المجتمع المدني في المشروع المجتمعي للتغيير:
المنطلقات.. الحصيلة والآفاق

د. أحمد بوعجيلة - جامعي ـ تونس

"إن من بين القوانين التي تتحكم في المجتمعات البشرية، هناك قانون يبدو أكثر دقة وأكثر وضوحا من القوانين الأخرى: حتى يحافظ البشر على تمدّنهم، وليزدادوا مدنية، لابد لهم من فن إنشاء الجمعيات، ولابد أن ينمو هذا الفن بالموازاة مع فرص المساواة بينهم".

دي توكفيل: "الديمقراطية في أمريكا"

إن التاريخ لا يحدد لنا ما ينبغي علينا فعله، وكل ما يقوم به أنه يقدم لنا إمكانيات متعددة وعلينا نحن أن نبني سياستنا بحسب الغايات والقيم التي نؤمن بها. فما هي القيم التي تم الاستناد إليها في تأسيس الاجتماع السياسي والمدني التونسي لحركة السابع من نوفمبر؟

هل هو مجرد السعي لتلبية متطلبات الغريزة ـ مهما كانت شرعيتها ومشروعيتها؟ أم أنها تستند إلى قيم تتجاوز ذلك نحو الحرية والعدالة والمساواة والتضامن الوطني؟

باختصار ماذا نبني في تونس؟ هل نبني مشروع حداثة استهلاكية؟ أم مشروعا للانخراط الفعّال والمنتج في الحضارة الكونية والمجموعة الدولية؟

هل يكفي الاعتماد على "فن إحداث الجمعيات" كإطار استراتيجي للتوظيف المحكم للقيم والمواهب والقدرات؟ أم أنّ المجتمع المدني، هو في حدّ ذاته جزء من مشروع، أو حامل لمشروع، لا يكتمل إلا عندما يستوفي المجتمع المدني أولا ضروراته وشروطه ومتطلباته، ومن ثم يصبح محرّكا للمشروع المجتمعي الحديث ثانيا؟

ما هي القوى التي راهنت عليها تونس في إنجاز التغيير؟ وما هي المصادر المادية والمعنوية التي استفادت منها في ذلك. هل هي الثقافة المدنية، أم الروح الجماعية، أم قيمة الكرامة الذاتية وحسّ المواطنة أم جميعها؟

لمن يبني التغيير، لأقلية محظوظة، أم لمجموعة وطنية؟ وعن طريق ماذا يبني، عن طريق الخبرات الأجنبية أم الأطر التكنوقراطية والقوى الاجتماعية الواسعة، وبالتالي عن طريق تربية أوسع قاعدة مجتمعية ممكنة منها؟

هل نستطيع ضمن مقاربتنا للمجتمع المدني في المشروع المجتمعي للتغيير أن نوضّح ذلك؟ ولكن ماذا وراء عودة المجتمع المدني للخطاب السياسي وفي السياسات الاقتصادية والاجتماعية؟ هل هو حاجة إنسانية واجتماعية واقتصادية وسياسية؟ أم هو ضرورة لها متطلباتها حتى يصبح جزءًا من منظومة مجتمع حديث ونسق حكم عصري في تونس القرن الحادي والعشرين.

I ـ المجتمع المدني من التغييب إلى التداول المكثف

لقد غاب المجتمع المدني، كمفهوم عن التنظير السياسي عقودا طويلة في القرن العشرين، بعد أن انقسم الفكر السياسي الحديث إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية. لكل منها تشعباته، ولكن ليس في أي منها مكان للمجتمع المدني.

فمع انتصار الليبرالية الديمقراطية في معظم دول العالم الغربي، على الفكر الديمقراطي الجمهوري (*) زالت في الفكر الديمقراطي الحاجة إلى مفهوم المجتمع المدني، باعتبار أن فكرة ومفهوم المجتمع المدني، أنجزت من خلال النظام الليبرالي ذاته، حيث لا مكان لفصل سياسي وقانوني بين المجتمع والدولة، يتجاوز الميدان الاقتصادي، القاضي بعدم تدخل الدولة في الاقتصاد ـ مبدئيا.

ولم يترك الفكر الاشتراكي ـ باستثناء غرامشي ـ متسعا لفكرة المجتمع المدني، بعد أن قصرها في مفاهيمه على المجتمع البرجوازي ونشاطه الاقتصادي، والاستخفاف بفكرة المجتمع المدني المستقل عن الاقتصاد والدولة (1).

وفي عالم الدول النامية، تم تغييب مفهوم المجتمع المدني، انطلاقا من اعتقاد النخب الاستقلالية الحاكمة، أن من حق الدولة وواجبها التدخل في تفاصيل حياة المجتمع الفكرية والاجتماعية والاقتصادية. فالسلطة المركزية، أباحت لنفسها إعادة تشكيل علاقات الملكية في الاقتصاد، كما أباحت لنفسها، أن تقرر نوعية ومضامين الخطابات.

وقد كان لتغييب تداول مفهوم المجتمع المدني حظ كبير في بلادنا، إذ لا يكاد الباحث يعثر على أي أثر لهذا المفهوم في الخطاب السياسي الرسمي في عقد السبعينات والنصف الأول من عقد الثمانينات.

واليوم يجد الباحث في المجتمع المدني في تونس، ما يحفّزه على الكتابة في هذا الموضوع والمفهوم، الذي أصبح من العناصر المركزية في الخطاب السياسي لحركة التغيير، فقد برز مفهوم المجتمع المدني في الخطاب التونسي في السنوات الأخيرة، فانتقل به من وضعية المفهوم الفلسفي والسوسيولوجي، إلى قيمة سياسية واجتماعية وثقافية، بل إلى عنصر من عناصر إيديولوجيا سياسية، وركن من أركان بناء أنموذج مجتمعي حديث وعصري.

لماذا تغيرت النظرة إلى المجتمع المدني والحياة الجمعياتية اليوم (2)؟

ثمة مجموعة من التحولات، دفعت بالخطاب والمشروع السياسي، باتجاه تغيير النظرة إلى الحياة الجمعياتية والمجتمع المدني. نظرة الحكومات والأحزاب كما اهتمامات أهل البحث والعلم.

أولا: تطوّر الحياة الحضرية وتشعب التركيبة المجتمعية

لقد توسّعت قاعدة المجتمعات الحضرية والمدينية، على حساب قاعدة المجتمعات الريفية. وقد أدّى ذلك إلى تنوّع وتعقيد على مستوى الحاجات والمطالب والاهتمامات. وكلنا يعلم، أنه كلما تطوّرت المجتمعات وأصبحت حديثة وصناعية، كان المواطن بحاجة إلى دعم مجموعات حماية استهلاكية، جمعيات خيرية واجتماعية وترفيهية وثقافية وحرفية أي جمعيات مبنية على هوايات مشتركة.

إن تشعب الحياة المجتمعية، يؤدي إلى تنوع الحاجات الاجتماعية، بما يدفع إلى بروز أشكال وبنى تنظيمية حول المصالح والأغراض. وقد ترافق تشعب الحياة الاجتماعية، بانفجار واسع في تطوّر أنماط التنظيم وأشكاله، اتساعا وعمقا. كما ساهم تقدم تقنيات الاتصال وانتشار وسائل الإعلام وارتفاع نسبة المتعلمين وكثافة الاعتماد المتبادل Interdépendance الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في بروز مجتمع الشبكات Société de réseaux شبكات تتسع وتتفرع، وفقا لتنوّع الحاجات والمطالب في المستويات المحلية والجهوية، متخذة لها امتدادات دولية وعالمية، في شكل منظمات واتحادات وتحالفات.

إن المجتمع المدني من هذه الزاوية، هو منبع لمنظمات وجمعيات تجمع الناس في سبيل هدف موحّد وتعطيهم الآليات لإسماع صوتهم ولتحسين مستوى الحياة في مجموعاتهم وبلدانهم وبذلك تستطيع منظمات المجتمع المدني، لعب دور رئيسي في توفير خدمات يعجز السوق عن توفيرها، كرفع مستوى القيم الأخلاقية، والتعبئة القيمية، وتنوير الناس بشأن قضايا البيئة والمحافظة عليها مثلا.

والمجتمع التونسي يعيش اليوم، هذه التحولات، سواء على مستوى التوسّع السّريع لحجم سكان المدن، أو على مستوى ارتفاع نسبة المتعلمين، كما على مستوى تطوّر البنية التحتية الاتصالية والتكنولوجية، واستخدام وسائل الاتصال الحديثة (3).

ثانيا: تبدّل وظائف الدولة وانحسار دورها

يتجه التاريخ تقليص وظائف الدولة القومية، كما عرفتها العديد من المجتمعات، حيث قادت عولمة القيم الليبرالية وسيادة اقتصاد السوق، إلى انحسار في وظائف الدولة وقدراتها المالية والانفاقية، اجتماعيا وخدماتيا. وبالتالي نلاحظ تراجعا في حجم ونطاق تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وقد أدّى هذا الواقع الجديد إلى فتح الباب أمام المجتمع المدني، وخلق فرصا غير مسبوقة لظهوره وليس مصادفة أن يواكب الحديث عن انحسار وظائف الدولة وتبدلها، بروز الحديث عن الحاجة إلى المجتمع المدني، وفي هذا السياق لا بدّ من إبداء بعض الملاحظات:

1 ـ إن الإقرار بانحسار وظائف الدولة، لا يعني البتة ضعفها، بقدر ما يعني تحوّلا في وظائفها وتبدلا في أدوارها. ذلك أنه من الواضح ـ عبر التاريخ ـ أن المجتمع المدني لا ينشأ ويتطوّر من ضعف الدولة. وإذا كان المفهوم يثير مثل هذه المعاني والتداعيات فذلك دليل على عدم دقته.

2 ـ إن المجتمع المدني ليس نتاج هدم أو تراجع الدولة، وإنما هو نتاج تنظيم العلاقة معها، كمجال للسلطة وبين المجتمع المدني المفترض فيه أن يكون أحد أهم روافد عملها.

3 ـ إن تفكك الدولة لا ينتج مجتمعا مدنيا، كما أثبتت التجربة في كافة المجتمعات التي ضعفت أو تفككت فيها السلطة المركزية. فإما أن هذه المجتمعات دخلت في صراعات دامية. وإمّا تفوّت في اشكال التنظيم البدائية، أي الماقبل مواطنية.

4 ـ إن إضعاف الدولة لا يخلق مجتمعا مدنيا حديثا وقويا، وإنما يفرز مجموعات متشرذمة، يمكن السيطرة عليها بسهولة من قبل أصحاب المصلحة في الداخل والخارج.

5 ـ إن الدولة العصرية هي الدولة التي تقوم على جهود الحكومات والجمعيات. ومن ثم فإن شرط إقامة مجتمع مدني فاعل، يجب أن يصاحبه شرط إقامة دولة قوية وقادرة وعادلة، تمارس الديمقراطية وتحترم الحرية.

ثالثا: العزوف عن العمل السياسي المباشر

ثمة إجماع عريض على توسّع ظاهرة اللاتسييس Dépolitisation أي ظاهرة التخلي عن الهم الإيديولوجي في معانيه الكلاسيكية في صياغة مشروع مجتمعي أو بدائل مجتمعية لما هو قائم.

ونلاحظ في الشمال والجنوب، عزوف فئات واسعة من الشباب المتعلم والمثقف عن العمل السياسي المباشر، أي العمل والالتزام الحزبي، واتجاههم إلى الانخراط في إطار ما يرتبط بهواياتهم ومواهبهم ومصالحهم وتنظيم أنفسهم في إطار جمعيات ترتبط باهتماماتهم ومشاغلهم. إن النفور من العمل السياسي هو ألدّ أعداء الديمقراطية وبخاصة عنصر المشاركة في الحياة العامة.

وفي ضوء توسّع القاعدة الحضرية للمجتمع، وما يطرحه ذلك من إشكاليات وتجديدات تتعلق بتنوع مشاغل المجتمعات وتجدد بناها التنظيمية، من جهة أولى، وبالنظر إلى تحول دور الدولة، وانحسار وظائفها، وتبدّل أولوياتها من جهة ثانية، وتوسع ظاهرة العزوف عن العمل السياسي المباشر الحزبي والإيديولوجي من جهة ثالثة، يبرز العنصر الرابع، الذي دفع ـ في اعتقادي ـ باتجاه تغير نظرة المجتمعات إلى المجتمع المدني والجمعيات وهو:

رابعا: قيم الحياة الجمعياتية

إذا كان المجتمع المدني، هو ذلك المجتمع الذي يؤمن الحقوق اللازمة للأفراد والجماعات في إطار تكوين تنظيماتهم وهيئاتهم الاجتماعية والثقافية المدنية، لطرح وجهات نظرهم والدفاع عن حقوقهم تجاه الدولة، وإزاء التشكيلات الاجتماعية والثقافية والمهنية الأخرى، فإن في تأسيسه وفسح المجال أمام منظماته وجمعياته.

1 ـ توسيع لإطار دائرة مشاركة الفرد والمجتمع في تطوير بنية المجتمع وتنظيمها ومأسستها.

2 ـ استيعاب لمطالب الفئات الاجتماعية المختلفة، للمشاركة في حياة المجتمع السياسية والثقافية والمهنية بصورة فعّالة وديمقراطية.

3 ـ فسح المجال أمام الفرد والمجتمع للتحاور بشفافية في إطار الثقة بإمكانيات قوة الحرية كضرورة أخلاقية واجتماعية وسياسية.

4 ـ القدرة على إدارة واستيعاب التناقضات التي يفرزها المجتمع أو العلاقات والمصالح الاجتماعية المتنافرة وحتى المتعارضة سلميا.

5 ـ الارتقاء بمستوى الأداء السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي للفرد والمجتمع.

إلا أن قدرة المجتمع المدني وإمكانياته على تحقيق ذلك، مشروطة بمدى ارتباط هذه الجمعيات بمجتمعها خطابا وفعلا وثقافة، في إطار من الانسجام بين حركة المجتمع وحركة القيم.

II ـ المجتمع المدني باعتباره حاجة مجتمعية

إن كل ما تقدمه لنا الأسباب والعوامل التي أدّت إلى تغير النظرة إلى الحياة الجمعياتية، يكمن في الإقرار بوجود تحوّل على المستويين الوطني والدولي لبنية المجتمعات ومشاغلها. وينعكس ذلك من خلال اهتراء مجموعة من البنى والتنظيمات الاجتماعية والسياسية التي عمرت طويلا، والتي تم الاحتكام إليها باعتبارها مرجعيات أساسية في الانتظام والتنظيم الاجتماعي والسياسي كالدول والأحزاب السياسية. إننا باختصار إزاء بنى اجتماعية وسياسية وحزبية، استنفدت فاعليتها التاريخية وقدراتها على مواجهة التحديات والمطالب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المستجدة والراهنة.

فهل يعد المجتمع المدني، البنية البديلة أو الأكثر حيوية، لمواكبة التحولات المجتمعية وتجاوز التحديات القائمة إلى جانب بقية البنى والقوى التقليدية ـ أي السائدة والمهيمنة ـ ومنها المجتمع السياسي ومجتمع السوق؟ إن خلف الاستناد للمجتمع المدني جملة من الاعتبارات والعوامل:

1 ـ سياق دولي جديد : يعكسه الدور المتعاظم لتأثير المنظمات والمؤسسات الدولية السياسية والاقتصادية والتجارية والمالية، في اتجاه بناء أنموذج جديد للحكم، يقوم على شراكة ثلاثية بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. وفي هذا السياق نسجّل الحضور المكثف للمجتمع المدني في الأدبيات السياسية والاقتصادية والمعايير القانونية، على مستوى دوائر الأبحاث والقرار الدولي، باعتباره ركنا أساسيا من أركان الحكم الرشيد Good Governance .

2 ـ قناعة أطراف دولية واسعة ومؤثرة : بأن المجتمع المدني، هو شريك أساسي في كل برامج الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لما يتمتع به من شرعية وفاعلية وشفافية. وتكفي الإشارة الى أن جزءا مهمّا من المساعدات الدولية في مجال التنمية تمر عبر قنوات المجتمع المدني.

3 ـ قناعة الحكومات بقدرة المجتمع المدني : على مساعدتها في أداء وظائفها، بأقل كلفة وأكثر نجاعة في الوصول إلى أصحاب الاحتياجات، واستقطاب الكفاءات وتأطير المجتمع وتوجيهه نحو ما يهمّ وجوده، أي قضاياه اليومية والمعيشية.

ققق - أنموذج مشروع التغيير في تونس

لم يعن التغيير في تونس استبدال حكم بحكم، أو نظام بنظام، ولا قلب الأوضاع وتحويلها وفق منطق إيديولوجي مغلق، بل سعى إلى خلق الشروط التي تسمح بإدخال المجتمع في دورة الحضارة المادية والفكرية الراهنة. وقام على إخراج الفرد والمجتمع من الهامشية إلى المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في منجزات عصره إنتاجا وإبداعا واستهلاكا.

وانسجاما مع مشروع التغيير تم الالتجاء إلى المجتمع المدني باعتباره حاملا لإنجاز هذا المشروع، بفضل القيم الإيجابية التي يمثلها: التطور والتضامن وروح المبادرة، تيسير التفاعل السياسي والاجتماعي، تعبئة مختلف المكونات المجتمعية للمشاركة في النشاطات الاقتصادية والاجتماعية، ومساندة الدولة وإسماع صوت المجتمع لدى القيادات السياسية ورفع مستوى القيم الأخلاقية والمدنية.

قد كان المجتمع المدني من منظور نخبة التغيير حاجة إنسانية واجتماعية واقتصادية وسياسية:

حاجة مدنية : إن وجود المجتمع هو أولا وقبل كل شيء ثقافة، أي أبنية نفسية واجتماعية ومرجعيات فكرية، نستند عليها في تفسير الأحداث وتأويلها وتقييمها. إن الثقافة المدنية ـ ليست معطى ـ وإنما هي جهد بشري يغلّب عوامل التعاون والتكامل والتسامح والتضامن، على مصادر التباين والتنافر والصراع. وتجمع بين المبادئ والممارسات، وتكون ثقافة حياة يومية لا تنحصر في مجال دون آخر، ولا في بعد قبل آخر.

حاجة اجتماعية : في واقع تطورت فيه وسائل الاتصال بين البشر وباعدت بينهم في الوقت نفسه، من خلال علاقات مجرّدة وغير مرئية بل افتراضية، تفقد حرارتها الإنسانية، تتيح جمعيات المجتمع المدني للفرد الخروج من عزلته، بل إن وجود هذه الجمعيات يحارب هذه العزلة، ويتيح للمواطن البحث عن أطراف مباشرة وواقعية وملموسة، يمكنه أن يسقط عليها مشاغله. ومن ثم تكون المواطنة، أدق مفهوم لما يطمح الإنسان لأن يكون عليه في وطنه، وهي في جمعها بين الحقوق والواجبات، تكون الوازع الأكبر في الاندماج الاجتماعي وفي الوعي بالمسؤولية في بناء المجتمع وتقدمه.

حاجة اقتصادية : تلعب الجمعيات دورا أساسيا في تكوين قوة الإنتاج المجدية، والقادرة على المشاركة في النهوض بأعباء البرامج والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية الوطنية، بفضل ما فيها من روح المبادرة والتطوع والتضامن. وتهيئ المجتمع للانخراط في قانون المنافسة، استقطابا وتأطيرا، وإنتاجا للقيم والسلع والخدمات، تفاعلا مع انفتاح الحدود وتغير وسائل الإنتاج وتبدل مسالك التوزيع وأساليب الاستهلاك (4)، وآثارها على محيطنا وبيئتنا وتوازننا الاقتصادي والاجتماعي.

حاجة سياسية : تقوم الجمعيات بدور أساسي في جعل من تحتضنه، إنسانا سويا، ومواطنا ملتزما، في إطار نشر ثقافة التآخي وروح الوئام الوطني، وتربية المواطن على الوفاء لمقتضيات الهوية الوطنية وأبعاد انتمائه الحضاري، في إطار التزامها بالديمقراطية، موقفا أخلاقيا ومسلكا سياسيا، على مستوى تأسيسها وبنيتها ومناخ عملها الداخلي، كما في مجال علاقاتها بمحيطها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بما يتجاوز المواقف والمذاهب التي تهدد الحرية والديمقراطية.

إذا كان صحيحا أن المجتمع المدني حاجة إنسانية واجتماعية اقتصادية وسياسية، لإنجاز مشروع مجتمع التغيير في تونس القرن الحادي والعشرين، فإن الصحيح أيضا أنه لا معنى ولا وجود ولا فاعلية للمجتمع المدني، دون إنجاز مجموعة من الشروط والمتطلبات تمثل شروطا موضوعية، لا يتحقق بدونها حضور ولا جدوى من المجتمع المدني.

وإيمانا من حركة التغيير بأهمية توفير الأرضية الضرورية والمناخ المشجع، لعمل المجتمع المدني باعتباره شريكا في إنجاز المشروع المجتمعي للتغيير. بادرت تونس إلى إنجاز جملة من الإصلاحات، مست المجال السياسي والقانوني في إطاره الكلي Micro والمجال الجمعياتي في إطاره الجزئي Macro .

IV ـ المجتمع المدني في تونس: المفاهيم.. المقومات والمكاسب

إذا كانت شروط وإنجاز المجتمع المدني وكذلك ضروراته في الحياة السياسية في تونس قبل التغيير لم تكن جاهزة للتطبيق في الواقع، فمرد ذلك يكمن في هشاشة تقاليد التشكيلات الاجتماعية والثقافية في النسق الديمقراطي، وضعف ممارسة سلطتها المعنوية. كما بسبب مركزية تشخيص السلطة واختزال المؤسسات وتماهيها مع الأشخاص، وغياب الشفافية وثقافة الحوار، وانعدام التعددية فكرا وممارسة، وضعف ثقافة حقوق الإنسان بل تغييبها.

إن القول بعدم توفر الشروط، لا ينفي عدم وجود جمعيات، ولكنه يعني وجود جمعيات خارج وجود المتطلبات والشروط الضرورية لإقامة المجتمع المدني. وقد أدى ذلك الوضع إلى بروز ظاهرة "التوّرم السياسي" (5) حيث تم الخلط بين الميدان السياسي والمدني، وأصبحت الجمعيات ـ بسبب غياب هوامش الحرية والديمقراطية روحا ونصوصا ـ ساحات للصراع السياسي، وفضاءات لتصفية الحسابات السياسية مع الدولة، ومع غيرها من الجمعيات، ولعبت دورا سياسيا، بل حزبيا ضاغطا، لم تنج منه حتى أقدم الجمعيات وأعرقها وأعني بذلك المنظمة العمالية، ولا المنظمات الثقافية والفنية، وقد بلغ هذا "التورم" ذروته في أواسط الثمانينات، مع بروز ظاهرة التطرف الديني التي اتخذت من الكثير من الجمعيات، فضاءات لتحركها ومنابر لخطابها. وهكذا فقدت الكثير من الجمعيات وظيفتها الأصلية، وتضرر من ذلك المجتمع، لأن الجمعيات في الأصل أي في العرف والقانون، هي فضاءات تنشئة مدنية واجتماعية بناءة، تتكامل مع الدولة والمجتمع على قاعدة القانون والحريات والحوار، فتتقدم به وتدفعه نحو الازدهار والرخاء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

ومن الصعب فهم ذلك دون فهم لطبيعة السلطة السياسية الحاكمة ومرجعية نخبها، التي يمكن وصفها بأنها لم تغّلب المصالح المجتمعية الاستراتيجية، على المصالح الآنية والضيقة، فكان دخول المجتمع ـ كل المجتمع ـ في دائرة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل.

ومن هنا كان عزم حركة التغيير، عزما أصيلا على بناء أنموذج مجتمعي مدني حديث، مفاهيمَ وشروطا ومتطلبات.

1 ـ المفاهيم

نستند في إقرارنا بالحضور المكثف لمفهوم المجتمع المدني في الخطاب السياسي لحركة التغيير، على مجموعة من المفاهيم والمعاني التي وردت في الخطاب السياسي التونسي. حيث نجد تداولا مكثفا، لمصطلحات، النضج والوعي الاجتماعي، كشرط من شروط تحقيق المواطنة، ومصطلح المشاركة والديمقراطية المحلية، بما يشيران إليه من قيم المساهمة المباشرة للمواطن في كل ما يجري في محيطه المباشر وبعده المحلي (6).

ونجد أيضا مصطلح إذكاء الحس المدني والجمعياتي والشعور المدني، والحريات المدنية، باعتبارها تأكيدا على حرمة الفرد، والحقوق السياسية، التي تمكنه من إسماع صوته وإيصال كلمته، وكذلك مصطلح الصالح العام والرابطة الاجتماعية، وفيهما تأكيد على النظرة الأفقية لأعضاء الوجود الاجتماعي، حيث يكون المبدأ الوحيد، المقبول هو مبدأ المساواة، على أساس الكفاءة والنضالية والمصداقية والتطوّع وحب الوطن.

كما فيهما رفض صريح للبنية التقليدية للمجتمع، حيث لا تخرج الامتيازات المادية والمعنوية عن دائرة محددة، اعتبارا للانتماء الأسري أو الجهوي. وفي جميع هذه المصطلحات وغيرها، إشارات واضحة، لماهية ونوعية القيم التي تؤسس للأنموذج المجتمعي التونسي.. إنها قيم الحرية والعدالة والمساواة والتضامن الوطني.

2 ـ المقومات

حققت تونس إنجازات سياسية تتمثل في تأسيس المجتمع المدني على قاعدة وجود الحريات المدنية والسياسية، وإصلاحات اقتصادية تمثلت في تأسيس الحياة الاقتصادية على قانون التنافس الحر، وإجراءات قانونية تقوم على وجود أطر دستورية وقانونية ومعنوية تحمل في جوهرها مضامين وأبعادا تقرّ بحقوق الإنسان، وحق التعددية، على مستوى الأفكار والآراء والممارسات والتنظيمات، والاعتراف بحق الاختلاف. وهي أبعاد ومتطلبات تتجاوز كل مظاهر القمع والتعسف، وتوضح صلاحيات الدولة، وتؤسس لدولة القانون والدستور المكتوب، والتمايز البنيوي والتخصص الوظيفي للسلطات والمؤسسات.. أي مجموعة الآليات القانونية التي تضمن التمايز بين الدولة والمجتمع، وبين ميدان السلطة وميدان الحرية وبين مجال الصالح العام ومجال الحرية والمصالح الشخصية. هذا على مستوى المناخ الاجتماعي والسياسي الكلي، المتعلق بالحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مفهومها الشمولي.

أما على مستوى المناخ الجزئي المتعلق بالمجتمع المدني والحياة الجمعياتية، فقد أدركت تونس التغيير حاجة الحياة الجمعياتية في مفهومها الحديث إلى بناء إطار مؤسساتي وقانوني، يساعدها على التواجد والانتظام والفعل. وإذا كانت الجمعيات في مفهومها الحديث في بلادنا، قد بدأت في الظهور مع حركة الإصلاح في القرن التاسع عشر، متزامنة مع ما جاءت به هذه الحركة من مفاهيم تتعلق بالدولة العصرية والحداثة وإصلاح النظام السياسي وتحديثه. فإن بلادنا لم تعرف إطارا قانونيا للجمعيات إلا في سنة 1936 وقبلها بقليل سنة 1932، عندما اعترفت السلطات الفرنسية بالحق النقابي لأول مرة في تونس. وفي عام 1936، تطورت التشريعات لفتح المجال أمام الحياة الجمعياتية والحياة النقابية، نتيجة لانفتاح سياسة الإدارة الاستعمارية، في مجال الشغل والمجال الكشفي والشبابي والفني والرياضي والاجتماعي.

3 ـ المكاسب

إن فتح مجال الحريات، هو أحد الدوافع الأساسية لتنامي الحركة الجمعياتية، وهذا ما أدركته حركة التغيير في تونس وعملت على إنجازه. فكان إصدار القانون الخاص بالجمعيات سنة 1992 الذي نقح القانون السابق، وفتح باب حرية تكوين الجمعيات، ومنذ التغيير إلى اليوم، تعدّ الجمعيات الموجودة في إطار القانون 8000 جمعية، وهذا العدد مهم، خاصة عندما نعلم أن قرابة 6000 جمعية، هي جمعيات أحرزت تأشيرتها بعد تحول 7 نوفمبر.

ولقد جاء القانون الجديد المنقح، بثلاثة عناصر جديدة ومهمة في مجال التشريع والتنظيم بالنسبة للحياة الجمعياتية:

أولا: أقر تصنيفا للجمعيات حسب قطاعات نشاطها :

1 ـ الجمعيات النسائية

2 ـ الجمعيات الرياضية

3 ـ الجمعيات العلمية

4 ـ الجمعيات الثقافية والفنية

5 ـ الجمعيات الخيرية والإسعافية

6 ـ الجمعيات التنموية

7 ـ الجمعيات الودادية

8 ـ الجمعيات ذات الصبغة العامة.

ويهدف التصنيف إلى تنظيم وتأطير وترشيد التكامل بين الدولة والجمعيات، عبر ربط قنوات اتصال وعمل ناجعة، من أجل إنجاز علاقة راشدة ومنظمة. ويساعد هذا التصنيف على إقامة علاقات تعاقدية بين الدولة والمجتمع المدني وبين سلطة الإشراف والجمعيات، بحسب الاهتمامات والتخصصات لكليهما.

ثانيا ـ استقلالية الجمعيات ذات الطابع العام :

حفاظا على استقلالية الجمعيات ودعمها للعب دورها وإنجاز الوظائف المنوطة بها أو الملتزمة بها في أحسن الظروف، تم منع الجمع بين مسؤولية مركزية في حزب سياسي ومسؤولية في إحدى هياكل الجمعيات ذات الطابع العام. ولا يتنافى هذا الإجراء في الواقع، لا مع الدستور ولا مع العهود الدولية في مجال حقوق الإنسان ولا الاتفاقيات المختلفة في هذا المجال.

إن مسؤولية الحفاظ على الجمعيات ذات الصبغة العامة، هي مسؤولية المجتمع والدولة، والهدف من ذلك الحفاظ على ذاتيتها ودورها، كفضاءات للتدرب على احترام الرأي المخالف والتفاعل مع الغير، والالتزام بخدمة الصالح العام والمنافع المشتركة لا المصالح الشخصية أو الحزبية.

ثالثا: تكريس حق الانخراط في الجمعيات ذات الصبغة العامة :

كثيرا ما تعاملت الجمعيات مع الحقائق والقضايا بمنطق الاحتكار والتملك، وهي تخطئ وتناقض أصولها، وتعارض مبادئها التي أنشأتها ومكنتها من التشكل والعمل والفعل، إذا أغلقت أبوابها أمام المواطنين للانخراط والمشاركة فيها. فالقضايا كل القضايا، ملك للجميع، يحق للجميع التداول بشأنها، وكذلك الجمعيات التي وجدت لتبقى مفتوحة، في إطار ما ينص عليه القانون. ومن ثم يحق لكل مواطن غير محروم من حقوقه المدنية أو السياسية، أن ينخرط في هذه الجمعيات ذات الصبغة العامة، وهو مطالب في المقابل باحترام قوانينها والتزام نظم عملها الداخلية وأهدافها. وقد أعطى القانون الحق للمواطن، الذي ترفض جمعية ما انخراطه، في عرض شكواه أمام المحاكم. وهي رؤية تستند إلى الدستور وحقوق الإنسان، وتتفق مع العهود والاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان.

إن هذه الشروط والمتطلبات لم تكن ناجزة ومتوفرة قبل تحول 7 نوفمبر 1987، وحين تحققت بعده أصبح لثقافة الجمعيات والثقافة المدنية والتشريعات القانونية في بلادنا، ما يكفي من الروافد القيمية والأخلاقية والوسائل القانونية، التي توفقت بفضلها تونس في تجاوز ما كانت عليه الكثير من الجمعيات، وبما حال دون تحوّلها ـ أي الجمعيات ـ إلى قلاع مغلقة على ذاتها، تعاني غربة حضارية، يفقد فيها العقل والفكر حضورهما والقيم إشعاعها.

إن ما حققته تونس على المستوى السياسي والاجتماعي الكلي، وما استثمرته من جهد إصلاحي في سبيل بناء أركان المجتمع المدني، ما هو إلا مقدمة موضوعية لإنجاز نظام للمجتمع ونسق للحكم، يرتبط بفلسفة الحكم التي أشرنا إليها: إخراج المجتمع والفرد من الهامشية إلى المشاركة واعتبار المجتمع المدني شريكا أساسيا في نحت مجتمع التغيير.

V ـ المجتمع المدني ونسق الحكم في تونس

وانطلاقا من قناعة نخبة التغيير والإصلاح في تونس، بأننا نعيش في الواقع مرحلة تاريخية جديدة، لم تعد تنفع معها الحلول القديمة والقوالب الجاهزة فإنها عمدت إلى أسلوب العمل الجماعي، أي الاستثمار في جميع الطاقات والقطاعات المجتمعية، ودون استثناء أي طاقة من المساهمة في تشييد البناء، ذلك أن إدارة الشؤون العامة للمجتمع، شأن لا يرتبط بالدولة وحدها، بل يتخطاها ليشمل المجتمع المدني والقطاع الخاص.

كما عمدت الى تعديل الساعات في ضوء التحولات، أي الى استنباط نسق جديد للحكم، يقوم على تكامل مختلف القطاعات المجتمعية، والتوظيف المحكم للمزايا التفاضلية لكل منها.

فالدولة تهيئ المناخ السياسي والقانوني الملائم، والقطاع الخاص يولّد الوظائف والمداخيل، والمجتمع المدني، يسهّل عمليتي التفاعل السياسي والاجتماعي، ويدفع بالمجتمع إلى المشاركة في النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ولأن لكل قطاع نقاط ضعف وقوة، فإن أهم ركائز العمل الجماعي الناجح، تنطلق من توافر التفاعل المثمر بين هذه القطاعات الثلاثة (7)، وذلك بهدف تحقيق الغايات التالية :

1 ـ توسيع قدرة الناس على القيام بخياراتهم وجعلهم قادرين على ممارستها، بما يوفّر لهم الفرصة والمناسبة للمشاركة في القرارات التي تؤثر على حياتهم.

2 - التعاون، والتكامل عبر الاعتراف بأن الانتماء إلى المجموعة يشكل مصدر إنجاز وراحة وسعادة، وهدفا ومعنى على الصعيد الشخصي.

3 ـ القدرة على توليد الفرص، مثل الحصول على تعليم راق والتمتع بصحة جيدة، ومناخ بيئي سليم ومتوازن.

4 ـ الاستدامة، وتعني توفير حاجات الجيل الحاضر، دون مساومة على مقدرة الأجيال القادمة في التحرر من الفقر والحرمان وممارسة قدراتها الأساسية (8).

لقد وجد المجتمع التونسي، في شمولية مشروع التغيير، وثراء أبعاده، وعمق مجالاته، وغزارة روافده، السند المعنوي والمادي له، في العمل والبذل والانخراط في جمعيات المجتمع المدني، باعتبارها ركنا أساسيا من أركان مجتمع التغيير، لما لديها من طاقة تطوعية، تعبّر عن روح المبادرة وحب التضحية والعفوية وقيم التضامن.

وقد وجدت الجمعيات في منهج العمل الجماعي، الذي اعتمدته تونس، المناخ المساعد لها على الانخراط في المشروع المجتمعي للتغيير، والمساهمة في تشييد أركانه، ونسج قيمه وإشعاع صورة تونس في الداخل والخارج.

VI ـ المجتمع المدني والدولة : من الصراع إلى التكامل والتضامن

لقد جرت العادة على تصوّر للعلاقة بين المجتمع المدني والدولة في إطار طرفين متقابلين. وإذا كان هذا النمط من العلاقات بين الدولة والمجتمع المدني، قد انطبق في الماضي على المجتمع التونسي، وينطبق في الحاضر على الكثير من المجتمعات الأخرى، وذلك نتيجة تغلّب عوامل التباين والتنافر على حوافز التعاون والتكامل، فإن هذه النظرة لا تنطبق على المرحلة التاريخية التي تعيشها تونس اليوم.

وتؤكد المقاربة التونسية، على شمولية اهتمامات المجتمع المدني، فهو فضاء تنظيم اختلاف المصالح الفردية وتمايزها، ولكنّه في الوقت نفسه مجال تنظيم ذاتي للمجتمع يتجاوز المشاغل الاقتصادية والاجتماعية لبلورة تصوّرات اجتماعية وسياسية واقتصادية (تنمية سياسية، تنمية اقتصادية، تنمية اجتماعية، تنمية ثقافية). ولقد اختارت تونس، أنموذج العمل الجماعي، وغلّبت منهج التعاون، ووضعت صيغ وأساليب التكامل، ودفعت بالجمعيات إلى ملء المساحات الاجتماعية الشاغرة في التنظيم الاجتماعي، بفعل إعادة النظر في طرق عمل الدولة وأولوياتها فكان الخيار، خيار شراكة بين الدولة ومكونات المجتمع المدني (9) واحتكمت هذه الشراكة إلى فلسفة التضامن، وسياسة الحوار والوفاق الاجتماعي، إضفاء للفاعلية على العمل الاجتماعي والتنموي.

وانطلاقا من أن المجتمع المدني، لا يستطيع على الدوام تحقيق أهدافه إلا بواسطة الدولة، التي تضمن عدم تحوّل مجتمع الحاجة إلى مجتمع التآكل والصراع من أجل الحاجة، كان المجتمع المدني في تونس مجتمعا للتضامن. لأن مجتمعا مدنيا متضامنا وناطقا وفاعلا هو أفضل سند للدولة في أداء وظائفها.

وفي كل ذلك تجاوز لمنطق الفصل ونظريات الصراع، وتغليب لمنطق التفاعل والتكامل بين الدولة والمجتمع المدني. إن الفصل من الناحية المنهجية بين الدولة والمجتمع المدني، هو اتصال من الناحية الموضوعية. فوظيفة المجتمع المدني ليس التمايز بين المجال الاجتماعي والمجالات الأخرى فحسب وإنما أيضا التوسط بينهما. ودون وساطة المجتمع المدني لا يمكن أن يحصل تطوّر في السياسة أو الاقتصاد أو في علاقات أكثر ديمقراطية داخل بقية البنى الاجتماعية.

تحتاج الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني، إلى اعتراف متبادل وثقة عارمة ومرجعية قانونية وإطار مؤسسي يسهم في بلوغ أفضل النتائج. فالشراكة بين الدولة والمجتمع مهمّة جدّا، ليس فقط لتطبيق البرامج غير القابلة للإنجاز بإرادة وإمكانيات وقدرات طرف منهما، بل لأن جميع القطاعات تتشارك المسؤولية. ولأن جميعها مدعو للعمل مع الآخر، من أجل تطوير المجتمع والتعلم من بعضها البعض وتبادل الخبرات بما يقوّي إمكانيات كلّ منهما (10).

وإذا كانت الشراكة، تعني الوعي بعدم قدرة أي طرف على إنجاز أهدافه بمفرده، فإنها تمثل تأكيدا على المسؤولية المشتركة لكافة مكونات المجتمع في الحياة العامة وعلى كافة المستويات.

إن الشراكة بقدر إيحاءاتها اللغوية أو الاصطلاحية، فإنها لا تعني من الزاوية الموضوعية بالضرورة توازنا في الأدوار والوظائف، بقدر ما تعني تكاملا وتبادلا للأدوار والوظائف. ذلك أن مساندة الجمعيات للجهود الحكومية ومشاركتها فيها، لا تعني أنها بديل للدولة، بل تعني أنها مكملة لوظائفها. ومن ثم فإن الشراكة مسألة جوهرية لا تمس سلطة الدولة ولا تتجاوزها بل تعزّز موقعها.

VIII ـ الحصيلة والآفاق

ساهم المناخ السياسي التونسي، خطابا وإجراءات، والإطار القانوني نصوصا ومؤسسات والاستعداد المجتمعي للتطوع والعمل والتضامن، في إنجاز الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني، على قاعدة الاعتراف والالتزام المتبادل بأهميتها، والنظر إليها باعتبارها خيارا استراتيجيا لمواجهة تحديات التنمية. ومن نتائج ذلك جعل مسؤولية التضامن على عاتق الدولة والمجتمع المدني، باعتباره مبدأ إنسانيا فاعلا عبر إكسابه أبعادا اجتماعية وسياسية ومن خلال تجسمه في بعث مؤسسات عديدة تعمل في مجاله مثل صندوق التضامن الوطني 26/26، والبنك التونسي للتضامن، وصندوق التشغيل 21/21 إضافة إلى البرامج التنموية الأخرى. وكل هذه البرامج وغيرها، هي حصيلة تكامل الأدوار على مستوى الدولة والمجتمع المدني، تصورا وتمويلا وتنفيذا ومتابعة وبذلك أصبحت التجربة التونسية مجال الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني ـ والتي خفضت نسبة الفقر إلى 4% أنموذجا يحتذى به. فقد أورده بهذه الصفة، مثلا، تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP ، بعنوان التغلّب على الفقر البشري سنة 1998، كما أورده تقرير التنمية البشرية لعام 1999.

وإذا كان لمؤشر الفقر مدلول رمزي، فإن له دلالات واسعة، تعكس حصيلة التقدم والازدهار التي يعيشها المجتمع التونسي، ووراءه ما يصعب عدّه من الجهود والإنجازات التي حققها أنموذج الحكم وأنموذج المجتمع في تونس التغيير.

وإذا كان البعد العالمي للظواهر يحتم على الجمعيات، حتى ولو كانت محلية أن تنتبه إلى وضع نشاطها في السياق العالمي، من خلال تعمقها في الأوضاع المحلية والتعريف بالموارد والخبرات الوطنية، والاستفادة من السياقات والمعاني والمقاصد الكونية، وبالتالي المساهمة والمشاركة في شبكات النشاط الإنساني والتنظيم الجمعياتي، على اختلاف امتداداته الجغرافية الإقليمية والدولية، والاستثمار في الفرص المتاحة ماديا ومعنويا، مع الاحتفاظ دوما في الذهن بالمصالح العليا للوطن، أي العمل والانخراط فيها دون تعريض الوطن للمزايدة والابتزاز.

وعلينا ألا نتوهم للحظة واحدة، بإمكانية تنقية المجتمع المدني من اعتبارات النفوذ واعتبارات المنفعة، ذلك أنه، كما توجد حروب على الوكالات الأجنبية في الاقتصاد والتجارة، فإنه يوجد أيضا تنافس بين النخب الثقافية على وكالات الأفكار خاصة وأن الاقتصاد السياسي للمجتمع المدني في دول الجنوب، غالبا ما يتم إنجازه، بأموال المساعدات الأجنبية.

ولا يعني أن تكون منظمات المجتمع ـ غير حكومية وغير ربحية ـ أنها تنتمي إلى عالم خر بعيد عن تأثيرات الدولة والسوق، أو المصالح السياسية. إن جمعيات المجتمع المدني ليست عالما من الملائكة.

إحالات :

* كان التمييز بين الجمهورانية والليبرالية بسيطا في البداية. فالدولة الجمهورانية تنطلق من وجود الشعب والمجتمع، ومن شيم ومبادئ مشتقة منه تتلخص في مصطلح الخير، العام والفرد مطالب من حيث الواجبات بالمساهمة في هذا الخير. أما في الحالة الليبرالية فالمنطلق نظريا ليس الشعب أو المجتمع، وإنما الأفراد وحقوقهم، وواجباتهم، وهي محدّدة قانونيا سلبا أكثر مما هي إيجابا، فالمسموح به هو ما ليس ممنوعا. ومن الواضح إذًا أن المجتمع المدني كفكرة وكوجود، يجسّد الخير العام القائم وهو أكثر احتمالا في حالة الفكر الديمقراطي الجمهوري من حالة الفكر الديمقراطي الليبرالي.

************

1 ـ Rangean François, Société civile : Histoire d'un mot. Dans colloque sur la société civile. Paris. Presse universitaire de France : 2002.

2 ـ الأستاذ أحمد عياض الودرني، التجمع والحياة الجمعياتية : 9 ـ 10 أفريل 1992 ـ تونس.

3 ـ يقارب عدد مستعملي الشبكة الوطنية للاتصالات 3 ملايين مستعمل. وقد ارتفعت نسبة الارتباط بخدمات الاتصال من 3 مستعملين من كل 100 ساكن سنة 1987 إلى 45 مستعملا من كل 100 ساكن سنة 2004. وتم تأمين الارتباط بشبكة الانترنت والاستفادة من خدمات التكنولوجيات الحديثة للمعلومات، حيث يوجد في تونس اليوم ما يزيد على نصف مليون مستعمل للانترنت، وتم ربط المعاهد العليا والجامعات ومراكز البحث العلمي والمؤسسات الطبية والبنوك والشركات بشبكة الانترنت.

4 ـ يفترض أن تكون الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق المستهلك، قد حسّنت المنتوج الوطني، بما يفتح فاق القدرة التنافسية أمام المؤسسات الوطنية. إن تدخل هذه الجمعية لدى الصناعيين من شأنه أن يؤثر على مستوى الخدمات وجودة المنتوجات، وبالتالي تحسين المنتوج الوطني، والتنشئة على سلوك اقتصادي من خلال المساهمة في نشر الوعي والانضباط والجدية في التعامل مع ما يقدّم في السوق.

5 ـ الأستاذ احمد عياض الودرني : التجمع والحياة الجمعياتية : 9 - 10 أفريل 1992 ـ تونس.

6 ـ الأستاذ احمد عياض الودرني : التجمع والحياة الجمعياتية : 9 ـ 10 أفريل 1992 ـ تونس.

7 ـ شعبة إدارة التنمية والحاكمية ومكتب تطوير سياسات التنمية : رؤية جديدة لنظام إدارة الدولة والمجتمع ، نيويورك ـ جانفي 1997.

8 ـ جورج قرم ـ التنمية البشرية المستدامة والاقتصادي الكلّي ـ اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الأسكوا) ـ بيروت 1997.

9 ـ ومن التجارب الناجحة نذكر الشراكات القائمة بين الجمعيات العاملة في ميدان الدفاع وحماية البيئة ووزارة الإشراف، حيث يوجد لدى هذه الجمعيات وعي عميق، ومعرفة دقيقة بحجم التحديات ومحدودية الإمكانيات، وهي تلعب دورا وقائيا وتدخليا بامتياز وتعمل بتنسيق كبير مع الوزارات المختصة.

10 ـ David Williams and Yom Young. Governance, The world Bank and liberal theory. Political studies. Vol 42. 1994

 


afkar@afkaronline.org