|
جـوزيـه
سـارامـاغـو المتـشـائم الذي يعلّمنا الأمل في أول مقابلة له
بالعربية:
شـرط
الـكــتـابـة لـيـس الإلـهــام
بـل قـرار
الـجـلـوس وراء الـمـكـتـب والـروايـة تـأتـي مـن
تـلـقـائــهـا
جـمـانـة حـدّاد
جمانة حداد
تحاور جوزيه ساراماغو.
|
يوقّع.
|
أنا الشخص نفسه الذي
كنته قبل ان أفوز بنوبل. |
لا يحق للأمّ التمييز بين أبنائها، ولا الشجرة
بين غيومها، لكني سأشذّ ولو لمرّة واحدة عن هذه القاعدة من دون أي عقدة
ذنب، لأقول إن الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو هو أنقى الملعونين
الذين التقيتهم وأكثر مشاريعي المتحققة إصرارا على الحلم. فهذا العصامي
الفارع الذكاء والموهبة، الذي أعطى ما يزيد على ثلاثين مؤلفا في
الرواية والشعر والمقاربة والمسرح، والذي باعت كتبه نحواً من أربعة
ملايين نسخة وتُـرجم الى أكثر من 30 لغة، لطالما سكن مخيّلتي بأفكاره
واسلوبه ولغته ورؤاه الاستثنائية، من "سنة موت ريكاردو ريّس" الى
"العمى" و"الكهف"، مرورا طبعا برائعته "الإنجيل بحسب يسوع المسيح".
ولكن بعدما هجستُ طويلا بجمال الكاتب، اكتشفتُ في الثامن والعشرين من
الشهر الفائت كم أنّ الإنسان يضاهي توأمه رقيّـاً وعمقاً وبروقاً.
يتحدّث ساراماغو مزيجا عجيبا من الإسبانية
والبرتغالية، مزيجا يشكّل لغة ثالثة خطر لي أن أسمّيها "الإسباغالية".
سألني عن بلادي وشعبي وعن جريدة "النهار"، وعبّر عن إعجابه بهذه
"المؤسسة التي تولي الأدب العالمي أهمية وتعطيه صوتا ومكانا في عصر
باتت فيه النجومية الإعلامية حكرا على القشور والتفاهات". كنتُ التقيت
هذا الشاب الثمانيني في فندق "بالاس" الفخم المحاذي لمتحف "البرادو" في
مدريد: مدريد ساحة سرفانتس ومقهى خيخون الأدبي، مدريد بيكاسو وميرو
ودالي وفيلم ألمودوفار الأخير، "التربية السيئة". عشية موعدنا، إجتمع
ساراماغو بقرّائه الإسبان في إحدى قاعات سينما "القصر" ومسرحه، حيث
قدّم لهم كتابه الأخير في عنوان "الوعي"، الصادر لتوه في الإسبانية عن
دار "ألفاغوارا". وصلتُ قبل بدء الحفل بنصف ساعة تحسبا لأي طارىء،
فوجدتُ خطا طويلا من الاشخاص الذين يتدافعون أمام بوابة المسرح (أجل،
الإسبان يتدافعون مثلنا، فهم أقل التزاما قانون "الوقوف في الصفّ" من
معظم أشقائهم الأوروبيين). فكّرت: "لا بد انها ليلة العرض الأول لأحد
افلام انجلينا جولي او طوم كروز"، لكني عندما دخلت الصالة واستقررت في
المكان المخصص لي اكتشفت، بشيء من الذهول والحسرة في آن واحد، انّ
العجقة كلها هي من اجل ساراماغو: زوجته بيلار، أبناؤه واحفاده، اصدقاؤه
واقرباؤه، فضلا عن حشد هائل من الكتّاب والصحافيين والطلاب. وكثر هم
الذين بقوا خارجا في تلك الليلة.
صدرت رواية ساراماغو الأولى، "أرض الإثم"، عام
1947، إلا انه لم يجد ناشرا لروايته الثانية "المنور"، فلم تر هذه
النور. وبعد صمت من نحو عشرين عاما، أصدر الكاتب مجموعة شعرية في عنوان
"القصائد الممكنة"، ثم مضت عشر سنين اضافية قبل ان يكرّس نفسه كليا
للكتابة. "ماذا كنت تفعل طيلة ذلك الوقت؟"، سألته."هل كنت تنتظر؟".
"لا، الانتظار لا يجدي. ثم انتظار ماذا؟ كيف يمكن ان نعرف ما إذا كان
ذلك المنتظَر سوف يأتي يوما؟ جلّ ما في الأمر اني نهضت في احد الصباحات
وقلت لنفسي: لقد حان الوقت لكي تكتشف ما إذا كنتَ قادرا على ان تكون ما
تزعم أنه حقيقتك، اي كاتبا". هكذا دخل ساراماغو الأدب من بابه العريض
فعليا عام 1977 مع ""موجز في الرسم والنسخ"، وكان يومذاك قد اصبح في
الخامسة والخمسين من العمر، ومن بعدها توالت نجاحاته ولم تتوقف، ونذكر
منها "بالتاسار وبليموندا" (1982)، و"قصّة حصار لشبونة" (1989) و"كل
الأسماء" (1997) الخ...
وضع ساراماغو أخيرا حدا لخلاف طويل الأمد مع
اليمين الحاكم في البرتغال، الذي كان أحد مسؤوليه حاول اعاقة ترشيح
روايته "الانجيل بحسب يسوع المسيح" لجائزة الرواية الاوروبية عام1992،
بسبب مقطع يمارس فيه يسوع الحب مع مريم المجدلية ويفقد عذريته. اتهمته
الحكومة البرتغالية بالتجديف وبـ"انتهاك إرث البرتغاليين الديني"
ومارست الرقابة على الكتاب. جراء هذه الحادثة، قرر الكاتب الرحيل عن
بلاده واختار الإقامة في جزيرة لانثاروتي في الكانارياس. وهو لما يزل
مقيما فيها حتى الآن.
منذ انتقاله الى جزر الكانارياس، نشر ساراماغو
يومياته سنويا في شكل سلسلة تحمل عنوان "دفاتر لانثارويتي". في يومياته
لعام 1997، يتذكر اتصالا تلقاه في شهر تشرين الاول من صديقه الكاتب
الايطالي داريو فو الذي حاز نوبل الآداب في تلك السنة، يقول له فيه:
"انا لص يا جوزيه. لقد سرقتُ الجائزة منك. ولكن سيجيء دورك في احد
الايام". وفعلا جاء دور ساراماغو بعد اثني عشر شهرا بالضبط، حين حاز
الجائزة عام 1998 واهداها الى بلاده والى لغته الأم.
غالبا ما يركز الاعلام في حديثه عن ساراماغو
على الجدل الذي أثاره كتابه "الانجيل بحسب يسوع المسيح" واعتراض
الفاتيكان على نيله النوبل، وعلى ماركسيته، كونه عضوا ملتزما في الحزب
الشيوعي منذ عام 1969، كما يركّز ايضا وخصوصا على مواقفه وتصريحاته
الاستفزازية. وهو في أي حال ليس ممّن "يديرون ألسنتهم في أفواههم سبع
مرّات قبل أن يتكلّموا"، ولم يتردد يوما في قول ما يجول في ذهنه: "إن
أيدي الحكومات المتسخة تخصص موازنة ضخمة لشراء القفّازات لإخفاء
قذارتها"، لا ينفك يكرر. كما أنّه متمرد ولا امتثالي بامتياز:
"البيروقراطية والهرمية مفهومان باطلان تماما: لماذا أقبل الإعتراف
بأنّ شخصا ما هو أعلى مني مقاما ورتبة؟". ويقول ايضا: "بعد موتي قد
يذكرون في الصحف اني كنت كاتبا ونلت جائزة نوبل للآداب، ولكن إذا كان
من الممكن ان يضيفوا الى هذه المعلومة أني ساهمت في شكل ما في تعزيز
السلام على هذه الأرض، فأتمنى ان يوردوا هذه الجملة قبل خبر جائزة
نوبل".
رافقتنا في اللقاء مساعدة ساراماغو في الشؤون
الإعلامية روزا خونكيرا. ما ان جلسنا حتى قالت لي هذه: "تصوّري انه رغم
إصداره عملا جديدا، لم يعط حوارا إلا لصحيفة "الباييس". سيكون على بقية
الصحف والمجلات ان تكتفي بما قاله اثناء مؤتمره الصحافي صباح امس".
فبادرني الكاتب بدوره مبررا: "أجتنب الإفراط في إعطاء الحوارات وأسعى
جاهدا الى أن اجيب في شكل مختلف كل مرة، ولكن لا مفر من ان أردّد
الأمور نفسها أحيانا". ثم أردف بنبرته الساخرة المتوثبة التي اعتدتُ
رصدها بمتعة كبيرة في كتاباته: "لن اغير مواقفي مرة في اليوم كقميص
متسخ من اجل أن اقول جديدا!"...
"ولكن أعدكِ بأن أحاول ألا أكرّر نفسي معكِ"،
أضاف أخيرا بـ"إسباغاليته" اللذيذة وابتسامة عينيه المراهقتين،
فانطلقنا.
n في كتابكَ الصادر للتو في عنوان "الوعي"،
يقرر غالبية الناخبين في أحد البلدان التصويت بورقة بيضاء احتجاجا على
قادتهم المجرّدين من أي قيم أو مبادىء. لا تستطيع أن تتخيّل كم أن هذا
الموضوع يضرب على وتر حسّاس في بلادنا، لا بل كأنّه مفصّل على قياس
وضعنا الراهن بالذات، فما رأيك أن نفتتح به؟
- بداية دعيني أؤكّد لكِ أنّ هذه المسألة
مفصّلة على قياس كل البلدان التي تدّعي الديموقراطية في ايامنا
الحاضرة. "الوعي" عمل تخييلي وهجائي ودرامي في الوقت نفسه، يتناول
موضوع تدهور الديموقراطية في ممارسات الأنظمة التي يديرها مسؤولون
فاسدون: هل تستطيعين أن تدليني على بلدٍ واحد يشذّ عن هذا الشواذ؟ يقال
لنا باستمرار: الديموقراطية هي أهون الشرور، لكن "أهون الشرور" ليس
بالحلّ المرضي ولا الكافي، وتكرار تلك اللازمة مرادف لعملية غسيل
للأدمغة، إذ انّه يمنع الناس من البحث عن بديل أفضل. الديموقراطية ليست
نقطة وصول بل نقطة انطلاق، وبهذا الكتاب أردتُ أن ألفت السلطات
السياسية الى المأزق الذي وقعنا فيه: لقد مضت أعوام كثيرة على ولادة
الديموقراطية من دون أن يتغيّر فيها شيء الى الأفضل، من دون ان يتوقف
التلاعب الفاضح، المباشر أو غير المباشر، بالرأي العام، ومن دون أن
يشفى السياسيون من مرض الفساد والجشع وإخفاء المعلومات والخضوع الذليل
للسلطة الاقتصادية.
أريد أن أقول
الحقيقة
n أنت إذا من خلال الدعوة الى "الوعي"، تدعو
الى الثورة؟
- لا، أنا لا أريد تغيير العالم ولا قلب
الأنظمة. أريد أن اقول حقيقة الأمور فحسب، أن أطرح السؤال، أن أشير
بإصبعي الى المشكلة. لقد تحولت الديموقراطية الى كاريكاتور خلال
الأعوام الأخيرة، الى مهزلة، الى فقاعة صابون. نشعر بأننا احرار لأن
هناك برلمانا وحكومة ومجموعة من الخيارات الحزبية المتوافرة، لكننا لا
ننتبه الى أن تغيير شكل الحكم في ذاته أمر مستحيل. عموما، أظنّ ان
الجميع بات يعلم أن هذه الصيغة فاشلة. لذلك اقترح الآتي: إذا لم نكن
راضين عن الوضع، لنصوّت بورقة بيضاء بدل أن نمتنع عن التصويت. فخلال
دورة الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة، صوّتت نسبة 39 في المئة
من الشعب فحسب، إلا ان ذلك لم يحل دون سير النظام كما لو أن شيئا لم
يحدث.
n هذا لأنّ "لا" الإمتناع مختلفة عن "لا"
الورقة البيضاء.
- جدا. "لا" الإمتناع سلبية، جامدة، كسولة،
رخوة. إنّ الـ"لا" في رأيي يجب أن تُسمع، أن تقال بصوت عال، أن تكون
هجومية وصاخبة. "لا" الامتناع صامتة، لا يسمعها احد، لا تملك نخاعا
شوكيا. فأولئك الذين لم ينتخبوا ربما ما كانوا يرغبون في الخروج من
البيت، ربما كان الطقس ماطراً، ربما هم لا مبالون، ربما ذهبوا الى
البحر. أما ذاك الذي صوّت بورقة بيضاء، فقد ارتدى ملابسه وخرج من منزله
وذهب الى مكتب الاقتراع وأسقط تلك اللا الناصعة في الصندوق. أي أنه
معني فعلا بما يجري.
لا أملك
البدائل
nلكنّك قلت للتو إن جلّ ما تريده هو أن تشير
بإصبعك الى المشكلة وأن تطرح السؤال. ألا ترى معي ان كثراً يطرحون
السؤال، وأن قلّة يقترحون إجابة؟ ألا تعتقد ان الفضح يريح ضمير الفاضح
من دون أن يثمر عن نتيجة على الأرض؟ ما ينقصنا ليس المزيد من الأسئلة،
بل بديل ملائم، أليس كذلك؟
- نعم، ولكن المأزق هو أن ليس ثمة بدائل لهذا
النظام. حتى التصويت بالورقة البيضاء ليس بديلا: هو فقط احتجاج توافق
عليه أشخاص من فئات وانتماءات سياسية مختلفة. وهذا لا يمكن أن يشكّل
جنين نظام جديد. ثم أنا لست مخلّص الإنسانية! ومن الأكيد أني لا أملك
البدائل. أستطيع فقط أن "أقول" الخطأ، بكل بساطة وتواضع.
n ذكرت أنّ الجميع بات يعلم أن هذه الصيغة
فاشلة. فهل يكفي "قول الخطأ" عندما يكون محض تكرار لواقع معروف من
الجميع؟
- الناس يعرفون الحقيقة، لكنهم في الوقت نفسه
مقيّدون وموضّبون داخل أحكام مسبقة طاغية وتعميمية. ثمة نوع من التفاهم
الاجتماعي الضمني يدفع الى التفكير بالطريقة ذاتها، وقول الكلام نفسه
والتصرّف على النحو ذاته. ما ينقصنا اليوم هو "الإختلاف"، وأعني الغرب
تحديدا بكلامي. المجتمع الغربي ينزع الى التماثل، الى نوع من التجانس
المزيّف الذي يطمئن الناس، ودوري ككاتب هو ان اقلق هؤلاء المطمئنين
البؤساء. أنا لا أكتب لكي اهدىء من روع القارىء، ولا لكي احارب الموت
كما يزعم البعض - وهي اسخف فكرة سمعتها في حياتي ــ بل اكتب لكي أوقظ،
وأيضا لكي أفهم. الناس تنتظر الأسئلة، حتى وإن كانت "تعرف" في لاوعيها
ما الخطب. لا تستخفّي بقوة السؤال، فلربما أنّ واحدا من هذه الأسئلة
الضرورية والجوهرية التي تُطرح الآن سوف يشكّل الفرق في احد الأيام.
طبعا التفكير وطرح السؤال لا يكفيان، بل من الضروري العمل والتدخّل لكي
ينتهي التواطوء الموبوء بين السلطة الاقتصادية وتلك السياسية. وفي أحد
الأيام سوف ينفد صبر الناس، انا واثق من ذلك.
n ليست هذه المرة الأولى تطرح فيها سؤالا يمتد
على بضع مئات من الصفحات، إذ إنك "سألتنا" و"سألت من اجلنا" في أعمال
سابقة على غرار "كل الأسماء" و"الكهف" و"العمى"، لا بل لاحظتُ أن ثمة
شخصيات مشتركة بين عملك الأخير و"العمى"، فهل ترمي الى تشكيل سلسلة
مجازية تركّز على الانتقاد السياسي؟
- رغم انها تبدو فعلا سلسلة مخططا لها، إلا أني
في الحقيقة لم أفكّر يوما في إنجاز دورة. أعني أني لم أنطلق من ثلاث أو
اربع أفكار بنيّة تطويرها بناء على هذه الغاية...
المنعطف الروائي
الحاسم
n ولكن ثمة خط فاصل واضح بين الروايات التي
كتبتها في الثمانينات، على غرار "بالتاسار وبليموندا" و"قصة حصار
لشبونة" وصولا الى "الإنجيل بحسب يسوع المسيح"، التي تشكل دورتك
الروائية الأولى، وكتبك التالية، أي الروايات الانتقادية المجازية
الأربع التي ذكرتها آنفا والتي توالت منذ اوائل التسعينات. لِمَ هذا
التغيير في المسار الروائي بدءا من "العمى"؟
- أنتِ على حق، والجواب هو أن صوتي الروائي عرف
منعطفا حاسما عندما كتبتُ "العمى". لقد افتتح ذلك الكتاب مرحلة جديدة
في حياتي ككاتب، إذ شعرتُ بأن المشاغل والمخاوف التي أملكها إزاء مصير
البشرية تستطيع ان تجد مكانا لها في الرواية، على نحو مجازي طبعا،
وبعيد عن الوعظ. فكانت هذه الروايات الأربع الأخيرة، التي تلقي نظرة
على الواقع أكثر التصاقا به، واكثر فلسفية على السواء. حتى نيّتها
الروائية مختلفة، إذ هي تتوق الى أن تتخطى المظهر والقشرة وأن تلمس
الجوهري، نبض الكائن الحيّ. وليس الكائن فحسب بل أيضا العلاقات بين
الكائنات في هذا المجتمع المزري حيث نتخبط، وحيث القيم الانسانية إما
تختفي او يُداس عليها بوحشية أكبر يوما بعد يوم. أما في ما يتعلّق
بالخط الفاصل بين الدورتين الروائيتين، فإنني افسّره من خلال استعارة
التمثال والحجر: قبل "الانجيل بحسب يسوع المسيح"، كنتُ أصف التماثيل،
وأعني بالتمثال السطح الخارجي للحجر. اما مع "العمى" وما تبعها من
روايات، فقد انتقلتُ الى داخل الحجر، اي الى النقطة التي لا يعرف فيها
هذا الحجر ما إذا كان تمثالا من الخارج، أو عتبة باب مثلا.
أسلوب العيش المفضي الى
الكارثة
n في "العمى" الذي يشكل استعارة لفقدان المنطق
والعقل، رأيتَ من داخل ذلك الحجر كم أننا نتصرف على نحو غير عقلاني...
- بل على الأصح كم أننا نستخدم عقولنا للتدمير
أكثر مما نستخدمها للبناء، لانتهاك الحياة بدلا من الدفاع عنها. لقد
نسينا التضامن والواجب والاحترام، ومجتمعنا يتحول تدريجا عشّ أفاعٍ.
أسلوب عيشنا خاطىء الى اقصى الحدود وسوف يودي بنا الى الكارثة. هذا هو
ما حاولت التعبير عنه: الكارثة التي قد تقع إذا تابعنا المسير في هذه
الدرب.
n كذلك في "الكهف"، روايتك المرتكزة على أسطورة
أفلاطون، تطلقُ من داخل الحجر صرخة تمرّد على عالم يزداد استهلاكية
يوما بعد يوم...
- نعم، فنحن لم نكن قط قريبين من كهف أفلاطون
مثلما نحن اليوم. أفلاطون وصف كهفنا هذا منذ نحو 2300 أو 2400 عام، كما
لو انه نبيّ، وها نحن قد وصلنا اليه وبتنا نعيش فيه.
n وفي هذا "الكهف" حضارتنا تنازع وتشارف
نهايتها، كما تؤكد.
- صحيح، فتاريخ الانسانية سلسلة من حضارات تبدأ
واخرى تموت. هذه ليست الحضارة الأولى التي تختفي، ولا هي الأخيرة، اذ
اختفت حضارات وامبراطوريات كثيرة على مرّ الزمن. لا يعني ذلك أننا نتجه
نحو لحظة ابوكاليبتية مهولة، فالأمور ليست راديكالية الى هذه الدرجة.
جلّ ما في الأمر أن قيم حضارتنا، حضارة الإشعاع الإنساني، تختفي الى
غير رجعة. ولست أتكلم هنا عن الشرق الأوسط او عن افريقيا، بل تحديدا عن
قيم الغرب. إننا نلج زمنا ماديا تسود فيه قيم المصلحة الشخصية والمكاسب
والبيع والشراء.
n لكنّ هذه لطالما كانت موجودة، فالإنسان يبيع
ويشتري منذ فجر التاريخ...
- طبعا، ولكننا ادركنا مرحلة بات فيها البيع
والشراء الغاية القصوى والوحيدة من الحياة. بتنا نعيش لنتاجر، لم نعد
نتاجر لنعيش. وذلك في رأيي سيكون له تأثيرات قوية جدا في طريقة التفكير
والذهنية واسلوب عيش الإنسان حياته في المستقبل.
|
عائلة الفجل
البري. |
هناك أناس يموتون بسبب
الحروب العبثية. |
لستُ نبياً
n حاول أن تتخيّل لنا هذا المستقبل، بما انك
"متهم" بالنبوة. كيف تراه؟
- كم كنت أودّ أن تكون قضية النبوة هذه صحيحة،
لأن الناس سوف يولون تاليا أهمية أكبر لكلام الكتّاب وحساسيتهم
الرؤيوية، من تلك التي يولونها لخطابات السياسيين الجوفاء. ولكن
التوقّع للأسف رياضة غير مجدية: على سبيل المثال، لو أراد العلماء
والمفكّرون والفلاسفة في اواخر القرن التاسع عشر ان يتخيّلوا، بناء على
المعطيات التي كانت في متناولهم، كيف يكون عالمنا في اواخر القرن
العشرين، هل تظنين انهم كانوا ليتنبأوا بواقعنا الراهن؟ أبدا على
الإطلاق، بل كانوا اخطأوا في توقّعاتهم على طول الخط. لذلك ليس في
وسعنا لا انا ولا أنتِ أن نتوقع كيف سيكون عالمنا مثلا في نهاية القرن
الحادي والعشرين، فنحن نسير في ظلام كامل. أما إذا كنتُ لأتخيّل، بناء
على معطيات عصرنا، هذا الغد القريب البعيد، فسأقول إن كل شيء في
المستقبل سوف يمرّ من خلال الميدان السمعي البصري، وإننا سنشهد شكلا
آخر من اشكال التواصل مع الأدب والفن عموما. ولا بد أن إنسان الحاضر،
إذا ما تمّ زرعه في المستقبل، سوف يشعر بغربة صاعقة، كما لو أنه في
عالم من الاقزام او من العمالقة. مَن يعرف ما الذي سيحصل غدا مع كل ما
يتم تحقيقه في مجال الهندسة الجينية، ومع قدرة العلماء المتزايدة على
تغيير المعطيات الجينية للأجنّة، كلون الشعر وشكل العينين ودرجة
الذكاء، الخ؟
n أشخاص متفوّقون عرقيا على الطلب: كما لو أننا
نتجه نحو آريةٍ من نوع جديد...
- بالضبط، هي آرية الجمال الجسدي المصطنع
والذكاء الميكانيكي المفتعل، آرية "الكمال الظاهري". إننا نعيش في عالم
همّه الرئيسي الظهور والهيمنة، بدءا من الشركات الضخمة المتعددة
الجنسية وصولا الى الفرد. يبتعد الواحد منّا عن الآخر، ونمعن في انتهاك
حقوق الانسان، أي حقوقنا.
n لا تنفك تتحدث عن هذه الحقوق المنتهكة. هل
تعتقد أن الحضارة الجديدة التي توشك على الظهور، والتي سوف يكون
عنوانها العريض على الارجح حضارة العولمة الاقتصادية، سوف تسدد ضربة
قاضية للانسان في إنسانيته؟
- كيف لا والعولمة الاقتصادية وحقوق الانسان
عنصران غير منسجمين، بل متنافران الى اقصى الحدود. هرّ العولمة سوف
يلتهم فأر حقوق الانسان، نقطة على السطر. نحن نعيش عصرا تبدو فيه حقوق
الانسان، من وجهة النظر الرسمية، راسخة ومحترمة ومطالبا بها ومدافعا
عنها، لكن الواقع غير ذلك: وهذا قد يحملنا الى ديكتاتورية من نوع جديد،
مختلفة عن سابقتها في انها ليست مثلها بيّنة وواضحة، سهلة الرصد مما
يتيح لنا الكفاح ضدها، بل هي مستترة كسرطان خبيث لن نستطيع أن نرصد هول
خرابه إلا بعد فوات الأوان.
n تبدو رؤيتك متشائمة للغاية...
- تعرفين، يقولون لي دائما: يا لك إنسانا
متشائما يا جوزيه ساراماغو، فأجيبهم: لا، بل هو عالمنا مشؤوم. في أي
حال ارى ان التشاؤم هو فرصة خلاصنا الوحيدة، وأن التفاؤل شكل من اشكال
الغباء. أن يتفاءل المرء في أوقات كهذه ينمّ إما عن انعدام اي إحساس او
عن بلاهة فظيعة.
n ولكن الا تعتقد ان هذه السلبية تحرّض على
مزيد من السلبية؟
- لستُ اقول إن كل شيء سلبي وقاتم، لكنّي أعني
ان الأمور السلبية في العالم هي اكثر من أن نتجاهلها أو أن نغض الطرف
عنها. يبدو لي خطأ جسيما أن نحتمل وجود الامور السلبية بسبب بعض
الايجابيات المقابلة لها. هذه لا تشفع بتلك.
n إلا أن بعض التفاؤل نابع من الشجاعة. ألا
يعني التشاؤم نوعا من الخضوع والاستسلام وعدم الرغبة في الكفاح؟
- بلى، أحيانا، ولكن لنكن منطقيين بعض الشيء:
المتفائل يظن ان العالم في حال جيدة، أو أنه في حال سيئة لكنه سوف
يتحسّن لا محالة. أما المتشائم، فيرى من جهته أن العالم في حال يرثى
لها، لكن ذلك لا يعني إنكاره الايجابيات الموجودة في هذا العالم.
المتفائل لا يملك عموما حوافز للتدخّل، فيما المتشائم يملك الدوافع لكي
يحاول تغيير العالم. ربما ثمة كما تقولين نوع من التشاؤم يحث على اليأس
وعلى الجمود، ولكن ليس كل متشائم مرشحا لكي يطلق النار على نفسه. ثمة
تشاؤم من نوع آخر، وهو تشاؤمي أنا. تشاؤم قائم على هذه الفكرة: "لأن
الواقع بهذا السوء سأحاول، ضمن إطار قدراتي، تغييره". وإذا لم أكن
قادرا على تغييره أقله اشير بإصبعي وأقول: "أنظروا، هذا سيىء"، مثلما
افعل الآن مع الديموقراطية مثلا. إنه لتعميم ان نقول إن كل متشائم شخص
يائس.
n إنه لتعميم آخر أن نقول إن كل متفائل شخص
غبي. فمثلما هناك المتشائمون الجيّدون والمتشائمون السيئون، يصح تطبيق
التمييز نفسه على جماعة المتفائلين، أليس كذلك؟
- (يبتسم) حسناً، سوف أرضخ لعنادك وأسلّم بأن
المتفائلين غير الأغبياء جيدون بقدر المتشائمين غير اليائسين، وبأن
هاتين الفئتين يجب ان تتكاتفا وتعملا معا لكي تحاولا الذهاب بواقعنا
الى مكان ارقى وافضل. وذلك ما اسعى إليه في كتاباتي.
nان تكون متشائما لا يعني أن رواياتك يجب أن
تكون بالضرورة متشائمة.
- طبعا لا. لقد حكي الكثير عن أعمالي بأنها
مفرطة التشاؤم، وانا لا أوافق على هذا التصنيف. صحيح انها اعمال تواجه
قسوة الواقع بقسوة تعادلها، لكنها تهدف الى تحسين العلاقة التي نقيمها
مع الحياة المعاصرة، والى تغييرها.
n وهل تعتبر انّ المفكرين يملكون الدور الأكبر
في تحريك عملية التغيير هذه؟
- سوف اسرّ لك بشيء: أنا ضدّ التمييز بين
المفكّر وغير المفكّر: كلنا مفكرون، كلنا نتصرف بناء على ما يمليه عليه
فكرنا، ولا يمكننا أن نزيح شعرة واحدة من مكانها من دون استخدام عقلنا،
ولذلك يبدو لي هذا التصنيف نوعا من التمييز المهين.
nولكن أليس ثمة ضرورة أن تؤدي فئة معيّنة من
الناس تحديدا دور المحرّك والمحفّز في مجتمع يزداد جمودا يوما بعد يوم؟
- بلى، ولكن لا أحد يفعل شيئا، لا أحد يحتج او
يثور أو يتدخل أو يناقش. لقد أدركنا درجة استيعاب مرعبة للفظاعات التي
تدور حولنا. ثمة خمول وبلادة خطيران، لا بل ثمة خدر شامل. الناس تتململ
أحيانا إثر بعض الصدمات العنيفة، لكنها تعبّر عن ردود فعلها في شكل
موقت، وبعد يوم أو اسبوع على الأكثر تعود الى روتينها الأعمى والأصم
والأبكم.
n كما لو أننا قد فقدنا القدرة على أن يثور
سخطنا...
- صحيح، في حين أن مبررات السخط لا تنقص من
حولنا. في زمن الفاشية، عانى الناس الاضطهاد والتعذيب والسجن بغية
الكفاح من أجل ولادة زمن جديد: زمن الحرية والديموقراطية. والمذهل في
الأمر أنه في زمن هاتين الحرية والديموقراطية بالذات، بات الناس أقل
ميلا الى الاعتراض والتظاهر والاستنكار من ذي قبل. عندما أصبح في وسعنا
أن ننتقد ونجادل، أدرنا ظهورنا وانحنينا على أنانياتنا المفترسة.
الأدب وحده لا
يستطيع
n وما الذي يمكننا فعله في رأيك جميعا، كتّابا
وأطباء وفلاحين وأساتذة وخبّازين وموسيقيين، الخ... لكي تعود الحياة
كريمة وجديرة بالعيش ولكي تغدو المعرفة سبيلا لنزداد طيبة لا عكسها؟
- ينبغي لنا جميعا أن نشارك في عملية التغيير.
الأدب وحده لا يستطيع فعل شيء. كل الأعمال الأدبية العظيمة التي كُتبت
على مرّ التاريخ لم تستطع أن تحول دون الوضع الكارثي الذي نعيشه. من
الضروري ايضا ألا ننتظر وصول "مخلّص" ما، يأتي ليحل جميع مشاكلنا ويقول
لنا: "علينا أن نمشي في هذا الإتجاه". لا أحد يملك الحق في أن يقول:
"تلك هي الدرب الصحيحة". في وسعه أن يقترح ربما، ولكن في سبيل المناقشة
لا الفرض. أثمن ما نملكه جميعا بين أيدينا هو الشك، لا اليقين. الشكوك
هي التي تدفعنا الى التفكير، اما اليقين فيتسبب بالشلل والجمود، لا بل
يحوّلنا مومياءات. الشك يخصب ويحيي. يجب كذلك عدم اعتبار الحياة سباقا
يمكننا خلاله، إذا اضطررنا، أن نوقع من يركض بجانبنا لكي نكسب نحن. ان
السعي الجامح الى النصر الشخصي مرادف لوحدة قاتلة، مثل وحدة المياه
الراكدة. لا بد أن نابوليون كان رجلا وحيدا للغاية.
n وماذا عنك؟ ألم تشعر يوما بالحاجة الى تحقيق
نصر ما؟
- لا أبدا، ولم اشعر كذلك بالحاجة الى ان أكون
صاحب سيرة مهنية لامعة، ولا بالحاجة الى الشهرة والمجد، ولا بالحاجة
الى تصفيق الناس لي. جل ما أردت فعله هو أن أكتب، فكتبت. أنا لا أؤمن
بالاعاجيب، ولكن يجب أن اقرّ بأن حياتي كانت أعجوبة حقيقية، لأنني من
دون ان افعل أي شيء، من دون ان أضع خطة مفصّلة أو أن اندفع نحو طموح
محدد، تمكّنتُ من أن اشعر بأني ضروري. لم يكن همي يوما ان اكون في
الاضواء.
n لكنك في المقابل سلطت تلك الأضواء غالبا على
أشخاص غير مرئيين أو غير معروفين. أذكر أنّك قلت مثلا في أحد الأيام
إنه كلما اتى الناس على ذكر ميكال أنجيلو وكنيسة السكستين، يتجاهلون
إسم المساعد الذي وضع أسس الرسوم.
- نعم، فأحد اهدافي هو عدم ترك الناس الذي
يأتون الى هذه الحياة في العتمة. طبعا لا يمكنني إسماع صوت الجميع، إلا
ان ثقافتنا تدفعنا الى ان نتكلّم حصرا على المنجزات والأشخاص ذوي
الأهمية الواضحة. ولكن غالبا، اكان الأمر متعلقا برسّام أو كاتب أو
نحّات أو موسيقي، هناك مجهولون في الكواليس يتركون بصمتهم في العمل.
ذكرتِ ميكال انجيلو: لا بد أنه كان ثمة متدرّب يحمل علب الدهان أو يضع
اسس الرسوم في المحترف. ثم دخل المعلّم ورسم ووقّع اسمه. ربما لو كنتُ
ابن عائلة ثرية وعشت حياة سهلة، لما شكّل هذا الموضوع اي أهمية بالنسبة
لي. ولكن كوني من عائلة فقيرة ومن الطبقة العاملة، اعتبر أن هذا النوع
من العدالة ضروري.
الفجل البري
n أخبرنا عن عائلتك وطفولتك...
- ولدتُ عام 1922 في كنف عائلة فقيرة من قرية
ريباتيجو. والدي كان شرطيا، أما جدي وجدتي فكانا فلاحين ووالد جدي من
اصول بربريّة. فقدتُ أخي الذي يكبرني بعامين في عمر السنتين وقد آلمني
فقدانه كثيرا ولم يزل. في مراهقتي اضطررت الى ترك المدرسة بسبب ظروف
والديّ المالية الصعبة، وعملت في صناعة الأقفال. وقد مارست بعدذاك مهنا
كثيرة اخرى، على غرار مصحح وحدّاد ورسام صناعي. أضيفي الى ذلك أنه كان
يمكن ألا يكون ثمة جوزيه ساراماغو يوما لولا مصادفة غريبة. إذ إن والدي
من عائلة دي سوزا، إلا ان الموظف لدى المختار كان صاحب مخيلة خصبة
وارتجالية، فارتأى أن يغيّر إسمي ويسمّيني بناء على اللقب الملتصق
بعائلتي، وهو "الفجل البري"، أي ساراماغو. والطريف في الأمر أن والدي
لم يكتشف القصة إلا عندما احتاج شهادة ولادة في عامي السابع من اجل
إدخالي الى المدرسة، ففوجىء آنذاك بأن سلالة جديدة بدأت مع ابنه، ألا
وهي سلالة ساراماغو!
n إن هوية ملتبسة كهذه لا بدّ مهّدت لافتتانك
بمواطنك وشاعرنا بيسوا، ما يحيلني على كتابك الرائع "سنة موت ريكاردو
ريّس": عندما يزور الشاعر الميت فرناندو بيسوا إحدى شخصياته المخترعة،
ريكاردو ريّس، الذي تقدّمه في الكتاب كشخص حقيقي وعلى قيد الحياة، يقول
له إن "الجدار الذي يفصل الأحياء في ما بينهم ليس اقل سماكة من الجدار
الذي يفصل الأحياء عن الأموات". هل كان ذلك الكتاب طريقتك في اختراق
الجدار بينك وبين بيسوا؟
- لطالما سكنني بيسّوا. ويحلو لي أن أفكّر أني
أنا أيضا ربما سكنته، فمعه اضمحلّت الحدود بين الواقع والوهم، وكان على
حق في ذلك. الأموات "الحقيقيون" لا يمكن أن يموتوا إذا ظللنا نفكّر
بهم. فذاكرتنا متصلة بهم، وأعمالهم بقيت لدينا، مثل كل ما فعلوه وتركوه
وراءهم. فإذا توقفنا عن الهجس بفكرة أنهم ماتوا، سوف نستطيع ان نهزم
الكثير من العوائق التي نبنيها بين الاحياء والأموات، وسنتمكن من العيش
معهم من خلال الذاكرة. ولست أعني فقط ذكريات الماضي، اي كل ما كان قيد
الوجود يوما ورحل، بل أيضا ذكريات المستقبل، اي الأمور التي نقوم بها
أو لا نقوم بها وتترك أثرا لا يمحى في غدنا. هكذا كان بيسوا في رأيي:
يعرف أن ليس ثمة خط فاصل بين الأمس والغد، بين ما نخترعه وما نلمسه. كل
ما نصدّقه يصبح حيّا. وأنا وأنت نعرف أن بيسوا ليس ميتاً.
n طبعا. على الأرجح هو جالس الآن بيننا، يصغي
الى حديثنا عنه... في كلامك على نشأتك، نكتشف كم أنّك عصاميّ. ولقد
نشرت روايتك الأولى في الرابعة والعشرين من العمر، ثم توقفت وانصرفت
الى أعمال أخرى، ولم تصدر كتابك الثاني إلا بعد صمت دام 20 عاما. فكيف
تفسّر مسيرتك غير الاعتيادية كروائي؟ حدّثنا عن "عودة" ساراماغو
الكاتب.
ــ أذكر أنه لأعوام عديدة خلت، عندما تغيّرت
حياتي في شكل جذري وبدأت أحصد نجاحا واسع النطاق ككاتب، قال لي أحدهم
في أحد المؤتمرات بنبرة متعجرفة: "برافو، لقد ارتقيت كثيرا في
الحياة!". فأجبته: "لا يا سيدي، أنت على خطأ، هي الحياة التي ارتقت
فيّ". السرّ يكمن في قوتنا الداخلية. هي أهمّ ما لدينا. صدّقيني لا
أعرف كيف أشرح لك مسيرتي ككاتب. هي لا تخضع لأي منطق، وقد قلت لك منذ
دقائق إنها أعجوبة، وليس هذا بالتصريح القليل صادرا عن رجل مثلي لا
يؤمن بالأعاجيب بتاتا. أذكر أني في التاسعة عشرة من عمري، عندما كنتُ
أُسأل عما أريد أن أكونه مستقبلا، كنتُ أجيب دائما أني أود ان أصير
كاتبا. ثمة أحلام تحتاج الى الوقت لكي تنضج على الشجرة، ومنها هذا
الحلم. يجب ألا نقطف أحلامنا وهي فجّة، وإلا لن نستمتع في التهامها.
أنا انتظرت كثيرا، إذ لم ينضج حلمي إلا بعدما صرت في خمسيناتي. آنذاك
فقط بدأت أصدّق أنه لديّ ربما شيء أقوله وأنه يستحق القول فعلا. وعندما
يسألني أحدهم كيف أدركتُ هذه النقطة، الجواب الوحيد الذي أجده هو
الآتي: "أنا لا أكتب فحسب، بل أكتب ما أنا عليه". إذا كان ثمة سرّ في
المسألة، فذلك هو على الارجح.
n لقد اختبرتَ أنواعا أدبية كثيرة، إذ كتبت
الرواية والمسرح والشعر و المقاربة الخ... فكيف يختلف ساراماغو الروائي
عن ساراماغو الشاعر او الكاتب المسرحي أو كاتب المحاولات؟
- بكل بساطة، أنا افضل ككاتب في الرواية مني في
الانواع الأخرى. لكني ما كنتُ لأكون الروائي الذي أنا عليه من دون تلك
الهويات الموجودة أيضا فيّ، مهما تكن ناقصة. ولقد ذكرت في مناسبات
كثيرة سابقة أني لستُ روائيا حقا، بل أنا كاتب مقاربات فاشل شرع في
كتابة الرواية لأنه لم يكن يجيد كتابة المقاربات.
ما زلتُ الشخص
إياه
nعام 1998 أصبحت الكاتب الأول باللغة
البرتغالية الذي يحوز جائزة نوبل للآداب. وبمعزل عن العواقب العملية
الجلية لحدث مماثل، كيف اثرت هذه المحطة في هويتك ككاتب، في إيقاع
عملك، وفي علاقتك مع قرّائك؟ فنحن نعرف أنك من متذوقي الحياة البسيطة،
المنزّهة عن بهرجات الشهرة، وأنت نفسك قلت إنك بعدما ربحت النوبل،
دفعتك دوّامة السفر والظهور المرعبة الى الشعور كأنك ملكة جمال الكون.
فماذا تخبرنا عن ذلك؟
- لا شك في أن الجائزة انتهكت بعض تلك الحميمية
الغالية على قلبي، لا مفرّ من الأمر، لكني لم ازل الشخص نفسه الذي كنته
قبل أن انال الجائزة. اعمل بالانتظام ذاته، لم اغيّر عاداتي، أعيش في
بيت هادىء جدرانه مصنوعة من الكتب، أصدقائي هم أنفسهم، ولم أحد عن
دربي، لا ككاتب ولا كإنسان. لم تحولني النوبل رجلا آخر، لا الى الافضل
ولا الى الأسوأ. ما تغيّر فعلا هو نظرة الأخرين إليّ. يعتقد الناس أنه
عندما يفوز كاتبٌ ما بجائزة نوبل للآداب يصبح من الضروري أن يعبّر عن
رأيه في كل المسائل. في هذا المعنى، حمّلتني الجائزة قدرا أكبر من
المسؤولية، وهي مسؤولية لا يمكن أن اخونها مهما كلّف الأمر. من المهم
أن يحافظ الإنسان على جوهره، على حقيقته، وذلك ما نحن في صدد خسارته
للأسف: حقيقتنا. اذكر أن امبرتو ايكو قال أمرا أوافقه عليه تماما، وهو
اننا نتجه نحو ظهور إنسان مغاير، ونحو ولادة تمييز جذري بين الناس.
ولست أتكلم فقط على كتلة الفقر المفصولة عن الأقلية الثرية، بل على
كتلة الجهل أيضاً.
عاش الكومبيوتر...
ولكن!
n فعلا، لقد حدثنا إيكو لبضعة اشهر خلت عن هذا
التمييز، وتحديدا عن ظهور طبقية اجتماعية من نوع جديد، هي طبقية
الأدوات العصرية والمعرفة التكنولوجية وإمكان الوصول الى هذه المعرفة.
فما رأيك، وخصوصا أننا نعلم أنك لا تقيم علاقة ود مع التكنولوجيا
والانترنت؟ هل تعتقد اننا سنشهد في المستقبل صراعا طبقيا مختلفا، ليس
مرتكزا على الممتلكات المادية بل على الممتلكات المعرفية؟
- ذلك احتمال وارد بالطبع، لأن المعلومات تصبح
يوما بعد يوم محتكرة من جانب فئة دون أخرى. يحكى الكثير عن الانترنت في
ايامنا هذه، كما لو انها بؤرة كل الشرور أو نعيم كل الفضائل. أرى أن من
السخف مثلا خلال الحملات الانتخابية أن يقول المرشحون: "في خطة عملنا
سوف نجعل الانترنت في متناول الجميع". ماذا يعني ذلك؟ أي فرق ستشكّله
الانترنت لدى اناس لا يملكون القاعدة المعرفية المناسبة للإفادة منها؟
يشبه الأمر أيام لم يكن هناك كهرباء، ثم جاء هذا الاختراع العظيم وصار
الناس كلما أضاؤوا غرفة تملكهم الذهول وقالوا "واو". لكننا اليوم بتنا
لا ننتبه حتى الى وجود الكهرباء. لم تعد اختراعا بل دخلت في نسيج
البديهيات. لذلك يجب ألا نعطي الانترنت أكثر مما تستحق، وهي غالبا ما
تعمل ضد الإنسان لا من اجله.
في اي حال لا تسيئي فهمي، فأنا لست قضية ميؤوسا
منها تكنولوجيا، لا بل أنا مودرن جدا على بعض الأصعدة، على غرار
استخدامي جهاز الكومبيوتر للكتابة. الكومبيوتر جهاز عمليّ مفيد جدا.
افكر في الفلاح الذي كان يستخدم في ما مضى ادوات بدائية ثم اخترعوا له
الجرّافة مثلا. نحن أيضا ككتاب بدأنا بالريشة ثم مررنا بالقلم والآلة
الكاتبة والآن وصلنا الى الكومبيوتر، وانا اقول لك بكل صراحة: عاش
الكومبيوتر!
الأسلوب لا
يتغيّر
n ثمة كليشيه مفاده أن من كان يستخدم القلم
وانتقل الى الكومبيوتر يرصد تغيرا ما في أسلوب كتابته، فهل لاحظت ذلك
بما انك عاصرت الأداتين؟
- لا، الأسلوب لا يتغيّر بتاتا. أنا اشبّه جهاز
الكومبيوتر بفرن الحدّاد. فهذا يضع الحديد "الخام" في الفرن ويشتغله
ويشتغله الى أن تصبح القطعة جاهزة في الشكل الذي يريده. كذلك الكاتب،
يودع أفكاره "فرن" الكومبيوتر في حالتها الخام، ومن ثم يشتغلها.
والجميل هو اننا تخلصنا من خربشات المسودة: كأننا في ساحة حربٍ قتلاها
وجرحاها غير مرئيين.
n ولكن ثمة من يبكي فقدان جمال المخطوطة...
- حسنا، لا بد من ان نضحي بشيء لنربح أشياء.
ولا شك في اننا خسرنا خطّ يد الكاتب مثلا، ولربما ننزع مع الكومبيوتر
الى التفكير أقل في ما نكتبه قبل أن نصوغه، لأننا مطمئنون الى اننا
سنرجع اليه لاحقا ونفبركه على هوانا من دون مشكلة. ولكن هذه السرعة
بالذات تتيح ايضا عدم فقدان أي فكرة تخطر على حساب أخرى. أعود لأكرر:
من المهم الا نعطي الانترنت اهمية مبالغا فيها. جل ما في الأمر هو انها
موسوعة ضخمة.
n وما رأيك في ما يقال عن حلول هذه الموسوعة
الالكترونية مكان الكتاب؟
- في الحقيقة، انا اكتب بواسطة الكومبيوتر
واستخدم الايميل، ولكن عند هذا الحد تقف علاقتنا انا والتكنولوجيا.
شخصيا أفضّل استشارة الكتب، لأنني لا أستطيع ان احتمل فكرة ان ابحث عن
شيء ما وأن تظهر لي 40 الف نتيجة مطابقة لبحثي. انا واثق من ان الناس
ستظل تقرأ الكتب مهما برزت اختراعات تزعم انها بديلة.
n بمعزل عن الكتابة على الكومبيوتر، ماذا عن
طقوسك؟ هل ما زلت تكتب صفحتين يوميا؟
- يتفاوت الأمر. احيانا أكتب 4 صفحات في اليوم.
هي عموما مسألة تنظيم عقلية. أعيش مع كتابتي علاقة خاصة، اقارنها بنمو
شجرة. إن الشجرة التي نزرعها تنمو وتنمو على نحو يبدو متوقعا وغير
متوقع في آن واحد. هو متوقّع لأننا إذا كنّا زرعنا شجرة زيتون مثلا،
نعرف ما سوف تكون النتيجة، فمن السهل تمييز اشجار الزيتون. ولكن ثمة
كمية كبيرة من المفاجآت التي تنتظرنا، إذ ليس هنالك شجرة زيتون واحدة
تشبه اختها تماما. على النحو نفسه، يُزرع الكتاب ويتجذّر وينمو وفق
منطقه الخاص. أنا لا أبدأ بخطة مفصّلة. أحترم حرية القصّة. فأن نبالغ
في تحديد الرواية يعني أن نجبرها على الولادة قبل ان تكتمل مراحل
تكوينها في رحم المخيّلة.
بناء الرواية يشبه بناء
الكرسي
nوماذا عن
الإلهام؟
- صدّقي أو لا تصدّقي، أنا لا أؤمن بالإلهام.
بل لا اعرف حتى ما هو. الكتابة هي عملي. إنها ما اقوم به، ما أبنيه
بيدي رأسي. ما اعرفه هو أنه يجب عليّ ان اقرر الجلوس الى مكتبي، وليس
الإلهام ما سيدفعني الى الجلوس. شرط الكتابة الأول هو الجلوس، ثم تأتي
الكتابة. أحيانا افكّر ان بناء رواية يشبه بناء كرسي: ينبغي أن يتمكّن
الإنسان من الاستقرار عليه بتوازن. لذلك يجب أن أتأكد من ان هذا الكرسي
يملك اربع أرجل ثابتة ومتينة. فكرسي بثلاث أرجل يعد بسقطة مؤذية لا بل
مميتة احيانا. كذلك يشبه الأمر قصة حب مبنية من طرف واحد: لا مفر من ان
تدمّر نفسها بنفسها.
n بما انك أتيت على ذكر الحب، يحضرني ان
رواياتك غير اعتيادية على هذا المستوى، وهو اقل ما يمكن قوله مثلا عن
قصّة الحب الرائعة بين مريم المجدلية ويسوع في كتابك "الإنجيل بحسب
يسوع المسيح". ايضا في "كل الأسماء"، يقع جوزيه في حبّ امرأة لن
يلتقيها يوما. في "قصّة حصار لشبونة"، تولد قصة حب ريموندو جراء كتابته
كلمة "لم" في مخطوطة يصححها، مما عكس مجرى تاريخ لشبونة. وفي "بالتاسار
وبليموندا"، كتبتَ قصة حب شغوفة ومؤثرة من دون ان تستخدم كلمة حب
واحدة...
- أصبتِ، ففي "بلتاسار وبليموندا" لا يوجد
تعبير "يا نور عينيّ" ولا "أحبّك" ولا "قمر حياتي" وما إليها من
التعابير المشابهة المألوفة. قد يخيّل للقارىء أني اجتنبتُ ذلك عمدا،
لكني لم اقصد الأمر على الإطلاق، لا بل أنا تفاجأتُ من نفسي عندما
انهيت الكتاب ولاحظت ما جرى! في أي حال، لا اخطط لإدخال قصص حب في
رواياتي. ولكن شيء ما يحدث أثناء الكتابة، فأجد بين ليلة وضحاها ان قصة
الحب ولدت بين الأسطر من تلقائها وأضاءت النصّ.
n يبدو لي الأمر ظاهرة إيجابية في فكر رجل
يتبنى التشاؤم بهذه الشراسة!
- (يضحك). إسمعي، العاشق يصبح إنسانا مختلفا.
لو كان في وسعنا ان نغرم جميعا واحدنا بالآخر وأن نظل مغرمين حتى آخر
الدهور، فلا شك في أن كوكبنا سوف يصبح آنذاك كوكبا سعيدا. الحب شكل من
اشكال كسر الوحدة، وإن كان لا يلغي وجودها. نعم، قصص الحب التي اكتبها
خارجة عن المألوف، ولكن ليس لي الفضل في ذلك. جمال قصّة حب ما تحدده
طبيعة المرأة الطرف فيها. إن امرأة استثنائية لا بد ستجعل قصة الحب
استثنائية أيضا بينها وبين رجل. لنكفّ نحن الرجال عن التباهي والادعاء
والتوهّم بان لنا دخل في الموضوع. لنتواضع قليلا ونعترف بأن المرأة هي
ربّان السفينة الحقيقي، ويا لها ربّاناً رائعاً! إن النساء اللواتي
يدخلن رواياتي هنّ نساء استثنائيات، مما يخلق قصص حبّ استثنائية
بدورها. هل يمكن أن نصف مثلا إمرأة مثل مريم المجدلية بغير ذلك؟
n حقّا. وفي الحديث عن هذه الرواية تحديدا التي
أثارت جدلا واسع النطاق في الأوساط الدينية واستنكرها الفاتيكان
ودانتها حكومة بلادك لا بل حاربتها وحالت دون ترشيحها لجائزة الرواية
الأوروبية عام 1992، مما دفعك الى اختيار منفى طوعي في جزر الكانارياس،
دعنا نتطرّق الى موضوع إلحادك.
- إن رؤيتي للدين تقوم على فكرة جوهرية، هي اني
لا أؤمن بوجود الله: لا بلحية ولا بدونها، لا ساخطاً ولا متسامحاً، لا
محبّاً ولا منكبّاً على مراقبتنا كناظر مدرسة يدوّن اخطاءنا وزلاتنا.
دماغي وعقلي لا يستطيعان قبول وجود إله، فكيف بالأحرى إلهين او ثلاثة
أو عشرة؟ كل الآلهة على مر الأزمنة ولدوا من مكان واحد: من الخوف من
الموت. فكرة أن الطيّبين سيلقون تعويضا بعد موتهم تبدو لي سخيفة وفي
غاية العبثية.
الدين يتلاعب
بالإنسان
n أتذكر عالم لاهوت ارتد الى الديانة المسيحية
بعد إلحاد طويل الأمد فكتب قائلا: "كل هذا عبثي للغاية، ولكن ذلك هو
تحديدا سبب إيماني به"...
- أحترم قوله، لكنّ العبثي لا يقنعني أنا
شخصيا. والأكيد هو ان الديانات لم تنفع الانسانية في شيء. فمنطق كل
واحدة هو أنها هي الأفضل، هي الأصحّ، وما تبقّى باطل. إنه لأمر يبعث
على الجنون. أنظري الى التاريخ، راجعي ما قام به مسيحيو البلدان
الغربية مثلا من فظاعات: لقد حرقنا وعذّبنا وقتلنا، وفعلنا تقريبا كل
ما يفعله آخرون اليوم، ولم نتعلّم شيئا من ذلك. الدين يتلاعب بالانسان
بلا خجل، ولم يقرّب يوما الشعوب بعضها من بعض، بل العكس تماما.
n أليس من الأدقّ القول إن المشكلة تكمن في
الإنسان نفسه؟ فالدين ليس الحجة الوحيدة التي استخدمها هذا ليقتل
أخاه...
- طبعا، ليس الدين سبب الآفات كلّها، ولا تنقص
الدوافع التي يستغلها الانسان لكي يثبت أنه عاجز عن فهم الآخر المختلف
والقبول به. لقد قال يوما العالم النمسوي الحائز جائزة نوبل كونراد
لورنز: "لقد اكتشفتُ الحلقة التي تربط بين الحيوان والانسان المتحضّر:
إنها نحن".
n حسناً، اقلّه لورنز يفترض أن المتحضّر جنس
سوف يظهر في أحد الأيام!
- (ضحك). أجل، ونحن الجسر التعيس الحظ إليه.
n يا له جسرا طويلا، ألا ترى معي؟
- صحيح، صحيح، يا له جسرا طويلا لم يعرف بعد ان
ينتهي. من يعلم أصلا إذا كان سينتهي يوما ويوصلنا الى الضفة الأخرى؟
دعينا لا نخطط على المدى الطويل: فإذا حاول كل واحد منّا ان يجعل اليوم
التالي أقل سوءا من اليوم الحاضر، سيكون ذلك إنجازا مهما. عندي نظرية
رفضتها الكنيسة، وهي أن الله عندما خلق العالم وخلق الناس على صورته
ومثاله، جعل هؤلاء يسكنون الكون كلّه، لا هذا الكوكب فحسب. لكن الناس
كانوا سيئين حدّ ان الله ندم على خلقهم، فقام بشيء في غاية البساطة:
جمعهم كلهم على هذه الأرض!
الأرض ليست سوى سجن
n حقا؟ كوكبنا هو "اوستراليا" الكون؟
- بالضبط، هذه الأرض ليست سوى سجن.
n من غير المجدي إذا أن نحاول استكشاف كواكب
أخرى: لن نجد احدا هناك...
- لا، طبعا لا، وليس هذا فقط: للذهاب الى
المريخ نحتاج الى سنتين والى مليارات الدولارات، واعتقد ان من الفحش أن
نعاني هنا على الأرض هذا القدر من المشكلات، وان نصر رغم ذلك على السفر
الى كواكب اخرى. أنا اؤمن بمنطق الأولويات، وإذا ما تأملنا المجتمع
الإنساني عموما، سوف تكون الأولوية الأبرز في رأيي ايجاد حلّ لمشكلة
الجوع. غالبا ما اقول إن الفجور لا يكمن في الإفلام الإباحية، بل في ان
ثمة اناساً يموتون في قرننا هذا بسبب الجوع وبسبب الحروب العبثية.
n يحيلنا هذا على رحلتك الى فلسطين منذ عامين
مع برلمان الكتّاب العالمي: فقد تعرّضت لمشكلات كثيرة جراء تلك الرحلة،
إذ لم تتردد في مقارنة رام الله بأوشفيتز، مما أثار حملة شرسة من
الاعتراضات والانتقادات، حدّ ان اصحاب المكتبات الإسرائيليين قرروا
الامتناع عن بيع كتبك مثلا...
- لقد رأيتُ في فلسطين اناسا مجبرين على العيش
كمنفيين على ارضهم، وما لا أستطيع فهمه في هذا النزاع بالذات هو عجز
الإسرائيليين عن استخلاص دروس إنسانية وتسامح من العذابات التي عاناها
الشعب اليهودي. بل على العكس من ذلك: هم عانوا التمييز والتعذيب،
فدأبوا في ممارستهما بدورهم. وبما انه ثمة شيء واحد في العالم يشعرني
بالسعادة، ألا وهو ان اقول ما افكّر فيه، لم اتردد في قول ذلك بصوت
عال. وللأسف برهن برلمان الكتّاب العالمي يومذاك عن جبن لا مثيل له. لا
أريد استخدام عبارات مهينة، ولكن اقل ما يمكن استنكاره على هذا المستوى
هو خبثهم، إذ تبرأوا من كلامي في اليوم التالي ونبذوني كأني الطاعون.
ذلك امر مثير للرثاء حقا، ولهذا السبب انسحبت من عضوية البرلمان.
n سوف أختم، إقتباساً عن إحدى شخصيات روايتك
"الرجل المزدوج"، بقولي "إن التاريخ يجب أن يُعلّم إنطلاقا من الحاضر
وصولا الى الماضي". فإذا اردنا تطبيق هذه النظرية على راهننا، كيف يمكن
ان تفسّر وفق هذا المنطق سياسة الولايات المتحدة اليوم؟
- سأفسّرها بأنّ ما تفعله الولايات المتحدة
يعيدنا الى زمن الامبراطوريات الاستعمارية الكبرى. يكفي أن نطرح هذين
السؤالين: كم من البلدان تملك قواعد عسكرية في الولايات المتحدة، وكم
عدد البلدان التي تملك فيها الولايات المتحدة قواعد عسكرية؟ إذا ما
ادركنا هذا الواقع سوف نعي اننا نشهد ظاهرة استعمار تدريجية وهاجس
سيطرة مرضياً. ولكن لن يدوم هذا الوضع في رأيي. فدور قائد العالم قد
يؤول في الغد القريب الى الصين، مثلما تظهر المعطيات الحالية. ودعينا
لا ننسى كذلك أنه منذ 11 ايلول، اكتشف الأميركيون هشاشة الحياة، تلك
الهشاشة التي عاشتها بلدان العالم الأخرى في الماضي، أو تعيشها الآن
بعنف مرعب. لقد ادرك الأميركيون- أو على الأقل آمل أنهم ادركوا-
أصوليتهم وأنانيتهم ووقاحتهم التي تجعلهم لامبالين إزاء ما يحصل خارج
حديقتهم الصغيرة. لقد اكتشفوا الآخر. واكتشفوا الخوف معه. فهنيئا لهم
بهذا الوعي!
في هذه اللحظة وبحركة غير مقصودة من يده
(ساراماغو يتكلّم كثيرا بيديه)، سببها على الأرجح انفعاله حين اتى على
ذكر عجرفة الأميركيين، أوقع الكاتب كوب المياه الموجود أمامه عليّ.
فسارع الى إعطائي المحارم وارتبك وتأسف قائلا: "لحسن الحظ أنه كوب
المياه لا فنجان القهوة الساخن". فما كان مني إلا ان أجبت: "هذا لعمري
كلام في غاية التفاؤل صادرا عن متشائم عنيد مثلك!"، فانفجر ضاحكا
وأردف: "أنتِ لا تنامين على ضيم، اليس كذلك؟ هل ستروين هذه الحادثة؟" -
هنيئا للأميركيين بوعيهم-، تقول يا استاذ ساراماغو؟ بل هنيئا لنا نحن
بوعيك أنت، وهنيئا ًلعالمنا بك، متشائما يعلّمنا الأمل.
|