النضال النقابي بين رهانات الظرفية السياسية وطموحات الشعب الكادح في ارباك اختيارات الطبقة الحاكمة

محمد الحنفي
mailto:sihanafi@hotmail.com?subject=الحوار المتمدن -النضال النقابي بين رهانات الظرفية السياسية وطموحات الشعب الكادح في ارباك اختيارات الطبقة الحاكمة&body=Comments about your article http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=18701
العدد: 848 - 2004 / 5 / 29

قبل المقدمة :
إن هذه الأرضية التي تم تسويدها في شهر غشت 1994 ، والتي كان من الممكن أن تصبح في ذمة التاريخ لولا استمرار الشروط التي أملت كتابتها رغم تغير الحكومات المختلفة ، وانتقال السلطة من عهد إلى عهد جديد . مما يجعل مضامينها تنطبق على الشروط الموضوعية الراهنة (أو وسط سنة 2002)، وقد تصلح للانطباق على ما يستقبل من السنين إذا لم يقع تحول في الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمدني والسياسي للشغيلة المعنية بالعمل النقابي من جهة ، وفي واقع اختيارات الطبقة الحاكمة من جهة أخرى في حالة استمرار ممارسة تزوير إرادة المواطنين لتكريس نفس الاختيارات، ولذلك رأينا ضرورة إخراج هذه المسودة الوجود مع إدخال بعض التغييرات ، والإضافات التي يقتضيها التحيين ، مساهمة منا في إيجاد أجوبة على الأسئلة المطروحة بسبب التحولات المتسارعة في الحركة النقابية من جهة، وتعميق معاناة الشغيلة وسائر الكادحين من جهة أخرى .حتى تتبين ضرورة اعتبار العمل النقابي ، والنضال النقابي مسألة ضرورية لفرض الحوار الإيجابي الهادف إلى التقليص من حدة الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي الممارس على الشغيلة المغربية ، ولبيان أن الكادحين لو يعودوا يهتمون برفع الشعارات التي لم تعد كافية ، بقدرما يهتمون بمدى ترجمة تلك الشعارات إلى واقع ملموس في حياة الكادحين التي تعرف تحسنا بسبب ذلك . فإرباك اختيارات الطبقة الحاكمة يعتبر مسألة أساسية في العمل النقابي، ومن هنا كانت ضرورة إخراج المسودة إلى الوجود.
المقدمة :
يمر المجتمع المغربي من مرحلة عصيبة جدا يصعب على المتتبع للتحولات التي يعرفها هذا المجتمع أن يدرك عمق المأساة التي يعاني منها الشعب الكادح ، خاصة وأن تلك التحولات لا تكون واضحة بالقدر الذي يجعل أي متتبع يدرك اتجاهها ما لم يستحضر الشروط الموضوعية التي تأتي في إطارها تلك التحولات . هذه الشروط التي من بينها شرط التبعية للمؤسسات الرأسمالية العالمية ، وشراهة الطبقة الحاكمة التي تستولي على معظم الإنتاج الاقتصادي الزراعي والصناعي، وسيادة اقتصاد الخدمات، وتوسع شرائح الطبقة الوسطى، وعدم الوضوح في علاقة أحزاب المعارضة البرلمانية السابقة لانتخابات 1997 مع الجماهير الشعبية، وتلغيم الشعارات المرفوعة. وإذا كان لابد من اختراق لهذه المرحلة العصيبة فإن هذا الاختراق لابد أن يمر من بوابة واحدة هي بوابة النضال الديموقراطي في شموليته أي النضال الذي لا يقتصر على الجانب الانتخابي فقط . بل يتخذ له أبعادا اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية في أفق تحريك مجموع الشعب الكادح قصد إشعاره بضرورة تحمل مسؤولياته في هذه المرحلة العصيبة من أجل تغيير ميزان القوى لصالحه .
وإذا كانت الواجهة الانتخابية مناسبة لتحريك مؤسسات دولة الطبقة الحاكمة وأحزابها .ومعها أحزاب الحكومة التي كانت تشكل المعارضة السابقة داخل قبة البرلمان .فإن بقية الواجهات أريد لها أيضا أن تتحرك وفق رغبة القرار السياسي كالواجهة الحقوقية ، و الواجهة الثقافية و الواجهة الاجتماعية نظرا لسيادة روح هيمنة الأحزاب على المنظمات الاجتماعية العاملة في هذه الواجهات مما يتعارض و مبادئ العمل في هذه المنظمات، و خاصة المنظمات النقابية التي أفقدتها تلك الهيمنة ، التي تتحول أحيانا إلى سيطرة، قدرتها على استقطاب قطاعات عريضة من الشغيلة المغربية التي لم تعد قادرة على انتزاع مكاسبها الاقتصادية و الاجتماعية بسبب الغياب الشبه التام لتلك المنظمات في مراحل يتم فيها الهجوم الاقتصادي و الاجتماعي على مكتسبات الجماهير الشعبية الكادحة، و في مقدمتها الطبقة العاملة.و إذا كان الجانب الحقوقي قد طغى في مراحل معينة على باقي الجوانب الأخرى، فإنه لم يتجاوز مطلب إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، و تسوية أوضاعهم الأخرى كما هي متعارف عليها من خلال المواثيق الدولية و الإقليمية و المحلية. و إذا كانت المنظمات الحقوقية في بلادنا لا تهتم بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية في المراحل السابقة ، فإن عليها الآن و في ظل عولمة اقتصاد السوق، و منطلق ضرورة عولمة النضال الحقوقي، و كونية حقوق الإنسان و شموليتها : أن تستحضر الانتهاكات الجسيمة في المجال الاقتصادي و الاجتماعي، تعضيدا و دعما للمنظمات النقابية التي تقود نضالات الجماهير من أجل تحقيقها . و هذا النضال الذي تقوده تلك المنظمات هو ما يصطلح على تسميته بالنضال النقابي الذي يشكل القاعدة الأساسية و الضرورية للنضال الديمقراطي العام باعتباره الوسيلة لانتزاع الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لمختلف شرائح الشغيلة المغربية. فما هو النضال النقابي ؟

مفهوم النضال النقابي :
إننا عندما نقدم على مناقشة هذا المفهوم، فإننا لا نعني به ما تقصده أحزاب الطبقة الحاكمة أو من يدور في فلكها بالنضال النقابي الذي لا يتجاوز حدود إنشاء منظمات صورية لا تظهر إلا من خلال اللافتات و في مختلف المناسبات الرسمية، كما لا نعني ذلك المفهوم الضيق الذي لا يتجاوز الزيادة في الأجور و إنشاء مكاتب نقابية لهذا الغرض ترضى عنها الباطرونا. و لا ما تريده أحزاب المعارضة السابقة التي أصبحت تتحمل المسؤولية في حكومة التناوب المخزني كما ظهر ذلك من خلال ممارستها السابقة التي أفادت بأن النضال النقابي هو كل نضال يصب في خدمة النضال السياسي لتلك الأحزاب في المراحل السابقة للانتخابات، و إذا لم يحصل فإنها تعمل على تخريبه كما حصل في مدينة آكادير، و في الدار البيضاء، و في العديد من الأماكن، بل إن ما نعنيه هو ذلك النضال الدؤوب الهادف لخدمة الطبقة العاملة و معها باقي فصائل شغيلة المجتمع، وفق مبادئ التقدمية و الديمقراطية و الجماهيرية و الاستقلالية التي تعتبر ضمانة لحماية النضال النقابي من الانزلاق في اتجاه الانحراف نحو الخبزية أو البيروقراطية أو الذيلية.
و يمكن القول و انطلاقا من واقع الطبقة العاملة المغربية و كافة فصائل الشغيلة : إن ما يهمنا من النضال النقابي هو الزيادة في الأجور نظرا لارتفاع تكاليف المعيشة، و لزيادة متطلبات الحياة في مختلف المجالات، إلا أن الزيادة في الأجور وحدها غير مضمونة بالنضال الخبزي الصرف، و لن تكون مضمونة بالذيلية للأحزاب الحكومية أو غيرها، بل لابد من أن يكون النضال النقابي مراعيا للشروط الاقتصادية والاجتماعية و الثقافية و السياسية، أي لابد أن تربط المطالب بين ما هو اقتصادي و ما هو اجتماعي/ثقافي و ما هو سياسي، نظرا لطبيعة الهيمنة التي تتميز بها الدولة التابعة على مختلف مجالات الحياة، و نظرا لطبيعة الشراهة التي تتميز بها الطبقات المستغلة التي تأخذ بيدها اليسرى ما تقدمه باليمنى، و خاصة في ظل عولمة اقتصاد السوق التي فسحت المجال أمام هجرة الرأس المال و إلغاء الحدود الجمركية، مما ينعكس سلبا على مستقبل الشغيلة التي يطرح عليها دعم النضال النقابي الذي يجب أن يتنوع و أن يتخذ أبعادا قومية و أممية و إنسانية حتى تتحقق فيه و من خلاله عولمة النضال النقابي تبعا لعولمة المطالب النقابية التي لم تعد في معظمها ترتبط بحدود معينة و لا بقومية معينة بقدر ما أصبحت إنسانية.
ففي ظل الشروط التي تعيشها الطبقة العاملة و معها الشغيلة المغربية يتحتم أن يكون النضال النقابي شاملا للنضال الاقتصادي و النضال الاجتماعي / الثقافي، و النضال السياسي حتى يكون هذا النضال إطارا لحماية الشغيلة المغربية من أشكال الهجوم التي تتعرض لها سواء من الطبقات المستغلة بزعامة الطبقة الحاكمة أو من قبل أحزاب المعارضة البرلمانية السابقة التي أصبحت تتحمل مسؤولية حكومة التناوب المخزني ابتداء من سنة 1998، و التي لا ترى في الشغيلة إلا احتياطا تحرص على توظيفه في الشروط المناسبة خدمة لأهدافها الحزبية، و هو ما يجب التصدي له بالنضال النقابي الصحيح الذي لا يستهدف إلا مصلحة الشغيلة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية والسياسية و لا شيء آخر مما تسعى إليه الأحزاب الانتخابوية سواء كانت حكومية أو لم تكن. تلك الأحزاب التي لا ترى في النضال النقابي إلا مناسبة للاستقطاب و الدعاية الانتخابية الرخيصة.
إن مفهوم النضال النقابي إذن هو مفهوم ذو أبعاد اقتصادية و اجتماعية و سياسية انطلاقا من الشروط الذاتية للحركة النقابية و السياسية التي تساندها. و الشروط الموضوعية التي تتحرك فيها من أجل مجتمع تسوده ممارسة اقتصادية و اجتماعية عادلة ، و تتجسد في بنياته المختلفة العلاقات الديمقراطية في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية. مما يحول دون تفاحش الاستغلال – كما يحصل - حالا ومستقبلا . ويعمل على إيجاد دينامية اقتصادية واجتماعية في أفق بناء الدولة الوطنية التي لا تقوم إلا بوجود اقتصاد وطني حر، وممارسة ديموقراطية نزيهة تنبث عنها مؤسسات جماعية وبرلمانية، وحكومة تستند إلى أغلبية برلمانية تسعى إلى تحقيق عدالة اجتماعية كتعبير عن الديموقراطية الحقيقية من الشعب وإلى الشعب .
وهذا المفهوم سيحول دون ممارسة الفوضوية النقابية التي تحل محل الأحزاب السياسية ، وتسعى إلى القيام بدورها ، كما أنه لا يسقطنا في خانة الهيمنة الحزبية على العمل النقابي بقدرما يأتي نتيجة للالتزام بمبادئ العمل النقابي ، وضوابطه التنظيمية ، وتفاعله مع مكونات المجتمع السياسية .
وإذا تجسد هذا المفهوم في الممارسة النقابية اليومية، فإن هذا التجسيد سيفسح المجال لاستقطاب قطاعات عريضة من الشغيلة للانخراط في النضال النقابي من أجل انتزاع المزيد من المكاسب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية حتى تشعر تلك القطاعات بإمكانياتها النضالية كما تشعر بإمكانياتها الانتاجية والخدماتية مما ينقلها إلى مستوى التموقف السياسي الذي يجرها إلى الانخراط في الأحزاب السياسية التقدمية المخلصة لقضايا الشغيلة والمدافعة عنها، والساعية إلى دعمها في نضالاتها المطلبية .أي أن النضال النقابي الصحيح يصير بالضرورة معبرا تمر منه الشغيلة في اتجاه النضال السياسي العام ، ومنه النضال الحزبي الخاص . بخلاف مانراه في الواقع حيث نجد أن محاولة أحزاب المعارضة البرلمانية السابقة ، والمتمخزنة بتحملها لمسؤولية حكومة التناوب المخزني ، التدخل في شؤون النقابات ، ومحاولتها الهيمنة على قيادتها ، وتوجيه النضال النقابي لخدمة أهدافها الانتخابوية بالخصوص، يؤدي إلى نفور الشغيلة من النضال النقابي مما ينعكس على وضعية النقابة ، وعلى وضعية الأحزاب المشار إليها . والتي تستنفر كل إمكانياتها حتى لا تنفلت النقابة من هيمنتها أو سيطرتها ، وإذا حصل ذلك كما هو الشأن بعد مؤتمر ك.د.ش في مدينة العيون المغربية. فإنها تحاول تكريس سيطرتها على بعض القطاعات كما حصل في النقابة الوطنية لعمال الفوسفاط، والنقابة الوطنية للتعليم . وكما يحصل في قطاعات أخرى من أجل تبرير الوفاء للمؤسسة المخزنية التي توظف كل الامكانيات لإفشال مخططات النضال النقابي .
وهذه الممارسة القائمة في الساحة النقابية ، والمرشحة للتأزم أكثر من أي وقت مضى بسبب التفاعلات الحادة التي تحصل في العديد من القطاعات ، وبسبب الصراع بين توجهين متناقضين : توجه جعل العمل النقابي ذيليا للأحزاب الحكومية ، وتوجه المحافظة على استقلالية العمل النقابي وربطه بالنضال الديموقراطي العام . تفرض علينا طرح المسألة النقابية للنقاش على نطاق واسع ، على صفحات الجرائد ، وعلى مستوى النقابة بإقامة عروض وندوات داخلية. والهدف هو إعادة صياغة فهم صحيح للعمل النقابي ، والاتفاق على سبل صيانة النقابة مما يؤدي إلى تخليها عن التدخل في شؤون النقابة، وتوظيفها لتحقيق أهداف حزبية ضيقة حتى تبقى النقابة ممارسة لمهمتها النضالية المطلبية الكامنة أساسا في تنظيم الشغيلة . وصياغة مطالبها وقيادة نضالاتها بعيدا عن كل تأثير خارج عن الإطار النقابي . وبذلك يقوم الجميع بإعادة النظر في السلوك النقابي المنحرف . وتصحيحه ليتناسب مع متطلبات المرحلة والشروط الموضوعية التي تمر منها الشغيلة المغربية التي أخذت تسترجع قدرتها على طرح مطالبها بشكل منظم و هادف، بعد تحرير النقابة من أسر التبعية للحزب الحكومي، الأمر الذي لا يفيد إلا الطبقات المستغلة التي تملك سلطة الدولة و سلطة المال، و تسيطر على المؤسسات المزورة بما فيها المؤسسة التشريعية. و هو ما يجعلها تملك أيضا سلطة التشريع لتمتلك بذلك سلطة القضاء، لتتمكن بذلك من صياغة الواقع المتردي صياغة توهم الجميع بقيام دولة الحق و القانون التي لا وجود لها إلا على مستوى الشعار.
رهن النضال النقابي باللحظة السياسية الراهنة :
إن المقصود باللحظة السياسية الراهنة : هي الارتباط بالممارسة السياسية ذات العلاقة بظرفية معينة تفرض على الأحزاب اتخاذ موقف معين يتناسب مع تلك الظرفية سواء جاء ذلك الموقف عن قناعة أو تم إملاؤه على تلك الأحزاب من خارجها من أجل الوصول إلى تحقيق أهداف آنية، أو متوسطة، أو بعيدة المدى، و سواء دخل ذلك الموقف في إطار تصريف برنامج مقرر سلفا، أو تم تقريره بناء على حدوث تلك الظرفية بشكل مفاجئ، و سواء انسجم مع البرنامج المرحلي و الاستراتيجي لكل حزب أو لم ينسجم.
و لهذه اللحظة السياسية الراهنة علاقة بالنضال السياسي العام الذي تنخرط فيه الأحزاب السياسية، كل حسب قناعته و بالنضال النقابي العام، و القطاعي، يعني أن هذه اللحظة تدخل كشرط لإحداث حركة في الساحة السياسية و النقابية. بالإضافة إلى الشروط الذاتية و الموضوعية الأخرى. و إلى تأثر هذه اللحظة بالنضال السياسي و النقابي. و بذلك تكون علاقة اللحظة السياسية الراهنة بالنضال السياسي و النقابي علاقة جدلية في إطارها يتم تبادل التأثير إلا أنه و في شروط محددة نجد أن العلاقة بين اللحظة السياسية الراهنة، و بين النضال النقابي تتخذ لها مجموعة من المستويات :
المستوى الأول : علاقة هيمنة السياسي على النقابي.
و هذا المستوى يتخذ له طابعين :
الطابع الأول و فيه تتجلى هيمنة النضال السياسي على النضال النقابي في إطار حركة سياسية اجتماعية شاملة يحتد فيها الصراع بين الطبقات الاجتماعية، و فيه تتجند الأحزاب الوطنية و التقدمية، و خاصة حزب الطبقة العاملة لقيادة ذلك النضال، و توجيهه لتحقيق الأهداف المرحلية المتجسدة في تغيير ميزان القوى لصالح الشعب الكادح.
و الطابع الثاني، و فيه تتجلى هيمنة الحزبي على النقابي حيث تتصدى أحزاب معينة للسيطرة على الأجهزة النقابية ، و تحريك النقابات انطلاقا من قرارات حزبية لممارسة الضغط على الطبقة الحاكمة، لا من أجل تغيير ميزان القوى لصالح الشعب الكادح، كما قد يتوهم المتتبع العادي، بل من اجل تحقيق أهداف حزبية آنية تكون لها علاقة خاصة بالنتائج المرتقبة للانتخابات. و في هذه الحالة نجد حرص الأحزاب المحكومة بهوس الانتخابات فقط على التحكم بكافة الوسائل المادية والمعنوية على الأجهزة النقابية في الفترة الفاصلة بين الانتخابات قصد العمل على تجميد النضالات المطلبية ليبقى النضال البرلماني وحده بارزا في الساحة . وعندما تظهر في الساحة بوادر الانتخابات، فإن تلك الأحزاب تعمل على تحريك النقابات في إطار حركة مطلبية فعلا، لكنها لا تهدف الى تحقيق المطالب كما قد يتبادر الى الذهن ،بقدر ما تهدف الى شئ آخر يتجلى في :
أ - تجنيد قطاعات الشغيلة وراء تلك الأحزاب في الانتخابات .
ب- الظهور بمظهر القوة أمام الطبقة الحاكمة حتى تتنازل عن المزيد لصالح هذه الأحزاب .
وهذا النضال من هذا النوع سرعان ما يختفي ليحل محله النضال الحزبي الصرف عن طريق انصراف المنتمين الى الأحزاب من القيادات النقابية محليا وإقليميا ووطنيا الى النضال الحزبي الانتخابي لتبقى النقابات بدون قيادات فعلية، فتعجز عن القيام بدورها . و يسود الانتظار في الساحة النقابية، و تظهر النقابات و كأنها جزء من تلك الأحزاب.
و المستوى الثاني : علاقة هيمنة النقابي على السياسي : و فيه يقع الاهتمام الصرف بالمطالب الاقتصادية، و تظهر النقابة و كأنها بديل للحزب السياسي، و خاصة إذا انضافت إلى المطالب الاقتصادية مطالب لا تطرحها إلا الأحزاب السياسية. و بذلك يخفت نجم الأحزاب السياسية و النضال السياسي العام، و يختفي من الوجود التحريض السياسي الذي تقوم به عادة الأحزاب السياسية، و يصبح المصدر الوحيد للتحريض هو النقابة.
و الطبقة الحاكمة عندما ترصد هذه الهيمنة، فإنها تتدخل بكافة الوسائل للحيلولة دون لعب النضال النقابي دوره، و ذلك عن طريق تضييق الخناق عليه بواسطة تجنيد الأحزاب الحكومية المستفيدة من الوضع لمحاربة العمل النقابي، و من داخل النقابة إذا كان المنتمون إلى الأحزاب الحكومية منخرطين في النقابة أو سبق لهم ذلك عندما يلجأون إلى توظيف الإطارات النقابية التي يسيطرون عليها لمحاربة النضال النقابي كما يحصل في ك.د.ش. و خاصة قبل و بعد 2002/6/12 أو العمل على تدجينه كما تسعى إلى ذلك أحزاب حكومة التناوب المخزني، و بكل الوسائل بما فيها تخريب النقابات لإضعافها حتى يسهل احتواؤها، أو خلق نقابات تابعة لها توظف بالدرجة الأولى لمحاربة العمل النقابي كما حصل في قطاع الفوسفاط و يحصل في قطاع التعليم، حتى لا يوجد من يقاوم السياسة الحكومية التي تخدم بامتياز مصالح الطبقة الحاكمة و سائر المستغلين و مصالح المؤسسة المخزنية.
و إذا كانت الشغيلة هي الضحية الأولى في المستويين معا، فإن النضال السياسي وحده غير كاف لتغيير ميزان القوى لصالح الشعب الكادح، و كذلك الشأن بالنسبة للنضال النقابي الذي يفتقد الدعم السياسي.
المستوى الثالث : التفاعل بين النضال السياسي و النضال النقابي و في هذا المستوى يمارس النضال استقلاليته عن النضال السياسي. إلا أن هذه الاستقلالية ليست مطلقة بقدر ما هي نسبية نظرا لأن المستهدف بالنضال هو الواقع الاجتماعي المحدد في المكان و الزمان، و وفق خطة سياسية و نقابية شاملة لا تمارس الأحزاب السياسية فيها أية هيمنة على النضال النقابي، و لا توجهه و لا توظفه لخدمة لحظتها السياسية الآنية، كما لا توجد فيه أية ممارسة نقابية فوضوية أو خبزية صرفة، أو تدجين من قبل من الطبقة الحاكمة، و من المؤسسة المخزنية ؟ و دون مساهمة منها في تزوير إرادة الشعب بما فيها إرادة الطبقة العاملة و سائر شرائح الشغيلة ؟ إنها الأحزاب الديمقراطية المقتنعة فعلا بالنضال الديمقراطي الصحيح بدون قيد أو شرط، و في مقدمة هذه الأحزاب حزب الطبقة العاملة. و ما سوى الأحزاب الديمقراطية الحقيقية تبقى الأحزاب الأخرى مجرد أحزاب موظفة للنقابة من اجل تحقيق أهداف حزبية ضيقة.
و في هذا المستوى نجد تفاعل المجتمع مع النضال السياسي و النضال النقابي في نفس الوقت، كما نجد التفاعل بارزا بين النضال النقابي في إطار الاستقلالية النسبية لكل منهما بسبب اختلاف الأهداف السياسية عن الأهداف النقابية.
وفي هذا الإطار لا يمكن أن ننفي تواجد الحزبيين في مختلف مستويات الهرم التنظيمي للأحزاب السياسية. إلا أن هذا التواجد لا يستلزم أن تتخذ تلك الأحزاب مواقف بناء على ما تقرره النقابات كما أنه لا يستلزم أن تقوم تلك النقابات بتنفيذ ما يتقرر في الإطارات الحزبية.
و في نفس الوقت لا نستطيع أن نجرد النقابيين من قناعتهم الحزبية أثناء ممارستهم للعمل النقابي، كما لا نستطيع أن نجرد النقابيين من قناتهم النقابية أثناء ممارستهم للعمل الحزبي.
و لذلك لابد أن يسود النقاش الديمقراطي داخل الإطارات النقابية من جهة. و بين النقابات والأحزاب المقتنعة بالنضال الديمقراطي من جهة أخرى. و أن يكون ذلك النقاش مناسبة للتفاعل بين البرامج النضالية الحزبية، و البرامج النضالية النقابية، و مناسبة أيضا للتنسيق بين النقابات و الأحزاب في محطات نضالية محددة يتداخل فيها النضال النقابي و النضال السياسي. و مناسبة أيضا لوضع أسس للنضال المشترك و الدعم المتبادل حتى يصبح النضال النقابي في خدمة النضال السياسي، و النضال السياسي في خدمة النضال النقابي. و الهدف هو تغيير ميزان القوى لصالح إفراد الشعب الكادح الذين يحتضنون النضال النقابي و النضال السياسي معا.
و إذا انتقلنا إلى الساحة المغربية بالخصوص نجد أن النضال النقابي رهين في معظمه باللحظة السياسية الحزبية الراهنة نظرا لتميز العمل النقابي بتحكم الأحزاب بشكل أو بآخر، بسيطرة النقابيين المنتمين إلى بعض الأحزاب الحكومية على الأجهزة النقابية المختلفة على المستوى الوطني، و في معظم الأحيان على المستوى الجهوي فيما يتعلق بالك.د.ش قبل انقسام الاتحاد الاشتراكي، و تأسيس حزب المؤتمر الوطني، و بعد ذلك فقد اصبح الأمر يختلف من جهة إلى أخرى و من قطاع إلى آخر، مما يرشح ك.د.ش إلى جعلها مجالا لممارسة الصراع المرير من أجل السيطرة على الأجهزة الكونفيدرالية و القطاعية . و قد بدأ ذلك الصراع في قطاع الفوسفاط، ثم تفجر في 2002/6/12 في قطاع التعليم، و ستعرفه قطاعات أخرى على المديين القريب و المتوسط.أما الاتحاد العام للشغالين بالمغرب فلا حديث فيه إلا عن كونه جزءا من حزب الاستقلال، و مكونا من مكوناته.
فسيطرة الاتحاد الاشتراكي، و معه بعض الأحزاب على بعض الأجهزة الوطنية و المحلية و الجهوية في شروط سابقة افقد ك.د.ش استقلاليتها. و بعد انسحاب بعض الأحزاب أصبحت ك.د.ش في يد الاتحاد الاشتراكي باعتباره حزبا حكوميا قائد حكومة التناوب المخزني قبل الانقسام ، و نظرا للتحولات التي عرفها فالك.د.ش تنفلت الآن من سيطرته، و على المناضلين أن يؤكدوا على استقلاليتها حتى لا تتحول إلى مجال لصراع آخر قد يعصف و إلى الأبد بتلك الاستقلالية. كما أفقدها ديمقراطية قراراتها، و ارتباطها بقضايا الشغيلة، مما يكرس بالضرورة ضعف العمل النقابي، و ارتباط النقابة بالقاعدة العريضة للشغيلة المغربية ما لم تتم استعادة ديمقراطية النقابة، و كفاحيتها، و ضرورة تجنب الصراع الداخلي الذي يصبح في معظم الأحيان غير ديمقراطي إن لم يتحول إلى صراع تناحري كما حصل يوم 2002/06/12 حيث منع و بالقوة أعضاء المجلس الوطني للنقابة الوطنية للتعليم من دخول مقر نقابتهم من قبل أشخاص مجهولي الهوية وظفهم حزب معين لفرض سيطرته على مقر النقابة المذكورة التي جمد كاتبها العام أجهزتها الوطنية حتى لا يصطدم بالقواعد الممثلة في المجلس الوطني لوضع فئات معينة من رجال التعليم أمام الأمر الواقع من خلال اتفاقه مع الوزير الأول على " تلبية " مطالبه النقابية التي همشت قطاعا مهما من العاملين في التعليم ممن يصنفون ضمن القطاع المشترك. و هذا الصراع التناحري حصل و يحصل و سيحصل بين المنتمين إلى أحزاب المعارضة الحقيقية و المنتمين إلى الحزب الحكومي الرئيسي، و بين الساعين إلى قيام ممارسة نقابين صحيحة، و المنتمين إلى توجه يسعى إلى تكريس ذيلية النقابة للحزب، و من خلال تلك الذيلية تأييد النقابة للحكومة.
و هذا النوع من الصراع يغيب استحضار قضايا الطبقة العاملة و سائر فصائل الشغيلة المغربية، و يؤدي إلى انسحاب غير منظم من العمل النقابي، و من النضال النقابي و النضال السياسي في نفس الوقت، فينعكس ذلك سلبا على وضعية الك.د.ش التنظيمية و المطلبية، و على وضعية الشغيلة التي تفتقد أداة من أدواتها النضالية الصلبة، و في شروط تتسم بهجوم الطبقة الحاكمة على قوت الكادحين. و في عهد حكومة التناوب المخزني السابقة التي يقودها حزب يسعى باستمرار إلى فرض سيطرته على أجهزة ك.د.ش. و في نفس الاتجاه : اتجاه تكريس تبعية النقابة للحزب حيث عرفت السنوات الأخيرة دخول ك.د.شفي التنسيق مع الاتحاد العام للشغالين بالمغرب الذي اعتبرناه منظمة حزبية، أدى إلى نتيجة يمكن اعتبارها سلبية. و هذه النتيجة هي تكريس تبعية ك.د.ش للاتحاد الاشتراكي - قبل الانقسام - الذي تقدم الشغيلة في العديد من القطاعات العمومية و شبه العمومية تضحيات كبيرة من أجل تحرير ك.د.ش و على جميع المستويات من أسر تلك التبعية. و في هذا الإطار يجب أن لا يفهم أننا ضد التنسيق بين ك.د.ش و الاتحاد العام للشغالين أو الاتحاد المغربي للشغل. فنحن نرحب، و ندعم أي تنسيق يؤدي إلى تقوية النضالات المطلبية للشغيلة المغربية سواء كان بين النقابات القطاعية، أو المركزية، أو بين النقابات و الأحزاب. ولكن عندما يتعلق الأمر بتحجيم النضال النقابي و فرض الوصاية عليه و عدم احترام مبادئه التي يقوم عليها، فإننا لا نقبل هذه الوضعية التي لا تستفيد منها إلا الطبقة الحاكمة، و من المخزن.
و لذلك فالنضال النقابي يجب أن يبقى بعيدا عن تبعيته للحظة السياسية الحزبية الراهنة نظرا لعمالة الأحزاب الحكومية المسيطرة على الأجهزة النقابية و على العمل النقابي في مراحل معينة للطبقة الحاكمة وللمؤسسة المخزنية لقبولها بنتائج التزوير، و تخطيطها لتزوير إرادة المواطنين من خلال إشرافها على إعادة النظر في القوانين الانتخابية المعتمدة في انتخابات 2002 و ما بعدها. و حتى يكون النضال النقابي كذلك نرى ضرورة خوض نضال مرير، و ديمقراطي من احترام الأسس و المبادئ و الضوابط النقابية – على الأقل – في ك.د.ش. و إذا كان هناك تنسيق بين الك.د.ش، و أي نقابة أخرى يجب أن لا يكون على حساب المبادئ و الضوابط كما حصل في التنسيق بين ك.د.ش و الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، حيث تبين ذلك بشكل واضح اثر إعلان الك.د.ش عن الإضراب العام يوم 1994/2/25 و يوم 2002/6/5 فقد امتنع الاتحاد العام عن الدخول في الإضراب، و تجندت الأحزاب الحكومية ( المعارضة البرلمانية السابقة ) لحمل ك.د.ش على تأجيل الإضراب سنة 1994 و القيام بالتعبئة المضادة لحمل الشغيلة على إفشال الإضراب الذي لم يعد الحديث عنه واردا في صفوف الأحزاب الحكومية نظرا لارتباط مصالح المنتمين إليها بمصالح الطبقة الحاكمة و بالمؤسسة المخزنية سنة 2002. و نظرا للتنسيق الذي كان قائما فقد تكرس في وجدان الرأي العام أن الك.د.ش لا تختلف عن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب في شيء و أن العمل النقابي هو عمل حزبي بالدرجة الأولى. و هو ما يطرح على النقابيين المخلصين تحديا كبيرا، إذ عليهم أن يعملوا على اقتلاع هذا الفهم من وجدان الجماهير الشعبية الكادحة، و العمل على تكريس استقلالية ك.د.ش على أرض الواقع، حتى نفوت على الطبقة الحاكمة و على الأحزاب الحكومية إحكام القبضة على النقابة و العمل النقابي.
و ما تمارسه الأحزاب الحكومية لا يمكن اعتباره إلا إسقاطا للنضال النقابي في الارادوية الحزبية التي يجب التصدي لها من قبل المناضلين المخلصين لمبادئ النقابة و ضوابط العمل النقابي، و الحسم مع كل التوجهات الساعية إلى تدجين النقابة و النقابيين كما حصل في اجتماع المجلس الوطني النقابة الوطنية للتعليم بتاريخ 2002/6/12 ، و كما حصل من قبل في مدينة آكادير وفي قطاع الفوسفاط، و كما سيحصل في مدن أخرى و في قطاعات أخرى. و الهدف ليس هو وضع حد لتحكم حزب حكومي معين في قطاعات ك.د.ش النقابية. بل هو فسح المجال أمام استعادة النقابة لمبدئيتها، و لتقدميتها، و ديمقراطيتها و جماهيريتها و استقلاليتها التي تعتبر معبرا لتحقيق وحدة الشغيلة النقابية محليا و جهويا و وطنيا. و حتى لا يلجأ حزب معين إلى فرض سيطرته على النقابة و النقابيين، و يستبد بها كما حصل خلال الثمانينات و التسعينات من القرن العشرين، و يعمل على تدجين النقابة و النقابيين، إذا كان ذلك يخدم مصلحة الحزب المسيطر. و للحيلولة دون ذلك يجب إطلاق العنان للنضال النقابي حتى يلعب دوره انطلاقا من مبادئه، و ضوابطه و ميكانزماته الخاصة به. و بدون ذلك فإن العمل في أفق تدجين العمل النقابي سيؤدي بالضرورة إلى :
1) إسقاط المبادئ النقابية من الحسابات الحزبية الضيقة فيفقد بذلك العمل النقابي القدرة على الحركة الجماهيرية المنظمة إلا إذا أراد الحزب المسيطر على الأجهزة النقابية ذلك. فلا مجال للتقدمية و لا للديمقراطية، و لا للجماهيرية، و لا للاستقلالية إلا بإرادة الحزب، لا بإرادة النقابيين، و جماهير الشغيلة المنضبطة لقرارات النقابة.
2) و عندما تفقد النقابة المبادئ التي قامت عليها تفقد بناء على ذلك جماهير الشغيلة التي تعتمد عليها، فلا يتواجد في النقابة إلا من ينتمي إلى تلك الأحزاب أو يتعاطف معها. و معلوم أن ما يشكله إبعاد جماهير الشغيلة من النقابة من خطورة على وضعية الشغيلة، و على وضعية النقابة، و على وضعية الأحزاب التي تسعى إلى تدجين العمل النقابي. فالشغيلة المغربية لم تعد تنطلي عليها الحيلة، كما أنها لم تعد تقبل بالعمل النقابي الذي يعتبر معبرا لتحقيق أغراض سياسية حزبية ضيقة كما أنها لم تعد تقبل إلا بالعمل النقابي القائم على المبادئ الأربعة المعروفة وترفض أن يملى عليها من خارج النقابة ما تقوم به وهي مرحليا لم تتمرس بعد على مواجهة التحريف وتكتفي فقط بالانسحاب من العمل النقابي ولكنه الانسحاب الذي يبقى معه الاستعداد للانخراط في أي نضال ما دام يهم مصلحتها الطبقية. ذلك الاستعداد الذي يجب أن يتحول وعن اقتناع الى صمود ومقاومة للتحريف .
3) وقد أدى كل دلك الى خلق مفهوم غير صحيح عن العمل النقابي خلال العقدين الأخيرين على الأقل داخل الكونفدرالية للشغل فقد اصبح يظهر وكأنه لم يوجد إلا لخدمة أهداف حزبية ضيقة أو انه لم يوجد إلا بقرار حزبي وان النقابة وحدت لخدمة الحزب ليس إلا . وخطورة المفهوم تكمن في كونه يتحول من خلال الحزب الى أداة في خدمة الطبقة الحاكمة والمؤسسة المخزنية اكثر مما هو أداة تسعى الى تحقيق أهداف الشغيلة التي وجدت من اجلها النقابة والعمل النقابي. ونحن عندما ناضلنا خلال السبعينات من اجل تأسيس ك.د.ش وهيكلتها كنا ندرك أهمية استحضار المبادئ الأربعة في هذه الهيكلة وهو ما جعلها تكتسح الساحة الجماهيرية بسرعة غير محسوبة وغير منتظرة وما ذلك إلا لأن جماهير الشغيلة رأت في العمل النقابي الكونفيدرالي عملا نقابيا صحيحا، فاحتضنته و انخرطت فيه لتفجر في صفوفها ذلك الكبت الذي مورس عليها في الإطارات النقابية التي كانت قائمة حتى تأسيس ك.د.ش.
فالكونفيدرالية وجدت إذن لتقود العمل النقابي الصحيح المبدئي و المنظم، و الذي ينطلق من جماهير الشغيلة و يعود إلى جماهير الشغيلة. و لكن التحولات التي عرفتها الحركة النقابية، و منها الك.د.ش خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين و بداية القرن الواحد و العشرين أعطت تفاعلات عكسية على العمل النقابي، تحتاج منا إلى شجاعة أدبية متميزة، لطرحها للنقاش. فهل يفسح المجال لذلك ؟ و هل يؤدي ذلك النقاش – إن حصل – إلى الخلاص و بصفة نهائية من رهن النضال النقابي باللحظة السياسية الراهنة ؟ إننا أمام تحول يظهر و كأننا نسعى إلى تخليص النقابة من أزمتها الكامنة في رهنها باللحظة السياسية الراهنة.
و لكن ألا يعتبر هذا التحول نفسه نتيجة لذلك الرهن ؟ و من يقود عملية التحول ؟ إنهم نفسهم الأشخاص و التوجهات التي قادت إلى رهن النقابة بالتبعية لحزب سياسي معين. ألا تعتبر عملية التحول سعيا إلى جعل النقابة مرهونة بالتبعية لحزب آخر ؟ و بالتالي مرهونة باللحظة السياسية الراهنة ؟ إن الأيام القادمة ستكشف مدى صدق عملية التحول في تحلل النقابة من عملية الأسر تلك و هو ما يجب أن تناضل من أجله الشغيلة.
سبل الخلاص من رهن النضال النقابي باللحظة السياسية الراهنة :
إن مناقشة سبل الخلاص من رهن النضال النقابي باللحظة السياسية الراهنة يطرح علينا محاولة الإجابة على سؤال : " ماذا نعني بالخلاص ؟ " إن كلمة " الخلاص " ذات بعد غيبي تطهيري. و يمكننا أن نستعيرها هنا لتفيد معنى " القطيعة " الذي أصبح مستعملا بكثرة في الفكر المعاصر. و الدلالة التي نرغب في صياغتها هي الوصول بواسطة النضال السياسي المرير إلى التخلص من كل الممارسات التحريفية التي تسيء إلى العمل النقابي عن طريق خلق شروط موضوعية جديدة من ضمن مكوناتها : إيجاد نوع جديد من الوعي المتطور في أوساط الشغيلة يرفعها إلى مستوى إقدامها على التصدي لكل ما يؤدي إلى الانحراف بالعمل النقابي عن أهدافه الحقيقية لخدمة أهداف أخرى ليست له. و هذا الفهم الذي نعطيه للخلاص، سيكرس عندنا إرادة رصد أشكال التحريف، و التصدي لها في مختلف الإطارات النقابية المحلية و الإقليمية و الجهوية و الوطنية. و على أساس هذا الرصد سيتكرس في الممارسة النقابية :
1 ) الحرص على المبادئ و الضوابط التنظيمية كما هي منصوص عليها في قوانين المنظمة النقابية باعتبارها هي المستهدفة بالتحريف، لأنه بدونها لا تقوم للمنظمة قائمة ، أو أن تواجدها سيبقى صوريا محضا، وستصبح المنظمة أداة في يد الطبقة الحاكمة ، أوفي يد الأحزاب الحكومية كما هو الحال في الواقع النقابي المغربي .
2) الحرص على الحوار الديموقراطي داخل الإطارات النقابية بين الآراء المختلفة حتى لا تتحول المنظمة إلى إطار لممارسة العنف بين مختلف الفصائل . فالحوار الديموقراطي له أعرافه وتقاليده التي تمكن كل نقابي من التعبير عن وجهة نظره، ويبقى القرار للقاعدة النقابية التي تقرر ما تقتنع به بناء على ما جرى أمامها من نقاش جدي ومسؤول .
3) الحرص على اعتبار العمل النقابي بمثابة حد أدنى يجمع بين الفصائل المختلفة التي يعمل المنتمون إليها في نفس المنظمة النقابية دون أن يكون ذلك الحد الأدنى على حساب جماهير الشغيلة المغربية . فمصلحتها يجب أن تحضر أولا ، وأخيرا وعلى أساسها يجب الاتفاق على الحد الأدنى في أفق تحقيق الوحدة النضالية على الساحة الجماهيرية، وتحقيق العلاقة الجدلية بين النضال النقابي والنضال السياسي . من أجل الانفلات من قيود اللحظة السياسية الراهنة .
4) الحرص على الحوار بين النقابات المتقاربة في أفق الوصول إلى مرحلة التنسيق بينها . بهدف تحقيق الوحدة النضالية في أوساط شرائح الشغيلة . إلا أن هذا الحوار يجب أن تحدد له مقاييسه ، وأسسه ، وضوابطه ، ويجب أن تحضر فيه مصلحة الشغيلة المغربية،وأن تستبعد منه جميع الحسابات الحزبية الضيقة ، وأن يجري على نطاق واسع بين القيادات المحلية والإقليمية والوطنية، وأن تشرك قواعد النقابات في هذا الحوار على أ ساس أن يؤخذ برأيها في جميع القضايا المطرحة ، وأن تتجنب النقابات المختلفة ادعاء الوصاية على الشغيلة المغربية وأن يستحضر في هذا الحوار النضال المطلبي بالدرجة الأولى ، وأن تتجنب النقابات أساليب الكوطة والكولسة … إلخ
وحوار كهذا لابد أن يؤدي إلى نتائج تستفيد منها الطبقة العاملة المغربية ، وسائر شرائح الشغيلة، وهو ما يشدها إلى التنظيمات النقابية المختلفة، ويعضد نضالاتها، ويصلب وحدتها أمام هجمة الطبقة الحاكمة وحلفائها على القدرة الشرائية للكادحين، وأمام تعميق أشكال الاستغلال التي يتعرض لها مجموع أفراد الشعب الكادح .
5) وفي أفق تحقيق الوحدة النقابية على الساحة الجماهيرية يجب الحرص على دعم المحطات النضالية التي تخوضها النقابات بصفة منفردة،لأنه بالدعم والمساندة تتقوى النقابة . ويتقوى المنخرطون في النضال النقابي ، ويسود الاحترام بين النقابات سواء على مستوى البرامج ، أو على مستوى المواقف . أو على مستوى خوض المعارك النضالية التي هي الوسيلة لإشعار جماهير الشعب الكادح بإمكانياته التي لا حدود لها، سواء على مستوى الإنتاج أو على مستوى خوض النضال لجعل ذلك الإنتاج في خدمة الشعب الكادح .
6) وممارسة الدعم والمساندة للعمل النقابي بصفة عامة وللمحطات النضالية بصفة خاصة ، تقودنا مباشرة إلى خلق حوار بين النقابات من جهة وبين مختلف التنظيمات الحقوقية والثقافية والسياسية لاعتبارات نذكر منها :
أ- أن النضال النقابي وحده غير كاف لإرغام الطبقة الحاكمة وحلفائها على التخلي عن شراسة استغلالها للطبقة العاملة وسائر الشغيلة المغربية .
ب- أن النضال الحقوقي يعتبر شرطا لدعم النضال النقابي خاصة عندما تناضل المنظمات الحقوقية من أجل احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والميثاق الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والبرتوكول الملحق بهما .
ح- أن النضال الثقافي يؤدي بالضرورة إلى تثوير الشغيلة عن طريق خلق وعي طبقي متجذر في أوساطها، لأنه بدون وعي طبقي تبقى الشغيلة غير قادرة على إدراك، واستيعاب ما يمارس عليها من مستويات الاستغلال وبدونه لا تقاوم ذلك الاستغلال .
د-أن النضال السياسي الذي يرتكز على تحريض الطبقات الكادحة لخوض الصراع السياسي ضد الاستغلال بكافة أشكاله ومن أجل وضع حد له ، وبناء مؤسسات دولة تسود فيها العدالة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، سيؤدي بالضرورة إلى إشعار الكادحين بالإمكانيات السياسية. مما يعتبر أكبر دعم للنضال النقابي الذي يتحول في مرحلة معينة إلى نضال سياسي .
وللوصول إلى هذه المرحلة لابد من بناء جبهة وطنية عريضة للنضال من أجل الديموقراطية التي تضم بين صفوفها الأحزاب والمنظمات النقابية والحقوقية. حتى يتم إشراك الجميع في هذه الجبهة على أساس خلق حوار ديموقراطي بين هذه المنظمات وصولا إلى الاتفاق على الحد الأدنى الذي على أساسه يوضع برنامج نضالي : سياسي ، ونقابي ،وحقوقي، وثقافي . تساهم فيه فصائل الشغيلة المغربية، ومجموع أفراد الشعب الكادح. والمثقفون الثوريون ، والحقوقيون . وبهذا النضال يتغير ميزان القوى لصالح الشعب الكادح.
7) وضع برنامج للتشغيل اليومي على المستوى المركزي ، وعلى مستوى الفروع والأقاليم حتى لا يقع فراغ نقابي يجعل الشغيلة تفقد صلتها بالنقابة في الأحوال العادية ، وحتى يدخل العمل النقابي في إطار سيرورة لا تعرف الانقطاع أبدا . وإلا فإن العمل النقابي سيتحول إلى عمل موسمي مما سيدخله حتما إلى خانة السقوط في مهوى اللحظة السياسية الراهنة كما تسعى إلى ذلك الأحزاب الحكومية وكل الأحزاب التي تستغل الشغيلة في المحطات الانتخابية التي تعرف تزويرا مكشوفا في أغلب الأحيان .
وبرنامج التشغيل اليومي يجب أن يكون محدد الأهداف، محسوب الخطوات حتى يؤدي الغرض منه الذي هو الاستمرار في تعبئة الشغيلة ، وشدها إلى النقابة وتمهيد الطريق أمامها من أجل امتلاك وعيها الطبقي الذي يكسبها مناعة ضد كل أشكال التضليل السياسي والأيديولوجي ، والتنظيمي بالإضافة إلى استهدافه:
أ- تصليب الأدوات التنظيمية النقابية عن طريق إعادة الهيكلة القاعدية ثم المحلية والإقليمية، و الجهوية والوطنية بعيدا عن كل الصراعات الحزبية الضيقة . واحتكاما إلى المبادئ والضوابط والقواعد التنظيمية . واستنادا إلى قواعد الشغيلة العريضة التي تنظم النقابة حملة واسعة للانخراط فيها، وتوعيتها بضرورة و نجاعة هذا الانخراط الذي يرفع من مكانة الشغيلة، و يقوي مركز التنظيم النقابي في المجتمع . هذا المركز الذي أخذ يضعف مع مرور الأيام و السنين بسبب سيطرة الأحزاب المهووسة بالانتخابات، حكومية و غير حكومية . و خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاعات ك.د.ش التي يجب العمل على انعتاقها من تلك السيطرة، و العمل على المحافظة على مبدئيتها و انغراسها في صفوف الشغيلة و وضع حد لجعلها مجالا للاستقطاب الحزبي / الانتخابي.
و إعادة الهيكلة تقتضي إعادة النظر في فلسفة التنظيم و في القوانين التنظيمية حتى تتناسب مع الشروط الجديدة التي يعرفها المجتمع المغربي المعني بالعمل النقابي، و مع المستجدات النقابية المتسارعة على المستوى القومي و العالمي. و خاصة في ظل عولمة اقتصاد السوق التي تؤثر سلبا على وضعية الشغيلة بالتقليص من ساعات العمل و التوقيف المؤقت و الطرد و تحديث المؤسسات الإنتاجية، و التطور الحاصل في مجال التأهيل و في التقنيات المتعلقة بالإنتاج و الخدمات. و إعادة النظر هذه لابد أن تشرك فيها أوسع القواعد النقابية حتى تعبر عن رأي الجميع. و حتى نقطع الطريق أمام الرؤى الفوقية التي قد تكون محسوبة بالنظرة الحزبية الضيقة المخربة للنقابة، و المعرقلة للعمل النقابي، و الحائلة دون قيام نضال نقابي صحيح.
ب- تكوين الملفات المطلبية المحلية و الإقليمية و الوطنية : القطاعية و العامة، لأن عملا كهذا يجب أن يكون الشغل الشاغل للنقابيين، و خاصة في الظروف العادية حتى تكون النقابة و النقابيون، و سائر الشغيلة على استعداد لخوض النضال المطلبي عندما تسمح الشروط الذاتية و الموضوعية التي يجب أن تعمل الحركة النقابية على إنضاجها.
و تكوين الملفات المطلبية القطاعية و العامة، يقتضي من النقابة القيام بدراسة علمية شاملة للتشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية من أجل الوقوف على خصائص الطبقات الاجتماعية، و خاصة الطبقات المستغلة، و أساليب الاستغلال التي تمارسها، و خاصة في مجال التشغيل. و كذلك الشأن بالنسبة لخصائص الطبقة العاملة المغربية، و سائر شرائح الشغيلة، و الطبقات الوسطى من المجتمع. لأنه بدون هذه الدراسة العلمية تدرك النقابة القوانين الموضوعية التي تتحكم في الواقع حتى تتصرف انطلاقا من تلك القوانين لخلخلة الواقع لصالح الشغيلة، و مجموع أفراد الشعب الكادح.
و عدم قيام النقابة بهذه الدراسة يجعل ملفاتها غير علمية، و غير هادفة، و يجعل مضامين تلك الملفات لا ترقى إلى مستوى جعل الصراع يحتد في اتجاه انتزاع المكاسب الاقتصادية و الاجتماعية، كما أنها لا ترقى إلى مستوى استيعابها و الوعي بها من قبل الشغيلة نظرا لعدم علميتها، مما يجعل صلاحية طرحها تزول بسرعة نظرا لسرعة التقلبات التي تحصل على المستوى القومي و العالمي.
و إذا كان تكوين الملفات يقتضي منا هذا الجهد النظري و العملي فإنه في نفس الوقت يقتضي إشراك أوسع جماهير الشغيلة في تكوينها حتى تحضر في صياغتها بطريقة ديمقراطية تشعرها بإمكانية الاعتماد على نفسها في تجميع مطالبها العامة و الخاصة، و تصنيفها و صياغتها، و تقرير ما يجب عمله من اجل تحقيقها، و اختيار أساليب النضال المناسبة لها.
ج- إنجاز عروض و ندوات حول مفهوم العمل النقابي و علاقته بالعمل السياسي، و تاريخ العمل النقابي على المستوى العام وعلى المستوى الخاص وحول الملفات النقابية، وآفاق النضال النقابي …الخ .
وإذا كانت هناك من طامة كبرى تعاني منها الشغيلة المغربية وفي مقدمتها الطبقة العاملة ومنها المؤهلة وفي مستوياتها العليا ، فهي ما يمكن أن نسميه بالأمية النقابية لاعتبارات نذكر منها :
- غياب الإعلام النقابي الصرف ، وإذا وجد فإنه لا يرقى إلى مستوى الإعلام النقابي الهادف. - - - إخضاع الإعلام النقابي في الجرائد الحزبية للحسابات الحزبية الضيقة المؤدية إلى تخريب العمل النقابي وخاصة في ظل تفاحش الاستغلال ، وعمالة الأحزاب المحسوبة على الصف التقدمي للطبقة الحاكمة ، والمؤسسة المخزنية ، وتحملها مسؤولية حكومة التناوب المخزني سابقا في ظل عولمة اقتصاد السوق ، واخلاصها في خدمة البورجوازية الكبرى والرأسمالية العالمية على حساب مصالح الكادحين التي تم إقبارها، وتدخلها لإضعاف النضال النقابي عن طريق إضعاف النقابة ، وعملها على تقسيمها . وسعيها إلى جعل الشغيلة في خدمة مصالح المستغلين .
- اعتماد النقابيين والأجهزة النقابية على الإعلام النقابي الهزيل ،الذي لا يعمل على إشاعة الوعي النقابي باعتباره مقدمة لامتلاك الوعي الطبقي الحقيقي .
- غياب دراسات علمية دقيقة، وفي متناول الشغيلة عن العمل النقابي، وتطوره، وعن تطور النضال المطلبي لدى الشغيلة وإذا وجدت فإنها لا تكون في متناول الكادحين نظرا لارتفاع أثمانها في السوق من جهة، ولغياب دافع البحث عنها من جهة أخرى بسبب سيادة الأمية النقابية في صفوف الشغيلة .
- عدم قيام النقابة بإنجاز دراسات وافية في هذا المجال . وإذا وجدت فإنها تكون مستوحاة من البرامج الحزبية، ولا تهدف إلى محو الأمية النقابية ، ولا تسعى إلى بث وعي نقابي صحيح . ولا تكون أساسا لامتلاك وعي طبقي حقيقي.
- عدم التخطيط لإنجاز مكتبة نقابية تضم الكتب والدراسات التي تكون في متناول العمال وسائر الكادحين .
- عدم إيجاد مدرسة لتكوين الأطر النقابية والفكرية والتنظيمية حتى تبقى القيادات النقابية المحلية و الجهوية والوطنية متربعة على صدر الشغيلة دون أن يوجد من ينازعها في المسؤولية لغياب التكوين النقابي الحقيقي . والتأطير النقابي الهادف إلى رص صفوف الشغيلة للدفاع عن مصالحها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية .
ولهذه الاعتبارات الآنفة الذكر يكون من الضروري :
- إنجاز عروض من قبل النقابيين أنفسهم حتى لا يلقنوا من خارجهم ما ليس لهم . وهذه العروض يجب أن تتمحور حول الأبجديات النقابية أولا ، باعتبار تلك الأبجديات تكاد تكون غائبة تماما عن أذهان الشغيلة خاصة ما يتعلق منها بمفهوم العمل النقابي وعلاقته بالعمل سياسي ومبادئ العمل النقابي ، وضوابطه ،وطرق إنجازه ، وأساليب النضال الممارسة ، و المحتمل ممارستها ، وتاريخ العمل النقابي ، والشروط التي أدت إلى ظهوره ، والتحولات التي عرفها على المستوى العالمي وعلاقة العمل النقابي بظهور النظام الرأسمالي العالمي ، ودوره في تحقيق المجتمع الاشتراكي ، والانتكاسات التي يتعرض لها العمل النقابي، والأساليب والحيل التي تمارسها البورجوازية لجعل العمل النقابي ينحرف عن دوره الصحيح كما حصل في عهد حكومة التناوب المخزني سابقا. وما هي الشروط الموضوعية التي أدت إلى ظهور العمل النقابي في المغرب؟ وما هي التطورات التي عرفها ؟ ولماذا الاتحاد المغربي للشغل ؟ وكيف تحول إلى جهاز بيروقراطي ؟ ولماذا الاتحاد العام للشغالين بالمغرب ؟ وما هي الشروط التي أدت إلى وجوده ؟ ولماذا الك.د.ش؟ و ما هي الشروط التي أدت إلى تأسيسها ؟ وما هي التحولات التي عرفتها ؟ وهل تحترم فيها المبادئ المنصوص عليها في تصورها التنظيمي وفي قوانينها ؟ ولماذا الصراعات الداخلية التي تعرفها منذ 1990 و التي تتحول إلى صراعات تناحرية كما حصل في النقابة الوطنية لقطاع الفوسفاط ، وفي قطاع التعليم، و في الاتحادات المحلية على المستوى الوطني، وعلى مرأى ومسمع من عامة الناس وأمام الصحافيين وكما حصل في مدينة أكادير ، و كما يحصل في قطاعات أخرى ، وفي مدن وأقاليم أخرى ، وما علاقة كل ذلك بتطور التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية المغربية ؟ و ما هي التحولات التي يعرفها الملف المطلبي باستمرار ؟ و ما هي علاقة النقابي بالسياسي في المطالب النقابية خلال عقود الاستقلال السياسي ؟
وإذا كانت رؤوس الأقلام المشار إليها تقتضي إنجاز عروض علمية ودقيقة ، وهادفة فإن القضايا الراهنة المطلبية والوطنية والقومية والعالمية تقتضي إنجاز ندوات محلية وإقليمية و جهوية ووطنية من أجل إغناء النقاش حولها ، وتعميقه حتى تبقى حاضرة في أذهان النقابيين ومن خلالهم في وجدان الشغيلة لتنتقل إلى وجدان الشعب الكادح . على أن تهيأ خلاصات تكون منطلقا لأي برنامج نقابي مقبل يمكن النقابة من إنجاز مهامها في قيادة نضالات الشغيلة .
د- إنجاز ما يوضع من برامج نضالية مطلبية محلية ، وإقليمية ووطنية، قطاعية وعامة ، لأن وضعها يصرف فيه جهد كبير مادي ومعنوي وعدم الإقدام على إنجازها سيجعل الشغيلة تفقد وسيلة الارتباط بالنقابة بالإضافة إلى تضييع ذلك الجهد المصروف ، ونشر النفور من العمل النقابي في صفوف الشغيلة وإذا كانت هناك برامج نقابية لم تعرف طريقها إلى الإنجاز فعلينا :
أولا : أن نبحث في الأسباب التي أدت إلى عدم الإنجاز كما يحصل في عدة قطاعات وعلى المستوى المركزي وفي المركزيات النقابية . وهل تعود إلى تغير الشروط الموضوعية التي أفرزت ذلك البرنامج ؟ أم إلى تغير الشروط الذاتية ؟ أم إلى رهن البرنامج بإرادة الأحزاب المسيطرة على الأجهزة النقابية؟ أم أن عدم تنفيذها يرجع إلى رهنها بالظرفية السياسية الراهنة ؟
ثانيا : وإذا أصبحت البرامج غير المنجزة غير قابلة للتنفيذ . فإن علينا أن نعيد النظر فيها حتى تناسب الشروط الجديدة ، وذلك بتعميق النقاش حول مضامينها للخروج بخلاصات عامة وخاصة تصبح مادة للبرامج الجديدة القابلة للتنفيذ .
ثالثا : وإذا كان السبب في عدم إنجاز تلك البرامج يرجع إلى طبيعة الهياكل القائمة، يصبح من الضروري الإقدام على إعادة الهيلكة حتى تتم صياغة أجهزة جديدة تتحمل مسؤوليتها كاملة في تنفيذ البرامج المقررة كيفما كانت الصعوبات التي تعترض عملية التنفيذ تلك . ومهما كلف ذلك من تضحيات مادية ومعنوية.
وكيفما كان الأمر فظاهرة التذبذب التي تسود العمل النقابي في بلادنا، والتي تتجلى في وضع البرامج النضالية ، والاتفاق عليها من خلال الهيئات المقررة على المستوى المحلي والإقليمي، والجهوي والوطني ، والتردد في تنفيذها يطرح علينا إشكالية صحة العمل النقابي أو عدم صحته، و إشكالية احترام مبادئ العمل النقابي، أو عدم احترامها . وهاتان الإشكاليتان تفرضان علينا إخضاعها للنقاش المعمق، وخاصة على مستوى الك.د. ش لنرى هل النقابة تهدف إلى أن تصبح إطارا وحدويا للشغيلة بصفة عامة ، وللطبقة العاملة بصفة خاصة ؟ أم أنها مجرد إطار لشرائح القطاعات الخدماتية ذات التطلعات البورجوازية الصغرى . هذه التطلعات التي نرى أن من أهم سماتها أنها تجعل حاملها متذبذبا .
ه- تنشيط الإعلام النقابي الداخلي والخارجي لإشراك مجموع شرائح المجتمع لمواكبة ما يجري على الساحة النقابية : إننا عندما نطرح الإعلام النقابي فإننا نطرحه بشقيه : الداخلي والخارجي .
والمقصود بالإعلام النقابي الداخلي هو الإعلام الذي يخص الأجهزة والمناضلين النقابيين مما يهم السير العادي للنقابة . والتوجيه الداخلي للعمل النقابي كما يخص استعراض الأنشطة المختلفة الوطنية ، و الجهوية، و الإقليمية والمحلية و الخلاصات المستفادة من تلك الأنشطة . بالإضافة إلى رسم الآفاق النضالية والزوايا التكوينية .
وهذا الإعلام يتم إما عن طريق المراسلات الداخلية أو النشرات الخاصة بالنقابيين . وكان المفروض أن يعرف هذا النوع من الإعلام نشاطا مكثفا حتى يستطيع النقابيون مواكبة ما يجري نقابيا، والانخراط بفعالية فيما يجري . إلا أن عدم تنشيطه جعل العمل النقابي يعرف ركودا ، والنقابيين بعيدين عن المواكبة لدرجة أنهم لم يعودو يعرفون ما يجري، و لذلك يطرح على النقابيين ، وعلى الأجهزة النقابية العمل على جعل الإعلام النقابي يلعب دوره في المحطات القادمة لخلق التواصل بين الأجهزة القيادية محليا وإقليميا وجهويا ووطنيا من جهة ، وبين هذه الأجهزة والقطاعات المنخرطة في النقابات من جهة أخرى . وعلى النقابيين أن يبحثوا في الشروط التي أدت إلى تغييب الإعلام النقابي الداخلي .
أما المقصود بالإعلام الخارجي فهو الذي يربط النقابة بالرأي العام الوطني وبجماهير الشغيلة حتى تتفاعل مع المواقف النقابية دعما ومساندة وانخرطا .
ويتم الإعلام الخارجي إما :
- بالتجمعات العامة لاستعراض المواقف النقابية من مختلف القضايا المطروحة وشرح مطالب النقابة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من أجل إيجاد قاعدة عريضة للدعم والمساندة ، والانخراط بطريقة مباشرة .
- أو بطبع البيانات و البلاغات و النداءات و توزيعها جماهيريا لإشراك الجماهير في تبني قضايا الشغيلة التي تهم مجموع أفراد الشعب الكادح.
- عقد المهرجانات و العروض و الندوات في الأماكن العمومية.
- الحرص على إصدار جريدة نقابية لاستعراض مختلف الأنشطة النقابية و التعريف بمختلف القضايا و المشاكل التي تعاني منها الشغيلة بالإضافة إلى تخصيص زوايا نظرية، و ثقافية عمالية.
- مراسلة الجرائد الوطنية اليومية و الأسبوعية التي تدعم العمل النقابي و تسانده.
و الإعلام النقابي الخارجي عندما يكون حاضرا في الساحة الجماهيرية، فلأنه يعبر عن حركة نقابية مستمرة، و معبرة عن نهوض جماهيري مستمر، و لكنه عندما يغيب أو يضعف، فإن ذلك يعني أن العمل النقابي غائب، أو دون مستوى الطموحات الجماهيرية.
و لذلك فإعادة الاعتبار إلى دور العمل النقابي يترتب عنه بالضرورة تنشيط الإعلام الداخلي و الخارجي الذي يخلق تلك الوحدة العضوية بين النقابيين من جهة و بين النقابة و جماهير الشعب الكادح من جهة أخرى.
النضال النقابي الصحيح و طموحات الشعب الكادح :
و إذا كان النضال النقابي يتحول بتحول الشروط الموضوعية، و بحسب الهدف منه، فإن هذا التحول يطرح علينا إشكالية مفهوم النضال النقابي الصحيح. هل هو النضال الذي يكتفي بما هو خبزي فقط ؟ أم هو ذلك النضال الذي يسعى إلى تحقيق أشياء أخرى غير الخبز بالنسبة للشغيلة، و خاصة في زمن عولمة اقتصاد السوق ؟
إن كل منخرط في العمل النقابي، و انطلاقا من اقتناعه الأيديولوجي و السياسي، يستطيع أن يصوغ تصورا للنضال النقابي الصحيح. غير أن ما يجري على أرض الواقع يخالف الاقتناع بالتصور الصحيح. كما هو الشأن بالنسبة للفوضوية النقابية، و استغلال النضال النقابي لأغراض انتخابية صرفة من قبل الأحزاب المسيطرة على الأجهزة النقابية. و نحن في معالجتنا لمفهوم النضال النقابي الصحيح سوف لا نتحيز لأي اتجاه، و لا نتبنى أي تصور من التصورات المتداولة في الساحة النقابية بقدر ما نحاول أن ننطلق من :
1) أن النضال النقابي الصحيح هو كل نضال مبني على أساس عمل نقابي تقوم به منظمة نقابية تحترم في إطارها مبادئ العمل النقابي المعروفة التقدمية و الجماهيرية و الديمقراطية و الاستقلالية و هي مبادئ لا يصح عمل نقابي تقوده منظمة نقابية لا تحترمها.
2) أن النضال النقابي الصحيح هو كل نضال نقابي تقرره قواعد الشغيلة من خلال الهيئات النقابية التقريرية، و دون تدخل من أية جهة من الجهات التي تسعى باستمرار إلى التأثير في القرار النقابي لخدمة مصالحها.
3) أن النضال النقابي الصحيح هو كل نضال طبقي لا تراعى فيه إلا مصلحة الطبقة العاملة، و معها سائر شرائح الشغيلة، و مجموع الشعب الكادح، لأنه بدون مراعاة تلك المصلحة سينحرف النضال النقابي عن مجراه الصحيح.
4) أن النضال النقابي الصحيح هو كل نضال يجمع بين المطالب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية سعيا إلى تحسين الأوضاع المادية و المعنوية للشغيلة المغربية.
5) أن النضال النقابي الصحيح هو الذي يتخذ طابع السيرورة، و يستفيد من مختلف التجارب النقابية السابقة وطنيا و عالميا، و يستشرف آفاق المستقبل الذي قد تحصل فيه تحولات إيجابية أو سلبية يجب أخذها بعين الاعتبار في التفكير و التخطيط و التنفيذ.
6) أن النضال النقابي الصحيح هو كل نضال يتجنب السقوط في مهوى اللحظة السياسية الراهنة، فيخدم بذلك أهدافا أخرى لا علاقة لها بمصلحة الشغيلة.
7) أن النضال النقابي الصحيح هو كل نضال يتفاعل إيجابا مع مختلف النضالات السياسية و الحقوقية و الثقافية التي تخوضها مختلف المنظمات السياسية و النقابية و الحقوقية الثقافية.
8) أن النضال النقابي الصحيح هو كل نضال يحرص ما أمكن على الحصول على دعم و مساندة مختلف المنظمات السياسية و النقابية و الحقوقية في جميع المحطات النضالية.
9) و باختصار فإن النضال النقابي الصحيح هو المعبر الفعلي و الحقيقي عن طموحات الشعب الكادح في تحقيق المزيد من المكاسب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية حتى يشعر هذا الشعب بكيانه أمام الشعوب الأخرى، و حتى يجد نفسه، و قد استطاع أن يعبر عن وجوده من خلال النضال النقابي الصحيح الذي يعد معبرا نحو النضالات الأخرى.
و بهذا الفهم الذي أدرجناه أعلاه، نكون قد تجنبنا تحجيم العمل النقابي في مجرد التبعية للأحزاب ، أو للأشخاص، و أعطيناه نظرة أوسع حتى يمكنه أن يكون فعلا تلك الأداة التي لا تعرف الجمود و لا المناسبتية لأن استغلال الطبقة الحاكمة، و من يسبح في فلكها لا يعرف الجمود و لا المناسبتية بقدر ما يكرس جهده ليلا و نهارا من أجل تعميق كافة أشكال الاستغلال التي يتعرض لها مجموع أفراد الشعب الكادح. فماذا نعني بمفهوم الشعب الكادح؟
إن مفهوم الشعب الكادح قد يعتريه الكثير من الغموض، و التضبيب لأنه يمكن أن يدخل في إطاره جميع الشرائح الاجتماعية التي تتشكل منها أجهزة القمع المختلفة، و جميع المتعاونين مع هذه الأجهزة إلى جانب الشغيلة ، والفلاحين ، والتجار الصغار والحرفيين ، ومن لا عمل لهم .
وللمزيد من الإيضاح لابد أن نشير إلى أنه في مثل حالة المغرب – كبقية البلدان ذات الأنظمة التابعة – فإن أجهزة القمع المختلفة و معها عملاؤها ، تنفصل تلقائيا عن الشعب الكادح نظرا لخاصية الارتشاء و الفساد التي تتميز بها هذه الأجهزة ، مما يؤدي إلى التحول و بسرعة منقطعة النظير إلى صفوف الطبقات المستغلة عن طريق المشاريع الاقتصادية التي تنشئها و العقارات التي تمتلكها.
و لذلك فمفهوم الشعب الكادح هو مفهوم محدد بمجموع الشرائح الكادحة خارج أجهزة القمع، و خارج عملائها من أجل الحصول على العيش الكريم. و الشرائح المعنية بالشعب الكادح هي الطبقة العاملة المنتجة و المنظمة لعملية الإنتاج كالتقنيين، و المساعدين التقنيين، و الشرائح الخدماتية في القطاع العام و الخاص خارج أجهزة القمع، و الفلاحون الصغار و المعدمون و العمال الزراعيون، و التجار الصغار، و العمال المياومون، و عمال البناء، و العاطلون الذين لا عمل لهم، و الطلبة، و التلاميذ، و ربات البيوت، و الحرفيون الذين ينتجون لحسابهم.
فهذه الشرائح لا يمكنها أن تعيش إلا عن طريق بيع قوة عملها و من لا تعمل فإنها تساهم بشكل أو بآخر في اقتصاد البيت. و لذلك فهي تتعرض للاستغلال بشكل مباشر. مما يجعلها معنية بالدرجة الأولى بالنضال في مختلف مستوياته. و النضال النقابي يهمها بالدرجة الأولى، لأنها هي التي تكتوي بنار الاستغلال.
فمفهوم الشعب الكادح، إذن هو مجموع هذه الشرائح التي تعاني من كافة أشكال الاستغلال، و القمع الاقتصادي، و الاجتماعي و الثقافي التي تمتلكها و توظفها الطبقة الحاكمة، و التي لا تعرف المهادنة أبدا و لا تعرف التوقف، و التي تتخلل مختلف مجالات الحياة، و تشمل مجموع التراب الوطني بما في ذلك التضليل الذي تمارسه هذه الطبقة بواسطة أجهزتها الإعلامية و الثقافية لجعل هذه الشرائح تنشغل عن الاستغلال الممارس عليها ب " الجنة " الموعودة.
و من أهم ما يشد أنظار الشعب الكادح النضالات المطلبية التي لا تتوقف أبدا لاعتبارات منها :
1) أن المعنيين بتلك النضالات ينتمون إلى الشعب الكادح.
2) أن ما يحقق من مكاسب عن طريق تلك النضالات يستفيد منها الشعب الكادح.
3) أن وحدة الشعب الكادح تتحقق عن طريق تلك النضالات.
4) أن الشعب الكادح ينتقل من النضالات المطلبية إلى النضالات السياسية بامتلاكه الوعي الطبقي الشامل.
و لذلك فالنضال النقابي بمختلف مستوياته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية ليس إلا تعبيرا حيا عن طموحات الشعب الكادح المتجلية في :
1) انتزاع المزيد من المكاسب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي يبقى الشعب الكادح بدونها غارقا في كافة أشكال التخلف التي تجعله عاجزا عن الحصول على متطلبات الحياة الكريمة. فانتزاع هذه المكاسب يعتبر على رأس الأهداف المتوخاة من النضال النقابي، و إلا فإنه إذا لم يكن يؤدي إليها سيفقد الجدوى منه إذا كان يتبع أسلوبا غير مجد. فيتحتم بذلك على المسؤولين النقابيين، و على القواعد على حد سواء التفكير في أساليب أكثر نجاعة، و أشد تأثيرا على الطبقة الحاكمة.
2) تحسين مستوى المعيشة عن طريق توفير البنيات التحتية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، و مد الطرق و الكهرباء، و إيجاد الماء الشروب في المناطق القروية، و بناء المدارس، و المستوصفات، و المراكز الصحية، و وكلات البريد، و تشجيع النقل العمومي ليشمل كافة المناطق القروية التي يجب أن تربط بالمراكز الحضرية، و توفير شروط الإقامة المريحة في البادية، و تشجيع السكن الاقتصادي في البوادي و الحواضر على السواء، و الحد من شراسة الاستغلال عن طريق إيجار المساكن عن طريق وضع القانون المنظم للكراء حتى تبقى جماهير الشغيلة محمية بالقانون من سطوة المستغلين العقاريين بالإضافة إلى العمل بقانون السلم المتحرك لحماية الأجر من التأثر بارتفاع الأسعار . وتعميم صندوق الضمان الاجتماعي وصندوق التقاعد على جميع المأجورين في مختلف القطاعات ، وعلى الفلاحين الصغار والمعدمين والتجار الصغار والحرفيين ، وتعميم التأمين على السكن والحياة ، والتجارة حتى يأمن كل واحد على مستقبله . والحد من بطش الاستغلال . والتقليص من أهمية القطاعات غير المنتجة ، وتشجيع القطاعات المنتجة الصغرى والمتوسطة في أفق خلق اقتصاد وطني متحرر من التبعية للهيمنة الإمبريالية ومن التقيد بتوجيهات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي .
وإن شعار تقريب الإدارة من المواطنين الذي لا يعني في عمقه إلا تقريب القمع من المواطنين والذي يرفعه المسؤولون منذ سنوات بدعوى تحسين مستوى المعيشة، وتنظيم المجتمع لا يزيد الوضعية الاجتماعية والاقتصادية إلا تأزيما لأنه لا يؤدي إلا إلى خلق أشكال جديدة من الفئران السمان التي تؤدي بدورها إلى تسمين القطط نظرا للفساد الإداري الذي عم جميع الإدارات ، وخاصة التي لها علاقة بالمصالح الاجتماعية والاقتصادية لعموم أفراد الشعب الكادح .
3) ولتجاوز هذه الوضعية المتردية على مستوى المعيشة يجب أن تستحضر النقابة من بين برامجها ولائحة مطالبها دمقرطة المجتمع من خلال دمقرطة المؤسسات والعلاقات الاجتماعية : فالمطالب الديموقراطية يجب أن تكون حاضرة من بين المطالب ، لا لأنها ذات طابع سياسي بل لأنها من صلب المطالب النقابية الصرفة خاصة إذا تعلق الأمر بالحريات النقابية المختلفة ، ومحاربة الفساد الإداري في مختلف المستويات . ولاشك أن مطالب كهذه إذا تم الإلحاح على تلبيتها مع مواكبة الخروقات التي ترتكب في حق الشغيلة. فإن ذلك لابد أن يؤدي إلى نتيجة أساسية وهي فرض احترام العلاقة مع الشغيلة في مختلف المستويات كممارسة ديموقراطية تصبح قائمة في الواقع الملموس . وإذا ترسخت هذه الممارسة في أوساط الشغيلة فإنها لاشك ستننقلها إلى الواقع الاجتماعي وتصبح الديموقراطية بذلك مطلبا شعبيا يتم الإلحاح عليه ، والمطالبة به من قبل الأحزاب السياسية التي تساند وتدعم النقابة ، وتتبنى مطالبها بدون قيد أو شرط .
وإذا كان النضال النقابي يؤدي بالضرورة إلى المطالبة بالديموقراطية في المجتمع .فإن النقابة نفسها يجب أن تجعل مبدأ الديموقراطية واقعا ملموسا في سلوك تنظيماتها القيادية والقاعدية وذلك من أجل تكوين مناضلين أكفاء في هذا المجال يجعلون الممارسة الديموقراطية هدفهم من أجل :
أ- استقطاب أكبر عدد ممكن من الشغيلة للانخراط في النضال النقابي .
ب-جعل الجماهير الكادحة تحتضن النقابة وتدعمها ماديا ومعنويا .
ج-أن تصبح طرفا في النضال من أجل الديموقراطية بمفهومها الاقتصادي والاجتماعي أي أننا عن طريق النضال النقابي الصحيح من أجل تحقيق المطالب الديموقراطي لابد أن يتكرس في وجدان الجماهير الشعبية الكادحة مفهوم آخر للديموقراطية بخلاف المفهوم الذي أريد له أن يكون سائدا والذي له علاقة خاصة باللحظة السياسية الراهنة التي تختصر الديموقراطية في الانتخابات المزورة كما حصل في عدة محطات .
4) تكريس الممارسة الديموقراطية في المجتمع يقتضي من النقابة النضال المرير من أجل محاربة الفساد الإداري والاجتماعي والاقتصادي .
فعلى مستوى الفساد الإداري يصبح من واجب النقابة أن تطرحه للنقاش . وعلى مختلف المستويات التنظيمية ، وإنجاز عروض مركزة حول شروط الإرشاء والارتشاء التي تسود العلاقة مع الإدارة ، وفي مختلف القطاعات الإدارية ، وإخضاع هذه الشروط للتشريح ، والتحليل . والنقد من أجل تغييرها بشروط أفضل من أجل استئصالها من العلاقة مع الإدارة . وحول شروط الزبونية والمحسوبية التي تضرب أطنابها سواء في ذلك الوسط الحضري أو الوسط القروي . فجيش الزبناء المتحرك على المستوى الوطني في اتجاه مختلف الإدارات يجعل من باب المستحيل العمل بمبدأ تكافؤ الفرص الذي يتيح الفرصة لجميع المواطنين الذين يحملون نفس المؤهلات للتباري من أجل شغل نفس المناصب . فتشريح شروط الزبونية ، والعمل على نقدها سيقلص هذه الممارسة إذا عملت النقابة على تغيير شروطها .
إن الارتشاء والزبونية والمحسوبية التي تسود العلاقة مع الإدارة في مختلف القطاعات الإدارية تفرض على النقابة محاربتها كأمراض اجتماعية على رأس الأولويات ، لأن قطاعات عريضة من المجتمع تكتوي بنارها ، وتعاني من نتائجها على المستوى القريب والبعيد معا .
و بالإضافة إلى الارشاء والارتشاء ، فالفساد الإداري يتخذ مستويات أخرى كاستغلال النفوذ واستعمال الشطط في السلطة . ولذلك فالعمل النقابي وحده غير كاف في هذا الإطار . فلابد من تحرك الجمعيات الحقوقية لفضح وتعرية هذه الممارسات والجمعيات الثقافية لتوعية الناس بخطورة الفساد الإداري على مستقبل الأجيال الصاعدة.
5) وحتى يكون النضال النقابي ناجحا وهادفا ، فإن مطلب التشغيل يصبح ذا أولوية قصوى بالنسبة للمطالب النقابية . هذا المطلب الذي ازدادت ضرورته مع شيوع عولمة اقتصاد السوق ، وبداية الألفية الثالثة، لأنه نظرا لطبيعة الطبقة الحاكمة وطبيعة دولتها التابعة ، فإن الذي يهمها ليس توفير العيش الكريم بالنسبة لجميع الناس، بل هو تحقيق المزيد من السيطرة على فائض القيمة . تارة بتخفيض الأجور، وأخرى بإقامة معامل سرية، وأخرى بتقليص ساعات العمل مع الحرص على مضاعفة الإنتاج ، وأخرى بتسريح قسم كبير من الشغيلة. كل ذلك خدمة للأسياد في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ونزولا عند رغبة الشركات العابرة للقارات . وهذا كله أدى إلى تفاقم أزمة التشغيل في المجتمع المغربي وخاصة في صفوف خريجي المدارس والمعاهد والجامعات .
وعلى هذا الأساس يصبح مطلب التشغيل أمرا ضروريا لا بالنسبة للنقابة وحدها . بل كذلك حتى بالنسبة للجمعيات الحقوقية والأحزاب ، والأحزاب السياسية الوطنية والتقدمية ، لأن الأمر يتعلق وبالدرجة الأولى بالحق في الحياة . لأن الشغل معناه حق الحياة وانعدامه معناه انعدام الحق في الحياة .
وفي هذا الإطار فإنشاء جمعية للمعطلين لا يحل المشكل أبدا ، لأن قضية المعطلين ليست قضيتهم وحدهم ، بل هي قضية المجتمع ككل ، وكل من يريد أن يحجم هذه القضية في هذا الصنف إنما يتجنى عليهم ويحملهم مسؤولية هذه الاختيارات التي تستهدف مجموع الشعب الكادح بمن فيهم المعطلون الذين قد يشتغلون في يوم ما ، ويطلب منهم الانخراط في النقابة والعمل على رفع وتيرة العمل النقابي . فلماذا لا تتاح لهم الفرصة ليصبحوا جزءا من النقابة وتصبح قضيتهم قضية الشغيلة ككل . فهل يمكن للنقابة أن تستوعب هذا التصور ؟
وكيفما كان الأمر ، وعلى افتراض أن الطبقة الحاكمة تنازلت واستجابت لمجموع أو لأغلب مطالب الشغيلة المغربية . فإن مطلب التشغيل يعني وحده أن يوضع برنامج نضالي نقابي وحقوقي وسياسي للتقليص، أو القضاء على آفة البطالة . وذلك بإحداث تنمية اقتصادية واجتماعية تتناسب والنمو الديموغرافي كما تتناسب وحاجة المجتمع إلى هذا النمو .
6) ولتسهيل مأمورية التشغيل لابد أن تناضل النقابة من أجل تحقيق مطلب مركزي بالنسبة للشغيلة، و لمجموع أفراد الشعب الكادح، إنه نهج سياسة تعليمية شعبية تستهدف بالدرجة الأولى ربط التعليم بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعية حتى لا يصبح المتخرجون من المدارس و المعاهد و الجامعات عالة على المجتمع، و حتى لا تبقى أزمة التعليم طافية على الساحة على مدى السنين.
و لنهج هذه السياسة لابد من مراعاة الشروط الموضوعية و التاريخية و مقومات المجتمع المغربي حتى يكون تعليمنا وطنيا دون إغفال ربطه بما هو إنساني حتى يستفيد من التجارب الإنسانية المختلفة على مستوى العلوم و الآداب و الفنون، و لكن في نفس الوقت لابد أن يرتبط كل ذلك بنهج سياسة اقتصادية و اجتماعية وطنية تعطى فيها الأولوية للمقاولات الصناعية و الفلاحية، و يركز فيها على الاهتمام بالسكن الاقتصادي، و العناية بالوسط القروي على مختلف المستويات حتى في الحياة بمعناها المعاصر. و دون أن نشير إلى سياسة التكوين المهني التي يروج لها المسؤولون، و ترصد لها إمكانيات ضخمة، لأنها حين ذالك ستصبح جزءا من التعليم التقني الذي يجب أن تعطاه الأولوية في أفق تحديث مختلف مجالات الحياة الصناعية و الزراعية و الاجتماعية.
فالتعليم بمعناه الوطني هو كل تعليم يصبح وسيلة لتطور المجتمع و تطويره بالمعنى التقدمي للتطور و التطوير. و هذا يعني أن التعليم بصيغته الحالية، بما في ذلك أجرأة تطبيق " الميثاق الوطني للتربية و التكوين " اللاديمقراطي و اللاشعبي، لا يتناسب نهائيا مع طموحات الشعب المغربي، خاصة و انه محشو بما يضمن تأبيد سيطرة الطبقة الحاكمة الأيديولوجية و الفكرية و السياسية على مصير الأجيال بالإضافة إلى تركيزه على إفراز النخبة لخدمة نخبة الطبقة الحاكمة. و لأنه كذلك ، فهو ليس تعليما وطنيا مادام يكرس التبعية، و ليس شعبيا مادام نخبويا. و ما أصبح يروج له مؤخرا على أعلى المستويات من الاهتمام بالوسط القروي، و القضاء على الأمية فيه، و السعي إلى جعل القرويين يقتنعون بتعليم أبنائهم، و بناتهم، و التأكيد على ضرورة توفير الشروط الأساسية لذلك ما هو إلا من باب ذر الرماد في العيون، أو من باب الظهور بمظهر التكفير عن الذنب المرتكب في حق الوسط القروي. و الواقع أن هذه " النعرة " التي أصابت المسؤولين، و جعلتهم يهتمون بالوسط القروي، ما هي إلا نتيجة لسياسة توجه الطبقة الحاكمة لاستثمار أموالها في الوسط القروي تصطدم باليد العاملة غير المؤهلة. و لذلك لا نستغرب إذا وجدنا ضرورة التأكيد على تعميم التعليم الأساسي في الوسط القروي ، على أن تكون الغاية منه هي التكوين المهني حتى تجد البورجوازية التي تستثمر أموالها في الوسط القروي يدا عاملة رخيصة و مؤهلة في نفس الوقت.
و لذلك يصبح من أوجب الواجبات على النقابة أن تطرح مناقشة مشكل التعليم على نطاق واسع، و أن تهيئ العروض التي تتناول مختلف جوانب هذا المشكل، و تعقد ندوات على مختلف المستويات النقابية، و أن يكون كل ذلك مواكبا بحملة إعلامية مكثفة تقودها النقابة، سواء عن طريق عقد التجمعات العامة، و عقد المهرجانات الخطابية التي تساهم فيها الجمعيات المعنية بمشكل التعليم، و حقوق الإنسان، و الأحزاب الوطنية و التقدمية بهدف تعرية سياسة الطبقة الحاكمة في مجال التعليم من جهة، و إشراك الشعب الكادح في الاهتمام بهذا المشكل من جهة أخرى لتعبر النقابة فعلا عن انحيازها إلى الشعب الكادح خاصة في هذه الظروف التي يطرح فيها اعتماد أجرأة " الميثاق الوطني للتربية و التكوين " على جدول أعمال المسؤولين على المستوى المحلي و الجهوي و الوطني.
إلا أن مناقشة هذه الاجرأة و ما يترتب عليها من مشاكل يجب أن لا تجرى بعيدا عن مناقشة المشاكل التي يعاني منها معظم رجال التعليم في الوسطين الحضري و القروي و مشاكل التلاميذ، و شكل الكتاب المدرسي، و التجهيزات المدرسية العامة و الخاصة، و معاناة الآباء من ارتفاع أسعار الأدوات المدرسية التي تصبح مناسبة للزيادة في شحم المعلوف. بالإضافة إلى مشاكل النقل المدرسي، سواء في الوسط الحضري أو الوسط القروي الذي يعاني من غياب الطرقات، و سكن نساء و رجال التعليم الوظيفي، و الماء الشروب، و كهربة القرى، إلى غير ذلك مما يساهم في تحديث الوسط القروي و تطويره.
و هذه المناقشة يجب أن لا يغيب عنها المعنيون بها مباشرة كنساء و رجال التعليم، و الآباء و الأولياء، والطلبة و التلاميذ الذين بلغوا مستوى من النضج يؤهلهم لذلك بالإضافة إلى الجهات المعنية الأخرى كالجماعات المحلية، و ممثلي الوزارات المختلفة من أجل مساهمة جميع الفعاليات بإبداء وجهة نظرها.
و لكي يكون النقاش مجديا لابد أن يخرج بخلاصات محلية و إقليمية و جهوية و وطنية تكون إطارا للنضال المطلبي في مختلف مستوياته في أفق فرض تعليم وطني شعبي معبر عن طموحات الشعب الكادح بعيدا عن التوظيف الأيديولوجي لصالح الطبقة الحاكمة، أو لصالح الجهات التي توظف الدين لخدمة السياسة، مع مراعاة مبادئ التوحيد و التعريب و التعليم دون إغفال الاهتمام باللغات الأجنبية الحية التي تصبح منفذا للاحتكاك بما هو إنساني على مستوى الآداب و الفنون.
7) و للوصول إلى مستوى خلق نقاشات واسعة حول مختلف القضايا بما فيها قضية التعليم، لابد من حرص النقابة على تنظيم القطاعات المختلفة في أفق بناء مجتمع مدني، لأن أهم كارثة يصاب بها المجتمع المغربي هي غياب تنظيم قطاعاته تنظيما محكما. في الوقت الذي نجد فيه أن الإدارة تنظم نفسها تنظيما يمكنها من إحكام قبضتها على مجموع أفراد الشعب الكادح.
فالنقابة عندما تتخلى عن تنظيم قطاعات الشغيلة، و تكوين ملفات حولها، و توعية أفرادها، فإن ذلك يعني أنها تتخلى عن أهم أدوارها إذا كانت فعلا ترغب في تنظيم المجتمع ليصبح مدنيا. فالظاهرة التي تسود في مختلف القطاعات : أن التنظيم النقابي لم يصل بعد إلى مستوى التغلغل في نسيج الشغيلة. و ما هو موجود منه لا يتجاوز إرادة بعض الأفراد الذين لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة في العديد من المناطق. يحتكرون العمل النقابي، و بفعل توجيهات أحزابهم التي ينتمون إليها لا يتيحون الفرصة لبقية المنتمين إلى النقابة من أجل التسلح بالفكر و الممارسة النقابيين، و الدفع بهم لتحمل المسؤولية في مختلف مستوياتها مما يجعل أي تنظيم مرشحا للتلاشي، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الوطني. و بالإضافة إلى ذلك، فالمتحملون للمسؤوليات النقابية يمارسون الصراع فيما بينهم – انطلاقا من توجهاتهم الحزبية – من أجل فرض المواقف، و من أجل السيطرة أو من اجل عرقلة اتخاذ النقابة موقفا إيجابيا. مما يؤدي إلى الانسحاب الواسع من النقابة، و من العمل النقابي، و السقوط في انتظار الذي يأتي و لا يأتي.
و لذلك فإعادة الاعتبار للنقابة يقتضي الانكباب على البحث عن إيجاد السبل الكفيلة بتمكين النقابة من تنظيم القطاعات المختلفة العمالية و الخدماتية، و مساعدة القطاعات الأخرى على التنظيم كالتجار و الحرفيين و الفلاحين الصغار و المعدمين، و الطلبة و التلاميذ و العاطلين، مما يتيح الفرصة أمام إمكانية التوعية الشاملة لمجموع أفراد المجتمع الكادح بمختلف القضايا الاقتصادية و الاجتماعية بمساهمة الأحزاب الوطنية و التقدمية، و الجمعيات الحقوقية و الثقافية.
و كما سبقت الإشارة، فإن وضع النقابة خطة لتنظيم مختلف القطاعات الإنتاجية، و الخدماتية يقتضي معرفة الأطر النقابية :
أولا : بطبيعة التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية المغربية.
ثانيا : بالقوانين التي تطبقها الطبقة الحاكمة على المجتمع ككل، و خاصة ما يتعلق منها بالشغل و التشغيل، و بالحريات العامة و النقابية. بالإضافة إلى تمكينهم من قوانين و أدوات المنظمة النقابية التي ينتمون إليها.
ثالثا : بطبيعة الاقتصاد الرأسمالي التبعي المغربي باعتباره اقتصادا لا يتناسب مع واقعنا، و خصوصية مجتمعنا.
وبذلك ستتكرس المبادئ النقابية على مستوى الساحة النقابية وستدخل النقابة في صراع مستمر مع الطبقة الحاكمة . لا يعرف التوقف ، ولا المهادنة.
النضال النقابي الصحيح ، وإرباك الطبقة الحاكمة:
إن مفهوم الاختيارات ينصب على المبادئ ، والأسس المعبرة عن مصلحة طبقية معينة ، تلك المبادئ والأسس تكون معتمدة بالدرجة الأولى لوضع أي مخطط سياسي ،أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي بهدف جعل ذلك المخطط في خدمة الطبقة صاحبة تلك الاختيارات.
والطبقة الحاكمة في بلادنا هي طبقة رأسمالية تبعية ، وبطبيعة الحال لابد أن تكون اختياراتها نابعة من طبيعتها ، والذي يهمها ليس هو بناء اقتصاد وطني متحرر، بل تحرص بكافة إمكانياتها على أن يكون الاقتصاد المغربي جزءا من الرأسمال الأمبريالي ، ومكملا له ، وفي خدمته سواء في صيغته التقليدية أو في صيغة مقتضيات عولمة اقتصاد السوق التي ليست إلا آلية من آليات السيطرة الرأسمالية الإمبريالية المعمقة على نسيج الاقتصاديات المحلية مهما كانت صغيرة . واقتصاد من هذا النوع لا يهمه إلا الربح السريع ومضاعفته، ذلك الربح الذي يذهب جزء منه إلى الطبقة الحاكمة وبطرق مريبة كما تدل على ملايير الدولارات المنهوبة من مختلف المؤسسات المالية الإمبريالية ، بمعنى أن فائض القيمة لا يبقى في وطننا . بل يهرب جزء منه إلى الحسابات البنكية الخاصة في العديد من الدول الرأسمالية ، وجزء آخر إلى المؤسسات المالية الدولية . وفي الحالتين معا، ففائض القيمة يكون في خدمة الرأسمالية العالمية .
وفي إطار الاختيارات القائمة نجد تقليص الأجور بفعل ارتفاع الأسعار بشكل مستمر ، وانعدام الحريات العامة والنقابية ، وتضييق الخناق على المقاولات الصغرى والمتوسطة . وربط عملية الإنتاج الصناعي والفلاحي بالاقتصاد العالمي . والحد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعمل باستمرار على التقليص من اليد العاملة والتقليل من أهميتها . والتصدي بشراسة لكل محاولات التنظيم النقابي وخاصة في القطاعين الخاص والشبه العمومي والدفع ببيادق الطبقة الحاكمة وعملائها إلى إضعاف التنظيمات النقابية القوية كما يحصل في بعض قطاعات ك.د.ش وصولا إلى السيطرة الشاملة على خيرات البلاد الاقتصادية ، وجعلها تحت تصرف الرأسمالي الأجنبي عن طريق وسيطته الطبقة الحاكمة .
والمخططات الاقتصادية الاجتماعية والثقافية التي تضعها الطبقة الحاكمة بواسطة مؤسساتها التنفيذية و التشريعية تسير كلها في اتجاه تحقيق هذه الأهداف المشار إليها أعلاه .وقد يظهر من خلال تلك المخططات أنها تكون في خدمة الشعب الكادح. إلا أن ذلك لا يتجاوز أن يكون مجرد ذر الرماد في العيون مما يخدم تلميع وجه الطبقة الحاكمة أمام أنظار الشعب الكادح، أو أمام أنظار الرأي العام الوطني و الدولي تشجيعا للرساميل الأجنبية على الهجرة إلى المغرب، و للبورجوازيين على توظيف ثرواتهم للمزيد من الإنتاج الذي يخدم السوق الدولية، أما السوق الوطنية فإن الاهتمام بها يأتي في الدرجة الثانية أو الثالثة.
و اختيارات الطبقة الحاكمة الرأسمالية التبعية تنعكس نتائجها على مجمل أفراد الشعب الكادح حيث يبقى معظمهم تحت عتبة الفقر، بالإضافة إلى :
1) هزالة الأجور التي لا ترقى في العديد من القطاعات الاقتصادية إلى مستوى الحصول على ضروريات العيش اليومي، و يبقى السكن و الملابس و الدواء في حاجة إلى عمل إضافي، أو الدفع بمجموع أفراد الأسرة بمن فيهم الأطفال للقيام بأعمال دنيئة و منحطة من اجل توفير بعض تلك الحاجيات.
2) ضعف القدرة الشرائية لمجموع أفراد الشعب الكادح بسبب ارتفاع الضرائب غير المباشرة، و بسبب الزيادة غير المشروعة في الأسعار بسبب المضاربات التي أصبح يخضع لها كل شيء بما في ذلك القوت اليومي للمواطنين.
3) ارتفاع ثمن كراء المساكن الذي أصبح يلتهم نسبة كبيرة من الأجور. حتى من الذين يفترض فيهم أنهم ينتمون إلى الطبقة الوسطى من المجتمع مما يجعلهم يندحرون في اتجاه بقية أفراد الشعب الكادح.
4) ارتفاع أسعار النقل البري، نقل الأشخاص و البضائع، مما يؤثر بالضرورة على الحركة السياحية الداخلية، وعلى التواصل بين العائلات والأقارب، وعلى مستوى أسعار المواد المستهلكة .
وهذه الحالات التي يتعرض لها باستمرار الشعب الكادح تضعف من قدرته الشرائية ، وتؤدي إلى انخفاض مستوى معيشته .كما أنها تؤدي بالضرورة إلى ضعف مستوى التمدرس لديه نظرا لعدم قدرة أسر الكادحين على تحمل تكاليف التمدرس . سواء في ذلك الوسط الحضري أو الوسط القروي ، وتؤدي إلى عدم القدرة على التطبيب الذي يكلف المرضى كثيرا . مما يؤدي إلى انتشار مختلف الأمراض في صفوف أفراد الشعب الكادح بالإضافة إلى سيادة الأمية الثقافية حتى في صفوف المتعلمين . نظرا لافتقاد الشعب الكادح للوسائل التثقيفية المختلفة ، كدور الثقافة ، والجمعيات الثقافية، وعجزه عن مواكبة العمل الثقافي بسبب ضعف القوة الشرائية لدى أفراده، مما يفسر ذلك التراكم من المجلات والجرائد ، والكتب التي تمتلئ بها الأكشاك والمكتبات.
والخلاصة أن نهب الطبقة الحاكمة لخيرات البلاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حول أفراد الشعب الكادح إلى مجرد جذوع خاوية تعاني من انتشار الأمية بمختلف أشكالها ، والأمراض بمختلف أنواعها وتدني مستوى المعيشة.
ولذلك فالتعرض لهذه الوضعية ، والتصدي لها من قبل النقابة التي تجند لها كافة الإمكانيات التعبوية والنضالية يصبح من باب الضروريات للدفع بالشعب الكادح للانخراط في النضالات المطلبية ، وكذلك من قبل الأحزاب الوطنية والتقدمية التي لا ينحصر دورها في مجرد المناسبات الانتخابية . بل يمتد ليشمل مجموع معاناة الشعب الكادح ، وفي جميع الأحوال ، وفي كل الشروط المتحولة ، وإلا فإن الطبقة الحاكمة ستجدها مناسبة لتعميق استغلالها .
وإذا أكدنا على دور الأحزاب الوطنية والتقدمية الداعمة والمساندة للعمل النقابي في فضح وتعرية ممارسة الطبقة الحاكمة ، وتشريح مخططاتها الاستغلالية ، ووضع بديل للنضال من أجل التغيير الجذري والشامل للاختيارات القائمة فلأن النضال النقابي، وكيفما كان نوعه ، و مهما بلغت حدته، لا يمكن أن يكون بديلا للنضال السياسي . فهو لا يتجاوز إصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشغيلة في ظل ما هو قائم بخلاف ما يدعيه البعض من أن النقابة يمكن أن تلعب دور الأحزاب السياسية والتقدمية وتحل محلها في إيجاد اختيارات نقيضة لاختيارات الطبقة الحاكمة . والنضال من أجل فرضها على أرض الواقع . وهذا الادعاء من المفروض تجنيب النقابة الوقوع فيه . والحرص على أن يبقى العمل النقابي خاضعا لمبادئه وشروطه وضوابطه ويجب أن تكون مطالب النقابة موضوعية . وإذا كانت هناك مطالب سياسية صرفة ، فهناك الإطارات السياسية الخاصة بها.
إن النضال النقابي الصحيح هو نضال مطلبي بالدرجة الأولى واجتماعي وحقوقي بالدرجة الثانية ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحول إلى نضال سياسي صرف إلا في شروط معينة، وفي إطار جبهة وطنية عريضة، تصبح فيها النقابة جزءا من مكونات الجبهة. ولذلك لا نطلب من النقابة أكثر مما تتحمل، لأنها بذلك يمكن أن تتعرض لممارسات قمعية لا تتحملها أو أنها ستتعرض لصراع داخلي قد يضعف من قدرتها على استقطاب الشغيلة أو أن الشغيلة ستنسحب منها من تلقاء نفسها . وعلى هذا الأساس فإن النضال النقابي الصحيح عندما يتمكن من تغيير ميزان القوى لصالح الشغيلة المغربية ، وعندما يتمكن من انتزاع مجموعة من المكاسب ، كالزيادة في الأجور وفرض مراقبة الأسعار وتوسيع الخدمات الاجتماعية وخاصة التعليم والصحة وتوسيع الحريات النقابية والعامة … إلخ، فإنه يؤدي إلى إرباك اختيارات الطبقة الحاكمة، وسائر المستغلين فيصبح اختيار التبعية لا يخدم مصلحتها ، واختيار القمع المخزني لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة واختيار تزوير إرادة الشعب الكادح سيواجه بالمقاطعة الشاملة واختيار الربح السريع سيواجه بالنضالات المطلبية، مما يؤدي بالضرورة إلى :
1) التقليص من فائض القيمة الذي يمر كأرباح لحساب الطبقة الحاكمة وحلفائها من المستغلين .
2) وفي مقابل ذلك الرفع من جزء القيمة يذهب كأجور للشغيلة .
3) توسيع الحقوق النقابية كحق الانتماء النقابي ، وحق الانخراط في صندوق الضمان الاجتماعي ، وحق الانخراط في صندوق التقاعد وحق التطبيب …
4) سن قانون للشغل أو إعادة النظر فيما هو معمول به حتى تكون العلاقة القانونية ، والحقوقية بين الشغيل والمشغل واضحة وحتى يقضي نهائيا على الاستغلال البشع لقدرات الشغيلة الإنتاجية والخدماتية .
5) الدفع بمحاسبة ومحاكمة المشغلين الذين يخرقون حقوق الشغل الاقتصادية والاجتماعية .
6) تحديد الحد الأدنى بالقيمة الفعلية لتكاليف المعيشة وربطها بالسلم المتحرك الذي يجب أن يفعل حتى لا تتعرض الشغيلة للكوارث في ظل عولمة اقتصاد السوق الذي يهدد مصيرها .
7) إيجاد محاكم خاصة بالشغل على غرار المحاكم الإدارية المحدثة في السنوات الأخيرة على أن يوضع نظام خاص يضمن حماية الشغيل الذي يتعرض باستمرار لتعسفات المشغل.
8) تكوين لجان للمراقبة على غرار اللجان الثنائية، و لجان السلامة تهتم بمراقبة الأسعار، و صلاحية التجهيزات الأساسية، أو عدم صلاحيتها إن كانت موجودة، و العمل على ايجادها في حالة انعدامها، كالماء الشروب، و مجاري الواد الحار و الكهرباء و غيرها مما يعتبر ضروريا في الحياة العامة و في الحياة الخاصة.
9) إيجاد صناعة وطنية تعتمد الرأسمال الوطني، و اليد العاملة المؤهلة الوطنية ، عن طريق تشجيع المقاولات الصغرى و المتوسطة.
10) فرض سياسة ناجعة للتشغيل تستوعب اليد العاملة المغربية و خريجي المدارس و المعاهد، و الجامعات في مختلف المجالات.
11) سن سياسة زراعية يعاد فيها الاعتبار للفلاحين الصغار و المعدمين في إطار إعادة هيكلة الوسط القروي عن طريق إيجاد البنيات التحتية الضرورية لهذا الوسط.
و هذه الحالات التي يؤدي إليها تغيير ميزان القوى لصالح الشغيلة و الشعب الكادح، لابد أن تؤدي إلى إرباك اختيارات الطبقة الحاكمة على المستوى القريب على الأقل. إلا أن عملية الإرباك هذه سرعان ما يتم تجاوزها ، ما لم تفجر التناقضات بين الطبقة الحاكمة و الطبقات التي تسبح في فلكها، و تجاوزها يأتي نتيجة قدرة النظام الرأسمالي على تجديد نفسه بصيغ مختلفة آخرها عولمة اقتصاد السوق كما يقول أحد المفكرين الاقتصاديين في كتابه " الرأسمالية تجدد نفسها ". و بناء على هذا التجديد فعلى النقابة أيضا أن لا تقف عند ويل للمصلين، أو عند أمجاد نضالها السابق، بل عليها أن تستمر في تجديد نضالها مستفيدة من التجارب القومية و العالمية، و من أساليب الاستغلال نفسها، حتى تكون عملية الإرباك مستمرة باستمرار تعميق الاستغلال الرأسمالي التبعي.
فماذا نعني بعملية الإرباك المشار إليها ؟
إن عملية الإرباك هي عملية عميقة تحتاج من النقابة و من جميع القوى الفاعلة في المجتمع وضع خطة محكمة للعمل المنظم و الهادف لاستنهاض قوى الشعب الكادح لجعل الطبقة الحاكمة و سائر المستغلين تفقد توازنها الفكري، و الأيديولوجي، و الاقتصادي، و السياسي. و فقدان التوازن هذا تتجلى ملامحه في الخلل الذي يصيب جميع المجالات.
ففي المجال الفكري نجد أن الطبقة الحاكمة، و حلفاءها المستغلين يفقدون أو يصابون بتقاعس الأبواق التي ينظر لسلوكاتها المشينة في المجتمع، و تلمعها لتبقى السيادة التي لا تنازع أبدا. و هذا التقاعس مبعثه الوعي بخطورة الأفكار التي يبثها هؤلاء المنظرون، و التي تكرس بشكل أو بآخر استلاب عموم الشعب الكادح، و معلوم أن هؤلاء المنظرين الذين يبثون سمومهم الفكرية و التي يلتقطونها من هنا أو هناك، أو يختلقونها في أحسن الأحوال. توضع بين يديهم كافة الإمكانيات المادية و المعنوية، و كافة الوسائل الإعلامية من إذاعة و تلفزيون، و صحف ، و مطابع، و منتديات، و منابر أكاديمية و غيرها ، ليبقى ما يبثونه من أفكار مهيمنا على أفكار الكادحين و ليبقى فكر الكادحين الفعلي و التعبوي غائبا عن الوجود.
و في هذا المجال ينتظر من النقابة، و سائر التنظيمات التقدمية و الوطنية أن تتصدى لهذا الفكر السائد عن طريق نقضه، و العمل على نشر نقيضه الحامل للوعي الحقيقي، و للمزيد من الاستلاب الفكري. إلا أن ما تصاب به بعض أقلام الفصائل التقدمية بمن فيهم الحركة النقابية أن أقلامها تمارس أيضا الانتقائية، و الوصولية، و الانتهازية على المستوى الفكري. مما يجعل شرائح الشعب الكادح لا تستطيع التمييز بين الفكر السائد، و الفكر التقدمي. و السبب في ذلك أن المثقفين الذين تعتمد عليهم الحركة النقابية، و الحركة التقدمية ينتمون إلى الشرائح الوسطى من المجتمع. و هم بذلك لا يستطيعون التخلي عن التطلعات العريضة التي تتميز بها هذه الطبقة. و إذا رجعنا إلى تعميق دراستنا لواقع الشغيلة المغربية، و طليعتها الطبقة العاملة، نجد أنها لم ترتفع بعد إلى مستوى إنتاج مثقفيها، و مفكريها العضويين، كما أنها لا تملك الوسائل الإعلامية التي تمكنها من نشر فكرها الخاص بها.
و التصدي للفكر السائد يقتضي من الحركة النقابية، و التقدمية إعادة النظر في طرق معالجة فكر الطبقة العاملة عن طريق تحديد المنطلقات، و الأساليب، و الأهداف حتى يعرف المثقفون العضويون من أين يبتدئون ؟ و كيف يعالجون ؟ و ماذا يحققون ؟ ليصلوا بذلك إلى إيجاد فكر نقيض للفكر السائد يؤدي إلى نشر وعي حقيقي في أوساط الشعب الكادح حتى يسهل الوصول إلى تعبئة الشغيلة – على الأقل – التي ستتحرر من أشكال الفكر السائد لتحتضن فكرها الحقيقي الذي يضيء الطريق أمامها، و يجعلها على بينة مما يجري في الساحة دون ضلال أو بهتان. و على المستوى الأيديولوجي يتصدى المثقفون العضويون كما سماهم غرامشي، او الثوريون كما سماهم لينين، و بدعم من الحركة النقابية، والحركة التقدمية، و الوطنية للكشف عن:
طبيعة الأيديولوجيا التي تتبناها الطبقة الحاكمة، و التي تتكون من خليط من الأيديولوجيات :
1) الإقطاعية، و الليبرالية البشعة، و غيرها مما يؤدي إلى جعلها مقبولة من مجموع الطبقات الاجتماعية بما في ذلك الطبقة العاملة.
2) تشريح الأيديولوجية الإقطاعية بشكلها التيوقراطي و الخرافي و مصادر هذه الأيديولوجيات، و مراحل تكونها، و مكوناتها، و علاقة هذه المكونات بالعقائد الدينية. و هل يمكن أن يتحول الدين إلى أيديولوجية ؟ أم أنه مجرد وسيلة لتأليف الأيديولوجيا الإقطاعية ؟ و ما هي الشروط التي تؤدي إلى قيام أيديولوجيا تستند إلى العقيدة الدينية في عصرنا هذا ؟ و هل يرجع ذلك إلى طبيعة التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية المغربية ؟ أم أن ذلك يرجع إلى طبيعة البورجوازية المغربية ؟
3) تشريح الأيديولوجية الليبرالية المتوحشة و التي تزداد توحشا في عصر عولمة اقتصاد السوق، و هل تناسب هذه الأيديولوجية الطبقة الحاكمة المغربية ؟ أم أنها استعارتها فقط للتمويه ؟ و هل في استطاعة طبقة لقيطة لا أصل لها و لا فصل، و لم تصارع من أجل وجودها في إطار التحول الذي يعرفه المجتمع ؟ ألا يعتبر سعي الاستعمار إلى تكوينها في المرحلة الاستعمارية، و فيما بعد الاستقلال السياسي هو الذي دفعها إلى استعارة الأيديولوجية الرأسمالية الليبرالية المتوحشة ؟
4) تشريح الشروط التي تجعل الطبقة الحاكمة تؤلف بين الأيديولوجية الإقطاعية، و الأيديولوجية الليبرالية المتوحشة. فهل يرجع ذلك إلى طبيعة هذه الطبقة باعتبارها بورجوازية غير أصيلة، و غير وطنية و تابعة ؟ أم يرجع إلى قابلية المجتمع لاحتضان هذه الأيديولوجيات جميعا ؟ و إذا كان الأمر كذلك فلماذا تتبنى الطبقة الحاكمة بالإضافة إلى ما ذكر أيديولوجيات البورجوازية الصغرى و المتوسطة ؟ هل يرجع ذلك إلى اعتمادها على البورجوازية الصغرى و المتوسطة في تسيير دواليب الدولة التي تخدم مصلحتها ؟ أم لأن معظمها تؤصل من هذه الطبقات البورجوازية الصغرى و المتوسطة ؟
5) تشريح الأيديولوجية البورجوازية الصغرى و المتوسطة، بالكشف عن طبيعتها التلفيقية و التضليلية، و لبيان دورها في تضبيب رؤى الشغيلة المغربية، و في مقدمتها الطبقة العاملة المغربية. و لماذا هي تلفيقية وتضليلية ؟ و هل يرجع ذلك إلى طبيعتها البورجوازية الصغرى و المتوسطة ؟ أم إلى انعدام الأيديولوجية لديها ؟ أم إلى تذبذبها، و تأرجحها بين الأيديولوجيات المختلفة ؟
6) طبيعة الأيديولوجية الاشتراكية العلمية التي هي أيديولوجية الشغيلة بطليعة الطبقة العاملة، و هي في نفس الوقت أيديولوجية الحقيقة التي لا مجال معها للوهم الأيديولوجي، و بيان لماذا هذه أيديولوجية الشغيلة؟ و ما هي الشروط التاريخية و الموضوعية التي تجعلها كذلك ؟ و لماذا لا تقتنع بها الشغيلة، و تدافع عنها في هذه المرحلة ؟ و هل يرجع ذلك إلى قصور في الحركة النقابية ؟ أم أن الذي أحدثه انهيار الأنظمة الستالينية في أوربا الشرقية هو الذي أدى إلى ذلك ؟ أم أن انتشار الفكر الظلامي في أوساط شرائح الشغيلة هو الذي أدى إلى عملية الانحسار ؟ أم أن طبيعة الشغيلة المغربية التي لازالت لم تقطع نهائيا مع عقليات المجتمعات الزراعية هي العامل الموضوعي الذي يقودنا إلى هذه الوضعية ؟
و كيفما كان الأمر فالحركة النقابية و معها الحركة التقدمية ستكون ملزمة مستقبلا في طرق تعاملها مع أيديولوجية الطبقة الحاكمة التي يغيب تشريحها نهائيا من الإعلام النقابي، إن وجد، و من الإعلام التقدمي. و إن وجد تشريح ما، فإنه لا يرقى إلى مستوى النقض، و طرح البديل بقدر ما يبقى محصورا في دائرة النقد المؤدب الذي يلتمس الإصلاح على حد قول القرءان الكريم : " إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ".
و في المجال الاقتصادي، و بناء على ذلك الأساس الفكري و الأيديولوجي للطبقة الحاكمة، نجد أن الاختيارات الاقتصادية لهذه الطبقة، و من يسبح في فلكها، تهدف إلى استنزاف الخيرات الوطنية لصالحها و لصالح المؤسسات المالية الإمبريالية، و للشركات المتعددة الجنسية.. الخ. لذلك يتعين على النقابة و على الأحزاب الوطنية و التقدمية تشريح طبيعة البنيات الاقتصادية الإنتاجية و الخدماتية للطبقة الحاكمة و الوقوف على مصادر ثرواتها، و طرق استثمارها، و كمية الأرباح التي تحققها، و نصيبها من تلك الأرباح، و ما يذهب منها للمؤسسات المالية الإمبريالية، و الشركات المتعددة الجنسية، و وتيرة استثماراتها على المستوى الوطني. و الكمية التي تؤديها، و إلى أي حد تحترم حقوق الشغيلة ؟ و هل تحترم قانون الشغل على علاته ؟ و هل تلتزم بالمواثيق الدولية على مستوى التشغيل ؟
و يتعين على النقابة و معها الأحزاب الوطنية و التقدمية، وضع خطة للنضال من أجل الحد من شراسة الاستغلال الرأسمالي التبعي. و هذه الخطة لا تكتسب نجاعتها إلا بوضع تصور علمي للاقتصاد الوطني المتحرر الذي يعيد الاعتبار للطاقات الوطنية المتحررة، و للرأسمال الوطني، و للإمكانيات الوطنية في أفق إفساح المجال أمام المقاولات الصغرى و المتوسطة، و للطاقات الشابة و العاطلة حتى تساهم في بناء الاقتصاد الوطني.
و إذا كانت سياسة الطبقة الحاكمة تهدف إلى رهن الاقتصاد الوطني بالتبعية حماية للمصلحة المشتركة بينها و بين المؤسسات المالية الدولية، و تقضي بإغراق البلاد بالديون الخارجية، فإن على النقابة، و معها الأحزاب الوطنية، و التقدمية فضح هذه السياسة، و تعريتها من كافة أشكال التضبيب و التضليل عن طريق نهج سياسة الحقيقة. فالكشف عن الخلفيات الطبقية للمواقف السياسية التي تعلنها الطبقة الحاكمة عبر مختلف المنابر التي تملكها تحتاج من الحركة النقابية، و من يدعمها و يساندها إلى تشريحها، و خاصة إذا كانت هذه المواقف تتنافى مع ما هو وطني أو قومي أو إنساني، أو كانت مخالفة للمواثيق الدولية. و في المقابل لابد من الحرص على إبراز موقف النقابة من تلك المواقف السياسية مما يتناسب و الرفع من مكانة الشغيلة و الشعب الكادح في المجتمع، مما يزيد من إرباك الطبقة الحاكمة.
و ممارسة كهذه تقتضي وجود إعلام متميز، و ملتزم بقضايا الشغيلة و الشعب الكادح، و بالقضايا الوطنية و القومية و الإنسانية حتى يؤدي هذا الإعلام دوره في استقطاب الرأي العام، وإرباك الطبقة الحاكمة، و إدخالها في دوامة الدفاع عن نفسها بدل استمرارها في الهجوم على الشغيلة و الشعب الكادح. و بذلك تنجح الحركة النقابية و الوطنية و التقدمية في إحداث خلل في توازن الطبقة الحاكمة، و في نفس الوقت تخرج النضال النقابي من دائرة اللحظة السياسية الراهنة إلى العمل النقابي الذي لا يعرف التوقف أبدا.
و عملية الإرباك هذه تنعكس على الطبقة الحاكمة و من يسبح في فلكها على مختلف المستويات نظرا للخلل الذي يلحقها فكريا، و أيديولوجيا، و اقتصاديا، و سياسيا، مما يدخلها في لحظة الأزمة التي تحتاج من الحركة النقابية، و الحركة الوطنية و التقدمية أن تكون في مستوى مواجهة هذه الأزمة و توظيفها لصالحها حتى لا تتمكن الطبقة الحاكمة من إعادة ترتيب أوراقها و تجديد نفسها، فكريا، و أيديولوجيا، و اقتصاديا، و سياسيا.
و استعداد النقابة لاستغلال الأزمة لصالحها بانتزاع المزيد من المكاسب، أو تعرية الوجه البشع للطبقة الحاكمة، سينعكس على علاقة الطبقة الحاكمة بالمؤسسات المالية الدولية التي ستعيد حساباتها معها من جهة، و ستضيق عليها الخناق من جهة أخرى، لأن هذه المؤسسات ستتضرر مصالحها في التقليص من قيمة من قيمة الأرباح التي تجنيها من بلادنا، و ستضاعف من فرض شروطها على الطبقة الحاكمة. مما يزيد من تعميق الأزمة التي تجعل الطبقة الحاكمة تلجأ كعادتها إلى القمع الشرس، للحركة النقابية كما حصل في محطات 1979 و في 1981 و 1984 و 1990 ... الخ و إذا كانت الشروط قد تغيرت بعد ذلك بشكل أو بآخر مع التحولات العالمية، و القومية و الوطنية. فإن لجوء الطبقة الحاكمة إلى تحريك مختلف الأدوات القمعية سيكون ممكنا في أية لحظة، حتى و إن تم إلغاء كل ما من شأنه، و تم العفو على المعتقلين السياسيين و النقابيين أو ما تبقى منهم، و تم رجوعهم إلى عملهم و تسوية أوضاعهم المادية و المعنوية. لأن أهم ما يميز الرأسمالية التابعة هو أنها لا يمكنها أبدا أن تسمح في القليل مما تجنيه من كدح الشغيلة المغربية، و أنها ليست ديمقراطية بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، و لأن استعمال الأدوات القمعية لديها يعتبر عاديا، و لأن ارتباطها العضوي بالرأسمالية العالمية يزيدها شراهة و شراسة رغم الحديث عن حقوق الإنسان في العقد الأخير من القرن العشرين، و بداية القرن الواحد و العشرين.
و نظرا لكل ما ذكر، فإن التقليص من قيمة الطبقة العاملة سيكون مستهدفا، و أن الإنتاج الصناعي سوف لا يلقى الأهمية المطلوبة نظرا لتدني شروط المنافسة في ظل عولمة اقتصاد السوق بعد إلغاء الحدود الجمركية بصفة نهائية، و إن الرأسمال سوف يتحرك في اتجاه المشاريع غير المنتجة والسريعة الربح أو يجمد في العقارات . و ما بقي من المشاريع الاقتصادية و الخدماتية سيؤدي إلى :
1) تقليص ساعات العمل مع المحافظة على مستوى الإنتاج
2) تقليص اليد العاملة في إطار المؤسسات القائمة
3) التسريح الشامل للعمال وإغلاق المعامل واستبدالها بمشاريع أخرى .
وهذا كله يعني زيادة عدد العاطلين ،والزيادة من إفقار الشعب الكادح ، وتهجير الرأسمال من قطاع إلى آخر أو إلى بلد أجنبي آخر مما يضعف من قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود أمام الأزمات الحادة فينعكس ذلك على قيمة العملة الوطنية التي تزداد انخفاضا مما يكون له أثر على الزيادة أو الزيادات المهولة في الأسعار .
وهذه الوضعية ستنعكس نتائجها على مجموع الشعب الكادح الذي يكون أفراده ضحية لسياسة الطبقة الحاكمة خاصة إذا كانت الحركة النقابية والأحزاب الوطنية والتقدمية داخلة في عطلة ولا تتحرك إلا بمناسبة محطات التزوير أو قابلة بوضعية السلم الاجتماعي لاعتبار أو لآخر كما حصل عدة مرات .
وكما تنعكس أزمة الطبقة الحاكمة على مجموع أفراد الشعب الكادح فإنها تنعكس بالدرجة الأولى على شرائح الشغيلة التي تزيد قوتها الشرائية ضعفا الأمر الذي يدخلها في دوامة البحث عن موارد أخرى للحصول على ما تسد به حاجتها الضرورية ، وهذا الضعف سيترتب عنه نقل الأزمة إلى أواسط الكادحين كما يحصل في مختلف المحطات فتتم مغادرة الشغيلة للنقابة ، وللأحزاب الوطنية والتقدمية ، خاصة إذا كانت الشغيلة تحمل وعيا مقلوبا أو كانت النقابة والأحزاب قابلة بخطة الطبقة الحاكمة للهجوم على قوت الكادحين وتشريدهم .
سبل تكريس عملية الإرباك :
وإن أهم ما يربك الطبقة الحاكمة هو ذلك الاستعداد المنظم والمستمر لمواجهة ما قد تقدم علية بناء على اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ويتجلى الاستعداد المنظم والمستمر في :
1) الاستمرار في تعبئة الشغيلة تعبئة شاملة وفق البرنامج المحدد القطاعي والشامل الذي يتناسب مع المرحلة الراهنة والمتجددة حتى لا تكرر النقابة نفسها ، وحتى لا تبقى سجينة الوثوقية لأنه بدون الاستمرار في التعبئة قد تصاب الشغيلة بالتفكك على مختلف المستويات :
أ- ستفقد قدرتها على الوعي بمطالبها المتجددة الآنية والمستقبلية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
ب- ستفقد ارتباطها العضوي بنقابتها القطاعية والمركزية .
ج- ستفقد قدرتها على التضحية والتضامن فيما بينها .
د- ستفقد تعاطف الشعب معها .
ولذلك فاستمرار التعبئة يعتبر ضروريا وأكيدا للحفاظ على :
أ-وحدة الشغيلة النضالية الأيديولوجية والسياسية و المطلبية .
ب- ارتفاع درجة الاستعداد لديها .
ح- تعاطف بقية الشرائح معها .
2) وحتى تكون التعبئة مجدية لابد من تقوية التنظيمات القاعدية والفرعية والإقليمية و الجهوية والوطنية عن طريق إعادة الهيكلة التي تستوجب تجاوز النواقص والعيوب التنظيمية والأخطاء القاتلة ، كما تستوجب إعادة النظر في فلسفة التنظيم النقابي وفي القوانين الأساسية والداخلية القطاعية والمركزية وفي القيام بدراسة شاملة لمختلف القطاعات الإنتاجية وللتشكيلة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأساليب التي تمارسها الطبقة الحاكمة ولسبل مواجهة ذلك الاستغلال للحد من شراسته .
3) وإعادة النظر في التنظيم يجب أن يترتب عنها الاستمرار في رفع وعي الشغيلة عن طريق تحويل المقرات النقابية إلى أمكنة لإنجاز العروض والندوات التكوينية والقيام بدروس محاربة الأمية ، وكل ما يجعل الشغيلة ترتبط بفكرها وبأيدلوجيتها وبوعيها الطبقي ، وكذلك تحول المقرات إلى أمكنة لدراسة واستيعاب القرارات والمقررات النقابية وما يجب عمله لتحويلها إلى ممارسة يومية .
4) والنقابة وحدها لا يمكن أن تحدث خللا في جدار الاستغلال الوحشي الذي تتعرض له الشغيلة . بل لابد من فتح نقاش بين النقابة وبين مختلف المنظمات الحقوقية والسياسية للحصول على دعمها المادي والمعنوي لأنه بدون ذلك الدعم ستبقى النقابة ضعيفة وستصبح معرضة لكافة الأخطار التي تضعها الطبقة الحاكمة أمامها .
5) وللزيادة في إرباك اختيارات الطبقة الحاكمة ومخططاتها فإن النقابة تبحث باستمرار عن أشكال جديدة للنضال حتى تبقى سجينة الأشكال التقليدية التي تتفنن الطبقة الحاكمة في أساليب قمعها . وهذه الأساليب الجديدة يجب أن لا تملى من فوق .بل لابد من إشراك القواعد القطاعية المختلفة والعامة في التفكير فيها .وأخذ مقترحاتها بعين الاعتبار.
6) وحتى يكون الشعب الكادح على بينة مما تقوم به النقابة ، وما تخطط له وما ستقدم عليه مستقبلا لابد من القيام بحملات إعلامية مكثفة تستهدف :
أ-التعريف بالبرامج النقابية في مختلف القطاعات وعلى المستوى العام .
ب-توضيح المطالب القطاعية والعامة .
ح- توضيح العلاقة بين تلك المطالب وبين معاناة الشعب الكادح .
و- تعرية وفضح مخططات الطبقة الحاكمة الهادفة إلى إعادة ترتيب بيتها حتى يكون استغلالها أكثر تنظيما ، وأكثر استنزافا لطاقات الشغيلة.
7) تعويد الشغيلة على ممارسة التضامن فيما بينها :
أ – اقتصاديا عن طريق إيجاد الصندوق الأسود الذي يساهم فيه الجميع حسب نسبة محددة، و تشرف عليه هيأة محددة تتحمل مسؤوليتها أمام الشغيلة.
ب- اجتماعيا عن طريق خلق علاقات اجتماعية بين جميع أفراد الشغيلة، سواء داخل القطاع الواحد، أو على المستوى العام. و ذلك بالوقوف إلى جانب أفرادها في مختلف المناسبات التي تستدعي ذلك.
ج- نضاليا عن طريق سلوك المرونة مع جميع أفراد الشغيلة لاستقطابهم للمشاركة في مختلف المحطات النضالية تحقيقا للوحدة القطاعية و العامة.
و هذا التضامن بشكليه المادي و المعنوي يشعر الشغيلة بأنها تمثل جسدا واحدا إذا تضرر منه عضو تداعت له سائر الأعضاء.
و بهذا العمل المستمر و المتواصل على الساحة النقابية تستمر عملية الإرباك حتى تؤدي الهدف منها على مختلف المستويات.
أهداف النضال النقابي من هذا الإرباك :
و إن النضال النقابي الصحيح الذي يكون محدد الخطوات، مرسوم البرامج، لابد أن يسعى إلى تحقيق أهداف مطلبية آنية، و لكنه في نفس الوقت يسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف البعيدة المدى نذكر منها :
1) أن الشغيلة المغربية تجد نفسها و قد استفاقت من غيبوبتها التي تغرقها فيها الأيديولوجيات المزيفة التي يحيطها بها إعلام الطبقة الحاكمة و الطبقات السائدة من كل جانب. و كنتيجة لذلك فهي تشعر بمكانتها و دورها النضاليين بالإضافة إلى مكانتها الإنتاجية و الخدماتية التي هي قوام المجتمع كله.
2) على الساحة الجماهيرية تتحقق وحدة الشغيلة النضالية التي بدونها لا تقوم لها قائمة.
3) و كنتيجة لتلك النضالات تتحسن وضعية الشغيلة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الحقوقية مما يجعلها في وضعية أفضل.
4) تقليص فجوة الخلافات القائمة بين وجهات النظر السائدة وسط الشغيلة بسبب التضليل الأيديولوجي من جهة، و بسبب اختلافات انتماءات أفراد الشغيلة إلى الأحزاب الوطنية و التقدمية.
5) تفجير التناقضات القائمة بين الطبقة الحاكمة، و الطبقات التي تسبح في فلكها، كضرورة ملحة تجعل الشغيلة تطمئن إلى مستقبلها الكامن في تغيير ميزان القوى لصالحها.
6) و هذا التفجير سيمكن الشغيلة من الحد من هجوم الطبقة الحاكمة على قوت الشعب الكادح الذي تعود على المعاناة من ويلات هذا الهجوم.
7) و ستتمكن الشغيلة بنضالها النقابي الصحيح من فرض احترام الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لمجموع أفراد الشعب الكادح.
8) و بتحقيق مجموع الأهداف المشار إليها يتم إنضاج شروط وجود حد أدنى لقيام جبهة وطنية عريضة للنضال من أجل الديمقراطية كمرحلة يتحول فيها النضال النقابي إلى نضال سياسي يهدف إلى القضاء على جذور الاستغلال.
9) تحويل الطبقة العاملة في إطار الجبهة الوطنية العريضة من طبقة لا مبالية بما يجري على المستوى السياسي إلى طبقة مسيسة بما يتناسب مع مصلحتها الطبقية والوطنية والقومية و الإنسانية.
10) و اهتمام الطبقة العاملة بمصلحتها الطبقية يؤدي بها – بالضرورة – إلى الاهتمام بأيديولوجيتها الاشتراكية العلمية لتحصين نفسها ضد الأيديولوجيات الزائفة التي تتطهر منها بفعل النضلات المريرة، و بفعل طموحها في القضاء النهائي على كافة أشكال الاستغلال، و بناء مجتمع ديمقراطي و اشتراكي و متحرر كهدف أسمى للشغيلة المغربية على المدى البعيد كما هو الشأن بالنسبة للشغيلة العالمية.
تأسيس اختيارات بديلة كنتيجة حتمية للنضال النقابي الصحيح :
إن الاختيارات الرأسمالية التبعية التي يأتي النضال النقابي الصحيح في إطارها لا يمكن إضعافها في أفق القضاء عليها إلا بالنضال من اجل اختيارات بديلة تتأسس على إثر احتداد الصراع الطبقي الذي يعتبر النضال النقابي أحد أوجهه. و الشغيلة، و معها حلفاؤها، و النقابة و معها مساندوها و مشاركوها في النضال من المنظمات النقابية و الحقوقية و الثقافية و السياسية، سيضعون من بين أهدافهم : النضال من اجل تكريس اختيارات بديلة بعد خلخلة الاختيارات السائدة بإبراز عدم صلاحيتها للمجتمع المغربي، كما هي غير صالحة للمجتمعات الكادحة، و للشغيلة في جميع أنحاء العالم. و تتخذ هذه الخلخلة مجموعة من التجليات نذكر منها:
1) التجلي الاقتصادي المتجسد في مجموع الأزمات الاقتصادية الحادة التي يعرفها النظام الرأسمالي التبعي سواء على مستوى الصناعة أو التجارة، أو الزراعة أو على مستوى المؤسسات المالية التي لها علاقة وطيدة بالمؤسسات المالية الدولية/العالمية التي تعرف اضطرابات مستمرة بسبب فقدان التوازن في السوق المالية العالمية.
2) التجلي الاجتماعي المتجسد في ضعف الخدمات الاجتماعية و كثرة الاضطرابات، و الإضرابات الوطنية، و عدم قدرة أفراد الشعب الكادح على مواجهة متطلبات الحياة الاجتماعية.
3) التجلي الثقافي/الأيديولوجي المتمظهر في عدم قدرة الطبقة الحاكمة على إحكام سيطرتها الثقافية و الأيديولوجية على مجموع أفراد الشعب الكادح بسبب النهوض العارم للثقافة و الأيديولوجية النقيضتين لثقافتها و أيديولوجيتها سواء في اتجاه اليمين المتطرف أو في اتجاه اليسار أو اليسار المتطرف.
4) التجلي السياسي المتمظهر في الأزمات السياسية الحادة التي تعرفها الطبقة الحاكمة بفعل تفجير التناقضات فيما بينها من جهة . وفيما بينها وبين بقية الطبقات والشرائح الاجتماعية من جهة أخرى .
ولذلك يأتي دور الأحزاب الوطنية والتقدمية ، وفي مقدمتها حزب الطبقة العاملة في صياغة الاختيارات النقيضة القائمة على أساس الدراسة العلمية للتشكيلة الاقتصادية الاجتماعية المغربية في تاريخيتها وفي تطورها . وفي بنياتها التحتية والفوقية بهدف إدراك القوانين الموضوعية الخاصة بها من أجل العمل على استشراف الآفاق المستقبلة القريبة والبعيدة للنضال من أجل أن يسود :
1) الاختيار الديموقراطي الذي يعتبر ضرورة تاريخية ملحة ، ولا نقصد به هنا اختيار ديموقراطية الواجهة ، بل لابد من أن يكون هذا الاختيار حقيقيا يحمل مضمونا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا بالاضافة إلى المضمون السياسي الحقيقي الذي تجري في إطاره انتخابات حرة ونزيهة تنبثق عنها مؤسسات تراعي مصالح الشعب الكادح محليا فتنشرع وتراقب الحكومة وطنيا مما يخدم مصالح الشعب العامة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
2) الاختيار التحرري الهادف إلى تحرير الإنسان ، والأرض من الاستعمار ومن كل أشكال الاستلاب الأيديولوجي والسياسي والثقافي حتى يعيش إنسان هذه الأرض حرا على أرض حرة ، و بإمكانيات مادية ومعنوية حرة .
3) الاختيار الاشتراكي الذي يقوم على أنقاض النظام الرأسمالي التبعي والتي تحل في إطاره الكثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها أفراد الشعب الكادح . ولأنه بدون تحقيق المجتمع الاشتراكي سيبقى الإنسان مستعبدا من قبل الرأسمال وستبقى وسائل الإنتاج في ملك الرأسمالية التبعية التي تستبعد مجموع أفراد الشعب الكادح .
وقد يقول قائل إن هذا الاختيار عفاعلية الزمن بفعل ما حصل في الأنظمة الاشتراكية السابقة ، وفي مقدمتها ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي .إلا أن هذا القول مردود عليه بفعل ما يقع في البلدان الاشتراكية سابقا . والتي أخذت شعوبها المقهورة تستعيد عافيتها ، وخاصة في ظل عولمة اقتصاد السوق الذي يفتك بمصيرها .
وهذه الاختيارات الثلاثة تربط بينها علاقة جدلية لدرجة أن النضال من أجل الديموقراطية الحقيقية لا يمكن أن ينفصل أبدا عن النضال من أجل الحرية و الاشتراكية ، والعكس صحيح ، وكل نضال سياسي صحيح لا يهدف إلى تحقيق هذه الاختيارات أو فرضها ، فإنه سيعتبر في نفس الوقت نضالا تحريفيا يهدف إلى تزييف إرادة الشعب الكادح .
ونحن نعرف أن النضال من أجل تحقيق هذه الاختيارات متعب .إلا أنه نضال لابد منه مهما كانت التضحيات التي يقدمها الكادحون من أجل تحقيقها .كما نعرف أن الواجهات النضالية متعددة وأن أساليبه عسيرة إلا أن كل ذلك لا يعفي الشغيلة من تقديم المزيد من التضحيات على المدى البعيد ، وأن تعمل على فتح ما أمكن من الواجهات ، وأن تسعى إلى استغلال جميع الشروط الذاتية والموضوعية لتقليص الهوة الفاصلة بينها وبين فرض اختياراتها .
خاتمة :
ونستخلص مما سبق استعراضه من خلال هذه الأرضية القابلة للنقاش والتطوير أن العمل النقابي بمبادئه وبضوابطه وبأطره وببرامجه وبمطالبه . وأن النضال النقابي لا يكتسب صحته إلا إذا كان في مصلحة الشغيلة و طليعتها الطبقة العاملة و لا شيء آخر غير ذلك. و أن النقابة عندما تدعي حلولها محل الحزب السياسي، تكون فوضوية و عندما تكون خاضعة لما هو مكتبي تكون بيروقراطية، و أنها عندما تكون في خدمة مواقف الأحزاب تكون ذيلية.
و النضال النقابي الصحيح يدفع بالصراع الاقتصادي و الاجتماعي إلى أقصاه، و تحقيق المزيد من المكاسب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لمجموع أفراد الشعب الكادح، و أن تلك المكاسب لا يمكن حمايتها إلا بالاستمرار في التعبئة و التنظيم و النضال المطلبي. و لكن النقابة التي تقود هذا النضال لا يمكن أن تحل أبدا محل الحزب السياسي. فمهمة النقابة تنتهي حين تبتدئ مهمة الحزب السياسي نظرا للفرق الواضح بين النقابة و الحزب على مستوى المبادئ و الضوابط ، و البرامج و المطالب و الأهداف و أساليب النضال.و أن العلاقة بين العمل النقابي و العمل السياسي هي علاقة جدلية. وأن لكل منهما لحظة التميز. و أن لحظة اندماج النقابي و السياسي لا تحصل إلا في مرحلة معينة. و أن ما نراه في الساحة النقابية و السياسية من اندماج مزعوم بين النقابي و السياسي ما هو إلا تزييف للواقع النقابي و السياسي معا.كما نستخلص أن إعادة النظر في الأساليب النقابية التنظيمية و المطلبية المتبعة حتى الآن أصبحت واردة ، و بإلحاح حتى تعود الأمور إلى ما يجب أن تكون عليه كما يقول التحليل العلمي للواقع النقابي . و إذا أردنا أن تكون للنقابة الريادة في قيادة النضالات المطلبية، لابد أن تحضر المعرفة العلمية بالواقع في مختلف تجلياته. و بالتشكيلة الاقتصادية/الاجتماعية المغربية حتى يتبين لها ما يجب عمله على المدى القريب، و على المدى البعيد لتحقيق الأهداف الآنية و المستقبلية، الكامنة في خلخلة اختيارات الطبقة الحاكمة، و تمهيد الطريق أما الأحزاب التقدمية و الوطنية لصياغة اختيارات بديلة ترفع من مكانة الشغيلة و تضعها في المكانة المناسبة لها.
فالعمل النقابي الصحيح إذن هو عمل مستمر و هادف، يستقطب كافة شرائح الشغيلة المغربية للانخراط في النضال النقابي بمختلف أشكاله، وفي جميع مراحله حتى يستنفذ ما يطلب منه، و حينها نكون قد نسجنا ممارسة نقابية من نوع جديد تتلاشى أمامه كل هذه التفاهات التي نسميها عملا نقابيا، و التي ليست إلا مكاتب حزبية، تصرف التوجيهات الحزبية في أوساط الشغيلة ليكون ذلك سندا لتلك الأحزاب في ممارستها السياسية الراهنة.
فهل تتحول النقابة إلى نقابة حقة ؟ أم أنها ستستمر في تكريس التحريف و التنظير له في الوقت الذي تنظم فيه الطبقة الحاكمة حملة شرسة، و بجميع الوسائل، لاستنزاف طاقات الكادحين الشرائية.
إن ما تقوم به الطبقة الحاكمة و بواسطة أدواتها المتعددة و في مقدمتها الأحزاب الحكومية و على رأسها الحزب الرئيسي، يفرض شيئا آخر غير ما نراه، و ما يمارس يوميا على النقابة، و في النقابة و بالنقابة.
فهل نكون أوفياء لشهداء الطبقة العاملة في نضالنا من اجل تحقيق ما استشهدوا من أجله على الأقل في المجال النقابي؟ إن أرواح أولئك الشهداء تنتظر منا الوفاء، و فيه فليتنافس المتنافسون.