أول صحيفة سودانية تصدر عبر الإنترنت من الخرطوم - أسسها خالد عز الدين و محمد علي عبد الحليم


رئيس التحرير: طارق الجزولي

تلفون: 0912201125


feedback@sudanile.com

 Last Update 30 May, 2004 11:33:24 PM


من أدب المجتمع المدني

على شرف الاجتماع التأسيسي لمنظمة الشفافية السودانية

الشفافية.... الفساد والتنمية

مفهوم وأنواع الفساد ومجالاته

د. عبد الرحيم أحمد بلال

belalabdelrahim@hotmail.com

مقدمة

انتشر الفساد في العالم وخاصة في الدول النامية وعلى الأخص في الدول الأفريقية حيث تغيب المؤسسية والشفافية والمحاسبة والمشاركة والحريات والمساواة في الحريات وفصل السلطات والحكم الراشد عامة. وفي الدول الشمولية يستشري الفساد بصور ابشع لغياب هذه الخصائص في الدول نتيجة للقهر السياسى وعدم المشاركة . لذلك قامت مؤسسات لمحاربة الفساد لما له من عواقب وخيمة على التنمية واهم هذه المؤسسات منظمة الشفافية العالمية ليس على مستوى العالم بل على مستوى الدول.

ان مفهوم التنمية لم يعد يقتصر على النمو الكمى بل اتسع ليشمل هذا النمو الكمى والإنتاجية العالية بجانب التوزيع العادل للثروة والسلطة بين أقاليم القطر الواحد والشرائح الاجتماعية والإفراد. كما اتسع مفهوم التنمية ليشمل بجانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية التنمية السياسية والبيئية وعلى هذه الجوانب الأربعة للتنمية يقوم مفهوم التنمية المستدامة .

مفهوم الفساد

 تعرف إحدى وثائق الشفافية الدولية الفساد كالآتي " سوء استعمال السلطة لتحقيق منافع خاصة " .أن الفساد بهذا المفهوم يعنى أن أصحاب المناصب ومتخذي القرار في السلطة العامة بشقيها السياسى والتنفيذى يستغلون مناصبهم لتحقيق منفعة خاصة أو عائد خاص لعلاقات الفساد التى تربطهم بأطراف لهم بهم صلة قرابة أو صداقة أو منفعة أو علاقات بأطراف أخرى يعود الفساد عليها كذلك بمنافع مقابل ما يدفعونه لاصحاب المناصب في السلطة العامة ( المرتشين) وهذه المنافع قد تبلغ عشرات أضعاف ما يدفعونه مقابلها , وقد يكون الدفع نقداً أو عينا أو غير ذلك وقد يكون بنسبة من المنافع التى تعود على الراشي ويمتد الفساد لأسلوب الدفع المعقد ربما يكون داخل البلاد أو خارجها نقداً أو تحويلاً لحساب المرتشي أو لا حد أعضاء عائلته للتمويه واخفاء اثر جريمة الفساد.

أن تحليل العلاقة بين الفساد والتنمية يستلزم بالضرورة طرح الأسئلة الآتية المتعلقة بسبعه جوانب للفساد وهى:

ماهى المجالات التى تتيح فرصاً خصبة للفساد كما وكيفا بمعنى سهولة الفساد فيها؟

ما هى درجة استشراء الفساد وكثافته وحجمه في هذه المجالات المختلفة ؟

ماهى أساليب وطرق ممارسة الفساد المختلفة كالرشوة والضيافة؟

ما هى علاقات الفساد واستشرائه وانتشاره وأساليبه في مراحل تطور المجتمعات المختلفة ؟

ما هى علاقة الفساد بنظم الحكم المختلفة : ليبرالى , شمولى , مدنى شمولى عسكرى؟

ما هى أسباب الفساد : الفقر , نظام الحكم , الثقافة السائدة في المجتمع , الصفات والنزوات الشخصية ؟

هل هنالك فوائد للفساد ؟

 لم تنل هذه الأسئلة والموضوعات اهتمام الباحثين على الأقل في السودان . الا أننا نجد في إصدارات منظمة الشفافية الدولية التى أتيح للكاتب للاطلاع عليها عرضاً مقتضباً لمجالات الفساد وأساليبه وطرقه واسبابه لان دراسات حالات الدول المختلفة ونشاط منظمات الشفافية في هذه الدول تغلب على هذه الإصدارات لا التحليل الدقيق لهذه المواضيع التى تشملها هذه الأسئلة السبع . ولا تتعرض إصدارات منظمة الشفافية الدولية التى أطلع عليها الكاتب لعلاقة الفساد بمستوى مراحل تطور المجتمعات خاصة الانتقالية في أفريقيا لتعددية القيم والولاءات وأنماط السلوك الانتقالية التى تتجسد في الإنسان الانتقالى الممزق ( المشلهت) بين القيم التقليدية الجماعية في جانب والقيم الجديدة في مرحلة الانتقال ومرحلة المجتمع الحديث ذى الاقتصاد والسوق الممتدة وقيمه الفردية في الجانب الآخر.

فيما يلي نحاول الإجابة على بعض هذه الأسئلة

مجالات الفساد

العطاءات الحكومية.

المشتروات الحكومية .

توزيع الأراضي خاصة التجارية.

جمع الإيرادات.

الاستخصاص/ الخصخصة وبيع مؤسسات القطاع العام.

التوظيف والتعيين.

مرتبات ( الأشباح)( ghost employees )

الصرف المفرط على بنود ضبابية في الميزانية العامة: كالمؤتمرات , الضيافة, السفر إلى الخارج وهى مصدر فساد لغياب المحاسبة ومعايير الصرف.

التبرعات للأحزاب السياسية الحاكمة أو المشاركة في الحكم مقابل أضعاف حجم هذه التبرعات كمنح الرخص التجارية والإعفاءات الجمركية.

10. الإمدادات العسكرية بسبب احتكارها وما يحيط بها من تكتم وسرية لطبيعتها الأمنية.

11. القروض المصرفية وعدم استيفاء شروط الضمانات المطلوبة

12.استغلال صناديق التأمين الاجتماعي والمعاشات في توظيف أموالها لمصلحة أفراد أو مؤسسات بدون ضوابط.

 أنواع الفساد

متخذو القرار يتاجرون بسلطاتهم  عن طريق تسريب بعض الأسرار لمصلحة آخرين يدفعون المقابل وينتفعون بأضعاف هذا المقابل.

الحصول على نسب من العقودات الحكومية وغالباً ما تدفع هذه النسب في بنوك أجنبية.

الضيافة المفرطة لمتخذى القرار وعائلاتهم من قبل الشركات التى تمارس الفساد

تمويل تعليم أبناء متخذى القرار في جامعات أجنبية (منح).

العقودات التي تكون فبها الحكومات طرف أول تتم مع متخذى القرار بأنفسهم كطرف ثانى أو مع أقاربهم أو أصدقائهم بشروط مضرة بالمصلحة العامة وتتسبب في خسائر مادية للدولة.

مخصصات وبدلات السفر العالية التى يحددها متخذو القرار أنفسهم كما يحددون أين ومتى والفترة الزمنية للسفر.

تمويل الأحزاب الحاكمة عن طريق شركات خاصة تتحصل على امتيازات من الدولة عبر أعضاء الأحزاب الحاكمة.

المسئولون في إدارات الإيرادات يفرضون إتاوات أو ضرائب أعلى مما يجب ثم يخفضونها للحصول على منافع .

يمكن استعمال الوسيلة أعلاه في الضغوط السياسية فتكون المنافع سياسية بمعنى الحصول على الولاء أو التدمير السياسى للمعارضين.ٍٍٍ

أسباب الفساد

في البحوث عن أسباب الفساد, يرد ما يلى: الفقر , الثقافة والقيم السائدة , نظام الحكم و الصفات والنزوات الشخصية .

 الفقر

 لا شك أن الفقر يمكن أن يقود للفساد كما انه يمكن أن يعمق ويرسخ الفساد في المجتمع . لكن لا بد من أن نفرق بين فساد الفقراء أو ذوي الدخل المحدود وفساد الأغنياء ذوى الحظوة من الثروة والسلطة الذين يمارسون الفساد الذى يدمر موارد الدول وهو فساد طغمة صغيرة ولكن آثاره جسيمة . وبالرغم من ذلك فهو فساد لا يراه المواطنون العاديون في حياتهم اليومية بالرغم من انه يتسبب في فقرهم وإفقارهم . أذن فالفساد هو سبب جذرى للفقر وليس الفقر هو السبب الجذرى للفساد ففساد الفقراء هو من الصغائر لذلك رفعت وجمدت الحدود في الإسلام في عام الرمادة و عام المجاعة أما فساد الأغنياء وذوى الثروة والسلطة فهو من كبائر الأمور التى يجب محاربتها بلا هوادة . أن تحديد الفقر كسبب للفساد يعنى معادلة الفقر بالفساد (equating)وهذا خطا يقف حائلاً أمام محاربة فساد الإغنياء وأهل الثروة والسلطة التى يوظفونها في ممارسة الفساد . ومن المعروف أن الفساد ينعدم في المجتمعات البدائية بالرغم من فقرها وانعدام الفائض الاقتصادي فيها.

 الصفات والنزوات الشخصية

لا شك أن الصفات والنزوات الشخصية لها دور في ارتكاب جرائم الفساد ولكن هذه الصفات الشخصية يمكن إخضاعها لآليات الضبط الاجتماعي و الرقابة الاجتماعية التى تتوفر في نظام الحكم الرشيد . (إن لله ليزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن).

الثقافة

   نجد في إحدى إصدارات منظمة الشفافية الدولية مناقشة الرأي القائل بأن الثقافة      السائدة يمكن أن تكون سبباً من أسباب الفساد وتشير إلى أن هذا التفسير مغال و فيه تعال ثقافي يحقر ثقافة الآخر. فالثقافة السياسية غير الديمقراطية هي التي يمكن أن تشكل بيئة صالحة  للفساد  لاعتمادها على وسائل فاسدة لكي تسود أما ثقافة الشعوب فهو نمط حياة وانتاج هذه الشعوب وتعبيرها الحر عن هذا النمط ولهذا فهي ليست من أسباب الفساد.

 نظام الحكم:

    هناك إجماع بأن نظام الحكم الذى تغيب فيه المشاركة والشفافية والمحاسبة هو أكثر المجالات خصوبة لانتشار الفساد ففساد الحكم هو الذى يقود إلى فساد الأفراد . ففي هذا النوع من نظم الحكم تغيب المبادئ والشروط التى يجب أن تتوفر في إدارة الدولة والبيئة السياسية والمجتمع والحياة العامة والفاعلين فيها وهذه الشروط هى:

إنكار الذات (selflessness)

الاستقامة وتماسك الشخصية.(integrity)

الموضوعية .(objectivity)

 المحاسبة.(accountability)

الوضوح.(openness)

الأمانة .(honesty)

القدوة الحسنة

 

علاقة الفساد واستشرائه بمراحل تطور المجتمعات

المجتمع التقليدى

وخصائصه الاقتصادية والاجتماعية الأساسية أربع هي:  اقتصاد تقليدى معيشى هدفه تلبية الاحتياجات الأساسية ؛ الملكية الجماعية لاهم وسائل ومدخلات الإنتاج وأهمها الموارد الطبيعية ؛ تقنيات تقليدية ذات إنتاجية منخفضة ؛ علاقات الدم التى تقوم على القبلية والعائلة الممتدة . وتنعكس هذه الخصائص في القيم الجماعية وأنماط السلوك والولاءات التى تحكمها هذه الخصائص وهذه القيم. ان آليات الضبط الاجتماعى في المجتمعات التقليدية تخدم كل المجتمع ويقف المجتمع عليها رقيباً للحفاظ على نسيجه الاجتماعى الذى تقوم عليه استراتيجية بقائه.

المجتمع الانتقالى

الذى يتميز بتعدد القطاعات الاقتصادية ذات الملكية المختلفة ملكية جماعية في القطاع التقليدي , قطاع عام مملوك للدولة, ملكية فردية كما يتميز بدرجات مختلفة للإنتاجية بسبب تعدد مستوى التقنيات المستعملة في هذه القطاعات. ومن خصائص هذا المجتمع الانتقالى كذلك تعدد القيم والولاءات وأنماط السلوك التى تمتد من قيم وولاءات وأنماط سلوك حديثة إلى أخرى تقليدية . وفي المجتمع الانتقالى تضعف المؤسسية وآليات الضبط الاجتماعى وتتعدد القيم وتتمزق بين القيم التقليدية الجماعية والقيم الفردية . فتصير القيم الجماعية والولاءات الأولية خاصة القبلية وعلاقات القرابة المتبقية من المجتمع التقليدي دافعاً للفساد لمصلحة الفاسدين واقاربهم وذويهم.

المجتمع ذو اقتصاد السوق الحديث الممتد

اهم ما يميزه الخصائص الأربعة الآتية:هدف إنتاجه الربح؛ الملكية الفردية ؛ تقنيات حديثة ذات علاقة إنتاجية عالية؛ علاقات مؤسسية وعلاقات الأجر وتبادل سلعى خارج علاقات الدم ؛ وتقوم على هذه الخصائص قيم فردية وأنماط سلوك وولاءات تحكمها الخصائص الأربعة السابقة.

 في المجتمع الحديث الذى يتصف بالتعددية تسود المؤسسية وآليات الضبط والرقابة الحديثة وهذا لايعنى أن هذه المجتمعات لا تعرف الفساد بل يوجد فيها الفساد الذى يرتبط بالسلطة ولكن سرعان ما ينكشف بقوة وفاعلية المؤسسات العدلية  والسلطات الأخرى ونفوذ الصحافة. كما ان تعددية المراكز في هذه المجتمعات polycentric  societies)) يجعلها رقيباً على بعضها البعض انطلاقاً من المصالح المختلفة لهذه المراكز اذ تصير الأطراف المختلفة المحافظة على مصالحها رقيباً على من يتعدى عليها بخلاف ما هو الحال في الأنظمة الشمولية التي تغيب فيها تعددية  مراكز المصالح والقوى الأخرى

هل هناك فوائد للفساد ؟

قبل عقود وفي الستينات خاصة ساد اتجاه في الدفاع عن الفساد بناء على المنطق التالى:

الفساد يساعد في تسريع الإجراءات والتغلب على البيروقراطية العقيمة.

الفساد ضرورة في ظروف الأنظمة الفاسدة.

انسنة البيروقراطية فتكون أ سهل وصولاً.

زيادة مداخيل الموظفين محدودى الدخل نتيجة الرشوة ( الحوافز) وهي آلة من آليات توزيع الدخل القومى.

ٍٍٍٍٍٍتخفيف التوترات الناتجة عن عزل وتهميش الفئات البعيدة عن السلطة مثلاً الاقليات اذ يسر الفساد لهم مداخل للسلطة والثروة لكن تراجع هذا التوجه نظراللآثار السالبة والعميقة للفساد على إيرادات الدولة كمثال على ذلك بنغلاديش.

حسب إفادات الغرفة التجارية في الولايات المتحدة تبلغ الخسائر في إيرادات الدولة في الميناء 1.1 بليون دولار سنوياً نتيجة للرشوة .

امدادات الكهرباء غير القانونية تبلغ 1 بليون دولار في العام .

مد خطوط التلفونات لاتتم إلا بالرشوة .

محاربة الصحافة الناقدة والصحافيين الناقدين الذين يحققون في الفساد.

 

الآثار الاقتصادية والسياسية للفساد

غياب العدالة في توزيع الدخل القومى

  ان أهم آثار الفساد الاقتصادية المباشرة للفساد هو إحداث خلل في توزيع الدخل القومى باليات غير شرعية خارج دائرة الآليات الشرعية لتوزيع الدخل اذ يستحوذ طرفا الفساد الراشي والمرتشى على موارد غير شرعية تزيد الأغنياء غنى" بما يستحوذون عليه من الدخل القومى دون عمل  ومجهود يستحق عائداً شرعياً. ومن العادة يكون هذا العائد أضعاف ما يناله الرا شى خاصة في حالة الشركات الكبرى الراشية.مثلاً عطاء قيمتة الحقيقية مائة مليون دولار قد تناله شركة بمبلغ سبعين مليون دولار مقابل عشرة مليون دولار تدفع لمتخذى القرار السياسى او التنفيذى وهذا مبلغ ضئيل بالنسبة للشركة ولكنه ضخم جداً بالنسبة لمتخذى القرار لانخفاض الاجور والمداخيل في الدول النامية وقد يكون مبلغ العشرة مليون دولار بمثابة تأمين للمرتشين مدى الحياة حتى لو تقاسمه متخذو القرار ليكون نصيب كل واحد منهم مليون دولار فقط فاذا وضعه الواحد منهم في وديعة استثمارية بعائد 12% فهذا يعنى 120الف دولار في العام  اى بمعدل 12 الف دولار في الشهر  في حين ان القطر المعنى يفقد 30 مليون دولار في عطاء كهذا كان يمكن ان تبقى في ميزانية الدولة لتوظف في مشاريع تنموية تولد عمالة او تحول إلى ميزانية الخدمات التعليمية والصحية فتقدم خدمات للشعب وتولد عمالة كذلك . ان الاموال التى تهدر نتيجة الفساد تكون في الغالب الاعم حسب ادبيات الشفافية العالمية على حساب الفقراء الذين يحرمون  من الخدمات فيتحول جزء من دخولهم المحدودة للصرف على خدمات كان يمكن ان تقدمها لهم الدولة  مجانا او مدعومة وبذلك تنخفض مداخيلهم ومستوى معيشتهم في حين يزداد دخل الفاسدين والشركات االتي تمارس الفساد فتكون التنيجة التوزيع غير العادل للثروة وزيادة وترسيخ اللامساواة الاقتصادية في المداخيل بين الفقراء والفاسدين الأغنياء.

 

 الخلل والظلم في توظيف الأموال الفاسدة

 غالبا ما تحول الاموال الفاسدة إلى الخارج فلا تدخل في الدورة الاقتصادية والانتاج وقد تحول إلى قطاع العقارات الخاصة .  وبالرغم من ان لصناعة البناء والتشييد اثر في توليد العمالة ولكن نتيجة للرأسمال الكثيف في الصناعة الحديثة للبناء والتشييد قأن توليد العمالة فيها ضعيف وهذا يلاحظ في انتعاش هذه الصناعة في الخرطوم والعطالة المرتفعة بين المواطنين ، ثم هنالك استخدام العمالة الأجنبية في شركات البناء الاجنبية.

 ترسيخ التنمية غير المتوازنة

في حالة دخول الاموال الفاسدة في الدورة الاقتصادية فأنها تتركز في العاصمة و المدن الكبيرة الاخرى لتواجد الفاسدين في هذه المدن فيحرم الريف من عائداتها بالرغم من فسادها فتترسخ التنمية غير المتوازنة في حين ان عائدات ومنافع الفساد لو بقيت في الخزانة العامة لكان من الممكن تحويلها الى الريف في قطاع خدمات التعليم والصحة والبنيات التحتية الاساسية مثل الطرق او إلى القروض الصغيرة لصغار المنتجين في الريف والمعروف ان الطلب على الاستثمارات في الريف عال بالرغم من ان حجمه قليل مثال على ذلك بناء مركز صحى او مدرسة اساس او تغطية تكلفة قابلة أو حفر بئر في قرية.

 

 توظيف الاموال الفاسدة في الاستهلاك البذخى:

 ان جزءاً من الاموال التى يستحوذ عليها المرتشون تحول إلى الاستهلاك البذخى نتيجة للقيم التى تسيطر على الفاسدين مثل المغالاة في المتع الحسية والتبارى في المظاهر المادية ( ناس شوفونى) من عربات وحلى ومساكن فاخرة وأثاثات مستوردة. فالمال الذى ياتى سهلاً دون عناء وعمل يذهب في الصرف السهل وهذا يؤثر على انماط الاستهلاك البذخية والسلوك البذخى ولهذا أثره الاجتماعى القيمى على رأس المال الاجتماعى وروح التضامن والتكافل والثقة  في المجتمع ويضع قدوة سيئة للآخرين.

 هجرة العقول

 ان سحب جزء من الدخل القومى وتحويله إلى الخارج او توظيفه في الاستهلاك البذخى يؤدى إلى خفض معدلات المدخرات القومية وبالتالى معدلات الاستثمار فتنخفض فرص الاستخدام فيهاجر المهنيون إلى الخارج خاصة  وان طبيعة عملهم العلمى  المهني لا تسمح لهم بمجاراة ممارسات الفساد.

 الاقتصاد الاسود وغسيل الاموال

 من مجالات توظيف الاموال الفاسدة في كثير من الدول , ادخالها في دورة الاقتصاد الاسود كغسيل الاموال وتجارة المخدرات والسلاح ترتبط بانتاج الجريمة واعادة انتاجها لانها لا تخضع لاجهزة الرقابة ولما ترتبط به من قيم اخلاقية تقوم على المصالح الخاصة غير مبالية بالمصالح والمنفعة العامة.

 كفاءة رأس المال

  ان الفساد يزيد من تكلفة الاستثمارات وبالتالي يقلل من كفاءة رأس المال   ويغيب الشفافية في هذا المجال مما يدفع المستثمرين للهروب إلى دول اخرى ينعدم او يقل فيها الفساد في مجال الاستثمار

   أثار الفساد على التنمية السياسية

 مفهوم التنمية السياسية

   ان التنمية السياسية لا تجد الاهتمام الذى تستحقه في السودان سواء في البحوث العلمية او في الرأى العام . لكن وبظهور مصطلح الحكم الراشد بمرتكزاته الثلاثة : الدولة, المجتمع المدنى ,والقطاع الخاص بدأ النقاش يتسع  عن ضرورته واثر غيابه على تطور الدول خاصة السياسى . ان التنمية السياسية تعنى بنظام الحكم والعلاقة التبادلية بين المجتمع والافراد في جانب و الدولة في الجانب الاخر . واذا كان مقياس التنمية الاقتصادية وكفاءتها هو النمو الكمى و معيار التنمية الاجتماعية وكفاءتها هو التوزيع العادل للثروة فان بين اهم مقاييس التنمية السياسية وكفاءتها هو المشاركة وشفافية ومؤسسية نظام الحكم والسلطة اللتان تسمحان بالمحاسبة لاجهزة الدولة واصحاب المناصب التشريعية والتنفيذية السياسية والتنفيذية الفنية فيها .

 ان السلطة ونظام الحكم في جانب والثروة في الجانب الاخر هما وجهان لعملة واحدة فالسلطة وسيلة للثروة والتأثير على أمتلاكها وتراكمها بصورة مباشرة خاصة في الدول النامية والثروة وسيلة للسلطة والتأثير عليها وهذه العلاقة هى موضوع الاقتصاد السياسى لذلك لا يمكن معالجة الاثار الاقتصادية للفساد بمعزل عن معالجة الاثار السياسية له.

الفساد ومراكز القوى خارج الشرعية الدستورية والقانونية وأثره على المجتمع المدنى والقطاع الخاص

 ان الفساد يحل المصالح الخاصة محل المصالح العامة ويخلق مراكز قوى وقرار ومؤسسات خارج السلطة الشرعية ومؤسساتها مما يؤدى إلى تقويض  الديمقراطية ومؤسساتها كما يقضى على الثقة والمصداقية في مؤسسات الدولة بسبب عدم المساواة في معاملات المواطنين مع اجهزة الدولة ومراكز اتخاذ القرار فيها . وهو بذلك يقضى على الحكم الراشد والمحاسبة والشفافية وحكم القانون وحقوق الإنسان كما يهدد  المجتمع المدنى الذى تقوم مبادؤه على الشفافية والمحاسبة والاستقلالية وعلى المساواة حتى لو كانت شكلية بمعنى المساواة امام القضاء واجهزة الدولة كما ان الفساد يقلل من التنافس ومن كفاءة القطاع الخاص التى تقوم على المنافسة لصالح المستهلكين وبذلك تنخفض المقدرة التنافسية التي تسلب القطاع الخاص مقدرته وكفاءته في تخصيص الموارد على اساس آليات السوق فيتم تخصيص الموارد على اساس علاقات الفساد وعلاقات القرابة والصداقة والولاء السياسى والمصالح الفردية .ويمتد الفساد إلى تحويل الاحزاب  الحاكمة والمتوالية معها مما يؤدي إلى فساد الانتخابات فتصير الديمقراطية التمثيلية دمية في يد الفاسدين وتغيب عنها صفتها التمثيلية الحقيقية . كما يبعث الفساد على الخلافات والصراعات في جهاز الدولة واجهزة الاحزاب بين مجموعة الفاسدين التى تبنى مراكز قوية باموال الفساد في جانب والمخلصين الأمناء فيؤثر ذلك على اداء الدولة والاحزاب.

الفساد والشرعية العلمية والمهنية في السياسة واتخاذ القرار

  ان الفساد يقضى على الاسلوب العلمى والمهنية في اتخاذ القرار ويغيب دور العلماء والمهنيين في التحضير لاتخاذ القرار على اساس البحث العلمى والطرق العلمية في اتخاذ القرار اذ تخضع القرارات للمصالح الخاصة والنزوات الشخصية للافراد أو الشرائح الاجتماعية المهيمنة على مواقع اتخاذ القرار فيتدهور النظام الادارى نتيجة للفساد وأثره على النظام السياسى ونظام الحكم.

 

الفساد والتنمية الاجتماعية

 ذكرنا في الجزء الخاص بعلاقة الفساد بالتنمية الاقتصادية واثره على ايرادات الخزينة العامة وتحويل الموارد إلى منافع خاصة وكما ذكرنا فأن اكثر القطاعات تأثراً بذلك هى القطاعات الاجتماعية الخدمية التى تلجأ الدولة إلى خفض ميزانياتها قبل كل القطاعات الاخرى لانه ليس هناك مدافع عنها خاصة تلك  الخدمات الموجهة للفقراء الذين يغيب صوتهم في المجتمع والسياسة. وبذلك تتأثر التنمية الاجتماعية في جانبها الانسانى فتتدهور الخصائص السكانية والاجتماعية والاقتصادية  خاصة للمجموعات الفقيرة من سوء تغذية وتدنى في التعليم والتأهيل ...الخ.

  ان الفساد ينخر في رأس المال الاجتماعى اذ تنتشر اللامبالاة والسخرية من  السياسة والسياسيين وينشر ويرسخ لقيم الانانية واحتقار العمل واتقانه وكفاءته كمصدر اساسى للثروة وكقيمة ومعيار للسلوك فينتشر التوجه  إلى الفساد والغش والتدليس والمراوغة وكل هذا يؤدى إلى عدم الاستقرار السياسى اذ تطلع فئات فاسدة لا تجد موقعا لها في السلطة الي تقويض السلطة القائمة لتحل محلها في مواقع السلطة والفساد والثروة الفاسدة . كما قد يدفع الدوائر غير الفاسدة في القوات النظامية إلى الانقلاب وتقويض السلطة القائمة بحجة القضاء على الفساد السياسى والاقتصادى وبالتالى تكون النتيجة القضاء على الديمقراطية وقيام حكم شمولى تتأكل قيمه ومبادؤه المعلنة في ظل القهر وغياب المحاسبة والشفافية فيتحول هو الآخر إلى بؤرة للفساد.

آثار الفساد على البيئة

ان  الموارد الطبيعة هى القاعدة الحياتية الأساسية في الدول النامية لاغلبية الشعب . ان الفساد يؤدي الى  تدهور البيئة و الى تدهور ظروف الحياة والعمل خاصة لسكان الريف. فالقطع الجائر للغابات نتيجة للفساد والافساد من الاسباب الاساسية لتدهور البيئة في الدول النامية.ان التدهور البيئئ قد يصل مرحلة لا يمكن بعدها اعادة تعمير البيئة مما يدفع السكان المتأثرين بهذا التدهور الى الهجرة والنزوح فتتدهور مناطق اخرى بهذه الهجرة نتيجة للخلل في التوزيع السكاني  بذلك فينتشر الفقر وتزداد حدته. ويتضح الفساد البيئي في ان المتسببين في تدهور البيئة والملوثون لها لا يدفعون تكلفة هذا التدهور وهذا التلوث  فتقع اعباء تدهور البيئة وتلوثها وتكلفتها على الفقراء الذين لا يستطيعون حماية انفسهم من آثار التدهور والتلوث فيتعرضون لمخالطر التدهور والتلوث البيئي  أكثر من غيرهم.

 توظف في كثير من الدول النامية والمناطق الريفية ادوات ووسائل عنف الدولة الشرعي في حماية من يقومون بالقطع الجائر للغابات  ويتسببون في تدهور الغطاء النباتي فتفقد الدولة مصداقيتها فيصيب المواطنين الاستلاب والاغتراب السياسى نتيجة لذلك.

آثار الفساد على المرأة :

ان الفساد كما جاء سابقاً يؤثر على رأس المال الاجتماعى والنسيج الاجتماعى سلباً فيزداد العنف فتكون النساء والاطفال أكثر فئات المجتمع تأثراً بذلك .

بما ان موارد النساء  محدودة وشحيحة فانهن لا يستطعن مجارة الذكور في الفساد حتى لو رغبن في ذلك.

حين يمتد الفساد فيشمل المؤسسات السياسية والانتخابات فان ذلك قد يؤدى الى العزل الذكورى للنساء اذ يسعى الرجال لنيل المناصب السياسية بالطرق الفاسدة واقصاء النساء منها او جر النساء الى بؤر الفساد المختلفة ليصرن اداة للذكور في الفساد.

اذ استشرى الفساد ليصل الى الاجهزة العدلية تتضرر النساء بسبب شح مواردهن فيخسرن قضايا الطلاق ورعايتهن للاطفال .

 ان معاناة النساء في القطاع غير المنظم من فرض الاتاوات غير القانونية عليهن حتى لوكانت في شكل عينى كوجبة  تقدمها بائعات الطعام في هذا القطاع بدون مقابل للفاسدين يقلل من دخلهن ويحرمهن من المنافسة الحرة في السوق . هناك امثلة كثيرة حيث يرشى الرجال اصحاب المطاعم افراداً في الاجهزة  المعنية المختلفة لمحاربة النساء في القطاع غير المنظم وأقصائهن من السوق والمنافسة الحرة خاصة وأن سلعتهن أقل سعراً وافضل نوعا من سلع أ صحاب المطاعم الذكور.

تتأثر النساء كشريحة من شرائح صغار المنتجين الذين يحرمون من القروض او اى تسهيلات استثمارية اذ تذهب هذه التسهيلات لكبار المستثمرين بسبب الفساد فيزيد ذلك من اهمال صغار المنتجين وخاصة النساء .

ان العبء الاكبر من خفض ميزانيات الصحة والتعليم نتيجة للفساد يقع على النساء وخاصة الفقيرات منهن اذ يزداد عليهن عبْ الرعاية الصحية ورعاية الأبناء والبنات لفترات أطول أثناء اليوم  حين تعجز مؤسسات التعليم عن استيعابهم.

آثار الفساد على أجهزة الإعلام والتربية الوطنية:

  بالرغم من ان هناك ورقة مقدمة عن الفساد في اجهزة الإعلام فأننا نشير هنا الى اثر الفساد على أجهزة الإعلام وبالتالى على التنمية اذ يخضع الفساد أجهزة الإعلام الى المفسدين ومصالحهم مما يقلل او يلغى المساحة في هذه الأجهزة للتوعية والتربية الوطنية خاصة في الدول النامية ويتوارى الفساد خلف الأجهزة الاعلامية الفاسدة مما يقف عقبة أمام الكشف عن  الفساد ومحاربته  في الأجهزة الاعلامية  و بالتالي في المؤسسات الأخرى والرأي العام.

 

الخلاصة

  لم يحظ موضوع الفساد باهتمام الباحثين فى السودان بالرغم من الكتابة المتكررة عنه فى الصحف . ان البحث فى الفساد لابد ان يشمل كل جوانبه : مجالاته , أنواعه , أسبابه وعلاقته بمراحل تطور المجتمعات.  وكما ان  للفساد آثاره السالبة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وعلى المرأة والبيئة وأجهزة الإعلام , فإن توظيف الأموال الفاسدة فى الفساد يجعل آثاره السالبة مركبة ليس فى الاستحواذ على أموال عامة بطرق غير شرعيه تخسرها خزينة الدولة فحسب, بل توظيفها فى مجالات تؤثر سلباً على المجتمع كذلك ,  ان مهمة لفت نظر المجتمع وتوجيه اهتمامه واهتمام الباحثين الى كل هذه الجوانب تقع على  عاتق المجتمع المدنى بالتعاون الوثيق مع أجهزة الدولة المختلفة ومع الجامعات و المؤسسات البحثية والباحثين. أن تكوين فروع لمنظمة الشفافية السودانية وتثقيف المواطنين فى ممارسات الفساد يدعم ويعزز رصد هذه الممارسات فى كل أنحاء القطر . ثم هناك أهمية الدفاع عن من تقع عليهم نتائج الفساد وحمايتهم وهذا يعنى التصدى للحالات الفردية وللفساد عامة . كل هذا يحتاج الى تدريب المواطنين ونشطاء المجتمع المدنى كما هو الحال فى مجال حقوق الإنسان بجوانبه المعروفة : التثقيف , الرصد, الحماية , والتصدى. وليكون عمل منظمة الشفافية فاعلا لابد من التعاون مع منظمات حماية البيئة وحماية المستهلك وحقوق الإنسان   .