English | أمين بكلمات | أخبار و تقارير | آراء حرة | كاريكاتير | صحف و مجلات | صحفيون و كتّاب | صحافة إسرائيلية | نقاش بالعربية | دفتر الزوار
مقالات أخرى من د. شاكر النابلسي أمين: الصفحة الرئيسية > آراء حرة > د. شاكر النابلسي

23 نيسان 2004

الفضائيات ودورها في الثقافة العربية

بقلم: د. شاكر النابلسي*

دخل الإعلام العربي عصر القنوات التلفزيونية الفضائية العربية منذ أكثر من عشر سنوات. وكان لبعض القنوات الأمريكية - خاصة في حرب الخليج - الفضل في هذا التدفق التلفزيوني الفضائي العربي. وكعادتنا –نحن العرب- في حب التقليد الأعمى والأخذ بالمظهر دون الجوهر، تدافعنا بقنواتنا التلفزيونية إلى الفضاء دون تخطيط، ودون دراية، ودون علم، ودون دربة. فكنا كـ (الهجين الذي وقع في سلة التين) كما يقول المثل الشعبي.

فالانتقال بالإعلام التلفزيوني من الدائرة القطرية إلى الدائرة القومية ثم إلى الدائرة العالمية ومن الأرض الى الفضاء، كان يلزمه الكثير من تبديل السياسات الإعلامية، وتبديل اللغة الإعلامية، والعقل الاعلامي، والاعتبارات الثقافية للمتلقي الجديد، هذا إذا كنا نريد أن يكون لنا إعلام حر. بمعنى أن المتلقي التونسي أو الأردني أو اللبناني لا يخاطب بنفس اللغة الإعلامية التي يخاطب بها المتلقي المصري لاعتبارت كثيرة منها المستوى الثقافي ونسبة الأمية ودرجة الاتصال بالآخر. والمتلقي العربي في أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا وكندا لا يخاطب بنفس اللغة الاعلامية التي يخاطب بها المتلقي الليبي داخل ليبيا. ولكن الإعلام العربي لم يلتفت إلى كل هذه الاعتبارات المهمة . وكل ما فعله الإعلام العربي أنه نقل أطناناً من (الغثاثة) الإعلامية من الأرض إلى الفضاء. وهو بذلك وسّع من دائرة انتشار (الغثاثة) التي كانت تزيد من الإضرار والتجهيل والإظلام الثقافي الذي كان يشمل القطر المُرسِل فقط. وكل ما فعله الإعلام العربي (العتيد) أيضاً أنه طوّر "الوسائل التقنية" للإعلام، ولم يطوّر "الرسالة الإعلامية" ذاتها بما يتلاءم وعقل المتلقي الجديد الذي أصبح يملك مفاتيح الإعلام العالمي كله، وقد زالت الحدود، وتكسرت القيود، وهُدمت السدود. وأصبح مالكاً للحقيقة بعد أن كان مملوكاً للظلام. وأصبح المتلقي هو الذي يفرض ذوقه على الإعلام بعد أن كان الإعلام هو الذي يفرض رسالته على المتلقي. وأصبح العالم بين يدي المتلقي من خلال جهاز نقال لا يتجاوز حجمه حجم (خُرْج المكاري) والدنيا كلها بين يديه وهو جالس في حديقته يشرب شاي الساعة الخامسة مساءً، أو على كرسيه الهزاز في الشرفة المطلة على حمام السباحة، أو وهو قابع في جبال اليمن وجبال أوراس، أو تائه في صحراء الجزيرة العربية، أو مستلقٍ على شواطيء لبنان، أو منفي في صعيد مصر.

مصرع الثقافة ..
لا يهمنا في هذا الكلام الرسالة السياسية المتخلفة التي ينقلها الإعلام العربي عبر الفضائيات وكأنه يخاطب بها أطفالاً متخلفين عقلياً، هذا إذا كانت هناك رسالة حقاً. ولا يهمنا في هذا المقام الرسالة الاقتصادية التي لا يوجد فيها أي مرجع موثوق – غير صرح مصدر مسؤول - لكي يتأكد المرء من صحة ما يُقال وما يُذاع من أرقام مزورة لا تمت إلى الواقع بصلة. والدليل على ذلك هو ما نحن فيه الآن من جوع وفاقة وحرمان وعري. فالإعلام العربي لم يحذرنا في يوم من الأيام من الخطر الاقتصادي الماحق والضائقة الاقتصادية التي نعيشها الآن في طول العالم العربي وعرضه. ولم يحذرنا من الفقر والجوع والبطالة والشحاذة على أبواب الجوامع كما نفعل الآن، بل هو صوّر لنا أن العالم العربي مستقبلاً سيكون بخير وفير ونعمة دائمة يجب أن نشكر القيادات عليها، ونمنحها دائماً صكوك الولاء والطاعة والدعاء باستمرار الحال ودوام الاستقرار. ولكن ما يهمنا في هذا المقام هو مصرع الثقافة في هذه الفضائيات (الفاضيات).

فكيف أصبح حال الثقافة في هذه (الفاضيات)؟

من الواضح أن النظام العربي السياسي أدرك منذ البداية أهمية التلفزيون، وأهمية السيطرة التامة على هذه الوسيلة ومن هنا كانت كافة محطات التلفزيون العربي التي تبث من داخل الوطن العربي ومن خارجه ملكاً للدولة العربية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. واعتُمدت الاموال الطائلة للانفاق على هذه المحطات. فقد تجاوزت ميزانيات وزارات الاعلام في بعض الدول العربية ميزانيات وزارات التربية والتعليم أو الصحة أو أي مرفق من مرافق الخدمات العامة الأخرى. وكان الهدف من ذلك ليس نشر الوعي السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي من وراء هذه الميزانيات المرصودة الضخمة لكي يرقى المجتمع الى درجات أفضل ويتقدم خطوات الى الأمام، ولكن الهدف كان وصول عقل النظام وأفكار النظام وسياسة النظام ويوميات النظام وحركاته وسكناته الى المتلقي، ليكن النظام أقرب الى المتلقي من حبل الوريد، وليكن خطاب النظام واضحاً وضوح الشمس، مضيئاً لامعاً كعين الديك.

وفي ظل هذه السياسة الاعلامية التي اتبعها النظام العربي السياسي، ضاعت الثقافة بين الأرجل وتزاحم أقدام (المطبلين والمزمرين) و(الزفّات) الاعلامية للأنظمة التي تقيمها محطات التلفزيون العربية. فكما حوصرت الثقافة العربية من قبل الأنظمة في الأرض فقد حوصرت كذلك في الفضاء. وكما وقفت الأنظمة العربية متفرجة فرحة على النسبة المئوية المخزية والفاضحة للأميّة العربية فقد سُعدت بزيادة هذه النسبة بواسطة الفضائيات التي تقوم بتربية المتلقي على أن تشييئه وجعله (حصّالة) متلقنة بدون عقل يفكر ويحاور ويحلل ويفسر ويستنتج. وهو ما تريده الأنظمة العربية من المواطن العربي.

الفضائيات ساهمت في زيادة نسبة الأميّة..

يقول بعض خبراء التربية والتعليم في العالم العربي أن زيادة نسبة الأمية الأبجدية والأمية الثقافية في العالم العربي في السنوات العشر الأخيرة كان من أسبابها الرسالة التلفزيونية الفضائية التي تشجع المتلقي على المشاهدة لا على القراءة، وعلى التبلد العقلي لا على النشاط الذهني، كما تقدم له ما يُسلّيه لا ما يُثقفه، وما يُخدّره لا ما يُطوره ويرقى به. كما يُعلّم التلفزيون المتلقي العربي أساليب جديدة في التهريج والتجهيل والكسل العقلي وصناعة وفن التفاهة والفهلوة. وأنه في ظل حصار الكتاب العربي حصاراً حديدياً، من قبل أجهزة الرقابة ومن قبل الناشرين الذين يسعون وراء الكتاب السريع الربح القصير الأجل دون الكتاب البطيء الربح الطويل الأجل، ومنع وصول الكتاب الجيد الى القاريء العربي بفعل تخلّي الدولة عن دعم الكتاب وارتفاع ثمن الكتاب الذي أصبح يساوي في المتوسط ثمن عشر (ربطات) من الخبز تكفي العائلة مدة اسبوع كامل، وفي ظل انتشار كتب السحر والتراث والكتب الدينية التي لا تقدم جديداً بقدر ما (تعلك) قديماً مستهلكاً، وفي ظل تواري أو انحسار الفن المسرحي الجيد وكلفته العالية الذي يُربي الذوق العام.. في ظل كل هذا أصبحت الفضائيات العربية هي المصدر الوحيد والرخيص والسهل والممتع للتسلية المجانية والمعرفة المبرمجة الموجهة السطحية التي تُشبع ولا تُغذّي، وتُتخم ولا تُفيد، وتنفخ ولا تقوّي، وهي بمثابة (تبن المركوبات).

ومن خلال هذه (الموالد) و(الزفات) و (الكرنفالات) السياسية والاجتماعية والفنية التي تقدمها الفضائيات ليلاً نهاراً وعلى مدار الأربع والعشرين ساعة، أصبحت الثقافة في (خبر كان)، حيث تم تطبيق القواعد الفضائية التهريجية والسطحية المطبقة على البرامج السياسية والاجتماعية والفنية على البرامج الثقافية كذلك. واتسمت البرامج الثقافية بالضحالة والسلبية والجهل والاستهتار بدور الثقافة في بناء حضارة الشعوب.

الفضائيات ساهمت في انتشار الأفيون الرخيص!

منذ دخل التلفزيون البيت العربي، أصبح هو مكتبة العربي، ولم يعد للكتاب من موضع في البيت العربي.

أصبح التلفزيون هو الراوي والرواية. وساعد على ذلك انتشار الفضائيات العربية على هذا النحو الذي نراه الآن.

في البداية كان الفيلم المصري في السينما والتليفزيون هو الرواية العربية "الممتعة" والمخدّرة لسواد الناس، التي لا تتطلب تفكيراً، ولا تأملاً، ولا دليلاً، ولا ناقداً مفسراً، ولا قاموساً، بقدر ما تتطلب ملء المعدة بأكلة دسمة، واغلاق العقل بـ (الضبّة والمفتاح)، والاستلام للخدر اللذيذ.

ولقد سمعت من بعض المخرجين السينمائيين المصريين على وجه الخصوص، أنهم كانوا يستبعدون كل جملة أو كل موقف يمكن أن يضطر المشاهد إلى أن (يُتعب مخه)، أو (يُشغّل مخه)، أو أن يعجز عن أن يفسر المشهد كما شاهده وفهمه لأول وهلة. وأصبحت مشاهدة الأفلام (الممسوخة) عن الروايات العربية أكثر امتاعاً للمتلقي من قراءة الروايات المكتوبة الأصلية. فهي الأرخص ثمناً، والأسهل ابتلاعاً، والأمتع تلقيّاً، والأقل جهداً.

فالذين شاهدوا واستمتعوا بأفلام روايات نجيب محفوظ واحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ويوسف ادريس ويحيى حقي ويوسف القعيد وغيرهم من الروائيين المصريين الذين تحولت رواياتهم إلى أفلام (ممسوخة)، لم يرضَ عنها معظم هؤلاء الروائيين، بعد أن تحولت هذه الأعمال الفنية من (فن) إلى (رَنّ). ولم تستطع السينما المصرية أن تضيف أبعاداً فنية جديدة إلى الروايات الأصلية كما فعلت السينما الأمريكية، أو كما فعلت السينما الإيطالية واليابانية والصينية. بل إن السينما المصرية انتقصت كثيراً من قيمة الأعمال الروائية، واخذت منها ما (يُطيّب خاطر) المتفرج، و(يشرح صدره)، و(يفُك عُقده)، ويدغدغ مشاعره، ويخدّره، ويوهمه. وبذا لم تعد السينما المصرية في معظمهما اضافة فنية للرواية العربية بقدر ما كانت مسخاً ممسوخاً لها.

وتطور الحال بالنسبة للروي التلفزيوني، فجاءتنا (الدراما التلفزيونية) بعد أن كانت الدراما الإذاعية قد ألهبت مشاعرنا وخيالنا، وخاصة في ليالي رمضان من كل عام، من خلال الروايات التاريخية وعلى رأسها (ألف ليلة وليلة). واستطاعت الدراما التلفزيونية أن تخطف نسبة كبيرة من المشاهدين للسينما لمجانية سعرها، ولسهولة الوصول اليها، ولسهولة تلقيها. وقد أدرك كتّاب الدراما التلفزيونية هذه الخاصة، فعملوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً لكي يريحوا المتلقي الراحة التامة بتقديم (السهل المبتلِع) غير القابل للتفكير، والتأمل، والحيرة، والبحث، والحفر. فقدموا لنا الدراما الإذاعية المغلوطة إن كانت تاريخية، والمزوّرة إن كانت سياسية، والمبتذلة إن كانت رومانسية، والجاهلة إن كانت اجتماعية، والُمضللة إن كانت دينية. وابتعدوا عن كل ما يدعو المتلقي للتفكير، والتأمل، والبحث، وإعمال العقل. واكتفوا بتبنّي مهمة (التخدير) كمهمة أساسية للعمل الدرامي. وأصبحت الدراما التلفزيونية بمثابة (أفيون العرب الرخيص) السهل الحصول عليه، والذي لا يستدعي التخفّي، والتقيّة، والمال الوفير والهروب من أعين الحراس. واستطاع (كتّاب) الدراما التلفزيونية أن يخطفوا المتلقين والقراء من الرواية والقصة القصيرة والمسرح والسينما والدراما الإذاعية. فضعُف الاقبال على الرواية إلا ما ندر، وأصاب القصة القصيرة الكساد، فقد حلّت (حلقة) المسلسل التلفزيوني محلها، وأصبح المسرح الجاد في (خبر كان)، ولم يُكتب الاستمرار والاقبال إلا للمسرح التهريجي الذي يؤمه أصحاب الجيوب المنتفخة، حتى أن بعض الفرِق المسرحية المصرية اتُهمت بأنها تقدم عروضاً خاصةً لأهل الخليج القادرين على دفع ثمن التذكرة الباهظ على جيب المواطن المصري، صاحب (العشرة عيال).

أضرار الأفيون الرخيص!

فما هو الأثر التي تركته الدراما التلفزيونية على الثقافة العربية من خلال كونها (أفيون العرب الرخيص) والتي ساهمت الفضائيات العربية في انتشارها على هذا النحو الخطير من انتشار الفطر؟

لقد كان لهذا (الأفيون) آثاره البالغة الضرر والتي منها:

-أفقدت الدراما التلفزيونية الكتاب دوره التثقيفي البالغ الأهمية. وأصبح كاتب الدراما التليفزيونية أهم من كاتب الرواية في نظر المتلقي. فكان يُشار مثلاً لا حصراً إلى واحد كأسامة أنور عكاشة بأنه "عبقري" الدراما التلفزيونية، ويُقارن دائماً بنجيب محفوظ عبقري الرواية العربية، وليس بيوسف ادريس، أو توفيق الحكيم، أو عبد الرحمن منيف، أو الياس خوري، أو غالب هلسا، أو جمال الغيطاني، أو مؤنس الرزاز، أو ابراهيم الكوني مثلاً.

- ساعدت الدراما التلفزيونية على الحفاظ على نسبة الأميّة الأبجدية كما هي، وزادت من نسبة الأميّة الثقافية، بحيث أصبحت غالبية المتلقين تسعى إلى المشاهدة لا القراءة، وإلى ازجاء الوقت لا إلى إذكاء الذوق، وتتحاشى مشقة القراءة، وتستسلم لخدر شاشة التلفزيون اللذيذ، لا لقلق صفحة الكتاب. ونحن لا ننكر أن عدد المتلقين للدراما التلفزيونية في العالم أجمع أكبر بكثير من عددهم بالنسبة للرواية وباقي الفنون الأدبية الأخرى. ولكن "العالم الآخر" لم يتخذ من الدراما التلفزيونية بديلاً للفنون الأدبية الابداعية الأخرى كما حصل في العالم العربي، وانما أضاف الدراما التلفزيونية - التي هي فن رفيع أيضاً في "العالم الآخر" – إلى باقي الفنون الأخرى التي تربي الذوق العام تربية رفيعة، وترقى بهذا الذوق إلى الأعلى، وتقدم للمشاهد المعرفة الصحيحة، فيما لو علمنا أن كتّاب الدراما التلفزيونية في "العالم الآخر" هم من صفوة المثقفين والمبدعين، حيث الجمهور المتلقي المثقف الذي لا يرضى ولا يُقبل إلا على الجيد المتقن، في ظل منافسة حادة وشرسة بين هؤلاء المبدعين لـ "فن" الدراما التلفزيونية التي لم تصل إلى حد (التأفيُن والأفْينة) كما هو حاصل في العالم العربي، وحيث الخيارات الثقافية الجيدة الأخرى متوفرة كالسينما والمسرح وغيرها.

- وبما أن معظم الأعمال الدرامية التلفزيونية العربية من نوع (السهل المبتَلِع) وليس من (السهل الممتنع) الذي لا يحتاج إلى تفكير، أو إعمال للعقل والذهن، فقد تربى العقل العربي لسواد الناس على البلادة و (التنبلة) والخدر والتعطيل والاقفال، وانتفت الرياضة العقلية التي يمارسها قارئ الكتاب عادة من حياة العربي المتلقي، مما ألحق الصدأ والخلل والخمول بهذا العقل الذي لم يعد يتمكن من العمل والإعمال في شؤون الحياة الأخرى.

- أصبح المتلقي العربي يسعى إلى التماهي مع الحياة المزيفة التي تقدمها الدراما التلفزيونية العربية. فمسلسل (الحاج متولي) مثلاً لا حصراً كان الصورة المثلى والدليل القاطع للعربي القادر مادياً على الزواج من أربعة نساء بالحلال الزلال. وقد تماهى كثير من المتلقين بـ"الحاج متولي" واتخذوه مثلاً أعلى، ورداً واضحاً على آية (ولن تعدلوا) التي جاءت لتؤكد الاستحالة في الجمع بين نساء أربع بالعدل. وتلك من الذاريات الماحقات لمجتمع فقير ومتخلف كالمجتمع العربي، كثير العدد، قليل المدد، والمشنوق بحبل من مسد!

- أصبحت الحقيقة المثلى التي يسعى إلى معرفتها المتلقي العربي هي التي يقدمها له كاتب المسلسل الذي يكون في معظم الأحيان كويتباً من الدرجة العشرة في معرفته ووعيه السياسي والاجتماعي والثقافي. وأصبح الأديب العربي الحقيقي المبدع منـزوياً ومحشوراً في زاوية ضيقة هي زاوية النخبة القليلة العدد، حيث لا مجتمع قارئاً هناك، ولكن هناك مجتمعاً مشاهداً فقط. وتلك من أكبر النكبات الثقافية التي يمكن لأي مجتمع أن يُنتكب بها.

- أصبح ممثلو الدراما التلفزيونية هم المثل الأعلى للمتلقين وليس الكتاب والمثقفين. وامتلأت الفضائيات العربية بهم في برامج المقابلات وأحاديث الصباح والمساء، والفجر، والليالي العشر. وأصبحت أحاديثهم التافهة المملة الغبية التي تنمُّ في معظمها عن جهل مطبق في الثقافة الفن والسياسة والاقتصاد والاجتماع والدين وغير ذلك من شؤون الحياة العربية هي القول الحق، ولُب الطَّق، والخطاب الفصل، والكلام الجزل، بالنسبة للمتلقين. وأفُلَ نجم العلماء وسطع نجم "العوالم"، كما قال الكاتب السوداني الساخر جعفر عباس. وهذا أدى بالتالي إلى تجهيل المتلقي، وتأهيله للخبل وقلّة العقل، وعدم ادراكه لحقيقة ما يدور حوله. وتلك من أكبر النازلات التي يمكن أن تصيب مجتمعاً هشّاً كالمجتمع العربي.

ظل خطة مستقبلية لاختفاء البرامج الثقافية التي تشكل 13? من البرامج التلفزيونية، وتحويل هذه النسبة لزيادة مساحة الدراما التلفزيونية (الأفيون العربي الرخإن صانعي الأفيون العربي عرفوا كيف يسوّقون هذا "الأفيون" الرخيص لأكثر من ستين مليون أُمي القراءة والكتابة، ولأكثر من مائة مليون أُمي الثقافة، لا يقرأون، ولا يفكرون، في العالم العربي، ومن خلال 140 قناة فضائية عربية، ونسبة 69? من المشاهدين الذين يشاهدون التليفزيون لمدة أربع ساعات يومياً، وفي يص)، وذلك كله وصف ومقومات لسوقٍ من النادر أن تجد لها عصابات (كارتيل) الأفيون العربي الرخيص مثيلاً.

تلك هي أخطار الأفيون العربي الرخيص على العقل العربي والثقافة العربية والذي ساهمت في نشره وسهولة تناوله الفضائيات العربية الآن.

ولعل المفارقة الكبرى المضحكة والمبكية في آن واحد، هي أن البلد العربي الأكثر استهلاكاً للأفيون الحقيقي، هو نفسه البلد العربي الذي يُصدِّر أكبر كمية من الأفيون المجازي!

الفضائيات في عيون الأكاديميا..

ولكي نضع أصابعنا على حقائق واقع الفضائيات الثقافي دعونا نقرأ هذه الحقائق من خلال دراسة علمية أكاديمية .

لقد قام حديثاً قسم الصحافة في احدى الجامعات الأمريكية بالاشتراك مع جهة استطلاعية عربية في الشرق الأوسط وبمساعدة مجموعة من الطلبة العرب الذي يدرسون في هذه الجامعة باجراء مسح ميداني ودراسة أكاديمية لدور الفضائيات العربية في نشر وتطوير الثقافة العربية المعاصرة من خلال الإعلام المرئي كجزء من النشاط الأكاديمي لهذه الكلية.

فماذا كانت النتيجة؟

انها الفضيحة الكبرى.

واليكم الحقائق التالية بالأرقام:

- لغة الإعلام الفضائي: تتميز لغة الإعلام الفضائي بالركاكة والاخطاء اللغوية الشنيعة التي بلغت نسبتها أكثر من 45% من جملة ما يُذاع. كما تتميز لغة الإعلام الفضائي بأنها لغة مثيرة مُحفِّزة أكثر منها مُقنعة ومحاورة. وهي لغة تصادر الرأي الآخر، وتستعمل في البرامج الحوارية Talk Shows لغة التهييج والاستنفار والشعارات البراقة والعبارات الانشائية الخالية من الموضوعية. وهي اللغة التي كانت وما زالت سائدة في الشعر السياسي القديم والحديث كذلك.

- البرامج الثقافية: نسبة البرامج الثقافية إلى مجموع الارسال العام لا تتعدى نصف بالمائة من مجموع الارسال العام. وفي 34% من المحطات الفضائية لا توجد برامج ثقافية اطلاقاً ، فيما لو علمنا أن نسبة الأمية في العالم العربي أكثر من ستين بالمائة. وأن هناك ستين مليون في العالم العربي حسب تقرير التنمية البشرية في العالم العربي الصادر عن الأمم المتحدة في العامة 2002 . وأن الإعلام المرئي هو الوسيلة المؤثرة لتعميق ونشر الثقافة بين الجمهور العربي المتلقي وخاصة الأميين منهم.

- مواضيع البرامج الثقافية: لا تُقدم الفضائيات أي برنامج ثقافي تتعارض فكرته مع الأيديولوجية السياسية أو الدينية للدولة صاحبة القناة، علماً بأن كافة القنوات الفضائية تملكها السلطات أو رجال أعمال من عظام رقبة هذه السلطات.

- ضيوف البرامج: نسبة ضيوف البرامج من الممثلين والممثلات والمغنيين والمغنيات والراقصين والراقصات إلى نسبة الكتاب والشعراء والنقاد والمفكرين هي 99% لصالح الأولين، و 1% فقط لصالح الآخرين. ومن هنا يتبين لنا بأن الثقافة العربية اختُصرت بأهل السينما العربية (سينما الشُقق والزارات) وبأهل الغناء من الجيل الجديد (غناء القردة المقلّدة بغباء وتفاهة مخجلة). وهناك احصائية تقول بأن عدد المغنين والمغنيات من الشباب في العالم العربي الآن حوالي 250 مغنٍ ومغنية، وهو أكبر رقم شهده الغناء العربي طوال تاريخه.

- الغناء والثقافة: نسبة الغناء وخاصة (الغناء الشبابي في هذه الأيام) الذي وُصف بأنه غناء يُسمع لمرة واحدة فقط – هذا إذا سُمع - ثم يُلقى في (صفائح الزبالة) (Disposable) إلى نسبة البرامج الثقافية (عرض كتاب، مقابلة مع شاعر أو أديب أو ناقد أو مفكر أو رسام أو نحات) لا يتجاوز نصف بالمائة لصالح البرامج الثقافية!

- رجال الثقافة: تكاد الطليعة (العلمانيون، والتقدميون، والشعراء الحداثيون، والمناوءون للمؤسسة السياسية والدينية) من رجال الثقافة في الأدب والنقد والفكر أن تكون مستبعدة من البرامج الثقافية - إلا ما ندر - فيما لو علمنا أن هذه الطليعة مستبعدة أيضاً من جوائز الدولة والهيئات الثقافية التابعة للدولة أيضاً. وأن رجال الثقافة الذين يُستضافون في البرامج الثقافية أغلبهم موظفون رسميون في أجهزة إعلام السلطات.

- زمن الثقافة: المحطات الفضائية التي تقدم برامج ثقافية اسبوعية، لا يتجاوز فيها زمن هذه البرامج عن نصف ساعة اسبوعياً فقط. وعادة ما يقدم في هذه البرامج عرض لكتاب ما، لا يقول شيئاً جديداً وتكون السلطة السياسية راضية عنه، ولا يتعارض مع أيديولوجيتها، وشرط أن لا يمس مُحرّمين رئيسيين: الجنس والدين.

- الدين والثقافة. نسبة البرامج الثقافية إلى البرامج الدينية - ومعظمها هذه الأيام ينصب على مهاجمة الغرب الكافر، وعلى المستعمر الجديد، والحملات الصليبية، وعلى مبشري العولمة والعلمانية، وعلى محاولة تبرئة العرب من كراهية الغرب وعمليات الارهاب - لا يتجاوز عشرين بالمائة. ولاحظ المسح الميداني الأكاديمي أن رجال المؤسسات الدينية من مسيحيين ومسلمين قد اقتحموا المجال السياسي اقتحاماً كبيراً مما جعلهم نجوم السياسة اللامعين (الشيخ يوسف القرضاوي والكاردينال صفير مثالاً لا حصراً) على شاشات الفضائيات. وهو ما يعيد جدلية ربط الدين بالسياسة مئات السنين إلى الوراء.

هذا هو جانب من الإعلام العربي (العتيد) الذي ينادي بعضهم بالتوجه به إلى الغرب وبرصد ملايين الدولارات من أجل ايصاله إلى (الحي الغربي) لتجميل الوجه القبيح، لتكون الفضيحة مضاعفة وبـ (جلاجل) أيضاً. فلا يكفي أن نلقي بأطنان (الغثاثة) في حينا الشرقي، ولكن علينا - تعميماً للفائدة - أن ننشرها في (الحي الغربي) أيضاً.

*كاتب وناقد أردني.

Top