|
المحور الأول: أهمية الرقابة بما أن المال هو عصب
الحياة للمجتمع البشري والأساس لبناء هذا المجتمع وتطويره
وازدهاره, كما أنه الشريان الرئيسي لمزاولة أي عمل أو نشاط
اقتصادي يمارس بشكل إفرادي على مستوى الفرد أو جماعي على مستوى
الدولة, لذلك كان لابد من وجود حافظ وحارس لهذا المال يسهر عليه
ويحميه, يطوره وينميه - وهذا الحافظ والحارس هو الرقابة.
والرقابة التي نقصد بها هنا سواء أكانت خارجية أم داخلية هي
الرقابة بمختلف أنواعها (رقابة محاسبية ومستندية - رقابة إدارية
ومالية) أي ما يعرف بالرقابة الاقتصادية التي تسعى إلى تحقيق
الأهداف التالية: 1- التأكد من صحة الأعمال المالية
والمحاسبية واكتشاف الأخطاء في حال وجودها وتصحيحها. 2- تتبع
تنفيذ الخطط والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. 3- تتبع
النتائج المنفذة بالنسبة إلى ما هو مخطط. 4- تحديد
الانحرافات سلبا أم إيجابا وتحليلها ومعرفة أسبابها ومعالجتها
معالجة سريعة فورية. 5- التأكد من مدى تحقيق الكفاية
الإنتاجية وكفاءة الأداء. 6- العمل على تخفيض الهدر والإسراف
ما أمكن وفي جميع أوجه النشاط. 7- تشجيع العاملين على
الالتزام بتعليمات وسياسات الإدارة العليا. وتعد سورية من
الدول العربية السباقة في مجال إحداث هيئة للرقابة فقد أحدثت أول
هيئة للرقابة في سورية تحت اسم ديوان المحاسبات عام 1938 حيث
اعتبر رئيسه وأعضاؤه ينفذون مهامهم نيابة عن السلطة التشريعية
لربطه بمجلس النواب, وعلى إثر قيام ثورة الثامن من آذار عام 1963
التي تستند إلى بناء اقتصاد قومي يقوم على أساس الدور القائد
للقطاع العام في التنمية وقيام الدولة باستثمار قدر متزايد من
أموالها لتنفيذ الأعمال والمشاريع اللازمة لدفع عجلة التنمية
الاقتصادية والاجتماعية بمعدلات سريعة إلى الأمام, أصبح من
الضروري الاهتمام بالرقابة على هذا القطاع لجعلها قادرة على
تزويد السلطات المختصة بالمعلومات المتعلقة بكيفية إدارة الأموال
وبمدى سلامة سير الأجهزة المالية والمحاسبية فيه, ونتيجة لذلك
كان لابد من أن تمتد الرقابة إلى قطاع الأعمال بجميع مكوناته من
هيئات ومؤسسات وشركات ومنشآت تمتلكها الدولة ملكية كاملة كانت أم
جزئية فقد تم إحداث الجهاز المركزي للرقابة المالية عام 1967
والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عام .1969 وتبرز أهمية
البحث من أهمية الدور الذي تقوم به تلك الأجهزة الرقابية ومن
المهام الملقاة على عاتق هذه الأجهزة باعتبارها الأجهزة الفنية
الكفؤة القادرة على تحمل مسؤولية الرقابة على القطاع العام,
والتحقق من كفاءة سير العمل والإنتاج, ومن المحافظة على احترام
القانون بين الموظفين, ومن سلامة استعمالهم للأموال العامة, ومن
مطابقة الأعمال المنجزة للتقديرات المستهدفة في الخطط الفرعية
والخطط الشاملة وتحديد مدى سلامة سير الأجهزة المالية والمحاسبية
والاهتمام بالرقابة الاقتصادية إضافة إلى الرقابة المحاسبية
والمستندية. وإن مهام تلك الأجهزة من الناحية النظرية جيدة أما
من الناحية العملية فهي لا تفي بالغرض المطلوب منها فحتى
ممارستها للرقابة المحاسبية والمستندية لم تلب بالشكل الكامل.
وكان الهدف من البحث هو: 1- إظهار الصعوبات والمعوقات
التي تعاني منها تلك الأجهزة, والعمل على تلافيها لتحقيق الهدف
الذي أنشئت من أجله, والوصول إلى جهاز رقابي فعال ومتكامل.
2- العمل على بث مفهوم الرقابة الذاتية, الأمر الذي يحتاج
إلى جهود جبارة وتوعية مستمرة بكافة الوسائل ليؤمن كل عامل في
القطاع العام مهما كان مستواه وعمله, بأنه يقوم بإدارة واستخدام
أموال الأمة وأن عليه أن يتفانى في خدمة بلده عن طريق تنفيذ
مهامه على الوجه الأكمل. وأن يبقى الرقيب الأساسي هو الضمير وما
أحوجنا إليه في زمن نعاني فيه من أزمة الضمير.
المحور
الثاني: واقع ومعوقات وآفاق تطوير أجهزة الرقابة الحكومية نظريا
وعمليا لقد تم تحديد المجالات التي ستتم دراستها من خلال
الاجتماع مع المفتشين والمديرين السابقين في الأجهزة الرقابية
ومن خلال مقارنة الواقع مع معايير مراجعة الحسابات المتعارف
عليها في المنظمات الدولية والأجهزة العليا للرقابة, وأيضا من
خلال تلك الاجتماعات تم العمل على وضع قوائم استبيان حول واقع
أجهزة الرقابة الحكومية في سورية والتي وجهت إلى العينة التي
تتألف من: 1- مفتشي الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش
الحاصلين على إجازة في الاقتصاد والتجارة وهم برتبة مفتش أول
ومفتش ومفتش معاون وتم توزيع 25 استمارة. 2- مفتشي الجهاز
المركزي للرقابة المالية الحاصلين على إجازة في الاقتصاد
والتجارة وهم برتبة مفتش أول ومفتش ومفتش معاون وتم توزيع 25
استمارة. 3- الجهات الخاضعة لرقابة أجهزة الرقابة الحكومية
والمعنيين بعملية الرقابة وهم مديرو الرقابة الداخلية أو
المديرون الماليون والحاصلون على إجازة في الاقتصاد والتجارة وتم
توزيع 30 استمارة. ولقد تضمنت قوائم الاستبيان أسئلة متنوعة
ووزعت الإجابة على عدد من الدرجات وتمثل الإجابة بالرقم 1 درجة
ممتاز, ورقم 2 درجة جيد جدا , ورقم 3 درجة جيد, ورقم 4 درجة وسط,
ورقم 5 درجة ضعيف. ولقد تم الاجتماع مع المعنيين بعينة
الدراسة بعد توزيع الاستبيان عليهم من أجل توضيح كثير من مفاهيم
محاور الأسئلة التي تضمنها الاستبيان وبالفعل أدى هذا الاجتماع
إلى جعل الإجابة على الاستبيان أكثر دقة وفعالية على الرغم من
الصعوبات التي واجهتها سواء في عملية توزيع الاستبيان أم
الاجتماع مع المعنيين بعينة الدراسة. وبعد جمع الاستبيانات
وتفريغها وتحليل وتقويم درجات الإجابة وتحديد النتائج تم التوصل
إلى اقتراح آفاق لتطوير عمل تلك الأجهزة بما يتوافق مع التطورات
الاقتصادية والمالية الراهنة وما نتج عن عملية الانفتاح
الاقتصادي وتزايد دور القطاع الخاص ومنافسته للقطاع العام,
مستفيدا مما صدر عن المنظمات المهنية العالمية والدولية والمحلية
المتخصصة في مجال الرقابة ومسترشدا بما وضعته الأجهزة العليا
للرقابة في بعض الدول العربية في هذا المجال ومراعيا ما أمكن ذلك
الظروف الموضوعية المحلية في بلدنا. أما المجالات التي
شملتها الدراسة فهي كما يلي: 1- في مجال التبعية والاستفادة
والحياد. الواقع: التبعية للسلطة التنفيذية. المعوقات:
سلب استقلال أجهزة الرقابة وعجزها عن تحقيق الأهداف.
التطوير: التبعية للسلطة التشريعية أو رئيس الجمهورية
وتمتعها بالاستقلال الكامل عن السلطة التنفيذية. 2- في مجال
التأهيل العلمي والعملي والتدريب. الواقع: عدم التمييز في
الاختصاصات والتعيين فور التخرج. المعوقات: ضعف أجهزة
الرقابة في تنفيذ عملية الرقابة, وبسبب ضعف خبرة المفتشين فإنها
تؤدي إلى نتائج غير دقيقة. التطوير: العمل على التمييز في
الاختصاصات والتعيين من خلال خبرات في الجهات العامة أو الحاصلين
على شهادة محاسب قانوني أو إحداث معهد عال للتفتيش. 3- في
مجال اختصاصات أجهزة الرقابة. الواقع: اختصاصات متعددة وغير
دقيقة ومقيدة. المعوقات: عدم تحقيق الأهداف التي أنشئت من
أجلها. التطوير: الوضوح في الاختصاصات وتحديد نوع الرقابة
لكل نوع من الاختصاصات واستخدام معايير رقابية موضوعية. 4-
في مجال بذل العناية المهنية المناسبة. الواقع: عدم وجود
تعليمات لتحديد كيفية التحقق من بذل العناية المهنية المناسبة
وعدم تفرغ المفتشين للعمل الرقابي تفرغا كاملا . المعوقات:
عدم القيام بالعمل الرقابي على الوجه الأكمل. التطوير: وضع
دليل عمل للمفتشين للعمل على تحقيق أهداف الرقابة بكثير من الدقة
والمرونة والاتقان. 5- في مجال فحص نظام الرقابة الداخلية.
الواقع: غياب التعليمات أو النصوص عن كيفية وأسلوب فحص أنظمة
الرقابة الداخلية. المعوقات: تركيز المفتشين على دراسة
تقارير الرقابة الداخلية للاطلاع على السلبيات والعمل على تصيد
الأخطاء. التطوير: إيجاد أو وضع دليل عمل عن كيفية وأسلوب
فحص لنظام الرقابة الداخلية وفق أسس علمية وعملية. 6- في
مجال رقابة الأداء. الواقع: توفر النصوص من الناحية النظرية
وغياب التنفيذ من الناحية العملية. المعوقات: عدم التطبيق
العملي بسبب عدم الخبرة من قبل المفتشين في القيام برقابة
الأداء. التطوير: تدريب العناصر الفنية القادرة على القيام
برقابة الأداء وفق أسس علمية وعملية سليمة. 7- في مجال تخطيط
عملية الرقابة. الواقع: وضع خطط سنوية من قبل الجهات العليا
وغياب مشاركة المفتشين في وضع هذه الخطط. المعوقات: إعطاء
المهمات للمفتشين وتحديد المدة الزمنية بطريقة غير موضوعية.
التطوير: العمل على وضع برنامج للعمل الرقابي بمشاركة
المفتشين ويترك لهم حرية اختيار شكله ومحتوياته وبناء على ذلك
يتم تحديد المدة الزمنية للمهمة. 8- في مجال أدلة الإثبات.
الواقع: تم توفير النصوص لأساس صحيح لحرية الحصول على أدلة
الإثبات. المعوقات: التقليل من كمية ونوعية أدلة الإثبات من
الناحية العملية لعدم خبرة المفتشين. التطوير: العمل على وضع
دليل عمل لكمية ونوعية الأدلة المطلوبة وفق أسس علمية وعملية.
9- في مجال تقارير أجهزة الرقابة. الواقع: عدم تحديد
أنواع التقارير وأشكالها وصفاتها والمدة المحددة لإعدادها.
المعوقات: اقتصار التقارير من الناحية العملية على تقارير
الانحرافات والمخالفات والمحاسبة. التطوير: تحديد واعتماد
أنواع وأشكال التقارير. 10- في مجال المساءلة العامة.
الواقع: غياب النصوص عن العقوبات الجزائية أو المدنية أو
المسلكية عند ثبوت الخلل أو التقصير. المعوقات: غياب
العقوبات لأنه لا عقوبة من دون نص وبالتالي المساءلة تبقى
منقوصة. التطوير: العمل على تحديد النصوص القانونية حول
المساءلة العامة والعمل على تحديد جهة مشرفة على العمل الرقابي.
كما يمكن تناول بعض المشكلات والصعوبات الخاصة بالجهات
الخاضعة لرقابة أجهزة الرقابة الحكومية التي تؤثر على العمل
الرقابي وعلى دور أجهزة الرقابة ويمكن اختصارها بالنقاط التالية:
1- التأخر في إنجاز الحسابات والميزانية لأكثر من عشر سنوات
في بعض الشركات ونص المرسوم التشريعي أن تنجز خلال ثلاثة أشهر من
انتهاء السنة المالية ولم يتم في أي من تلك الشركات تطبيق
المخالفات التي نص عليها القانون مما زاد في تأخيرها وبالتالي
يجب العمل على تفعيل ما نصت عليه قوانين أجهزة الرقابة من ناحية
تطبيق العقوبات بحق من يرتكب المخالفات. 2- التأخر في
إجراءات الرد على الملاحظات والتوصيات الواردة في التقارير
الرقابية. 3- عدم تعاون موظفي أجهزة الجهات الخاضعة للرقابة
مع المفتشين وغياب التنسيق والتعاون والتكامل في عملهم. 4-
تعدد هيئات الرقابة على وحدات القطاع العام وكثرة البيانات
المطلوبة وعدم تحديد اختصاصات تلك الأجهزة بشكل واضح ما قد ينجم
عنه تعارض وتداخل وما يصاحب ذلك من نتائج سيئة ومن تشتت
المسؤولية وإعطاء الرقابة صبغة الروتين والتواكل. 5- ضعف أو
قصور الوعي الرقابي لدى العاملين في الجهات الخاضعة للرقابة.
6- ضعف نظام الرقابة الداخلية ويعود برأي الباحث لعدة أسباب
أذكر منها ما يلي: أ- ضعف التنظيم الإداري الذي يتضمن شبكة
منتظمة لتبادل المعلومات بين إدارات وأقسام الجهات الخاضعة
للرقابة. ب- عدم وجود أو ضعف عناصر الرقابة الداخلية لدى
الجهات الخاضعة للرقابة. ج-- عدم إعطاء الأهمية اللازمة
لتقارير الرقابة الداخلية واتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة
الثغرات التي تضمنها. 7- نقص عدد العاملين الأكفياء
والمؤهلين التأهيل الكافي وكذلك ضعف في البرامج التدريبية.
8- غياب واضح للكتب العلمية والدوريات والنشرات في التخصصات
المختلفة لتزويد العاملين بالخبرات والمعلومات والأساليب الحديثة
المتصلة بطبيعة أعمالهم. 9- ضعف واضح في استخدام التقنيات
الحديثة وبشكل خاص استخدام الحاسب في كثير من الجهات الخاضعة
للرقابة ما يترتب عليه ضغط في العمل. 10- عدم وجود معايير
مهنية للعمل ما يسبب غيابا لمعايير الأداء وانعدام الحماسة للعمل
لدى العاملين إذ يجدون أنفسهم يميلون إلى الاجتهاد والتصرف
الفردي. 11- عدم الاهتمام بمدى ضرورة اتفاق المؤهل والتخصص
مع طبيعة العمل فكثيرا ما نرى عاملين في أقسام تلك الجهات ممن
يحملون مؤهلات لا تتفق مع طبيعة عملهم وهذا من شأنه أن يشكل عدم
فهم للعمل. كما أن تناول بعض المشكلات والصعوبات الخاصة في
إدارات الرقابة الداخلية في الجهات الخاضعة لرقابة أجهزة الرقابة
الحكومية يؤثر على العمل الرقابي وعلى دور أجهزة الرقابة ويمكن
اختصارها بالنقاط التالية: 1- لا يتمتع المراقبون الداخليون
بالتأهيل العلمي والعملي المناسب حيث إن حيازة المراقب الداخلي
للمؤهل العلمي الجامعي لا يمكن اعتبارها بمثابة التأهيل المناسب
لعمله بل لابد من اجتياز اختبار مسلكي وألا يكون هذا الاختبار
إجراء شكليا . 2- إن عدد المراقبين الداخليين غير كاف لتحقيق
أغراض الرقابة الداخلية. 3- لا يستفيد مفتشو الجهاز المركزي
والهيئة المركزية من الرقابة الداخلية الحالية. 4- إن عمل
المراقبين الداخليين غير منظم على النحو المطلوب ونظام التقارير
غير كاف لمعالجة مشاهداتهم ومقترحاتهم. 5- إن المراقبين
الداخليين لا ينفذون رقابة الكفاية والأداء والكفاية الإنتاجية.
6- عدم وجود معايير لتقييم عمل المراقبين الداخليين وهذا
يؤدي إلى عدم التمييز ما بين المراقبين الداخليين وبين إنصاف
المجدين منهم وإعادة النظر بغير المنتجين. 7- إن المراقبين
الداخليين لا يقومون بعملهم وفق دليل أخلاقي ولا تحكم عملهم
مستويات أداء مهني معترف بها بشكل عام حيث إن وجود قواعد لآداب
المهنة ومعايير لأدائها يحدد مسؤولية الممتهنين تجاه من يتعاملون
معهم. 8- إن المراقبين الداخليين غير مسؤولين تأديبيا تجاه
نقابة أو منظمة مهنية. 9- لا يشمل عمل المراقبين الداخليين
كافة أقسام وإدارات المؤسسة وذلك بسبب عدم منحه الصلاحيات
اللازمة. بشكل عام, وعلى ضوء الدراسة الميدانية, أجد أن
مفهوم الرقابة الحكومية في سورية من حيث التنفيذ يختلف عن مفهوم
الرقابة المتعارف عليها في أدبيات مهنة المحاسبة والمراجعة, كما
أن أسلوب تطبيق الرقابة مختلف في بعض جوانبه عن الأحكام التي
تضمنها قانون الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ونظامها الداخلي
وقانون الجهاز المركزي للرقابة المالية ونظامه الداخلي.
وبغية تحسين هذه الرقابة - الرقابة الحكومية - أرى أنه لابد
من تعديل الأحكام القانونية الناظمة لشؤونها, وتغيير أسلوب ونطاق
وإجراءات عملها ويتطلب ذلك تضافر الجهود ومشاركة الكثير من
الجهات المختلفة في الدولة يمكن إجمالها في الآتي: الشروط
المطلوبة لتحسين العمل الرقابي: 1- رغبة النظام, أو السلطة
العليا في الدولة بوجود جهاز رقابي حكومي يقوم بتنفيذ رقابة
فعالة على الجهات المشمولة بهذه الرقابة وعلى المال العام
وإداراته واستثماره بصفة خاصة. 2- نتيجة هذه الرغبة, يمكن
توفير النصوص الدستورية والقانونية التي تكفل تنفيذ مثل هذه
الرقابة. 3- توفير الإمكانات والمستلزمات اللازمة لممارسة
الرقابة الحكومية وفقا لمعايير الأداء المهني. 4- تحسين
الأداء العام لجميع إدارات الدولة ووحدات القطاع العام وذلك
بدراسة مشكلاتها الخاصة والعامة ووضع الحلول المناسبة لمعالجتها
جذريا لأن مثل هذا التحسين سوف ينعكس إيجابا على حسن أداء العمل
الرقابي.
المحور الثالث: النتائج والتوصيات أولا :
النتائج: 1- إن مفهوم الرقابة الحكومية في سورية يختلف عن
مفهوم الرقابة المتعارف عليه في أدبيات مهنة المحاسبة والمراجعة.
2- إن أسلوب تطبيق الرقابة مختلف في بعض جوانبه عن الأحكام
التي تضمنها قانون الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ونظامها
الداخلي وقانون الجهاز المركزي للرقابة المالية ونظامه الداخلي.
3- وجود ازدواجية في عمل ومهام وأهداف أجهزة الرقابة
الحكومية, ما ينعكس أثره في حدوث اضطراب في العلاقات بينهما,
وتضارب في تقييم نتائجها وخاصة ان هاتين الجهتين مرتبطتان بجهة
واحدة وهي السلطة التنفيذية. 4- إن الدور الأساسي المسند إلى
القطاع العام بمؤسساته الاقتصادية العامة في بناء سورية اقتصاديا
واجتماعيا , يتطلب دعم مسيرته, وتوجيه كل الطاقات والإمكانات
لجعله يتمكن من تحقيق أهدافه, الأمر الذي يوجب ضرورة المتابعة
الجيدة والمراقبة الفعالة لكافة أنشطة المؤسسات الاقتصادية
للحيلولة دون وقوع أي انحراف يهدد إمكانية الوصول إلى تحقيق
الأهداف المنشودة التي تتجسد من خلال كفاءة العمل وفعاليته, وذلك
لن يكون إلا من خلال وجود جهاز رقابي حكومي فعال. 5- لن
تتمكن الرقابة الممارسة على هذه المؤسسات ضمن أسلوب عملها الحالي
من ضمان الأداء بكفاءة وفعالية, فهي في أحسن حالاتها تقوم برصد
الأخطاء لإدانة مرتكبيها ومساءلتهم ولذلك فإن عليها النهوض
بدورها إلى عملية تتمكن من اكتشاف الانحرافات قبل وقوعها لمنع
أضرارها وتحقيق الكفاءة المنشودة للعمل بكامله. 6- ترتكز
الأهداف المتطورة للعمل الرقابي على مداخل النصح والإرشاد بقصد
تحسين العمل وتسريع وتائره لتحقيق الأغراض المرغوبة ضمن الخطط
الموضوعية وليس وضع المعوقات أمام سير تنفيذ العمل من خلال إيراد
طلبات ومقترحات وتوصيات يصعب تنفيذها بحيث تكون عبئا على إدارات
الجهات المشمولة بالرقابة بدلا من أن تكون دفعا لها إلى الأمام.
7- لا تمارس الرقابة حاليا بحياد وبعيدا عن أي مجاملات أو
أهواء شخصية أو اعتبارات اجتماعية أو مؤثرات عاطفية بل تعتمد في
معظم تفاصيل عملها على هذه الأمور. 8- تقوم بالرقابة جهات
متعددة لها حق الوصاية المباشرة وغير المباشرة على عمل هذه
المؤسسات الأمر الذي انعكس على أسلوب ممارسة الصلاحيات وتأدية
المسؤوليات واتساع الفوضى والإرباك والتعقيد والبطء في العمل.
واستخلص مما تقدم أن عملية الرقابة لن يكتب لها النجاح في ظل
هذا النظام لأنه لا يصلح في اعتقادي لتحقيق الرقابة الفعالة
المطلوبة في هذا العصر لاحتفاظه بخصائصه البيروقراطية وافتقاره
إلى المبادرة والمخاطرة والمرونة وسرعة التصرف. ثانيا :
التوصيات: لقد بينت نتائج الدراسة بقسميها النظري والعملي
أنه على اعتبار أن القوانين والتشريعات والقرارات الناظمة لعملية
الرقابة, قد لحظت أهمية الرقابة فإنها يمكن أن تعد نقطة انطلاق
إيجابية في البدء بأداء هذه العملية ومن المفاهيم المعاصرة
لماهيتها وهدفها, وذلك إذا ما تم رفدها بكادر بشري كفؤ ومتخصص
وبإدارات وأجهزة فعالة ومستقلة تسعى فعلا لتطبيق جوهر هذه
القوانين والأنظمة وتحديث موادها التي لا تتفق مع الأهداف
المرجوة, وإزالة الأسباب المؤدية لأية صعوبات تعوق النهوض بعملية
الرقابة الحكومية. وقد تسهم التوصيات التالية في الوصول إلى
فعالية وجدوى عملية الرقابة الحكومية على هذه المؤسسات وأن تساهم
في علاج الكثير من المشكلات التي تفوق كفاءة وفعالية وظيفة
الرقابة الحكومية وهي: 1- دمج أجهزة الرقابة (الجهاز المركزي
والهيئة المركزية) في هيئة واحدة يطلق عليها (الهيئة العليا
للرقابة الإدارية والمالية) أو (الهيئة العامة للرقابة الإدارية
والمالية) وربطها بالسلطة التشريعية (مجلس الشعب) أو برئاسة
الجمهورية حصرا وعلى غرار أنظمة الدول المتقدمة أو ما كان عليه
الحال في سورية عند إحداث أول هيئة رقابية (ديوان المحاسبات) عام
1938 والمرتبط بمجلس النواب. 2- تشكيل لجنة في مجلس الشعب
تعمل على رقابة تصرفات وأعمال الهيئة العليا للرقابة الإدارية
والمالية ودراسة تقاريرها وذلك بصورة مفاجئة وبشكل مستمر. 3-
إصدار قانون يتضمن كل المؤيدات التي تدعم قيام الهيئة العليا
للرقابة الإدارية والمالية بالمهام المنوطة بها بكفاءة وفعالية
وتسهل ممارستها لاختصاصاتها. 4- التطوير المستمر في أنظمة
الرقابة الداخلية وذلك من خلال: - التحديث المستمر في
القوانين والقرارات الناظمة لهذه الأنظمة لخلق نظام رقابي داخلي
قوي وسليم. - وضع المعايير المهنية اللازمة وتحديثها بما
يتماشى مع معايير المهنية العالمية والدولية. - التحديث في
الوسائل والأساليب المستخدمة في تنفيذ مهامها. - وضع قواعد
وأسس سلوكية أخلاقية لمهنة الرقابة. 5- إصدار معايير للأداء
المهني للمفتش. 6- إصدار دليل عمل يتضمن الإجراءات التفصيلية
لكل عملية رقابية. 7- الأخذ بالتوصيات الواردة في التقارير
الرقابية المعتمدة, تحت طائلة المسؤولية في حال عدم الأخذ بما
جاء فيها. 8- استخدام بنك للمعلومات على مستوى المؤسسات
والشركات المختلفة لتزويد المفتشين بكافة البيانات والمعلومات.
9- تحسين الدخل والمستوى المعيشي للمفتشين. 10- تشجيع
المفتشين على الانتساب إلى التنظيمات المهنية لمراجعة الحسابات
المحلية أو العربية أو الأجنبية لأن الحصول على عضوية هذه
المنظمات يؤكد توفر الكفاءة المهنية المناسبة لهؤلاء المفتشين
ويفرض عليهم متابعة متطلبات الزمالة من تدريب وتعلم مستمرين
ويعزز الدور المهني لهم في تنفيذ عمليات رقابية وفق معايير
الأداء المهني المتطورة بشكل متلازم مع تطور نشاطات هذه المنظمات
وبصورة تعكس بشكل إيجابي جودة أداء العمل الرقابي. 11- ضرورة
متابعة المفتش للمستجدات العالمية والدولية في مجال هذه المهنة
وذلك عن طريق الإيفاد لحضور المؤتمرات العالمية والدورات
والبرامج المتخصصة, أو دعوة الخبراء والمتخصصين لعقد هذه
المؤتمرات والندوات داخل القطر والسعي لأن يكون لحضور مثل هذه
الندوات تقييم خاص لدى الترفيع أو الترقية لمنصب ما. 12-
إيلاء مسألة تعميم علوم مبادئ الرقابة والمراجعة في كلية
الاقتصاد بشكل يسمح للخريجين ممارسة عملهم كمفتشين وتضمين مناهج
كلية الاقتصاد بمواد الرقابة والمراجعة على اختلاف أنواعها
ولكافة الاختصاصات المتوافرة في الكلية وتتضمن هذه المادة شرحا
مفصلا لمفهوم الرقابة وأغراضها وأقسامها بحسب أدبيات المهنة
المعاصرة وكذلك بيان لأدواتها الرئيسية التي تأتي في مقدمتها
المراجعة الداخلية كي يكون هؤلاء الخريجون قادرين على تنفيذ
عمليات المراجعة في أعمالهم المستقبلية. 13- إنشاء معهد عال
للمفتشين مدة الدراسة فيه سنتان ويتم تعيين المفتشين استنادا إلى
درجات نجاحهم في هذا المعهد. 14- إيجاد صيغة قانونية لإلزام
الأجهزة والدوائر المعنية بالتعاون مع الباحثين والمختصين وعدم
الإحجام عن تقديم التسهيلات اللازمة لهم بإنكار وجود المعلومات
في بعض الأحيان أو الادعاء بسريتها وتطبيق شعار ربط الجامعة
بالمجتمع من خلال قيام المؤسسات والشركات وأجهزة الرقابة
باستشارة المختصين الأكاديميين في مختلف البرامج التي يعدونها أو
المشكلات التي تواجههم والاستعانة بمقترحاتهم وتوصياتهم في تنفيذ
وأداء الأعمال. 15- توفير الأعداد الكافية من الكوادر
المؤهلة والمدربة لإنجاز الأعمال في أوقاتها المحدودة ولاسيما أن
معظم أعمال الرقابة على المال العام لا تحتمل التسويف أو
التأجيل. 16- إحداث إدارة للعلاقات العامة والعمل على تفعيل
دورها في نشر الوعي بأهمية العمل الرقابي ودوره في المحافظة على
المال العام من خلال مختلف وسائل الاتصال لتبادل الآراء والخبرات
وتعزيز الشعور بوحدة الهدف وتجانس المهمات بين هيئة الرقابة
العليا والجهات والإدارات الخاضعة لرقابتها حيث إن الرقابة ليست
مصيدة للأخطاء إنما الهدف منها تقويم الأداء وتقييم المسار.
17- الاهتمام بتوجيه ذوي المؤهلات التخصصية إلى الأعمال ذات
الصلة بطبيعة اختصاصهم والاستفادة من إيجابيات التخصص. 18-
إعطاء صفة المرونة لإجراء بعض التعديلات على الأنظمة الداخلية
بما يتناسب مع كل مرحلة وألا تبقى الأمور على حالها لمدة تزيد
على عشرين عاما ليتم التعديل. 19- وضع معايير معتمدة لإعداد
التقرير على اعتبار أن تقرير الرقابة هو الناتج النهائي للعمل
الرقابي لذلك يجب أن يتوافر في التقرير الدقة والوضوح والبساطة
والموضوعية والإيجاز وأن تعرض النتائج والاستنتاجات بطريقة مقنعة
وأن تركز التوصيات بصفة أساسية على رفع كفاءة الأداء وزيادة
الفاعلية وأن تبلغ هذه التقارير إلى الجهات المعنية في المواعيد
المحددة ومن ثم متابعة الإجراءات التي تم اتخاذها في شأن تنفيذ
الملاحظات والتوصيات الواردة فيها. 20- تعميم استخدام
الأساليب الحديثة لإجراءات الرقابة كاختبار العينات وغيرها من
الأساليب الإحصائية ذات الفاعلية في مجال الرقابة (المراجعة
الاختبارية) إضافة إلى استخدام أساليب التحليل المالي (المراجعة
التحليلية) وبحوث العمليات وتحليل التكلفة الاجتماعية والعائد
الاجتماعي وتحليل المنافع والتكاليف. 21- العمل على التقليل
من المركزية الشديدة وإعطاء بعض الصلاحيات للفروع. ولعلنا في
النهاية نكون قد توصلنا إلى المساهمة مع جهود المهتمين بتطوير
عمل أجهزة الرقابة الحكومية في سورية من خلال تحديد أهم العوامل
الأساسية المساعدة في تحقيق فاعلية للرقابة الحكومية التي تضمن
أداء العمل بأعلى كفاءة وفعالية ممكنتين.
الخاتمة
وأخيرا فإن الباحث يجد أن الرقابة ليست ظاهرة تمارس
صلاحياتها عن طريق التعسف في استخدام السلطة وتبني الوسائل
القسرية لضمان أداء الأعمال وفق الطرق التي تحددها, بل الرقابة
نمط من أنماط السلوك البشري المعايش للإنسان في أي حقبة من تاريخ
وجوده على سطح الأرض, تطور دورها وتغيرت النظرة إلى مفهومها على
مر العصور إلا أن هدفها كان دائما تحقيق وتلبية الحاجات وإن
اختلفت النظرة إلى كيفية قيام الرقابة بتلبية هذه الحاجات.
وإن من الأمور التي يجب أن تسود تفكيرنا ونحن بصدد تطوير
الرقابة الأخذ بعين الاعتبار بعض الجوانب المتعلقة بالأثر النفسي
لعملية الرقابة ذاتها بالنسبة لكل من المفتش والجهات الخاضعة
للرقابة على السواء, وأول هذه الأمور أن يعلم المفتش أن الهدف من
مهمته ليس انتهاز الأخطاء وتصيدها لأن الخطأ ليس عيبا بحد ذاته,
بل هو شيء ملازم للعمل إذ إن كل إنسان معرض للخطأ وجل من لا
يخطئ, وإنما الهدف من رقابته هو مساعدة المنفذ على تصحيح أخطائه
في الوقت المناسب وإرشاده إلى وسائل تلافيها ومعاونته على بلوغ
الأهداف المحددة له. الأمر الثاني الذي يجب العمل على تحقيقه هو
أن تتفهم الجهات المنفذة وتؤمن بأن الهدف الأساسي من الرقابة هو
مساعدتها وليس محاسبتها على أخطائها لنضمن تعاون الجهات مع
الجهاز الرقابي. والأسلوب الأمثل للمحافظة على إيجابيات عمل
هذه المؤسسات والتخلص من مساوئ جهازها البيروقراطي هو ممارسة
الرقابة الفعالة المنضبطة والمتجاوبة مع الأفراد العاملين
والمتعاملين معها, والتي تهيئ وسائل الرقابة الذاتية, المدعمة
برقابة السلطة, والمنتهية برقابة الجمهور, ولعل قول الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم
ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما
كنتم تعملون) صدق الله العظيم سورة التوبة آية رقم .105 هو
خير مثال على ما ذكرناه حيث تتبين لنا إشارة الآية الكريمة إلى
أنواع الرقابة المتعددة التي أكد عليها الفكر المعاصر وهي
الرقابة الذاتية المتمثلة برقابة الله عز وجل, رقابة السلطة التي
تمارسها الدولة في كل زمان ومكان المتمثلة برقابة الرسول صلى
الله عليه وسلم, الرقابة الشعبية سواء اتخذت شكل مجالس منتخبة أم
أفراد عاديين متطوعين المتمثلة برقابة المؤمنين. وإنه يقع
على عاتق أجهزة الرقابة الحكومية في سورية بث مفهوم الرقابة
الذاتية, الذي يعد أسمى أنواع الرقابة لأنها تصدر طوعا من ذات
الإنسان المنفذ وتستند إلى أسس ومبادئ أخلاقية متينة, وذلك من
خلال كافة الوسائل الممكنة الإعلامية
والدراسية. |