دولة الأنا السُفلى

 

                  د. فيصل القاسم

 

من المفترض أن تكون الدولة، أي دولة، بالنسبة للمجتمع كالأنا العليا بالنسبة للإنسان. فكما هو معروف في علم النفس والاجتماع، للإنسان اثنتان من الأنا، الأنا السفلى والأنا العليا. فالأولى تشمل الجوانب الدنيا من شخصية الفرد، أي القسم الحيواني الفوضوي غير العاقل أو الوضيع. أما الأنا العليا فالمقصود بها الإنسان بوصفه كائناً راقياً واعياً أو الجانب المصقول والمتحضر والواعي من الفرد. وهناك دائما صراع بين الأنا العليا والأنا السفلى. ولو انتصرت السفلى لكان الشخص أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان. أسوق هذا التعريف البسيط للنفس البشرية لأنه قد يرشدنا إلى طبيعة الدولة في وطننا العربي الكبير وكيف أنها انحرفت عن مسارها كأنا عليا بشكل مخيف.

من الواجب أن تلعب الدولة دوراً قيادياً وموجهاً للجميع وتترفع عن الصغائر وتتعامل مع مواطنيها بوعي ورزانة واتزان وحكمة بالدرجة الأولى، فمطلوب من كل الدول أن تكون حكيمة. وهذه إحدى أهم مهامها. لكن إذا نظرنا إلى الدولة العربية نرى أنها، للأسف الشديد، تتصرف، في كثير من الأنحاء كأنا سفلى، لا بل تنحدر إلى أسفل السافلين في تعاملها مع رعاياها. فهي تنسى في أحيان كثيرة أنها يجب أن تكون أنا عليا سامية للمجتمع. بعبارة أخرى ، فإن عقل الدولة في العالم العربي صغير للغاية وغير ناضج. وبذلك يمكن أن نقول عن دول كثيرة: «كم هي قاصرة أو ما أصغر عقلها» تماما كما نقول الشيء نفسه عن المتخلفين أو السافلين من الأفراد. ماذا يمكن أن نقول عن الدولة التي تناصب العداء لفرد بعينه ؟ ماذا نقول عن دولة تضع نفسها في مواجهة شخص؟ ماذا نقول عن دولة تسخـّر أو تستنزف الكثير من طاقاتها للانتقام من فرد ؟ ماذا نقول عن دولة تنزل بهيبتها وعظمتها وأجهزتها إلى مستوى إنسان مغلوب على أمره ؟ ماذا نقول عن دولة «تضع عقلها بعقل مواطن»؟ ماذا نقول عن دولة تتعامل مع شعبها بطريقة همجية سافلة ؟ ماذا نقول عن دولة تضع شخصاً وراء القضبان لعشرات السنين لمجرد أنه سب رأس الدولة؟ ماذا نقول عن هذا النوع من الدول؟ أين هو من الأنا العليا التي من المفترض أنه يمثلها؟

في أحيان كثيرة نرى أن الدولة العربية تتصرف بطريقة لا تمت للعقل والحكمة والنضوج بصلة. إنها أقرب إلى عقلية القتلة والمافيا وقطاع الطرق والمارقين. أي طريقة هوجاء أهوج وأسفل من تلك التي تستخدمها بعض الدول العربية؟ طبعاً الأمثلة لا تعد ولا تحصى على تهور الدولة وانحدارها إلى مستوى الأنا السفلى. أين الحكمة والنضوج في تصرف دولة تمنع مواطناً من العودة إلى وطنه أو تزرب مواطنيها في سجون أقرب إلى الحظائر الحيوانية؟ أين السمو في تصرف دولة تسخـّر كل ما يتوافر لها من قوة لتحرم مواطناً من أبسط حقوق المواطنة كالماء والكهرباء والهاتف ولقمة العيش بدافع الانتقام والثأر الحقير لا بدافع التأديب؟ أين العقل في معاقبة عائلات بأكملها أو ابتزازها فقط لأن أحد المعارضين للدولة ينتمي إليها؟ هل هذا من شيم الدولة أم من أساليب الرعاع والعصابات؟ أين الحكمة في منع مئات الأشخاص من السفر لمجرد أن أحد أقربائهم أساء للحكومة؟ قد يتفهم المرء أن يتعامل الأفراد فيما بينهم بهذه الطريقة العصبية المتخلفة. أما أن تفعلها دولة مزعومة فهذا عيب كبير وينم عن قلة عقل وسفالة وانحطاط. ومن شأن ذلك أن يدفع الشعب إلى التعامل مع الدولة بنفس العقلية المنحطة. صحيح أن من حق الدولة أن تكون مُهابة الجانب كما نصحها ماكيافيلي في كتابه الشهير «الأمير»، وصحيح أن عنف الدولة قد يكون مبرراً أحياناً حسب ماكس فيبر، لكن بدلاً من أن تكون كذلك بالمعنى الحديث والمدروس للدولة ، فإن هيبة الدولة في العالم العربي تنبع من قدرتها على الإرهاب والقمع والتنكيل والابتزاز والإرهاب الأمني لا من قدرتها على الفوز باحترام المواطنين لكونها أنا عليا مُهابة للمجتمع والأفراد. ما أضيق صدر الدولة في عالمنا العربي الكبير، في حين يجب أن يكون صدر الدولة واسعاً إلى أبعد الحدود بحيث يتسع للجميع ويستوعبهم!

يجب على الدولة أن تكون كالأم الحنون والصارمة في الوقت ذاته ، لا أن تكون صارمة وباطشة فقط كما هو الحال في العديد من دول عالمنا المبتلى بأشباه دول. يجب أن يكون عقل الدولة أكبر من عقل الفرد. لكن الأمر ليس كذلك ، ففي كثير من الأحيان نجد أن الدولة تتعامل مع مواطنيها بعقلية فرد حاقد ناقص الإدراك والوعي. لماذا ؟لأن الكثير من الدول مختزل فعلاً بشخص. فحين يكون الزعيم هو كل شيء، هو الدولة والدولة هو، فلا بد أن تنحدر الدولة إلى مستوى التصرفات الفردية ، أو إلى الأنا السفلي. فمن المستحيل أن يحل الزعيم الفرد مكان الدولة بكيانها ومؤسساتها مهما بلغت قدراته. فهو في نهاية المطاف فرد شاء أم أبا خاصة عندما يكون هذا الفرد أكثر ميلا لاستخدام أنته السفلى في التعامل مع من هم تحته. ليس هناك دول بالمعنى الحقيقي للكلمة في العالم العربي إلا ما رحم ربي كي لا نعمم. فالدولة العربية، إلا ما ندر، دولة بالاسم فقط. وكم من الدول تسمي نفسها دولاً زوراً وبهتاناً!

الدولة في العالم العربي ضد المؤسسات، وكل ما يتراءى للمواطنين على أنه مؤسسات وأجهزة ما هو إلا سراب أو وهم، فالزعيم الفرد الذي يسيطر على كل شيء يجعل كل المسؤولين في الدولة، من أكبر موظف إلى أصغر مُستخدم، يقلدون تصرفاته في التسلط وطريقة التعامل مع الآخرين، فيصبح كل مسؤولي الدولة نسخاً طبق الأصل عن رأس الدولة. أي أن هناك عملية استنساخ واضحة لتصرفات الزعيم الأوحد. وبذلك ، بدلاً من أن تكون الدولة مجموعة من المؤسسات والهيئات ، تصبح عبارة عن ثلة من الأفراد المتسلطين الذين يحكمون بعقلية الفرد لا الدولة. وهنا تتجرد الدولة من وظيفتها الأساسية، أي أن تكون أنا عليا للمجتمع لا أنا سفلى. فالأفراد الذين يحلون محل المؤسسات لا شك أنهم سيستخدمون أنتهم السفلى في التعامل مع مرؤوسيهم. والشعب في هذا الحال يعرف تمام المعرفة أنه لا يتعامل مع دولة يجب أن يحترمها ويهابها ، بل مع أفراد أو مع سلطة اغتصبت الدولة وحولتها إلى مطية تحقق من خلالها مصالح فردية لا جماعية. ومن هذا المنطلق ، لن يتوانى الشعب في الدخول في مواجهة مع السلطة المغتصبة للدولة والأفراد الغاصبين لها كما حدث في أكثر من بلد عربي وسيحدث. وبذلك يصبح الصراع حيوانياً بامتياز ، بحيث يلجأ الطرفان، الشعب من جهة والسلطة من جهة أخرى، إلى استخدام الأنا السفلى المتخلفة في التعامل مع بعضهما البعض. وهنا تـُحرم المجتمعات من فوائد الدولة ويغيب القانون ويصبح (كل من إيدو إلو).

ومن أبرز سمات الدولة السُفلية المغتصبة كثرة أو تعدد المرجعيات، فترى دولاً ضمن دول ، أو سلطات ضمن سلطة. وغالباً ما تجد أن هذه المرجعيات تدخل في صراعات أو منافسات فيما بينها بسبب غياب الدولة المؤسساتية. ولأن السلطات المتنافسة في هذه الحالة تتصرف على أساس فردي محض لا بعقلية الدولة، وبما أن دولة الفرد تقوم وتعتاش على الفردية لا على المؤسساتية ، فإن هذه الدولة ما تلبث أن تنهار أو تتدهور أو تضع بعض المساحيق التجميلية لإخفاء تدهورها وانهيارها بعد أن يرحل رأس الدولة. وهو عكس ما يحدث في الدول المؤسساتية الحقيقية. ففي الغرب مثلا ، لا يحدث شيء عندما يتنحى الزعيم عن الحكم بفعل تداول السلطة أو بفعل الموت، بل نرى أن الأمور تسير كما كانت عليه تماماً كعمل الساعة دون تعثر أو تخبط. لماذا؟ لأن رأس الدولة في الدول الحقيقية لا يدير البلد بعقلية الفرد صاحب الأنا السفلى ، بل بعقلية الدولة الواعية المترفعة عن الصغائر والترهات والأحقاد. فهو ليس الدولة، والدولة ليست هو. إنه مجرد عزقة في آلة ضخمة أو نظام معقد محكم التركيب. كل الدواليب والمفاصل والعزقات تعمل في الدولة الحقيقية ، أما في الدولة المُغتصبة، فلا شيء يعمل إلا السلطة ومغتصبوها. أما بقية المجتمع، فهو في حالة شلل تام تقريباً، لأن المؤسسات معطلة والسلطات الثلاث متداخلة إن لم نقل مختصرة في سلطة واحدة، فالدولة الحقيقية ليست كتلة صماء تـُدار بالريموت كنترول ، بل هي آلة شديدة التعقيد والترابط مترامية الأطراف تحتاج إلى آلاف الرؤوس لإدارتها وتسييرها وليس لمجرد شخص وحيد يتلاعب فيها كما يلعب الطفل بالدُمية.

متى ينتقل العالم العربي من طور الدولة الفرد ناقصة العقل إلى طور الدولة المؤسساتية الحقيقية الراقية ؟ متى ينضج عقل الدولة العربية ؟ متى تتوقف السلطة عن اغتصاب الدولة ؟ متى يصبح الشرطي رمزاً للأمن والنظام وليس رجل الأمن؟ فللأسف الشديد، فإن الشرطي العربي ليس رمزاً للدولة. إنه في معظم الأحيان مطية أو أداة للسلطة إن لم نقل «طرطوراً هزيلاً» بلغة العامة. فهناك من هو أهم من الشرطي بألف مرة ألا وهو رجل المخابرات. فالدولة العربية لا تحكم بجهاز الشرطة ، بل بأجهزة أخرى تحتقر الشرطي وتضطهده. فلو كانت هناك دول حقيقية ، لكان الشرطي رمزاً للدولة وهيبتها. لكن بما أن هيبة الدولة مُداسة أصلاً من قبل السلطة، فلا عجب أن يكون الشرطي العربي مهاناً أيضاً. الأمر الطبيعي أن تكون السلطة أداة بيد الدولة، لا أن تكون الدولة عتلة بيد السلطة، وهو ما يحصل في معظم الوطن العربي. السلطة لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال أنا عليا للمجتمع. فهي أقل نضجاً بكثير من الدولة. فإذا كانت الدولة أنا عليا للمجتمع، فالسلطة هي إذن أنا سفلى. لا عجب في هذه الحالة أن تتصرف السلطة العربية مع مواطنيها بقلة عقل وتعسف وقسوة ودناءة. ويجب ألا نتوقع منها إلا ذلك طالما تركناها تمسك بخناق الدولة.

لكن مصير هذا النوع من «الدول» إلى زوال مهما طال الزمن، فإما أن تجرفها الشعوب أو يزيلها الغزاة لأغراضهم الخاصة طبعاً. وقد شاهدنا ذلك يحدث في العراق وغيره. وهذا ليس مستغرباً، فقد لخص الشاعر الكبير عمر أبو ريشة هذا الوضع في أربعينات القرن الماضي عندما قال: «لا يـُلام الذئب في عدوانه إن يكُ الراعي عدو الغنم». كيف نلوم الأعداء الذين يستهدفون ويهددون بلداننا إذا كانت معظم أنظمتنا الحاكمة تعادي شعوبها وتهددها ليل نهار وتحكمها بعقلية الأنا السفلى؟