاكم النفعي أن يحافظ على مصالحه المكتسبة، لكن الأمر تفاقم وأصبح عبارة عن بزنس سياسي مفضوح في العديد من البلدان العربية، فالكثير من أنظمتنا لم تعد تقبل بالانتفاع المادي من السياسة أثناء فترة حكمها فقط، بل راحت تورث أعمالها السياسية التجارية إلى ذريتها، تماماً كما يفعل صاحب أي شركة عندما يشيخ أو يموت، فيحيل إدارة مجلس الشركة إلى أحد أبنائه المدربين كي يتابع المسيرة "المباركة" من بعده. إنها كما يسميها الانجليز بزنس عائلي family business  أو عملية احتكارية بامتياز.

 

كيف يختلف الاحتكار السياسي عن الاحتكار التجاري؟ أليس الهدف منهما الاستئثار بشيء وحصره في دائرة مغلقة ومنعه عن الآخرين بغية ابتزازهم والتحكم بهم والحصول منهم على أي ثمن يبتغيه منهم المحتكر بكسر الكاف؟ فكما أن التاجر يستطيع أن يحتكر سلعة يحتاجها الإنسان ثم يبيعه إياها بأسعار باهظة نظراً لاضطراره إليها، فإن السياسي الاحتكاري يفعل الشيء نفسه مع من هم تحت إمرته، فهو يبتزهم بسلعه وبضائعه الكثيرة المتمثلة بالوظيفة ولقمة العيش والاحتياجات المعيشية العامة، فلا ننسى أن بعض الأنظمة تستطيع أن تحرم أحد المواطنين من خدمتي الماء والكهرباء الأساسيتين إذا لعب بذيله وأظهر العين الحمراء لولي النعمة. كيف يختلف التاجر الذي يتحكم بأسعار البضائع التي يحتاجها المستهلك عن ولي النعمة الحاكم بأمره في العديد من البلاد العربية والمتحكم بلقمة الشعوب؟ الاثنان محتكران بامتياز. ثم لاحظوا هذا الاصطلاح السياسي القميء الذي لا يوجد إلا في الدول العربية وأقصد به مصطلح "ولي النعمة". ألا يمكن أن نحوّره قليلاً من الناحية اللغوية ليصبح محتكر النعمة والمتحكم بها؟ بالطبع.

 

وكما هو معلوم فإن الظروف قد تضطر التاجر أو السياسي المُتاجر أن يساوم على بضاعته أحياناً لأن السياسة قد تكون كسوق البورصة في بعض الأوقات - مرة طالع ومرة نازل- وإذا كانت تقلبات السوق هي التي تجبر التاجر على تخفيض أسعار سلعه على طريقة التنزيلات، فإن الضغوط والمبادرات الإصلاحية الأمريكية هي التي جعلت العديد من أنظمتنا العربية المتاجرة بأوطانها وشعوبها أن تتزحزح قليلاً هذه الأيام وتعدل أسعارها ومعدلاتها.    

 

وبما أن الأنظمة العربية تتعامل مع العمل السياسي العام على أنه تجارة وربح وخسارة، فقد بدأ يظهر ذلك حتى في ما يسمى بعمليات الإصلاح السياسي المزمعة في بعض الدول العربية تحت الضغط الأمريكي. فبدلاً من وضع خطط حقيقية وصادقة للإصلاح نرى أن بعض الدول العربية راحت تتعامل معها بعقلية حسابية صرفة، تماماً كما يفعل التاجر عندما تبور بضاعته ولا يجد أمامه مفراً من ترخيصها وعرضها للبيع بأسعار مخفضة حتى يحافظ على تجارته. وكذلك الأمر بالنسبة لبعض الأنظمة التي لم تتردد في إهدار وإنفاق المليارات درءاً للمخاطر الخارجية التي تهدد البزنس العائلي لديها، فاضطرت لدفع مبالغ خرافية كتأمين على تجارتها السياسية.

 

لا تصدقوا أبداً أن هناك نية صادقة للإصلاح في العالم العربي. كل ما في الأمر أنها عملية شراء حقيقية للوقت في الدول الثرية أو مجرد إعادة تسعير سياسية في الدول التي لا تستطيع الدفع النقدي. فقد سمعت مثلاً أن بعض تلك الدول عازمة على تعديل "نظامها الانتخابي" بحيث أنها بصدد التخلي عن تسعيرتها القديمة الخاصة بالانتخابات الرئاسية، فعلى ما يبدو أن نسبة التسعة وتسعين فاصلة تسعة وتسعين "التاريخية" التي كان يفوز بها بعض زعمائنا "التاريخيين" قد تولي إلى غير رجعة. أو بالأحرى ستكون مدرجة في قائمة البضائع التي ستشملها التنزيلات السياسية المقبلة. نعم التنزيلات، فقد قررت بعض الأنظمة أن تجري "أوكازيون"  تتنازل فيه عن نسبة مئوية من عدد الأصوات التي تمنحها لنفسها في كل انتخابات رئاسية. وقد كان النظام الموريتاني سباقاً إلى ذلك عندما خفض نسبة الفوز من أكثر من تسعين بالمائة إلى خمسة وستين بالمائة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وقد أعطانا انطباعاً بأنه أصبح ديموقراطياً يقبل بنتائج صناديق الاقتراع، لكنه سرعان ما كشف عن معدنه الأصلي عندما راح يضع بعض المرشحين الذين نافسوه في الانتخابات في السجون تحت حجج واهية. فما الفائدة أن تخفض نسبة الفوز ثم تعود حليمة إلى عادتها القديمة؟ ويبدو أن بقية الزعماء العرب سائرون على هذا الخط.

 

هذا هو الإصلاح الذي انتظرته الشعوب العربية. إنه مجرد تخفيضات على نسبة الفوز الفلكية مع الإبقاء على كل مساوئ الأنظمة، وهي تذكرنا بالتنزيلات الموسمية التي تجريها المحلات التجارية على بضائعها الكاسدة، إذ نراها أحياناً تخفض سعر القطعة بنسبة تزيد على خمسة وسبعين بالمائة مما يجعلنا نتساءل: هل يمكن أن تبيع تلك المحلات بضاعتها بخسارة كبيرة؟ بالطبع لا. فلو عرف السر لبطل العجب. فالبائع الذي يخفض ثمن بضائعه بمعدل كبير وقت التنزيلات   يبقى رابحاً حتى لو حسم من سعرها المعلن أكثر من سبعين بالمائة، فهو الذي سعّرها بالأصل ويعرف كم تساوي. وكذلك الأمر بالنسبة للزعماء العرب، فهم الرابحون حتى لو خفضت وزارات داخليتهم نسبة فوزهم إلى واحد وخمسين بالمائة أو أقل في الاستفتاءات المفبركة. ففي واقع الأمر هم لا يخسرون شيئاً، فعملية تقصير النسبة أو تطويلها هي بيدهم وأيدي أجهزتهم العتيدة التي تستطيع أن تجعلهم يفوزون بمائة وعشرين في المائة من الأصوات لو أرادت. بعبارة أخرى فهم لا يخسرون شيئاً من جيوبهم، فحتى نسبة الواحد والخمسين بالمائة من الأصوات هي نسبة رابحة أيضاً، هذا طبعاً إذا لم يكن مجرد استفتاء على مرشح واحد لا شريك له أو إذا سمح سيادته لأحد أن ينازله في الانتخابات ولو على عينك يا تاجر. فكما أننا لا نعرف بالضبط السعر الأصلي للقطعة التي باعنا إياها البائع في موسم التنزيلات بأقل من سعرها المعلن بخمسة وسبعين بالمائة، فإننا لا نعرف بالضبط النسبة الأصلية أو الحقيقية التي حصل عليها الزعيم العربي في هذه الانتخابات الرئاسية أو تلك. فقد نعتقد خطأً بأن الانتخابات كانت ديموقراطية بدليل أن الرئيس لم يحصل فيها سوى على واحد وخمسين أو ستين بالمائة تماما كما اعتقدنا خطأً أننا اشترينا القطعة بالخسارة من البائع. لكن الحقيقة أن لا البائع خسر في بضاعته ولا الزعيم خسر في عدد الأصوات المقترعة له، فما أدراك مثلاً أن الزعيم لم يحصل حتى على ثلاثة بالمائة من أصوات الشعب، وهو الأرجح، لكن أجهزة التزوير والتأليف لديه هي التي هندست له النتيجة حسب الطلب. وما أدراك أن البائع الذي باعنا القميص بعشرين ريالاً كان قد اشتراه بعشرة ريالات. بعبارة أخرى  البائع ظل رابحاً بالرغم من تخفيض سعر بضاعته بشكل حاد والزعيم ظل فائزاً بالرغم من أنه خفض نسبة الفوز بحوالي النصف. في الحالتين نحن أمام عملية تجارية حسابية مظللة لا نفهم فيها كثيراً ولا نعرف عنها شيئاً.

 

وطالما بقيت الانتخابات لدينا بيد وزارات الداخلية بعيداً عن النزاهة والمراقبة والشفافية المحترمة فإن نتائجها ستظل نكتة سمجة وخدعة مفضوحة أكانت تسعة وتسعين فاصلة تسعة وتسعين أو واحداً وخمسين  بالمائة. ألا يكفي تلك الأنظمة كذباً وتدليساً ومراوغة وتحايلاً على الشعوب؟ فبدلاً من الإصلاح الحقيقي الذي يجب أن يكون من أعلى إلى أسفل كغسيل الدرج، فابشروا أيها الرعايا العرب بمجرد تنزيلات سياسية كاذبة لا تتغير فيها سوى نسب الفوز في استفتاءات وانتخابات مزورة وفاسدة من رأسها حتى أخمص قدميها. هل صام الشعب العربي دهراً ديكتاتورياً كي يفطر على "أوكازيونات" سياسية مغشوشة بدلاً من إصلاحات حقيقة صادقة؟

 

الشرق القطرية