نكتة "الانتصار الأمريكي" على العراق

 

                         د. فيصل القاسم

 

 

كثرت في مثل هذا الوقت من العام الماضي التكهنات والتحليلات  والنظريات حول الانتصار الأمريكي السريع والخاطف على العراق. وقد تبارى المحللون والمجتهدون المندهشون في كشف سر سقوط العاصمة العراقية بغداد بتلك البساطة التي أذهلت الجميع كما لو أن الأمر يدعو إلى الدهشة والذهول. فمنهم من عزا المسألة برمتها إلى خيانة كبرى في صفوف الحرس الجمهوري الذي عوّل عليه الكثيرون في حماية بغداد. وقد امتلئت قلوب العرب حنقاً وغضباً على قائد الحرس الجمهوري ماهر سفيان التكريتي الذي اتهموه بقبض ملايين الدولارات من الأمريكيين مقابل إعطاء الأوامر لقواته كي تذهب إلى بيوتها وتفسح المجال أمام القوات الأمريكية الغازية كي تستولي على العاصمة. وقد سرت إشاعة قوية وقتها بأن قائد الحرس الجمهوري العراقي قد استقل طائرة أمريكية خاصة من مطار صدام قبل أن يصبح اسمه مطار بغداد مزوداً برزم الدولارات وجواز سفر أمريكي خاص وانطلق محلقاً إلى أمريكا كي يمضي هناك بقية حياته بعد أن باع وطنه بأوراق نقدية خضراء. لكن تبين قبل أشهر أن هذا السيناريو المتخيل الذي تسلى به الشعب العربي من المحيط إلى الخليج لشهور لم يكن له أي أساس من الصحة بدليل أن ماهر سفيان التكريتي قد شوهد في تكريت قبل أكثر من ستة أشهر بعد أن تحول إلى شخص عادي. وبظهوره ذات مرة وهو يقود سيارته في شوارع المدينة تكون نظرية الخيانة قد سقطت سقوطاً مدويا.ً ولا أريد من هذا الكلام أن أبرئ ساحة الضابط المذكور أو أياً من جلاوزة النظام العراقي السابق بل لوضع النقاط على الحروف كي لا نبقى تائهين في بحر التخمينات والحسرات والتأوهات.

 

  وقد صب آخرون جام غضبهم على قادة الجيش العراقي لإخفاقهم في وضع خطط عسكرية ناجعة للدفاع عن العاصمة. ولا شك أن الذين انتقدوا الرئيس العراقي صدام حسين لتعينه أشخاصاً غير عسكريين على رأس القوات التي تقاسمت الدفاع عن مناطق العراق الأربع كانوا محقين تماماً في انتقادهم. فقد أوكل صدام قيادة القطاعات الأربعة في الشمال والجنوب والوسط وبغداد إلى أفراد من أمثال علي حسن المجيد وعزت الدوري وابنه قصي. وهم أشخاص ليسوا معروفين بمهاراتهم القيادية والحربية. لكن صدام لم يبال فالمهم أن يكون أقاربه والمقربون منه هم قادة الحرب والمخططون لها حتى لو كانوا يفهمون في الشأن العسكري كما أفهم أنا في الانشطار النووي أو الاستنساخ البشري. فقد درجت أنظمتنا العربية العتيدة على إعطاء الخبز لا للخباز بل للزبال طالما أنه من عشيرتها أو قبيلتها أو طائفتها أو عائلتها. غير أن هذا الخطأ الاستراتيجي الفادح على خطورته، كما سنرى، ليس ذا قيمة كبرى في معادلة سقوط بغداد ومن ثم الانتصار الأمريكي المزعوم. فحتى لو كان روميل ومنتغومري على رأس الجيش العراقي لانهار بنفس الطريقة حتى لو تأخر الانهيار بضعة أيام أخرى.

 

أما "الليبراليون" العرب فراحوا يعزون هزيمة العراق برمتها إلى انعدام الديموقراطية في بلاد الرافدين وبالطبع إلى طغيان الرئيس العراقي واستبداده المقيت ودوسه لكرامة شعبه. صحيح أن الشعوب المقهورة لم تدافع أبداً عن جلاديها عندما يواجهون السقوط، لا بل من حقها تماماً أن تفرح عندما يندحر قادتها الظالمون حتى أمام الأعداء. لكن حتى هذه النظرية الطيبة والمعقولة التي قد تلاقي استحسانا وقبولا كبيرين لدى  الشعوب المقموعة التائقة إلى الديموقراطية والحرية، ليست بأي حال من الأحوال سبباً رئيسياً أو ثانوياً وراء هزيمة العراق بتلك السرعة الفائقة. فليس صحيحاً دائماً أن الدول الديموقراطية تصمد أكثر من الديكتاتورية في أوقات الحروب. فقد شاهدنا كيف استطاع جيش هتلر الديكتاتوري الفاشي أن يلتهم الدول الأوروبية الديموقراطية بسرعة البرق أثناء الحرب العالمية الثانية. بعبارة أخرى فالديموقراطية ليست دائماً ضماناً للنصر على الأعداء في وقت الحروب، كما أن الديكتاتورية  بدورها لا تنهزم دائماً في المعارك كما حدث لنظام صدام حسين. فقد شاهدنا كيف استطاع نظام ستالين الموغل في الديكتاتورية أن يحقق النصر تلو الآخر. بعبارة أخرى فإن أسباب هزيمة العراق النكراء تكمن في مكان آخر تماماً غير الخيانة والتخطيط العسكري  والاستبداد.

 

بعد مرور عام على الغزو الأمريكي للعراق ذاب الثلج وبان المرج، فقد أخذ الضباط الذين شاركوا في الحرب يروون قصصهم وبالتالي يضعون النقاط على الحروف ويحلون الطلاسم والأحاجي ويكشفون الأسرار الحقيقية وليس المتخيلة لسقوط عاصمة الرشيد بذلك الوقت القياسي، مع العلم أن ما كشفوه لا يرتقي أصلا إلى مرتبة الأسرار، فقد كتبت مقالاً في نفس هذا المكان من صفحة الرأي في جريدة الشرق قبل حوالي عام تحت عنوان "حرب الفيل والفأر" زعمت فيه أن المعركة بين أمريكا والعراق كانت أشبه بمعركة بين فيل وفأر. وبالتالي لا داعي للحديث عن انتصار أو حتى التعجب والذهول من سقوط العاصمة العراقية بتلك السرعة، فالنتيجة كانت محسومة سلفاً. وإذا كان لنا أن نتعجب ونـُصاب بالذهول الشديد فعلاً كان يجب علينا أن نصغي إلى شهادات بعض الضباط العراقيين المشاركين في الحرب.

 

قبل أن أروي ما سمعته عن الاختلال الرهيب في موازين القوة بين الجيش الأمريكي والجيش العراقي، لا بدأن أذكـّر فقط بأن إجمالي الناتج القومي الأمريكي هو أحد عشر ترليون دولار بينما لا يصل إجمالي الناتج القومي العراقي إلى ستة وعشرين مليار دولار أي أنه بمثابة مصروف جيب بالنسبة للإدارة الأمريكية. أما إجمالي الإنفاق العسكري الأمريكي على التسلح فهو أكثر من أربعمائة مليار دولار، أي ما يعادل كل ما تنفقه دول العالم مجتمعة على التسلح والدفاع. وقد اتضح ذلك بجلاء من خلال شهادات العسكريين العراقيين الذين فتحوا قلوبهم في برنامج الزميل أحمد منصور" بلا حدود".

 

يشير أحد قادة قوات الدفاع الجوي العراقية إلى حقيقة قلما تركز عليها وسائل الإعلام العربية والعالمية ربما لتضخيم "الانتصار" الأمريكي والإمعان في إذلال العراقيين بشكل خاص والعرب بشكل عام. يقول ذلك القائد إن العراق كان يتعرض لحرب استنزاف أمريكية بريطانية منذ ثلاثة عشر عاماً دون انقطاع أي ابتداء من عام واحد وتسعين بعد طرد العراق من الكويت، فلم يمر يوم إلا وكانت الطائرات الأمريكية تقوم بطلعات جوية فوق الأراضي العراقية مما كان يستدعي بالضرورة أن تقوم المدفعية وبطاريات الصواريخ العراقية بالرد على الطائرات الأمريكية التي كانت مهمتها الأولى والأخيرة طوال تلك الفترة استنزاف ما تبقى للعراق من عتاد في معارك جانبية حتى يكون شبه أعزل حينما تحين ساعة الحسم العسكري الأمريكي معه يوم العشرين من آذار/ نيسان من عام ألفين وثلاثة . وتعتبر عملية الاستنزاف في الخطط العسكرية أحد أهم وسائل إنهاك العدو. وقد شاهدنا كيف استطاعت مصر بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أن تستنزف العدو الإسرائيلي بعد نكسة سبعة وستين على مدى ثلاث سنوات تمهيداً لحرب تشرين/ اوكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين. وقد نجحت خطة الرئيس عبد الناصر نجاحاً باهراً بالرغم من ضعف القدرة العسكرية المصرية وقتها بسبب الهزيمة. وقد كان الاستنزاف المصري لإسرائيل مقدمة للنصر الذي تحقق في الحرب اللاحقة. فما بالك إذا كانت أمريكا بقوتها العسكرية غير المسبوقة في التاريخ هي التي تقوم باستنزاف قوة أخرى هزيلة أصلاً.

 

وعندما بدأ ما يسمى بحرب تحرير العراق قبل عام كان الجيش العراقي في حال يـُرثى له ليس بسبب الاستنزاف الأمريكي فحسب بل أيضاً بسبب الحصار الذي شل قدرته إلى أبعد الحدود. فقد قاتل الجيش العراقي عام ألفين وثلاثة بأسلحة مصنوعة عام ألف وتسعمائة وستين، أي في منتصف القرن الماضي تقريباً. وكم شعرت بالحزن وأنا استمع لضابط عراقي يقول إن الحصار اضطر الجيش العراقي إلى إعادة تأهيل واستخدام مدفعية لم تعد مستخدمة في أي بلد في العالم بما فيها البلدان التي صنعتها وكانت قادرة على تطويرها. والجيش العراقي نفسه كان قد سحب تلك المدفعية المضادة للطائرات من الخدمة عام ألف وتسعمائة وثمانين لأنها لم تعد مناسبة للقتال أبداً. لكن ظروف الحصار اضطرته إلى إعادتها إلى القطعات العسكرية. ويذكر الضابط كيف حاولوا أن يطوروا حشوة القذيفة بحيث يزداد مفعولها لكنها بدلاً من أن تنطلق من فوهة المدفع باتجاه الطائرات المغيرة كانت في أحيان كثيرة تنفجر داخله هذا في الوقت الذي كانت تطير فيه طائرات البي اثنين وخمسين الرهيبة على ارتفاعات عالية جداً بحيث لا تراها الرادارات المتطورة فما بالك العراقية التي تعود للقرن الماضي. وبالرغم من بسالة الجندي العراقي المعهودة فإن القوة التدميرية الهائلة للسلاح الأمريكي جعلته يخرج من الدبابات بعد أن رأى الصواريخ الأمريكية المنبعثة من الحاملات أو الطائرات لا تدمر المدرعات والدبابات العراقية وتقطعها إرباً إرباً كما كان الحال دائماً في الماضي بل كانت تحولها إلى سائل مائع. أما الجنود فكانت القذائف الأمريكية تحولهم إلى ما يشبه السجائر المحروقة أي إلى رماد كالرماد الذي نشاهده في صحون السجائر  بعد احتراقه وذلك بشهادة الضابط العراقي المذكور.

 

وبينما كانت أمريكا تستخدم أحدث وأخطر طائرات في العالم، كان العراق مجرداً تماماً من قوته الجوية، فإيران لم تـُعد له الطائرات التي أودعها لديها بعد حرب الخليج الأولى، ناهيك عن أن ما تبقى له من طائرات لا تستطيع أن تبقى في الجو للحظات حيث كان بإمكان الطائرات الأمريكية أن تسقطها حتى قبل أن تقلع. بعبارة أخرى لقد كان العراق مهيض الجناح تماماً من ناحية القوة الجوية التي تـُعتبر عصب الحرب الحديثة. وقد شبه أحدهم العراق بعصفور مقصوص الجناحين يقاتل أخطر أنواع الصقور الجارحة. وكلنا يعرف أن العصفور المجنح لا يستطيع الصمود أمام الصقر للحظات، فما بالك إذا كان بلا جناحين.

 

وكم شعرت بالضحك والحزن معاً وأنا استمع للضابط العراقي المذكور وهو يتحدث عن عمليات الاستطلاع التي كانت تقوم بها القوات العراقية. فمن المعروف أن الاستطلاع وتحليل المعلومات ركن أساسي من المعارك الحديثة، فبينما كانت طائرات التجسس والاستطلاع الأمريكية تحلق على مدار الساعة فوق المواقع العراقية وتلتقط لها آلاف الصور ثم ترسلها في الحال إلى مراكز القيادة والتحليل كي تخطط لضربها وتدميرها بعد دقائق كان الجيش العراقي يعتمد على دراجات نارية قديمة ومهترئة لمعرفة تحركات العدو. فكانوا يرسلون جندياً على ظهر الدراجة كي يتعرف على مواقع القوات الأمريكية ثم يعود إلى قائد القطعة العسكرية كي يعلمه بتحركاتها. وكان ذلك يستغرق وقتاً طويلاً بحيث تكون القوات المعادية قد غيرت مواقعها في تلك الأثناء. لقد كان يعوز العراقيين حتى أبسط وسائل الاستطلاع المتمثلة بطائرات التجسس، فاعتمدوا على الدراجة. وبينما كان الأمريكيون يعتمدون على التحكم والسيطرة على المعركة كان العراقيون غير قادرين على الاتصال والتواصل فيما بينهم لتنسيق جهودهم الحربية والقتالية. لقد سقط العراق طبيعياً كما تسقط الثمرة الناضجة في حضن شخص جالس تحت شجرة .

 

لم يكن بإمكان أحد أن يسميها معركة. فلو كانت المنازلة مثلاً بين الملاكم الشهير مايك تايسون وبطل الملاكمة لويس لينوكس وانتصر أحدهما على الآخر لسميناه نصراً، أما أن يفوز لص مدجج بالقنابل والحراب على صاحب منزل مريض يحمل عكازاً نخره السوس فهذه نكتة سمجة ينبغي أن لا تثير لا الذهول ولا الإحباط ولا الصدمة بل السخرية لا أكثر ولا أقل.