د.
شفيق المصري
يبدو، من مراجعة المواقف التي أعلنها مندوبو الدول
الأعضاء في مجلس الأمن لدى مناقشتهم مشروع القرار 1559 الذي صدر
في 2/9/،2004 ان ثمة تناقضات كثيرة بين الدول حول موضوع التدخل
في لبنان. فبعض هذه الدول كان يعترض على التدخل السوري في الشؤون
اللبنانية بما يعارض القانون الدولي ويطالب، تالياً برفعه من
أجلتحقيق السيادة اللبنانية. وبعضهم الآخر يعترض على القرار ذاته
ويعتبر الأمر مسألة داخلية لبنانية لا يحق لمجلس الأمن الدولي ان
يتدخل بها وفقاً لميثاق الأمم المتحدة ذاته. إلا ان هذا التعارض
في الآراء لم يمنع المجلس من الاتفاق على اصدار القرار 1559 وإن
بأكثرية غير مريحة.
الواقع ان هذا القرار، شأنه شأن القرارات الأخرى العديدة
استطاع ان يعدل في بعض العبارات لكي تصبح اكثر شمولية وأقل
نفوراً مما كان المشروع المقدم أصلاً قد تضمن. وهذه العبارات
يمكن تفسيرها على أكثر من وجه بحيث ترضي المندفع الى القرار
والمعترض عليه في آن. وقد عمد الدبلوماسيون المعتمدون لدى الأمم
المتحدة الى تسمية هذا الغموض المصطنع ب “الغموض البناء”.
فالحديث مثلاً عن “الوحدة الاقليمية والاستقلال السياسي” للبنان
ليس جديداً وإنما كان ولا يزال يتردد في عشرات القرارات السابقة
حول لبنان منذ القرار 425 لعام 1978. والحديث عن انسحاب “القوات
المسلحة الأجنبية منه” ليس جديداً أيضاً. وبالتالي فإن القرار
يمكن فهمه من خلال الظروف التي رافقته او التي ستعقبه أي الاستحقاق الرئاسي
اللبناني وليس من
خلال عباراته التي وردت في متنه. ومن هنا اقتضى الأمر ضرورة
اجراء قراءتين لهذا القرار: قانونية وسياسية في آن
معاً.
* أولاً: في القراءة
القانونية:
1- يستند القرار 1559 الى الفصل السادس من ميثاق الأمم
المتحدة. والمعروف ان كل قرارات مجلس الأمن ملزمة مبدئياً لأن
المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة تطالب الدول بدعمها. ولكن هذه
القرارات لا تنفذ إلا بموافقة الدول المعنية بها. فإذا رفضت هذه
الدول تطبيق قرارات الفصل السادس يمكن لمجلس الأمن، هنا، ان
يذكِّر الدول بمضمونها تكراراً ولكن على المستوى ذاته كما فعل في
التذكير المتواصل بالقرار 425 مثلاً. كما يمكن لهذا المجلس ان
يصعِّد المستوى الى الفصل السابع الملزم بحد ذاته وبصرف النظر عن
قبول الدول المعنية، كما صعد قراره 731 الذي كان اتخذه بحق ليبيا
في مسألة لوكربي، الى القرار 748 الذي رتب عقوبات غير عسكرية
عليها بموجب الفصل السابع. والجدير ذكره، هنا، ان الموضوع عائد
لمجلس الأمن ذاته في اتخاذ الاجراء والتوصيف القانوني الذي يمليه
من دون أية قيود ولا حتى معايير
موضوعية.
وبذلك فإن القرار 1559 قابل لأحد هذين الاحتمالين في ضوء
بعض المعطيات الأخرى ومنها تقرير الأمين العام المنتظر في
2/10/2004.
أما السؤال عن مدى صلاحية مجلس الأمن الدولي في هذا
السياق فلا يصح من الناحية القانونية لأن المجلس يملك صلاحيات
مفتوحة تحت هذا العنوان
وان كان مضللاً أحياناً وهو الحفاظ على السلم
والأمن الدوليين. وإذا كان القرار 1559 صدر من دون شكوى محددة من
أية دولة معنية مباشرة بالموضوع فإن نية تصعيده الى الفصل السابع
قد تترافق مع شكوى “اسرائيلية” مثلاً بحيث تمكِّن مجلس الأمن
الادعاء بأن السلم العالمي مهدد لهذه الجهة او تلك، ولا سيما اذا
افترض تقرير الأمين العام المرتقب أي احتمال لذلك. وعلى هذا
الأساس كانت ردود الفعل العفوية الأولى، اللبنانية والسورية
معاً، حيال هذا القرار ردوداً غير مدروسة. إلا ان هذه الردود
اتسمت، بعد ذلك، بجدية اكبر في التعاطي مع هذا القرار. وينتظر
الآن ان يصار الى قراءة متأنية له تمكِّن من ممارسة دبلوماسية
ناشطة سواء باتجاه الأمين العام ذاته او باتجاه مجلس الأمن
مباشرة.
2- يتضمن القرار 1559 أربعة مطالب عامة تندرج في اطار
احترام سيادة لبنان ووحدته الاقليمية واستقلاله السياسي تحت
السلطة الشاملة والوحيدة للحكومة اللبنانية ضمن حدوده المعترف
بها دولياً:
أ/ انسحاب كل ما تبقى من القوات الأجنبية من
لبنان.
ب/ تفكيك ونزع سلاح كل الميليشيات اللبنانية وغير
اللبنانية.
ج/ دعم توسيع سلطة حكومة لبنان على كامل الاقليم
اللبناني.
د/ دعم عملية انتخابية حرة وعادلة في لبنان وفقاً لقواعد
دستورية متخذة من دون تدخل ولا نفوذ
اجنبي.
والواضح هنا ان البند الرابع هو الذي دفع المجلس الى
التحرك بمناسبة تعديل الدستور اللبناني لتمديد ولاية رئيس
الجمهورية ثلاث سنوات جديدة. وإذا كانت البنود الثلاثة الأولى
غير مرتبطة أصلاً بموعد زمني محدد فإن البند الرابع قد أصبح الآن
وراء القرار 1559 من الناحية العملية. ولعل الجهود الاقليمية
والدولية تركِّز اليوم على تطبيق البنود الثلاثة
الأولى.
تجدر الإشارة هنا الى ان البند الأخير كان صعب التحقيق من
الأساس: فهل ثمة مجال للقول ان أكثرية المجلس النيابي اللبناني
التي عدلت الدستور كانت واقعة تحت الضغط والتدخل والنفوذ. وإذا
جرى التصويت وفقاً للقواعد الدستورية فهل يمكن التأكيد ان هذا
أدلى بصوته نتيجة اغراء معين او ان ذلك أدلى به نتيجة تهديد
مبطن؟ ومن يحقق بهذا الأمر؟ وهل ان هذا الاقتراح بعيد عن المجالس
الأخرى بدءاً من الديمقراطيات الغربية؟ وهل ثمة شك أساسي بكل
الذين انتخبوا للمجلس النيابي اللبناني؟ وهل يقتصر التدخل او
النفوذ على دولة او سفارة دون
سواها؟
الواقع
ان ثمة تساؤلات كثيرة تجعل مسألة التحقق من هذا الموضوع صعبة
التأكيد في الناحية القانونية مع انها واضحة المعالم من الناحية
السياسية. ولهذا السبب كان المندوب الباكستاني لدى مجلس الأمن
مصيباً عندما قال ان هذا البند صعب التحقيق UNIMPLEMENTABLE.
أما البنود الثلاثة الأولى فيمكن ابداء بعض الملاحظات
حولها:
فالبند
المتعلق بانسحاب ما تبقى من القوات الأجنبية ينطبق على القوات
السورية بالتأكيد ولكنه ينطبق على القوات “الاسرائيلية” التي لا
تزال محتلة مزارع شبعا والتلال الثلاث الأخرى في
محيطها.
والواقع أن القرار 1559 استند في حيثياته الى القرارين
425 و426 المتعلقين بانسحاب “ اسرائيل” من الأراضي اللبنانية حتى
الحدود المعترف بها دوليا. وهذه الحدود معترف بها “اسرائيلياً”
ايضا بدليل توقيعها على اتفاق الهدنة عام 1949. والمادة الخامسة
من هذا الاتفاق تؤكد على الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين ومن
ضمنها - طبعاً
مزارع شبعا، ثم ان الأمين العام للأمم المتحدة اعلن ان
“الخط الأزرق” يمثل خط الانسحاب من دون ان يشكل ولا ان يعدل
الحدود المعترف بها دوليا.
لذلك يمكن، الآن، للدبلوماسية اللبنانية ان تعمل بهذا
الاتجاه مستندة الى البند ذاته من القرار 1559 للمطالبة
بالانسحاب “الاسرائيلي” من مزارع
شبعا.
أما فيما يتعلق بانسحاب الجيش السوري من لبنان، ومع أن
هذا الموضوع محكوم أساسا باتفاق ثنائي بين الحكومتين اللبنانية
والسورية فإن التعامل اللبناني المدروس مع القرار 1559 يقتضي
التبصر بخطورة هذا البند الذي يمكن بتحريض امريكي - “اسرائيلي”
ان يدفع مجلس الأمن الى قرارات اخرى زاجرة. ولذلك من المناسب
الآن ان يصار الى ابلاغ الأمين العام للأمم
المتحدة.
- ان العلاقات اللبنانية - السورية تندرج في ثلاثة أطر:
تعاقدية وسياسية وأمنية - عسكرية. أما التعاقدية هي موجودة بشكل
سليم ومتنام ووفقاً للقواعد الدستورية في الدولتين وفي إطار ما
يقرره القانون الدولي. وهي تشمل مساحة واسعة من النشاطات
والقطاعات.
وبالتالي لا يحق لأي طرف ثالث ان يتدخل بها سلباً ولا
إيجابا.
وأما السياسية فإنها تعكس ارادة قسم كبير من الشعب
اللبناني الذي اخذ قراره الحر بذلك الاختيار. وهو يعبر عن هذه
الإرادة في مراحل متعددة من الانتخابات البلدية والنيابية
وغيرها.
وأما الأمنية - العسكرية فإن الحكومتين المعنيتين عاكفتان
على اعداد جدول زمني بإعادة الانتشار حتى الانسحاب النهائي. وانه
من المستحسن ان يعلن هذا الجدول فور الاتفاق عليه. هذا مع
التأكيد على الاتفاقات الثنائية المبرمة دستوريا في هذا الاطار
الأمني المشترك.
أما فيما يتعلق بالبندين الآخرين (نزع سلاح الميليشيات
اللبنانية وغير اللبنانية وبسط نفوذ الحكومة اللبنانية على كامل
اقليمها، فهذا امر يحتمل اكثر من وجه، ولكنه محكوم باعتبارات
اقليمية اخرى. ذلك لأن المقاومة ضد الاحتلال مشروعة في القانون
الدولي الذي يحظر إرهاب الافراد وإرهاب الدولة في آن معاً.
وبالتالي فإن تشبث الحكومة اللبنانية بحق الدفاع المشروع عن
النفس يمثل التزاما بالقانون الدولي وليس تناقضا معه. وقد سبق
للولايات المتحدة ول “اسرائيل” معاً ان اعترفتا بهذا الحق
المشروع في الدفاع عن النفس وذلك في إطار “تفاهم نيسان” منذ عام
1996.
واليوم يمكن ل “الميليشيا” اللبنانية ان تنزع سلاحها اذا
طبق البند الاول اي انسحاب القوات الأجنبية من كامل الجنوب
اللبناني وبانتظار ذلك يمكن للجيش والقوات النظامية اللبنانية
الاخرى أن تنسق مع هذه المقاومة وان توجه تحركها وتتعاون معها
لهذا الغرض.
أما مسألة نزع سلاح الميليشيات الاخرى غير اللبنانية فهذا
موضوع اقليمي يتعلق بمسألة اللاجئين الفلسطينيين عموما. والحكومة
اللبنانية يجب ان تعتبر هذا الطلب لمصلحتها اذا تم التعجيل بحل
هذه المسألة وبتمكين الحكومة من استعادة نفوذها الكامل في هذا
الإطار.
* ثانيا: في القراءة
السياسية
ليس جديدا القول ان هذا القرار 1559 يشكل حلقة جديدة
وإضافية في سلسلة الضغوط الامريكية على سوريا، وذلك بدءا من
قانون محاسبة سوريا ووصولا الى بيان الكونجرس الامريكي عن انتهاك
سوريا حقوق الانسان.
وليس جديدا القول ان للولايات المتحدة مطالب ملحة كثيرة
تنتظر من سوريا الاستجابة لها، اولها وأخطرها مسألة الأمن في
العراق، ولذلك جاءت البعثات الامريكية الى سوريا - وكذلك
الوسطاء- من أجل المساعدة في إرساء الحدود الدنيا في الأمن في
العراق.
وليس جديدا القول، إذن، ان القرار 1559 مرتبط بشكل مصيري
بجميع المسائل الاقليمية الاخرى، بما في ذلك مسألة المفاوضات
السورية - “الاسرائيلية” ذاتها.
ويمكن تلخيص أهم فواصل هذه القراءة السياسية للقرار 1559
بالملاحظات التالية:
1- ان الاتجاه الامريكي الضاغط الآن وبقدر ما يضيف عليه
الاستحقاق الانتخابي الرئاسي لا يستطيع ان يقوم بأية مغامرة
عسكرية غير مضمونة النتائج. ولذلك يسعى حاليا الى تكثيف
المفاوضات، مباشرة او عبر وسطاء، مع كل من سوريا وإيران لأغراض
اقليمية معروفة تأتي المسألة العراقية في مقدمتها. ولكن باب
العقوبات الأخرى غير العسكرية يبقى
مفتوحاً.
2- ان الاتجاه “الاسرائيلي” الراهن يحاول ان يستفيد من
ثلاث فرص متاحة له حاليا: فرصة الانتخابات الامريكية الرئاسية
واستغلال القدر الأكبر من مناسبتها لاستكمال الجدار ولابتزاز
الإدارة الامريكية سياسيا وماليا، وفرصة صدور القرار 1559 الموجه
ضد سوريا وما يرافقه كالبيان الامريكي الأخير (عن الكونجرس) ضدها
ايضا، وفرصة المسألة النووية في ايران، وما يلازمها من تجاذب
اوروبي - امريكي راهن.
ولعل التردد “الاسرائيلي” الرسمي في الاستجابة الى
استئناف المفاوضات “الاسرائيلية” - السورية يمكّن الحكومة
“الاسرائيلية” من رفع سقف مطالبها امام الولايات المتحدة من جهة،
وتمرير قرارها الذي قضى - عملياً وحكومياً - على “خريطة الطريق”
من جهة ثانية، والمزيد من الضغط على سوريا لتخفيف مطالبها عشية
المفاوضات من جهة ثالثة.
3- ان الاتجاه العربي الراهن كان ولا يزال مترددا حيال
الموقف اللبناني والسوري من القرار ،1559 وقد ظهر هذا التردد في
اجتماع مجلس التعاون الخليجي وفي الاجتماع الوزاري العربي في
إطار الجامعة العربية.
ويمكن هنا الاستنتاج ان الموقف العربي العام يدعو
الدولتين الى مزيد من الاهتمام الجدي بالقرار ومن التعامل معه
بشكل مدروس ومتجاوب.
4- ان الاتجاه السوري الراهن (وكذلك اللبناني) بدأ فعلاً
في التعامل الجدي مع القرار 1559 وحاول - وهذه دبلوماسية مطلوبة
- ان يستفيد من بعض بنوده لمعالجة البنود
الأخرى.
المهم في كل هذه الحركة الدبلوماسية المتداخلة ان ينشط
الفريق اللبناني حتى لا تبقى الساحة اللبنانية مسرحاً مأساوياً
للتجاذبات الاقليمية، وان ينشط الفريق الدبلوماسي السوري حتى لا
تخترق “اسرائيل” التحفظ الدولي باتجاه استهداف سوريا
بالذات.
* أستاذ القانون الدولي
المحاضر
في
الجامعتين الأمريكية
واللبنانية