السيناريو السابع: النموذج الدستوري اللبناني للعراق

محمد بن جلون

 

استنادا الى ما كتب السيد عبد المنعم سعيد  مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية فى القاهرة، يبدو أن الاصوات العربية التي ارتفعت أثناء انعقاد مؤتمر شرم الشيخ الخاص بالعراق ( 23 ـ 24 نوفنبر 2004 ) لم تتعاطف مع الديمقراطية في العراق، بقدر ما كانت تريد منع العراق من التحول إلى نظام يؤدي إلى طغيان الأغلبية ـ الشيعية هذه المرة ـ على طائفة السنة. ويبدو كذلك أنه عندما سئل الأمين العام لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، عما إذا كان يقترح ضرورة أن يتضمن النظام العراقي الجديد مجلسا يقوم على المساواة بين الطوائف المختلفة فى العراق، كانت إجابته بنعم. ولم يبالغ الباحث المصري أبدا فى تعليقه عن ضخامة الحدث حيث يقول:

 "وعندما يكتب تاريخ هذه المرحلة ربما سوف يؤرخ لمؤتمر شرم الشيخ أنه المؤتمر الذي تم فيه الاعتراف الرسمي بالطوائف والأقليات في العالم العربي، فلم يحدث فيما أعلم أن تحدث أمين عام لجامعة الدول العربية عن حقوق طوائف بعينها.  وللحق، فإن ما قال به السيد عمرو موسى لم يكن بعيدا عن النظرية الديمقراطية التي أثبتت مرونتها عند التعامل في ظروف اجتماعية وسياسية وتاريخية مختلفة. وهناك مدرسة كاملة في العلوم السياسية عن نوعية معينة من النظم الديمقراطية المسماة Consociational Democracy أو ديمقراطية المشاركة الاجتماعية ـ إذا جازت الترجمة ـ وهي تسود في المجتمعات المُركّبة طائفيا مثل هولندا وبلجيكا ومإليزيا ولبنان وجنوب أفريقيا، حيث يتم توزيع السلطة ليس فقط على أساس صوت واحد لكل مواطن واحد، أو من خلال أثقال مناطقية خاصة بالمناطق الجغرافية في النظم الفيدرالية، وإنما من خلال إعطاء حقوق خاصة بالطوائف المختلفة".

 

ويعتبر مدير مركز الدراسات أن ما اقترحه الامين العام للجامعة العرية يجوز أن يكون حلا مناسبا للحالة العراقية ومخرجا للعرب السنة في التعامل مع الأوضاع الجديدة ذات الأغلبية الشيعية. كما يؤكد عن أهمية المعالجة النظرية الجديدة فى حدّ ذاتها، فيقول:

 "ورغم المعضلات والصعوبات، فإن الاقتراح يظل معبرا عن نقلة كيفية في الفكر السياسي العربي الذي ظل دائما يشيد بالدولة المركزية الاندماجية الانصهارية في السبائك العربية، ويستهجن دوما النموذج اللبناني التوافقي الذي يسبب ضعف الدول وهشاشتها ويجعلها قابلة للاختراق . وربما لو طرح فى السابق أن النموذج اللبناني فى الدولة ـ وليس فى الحرب الأهلية ـ سوف يصير هو نموذج الدولة العربية لاتهم القائل بالجنون . ومع ذلك فإن أحوال الدنيا تتغير، وربما كان من الأفضل بالنسبة للجامعة العربية، ومؤسسات الفكر العربي المتناثرة من المحيط إلى الخليج، ومراكز البحوث السياسية والاجتماعية، أن تبدأ في مناقشة هذه الفكرة الخاصة بديمقراطية التوافق أو المشاركة الاجتماعية ".

 

وربما أن أهم من ذلك هو التطور الذي حصل من داخل المعهد المصري بالذات، إذا اعتبرنا الآراء والرؤى التى عبََّر عنها سابقا. و حقّاً، ليس هذا "الجنون" الثقافي من معتادات المعهد ولا من مفضَّلات  السيناريوهات العراقية الستة  التي سبق أن تقدّم بها إلينا: السيناريو الأول، أو‏ "لبننة العراق‏"‏ وهي حالة تعود بالعراق إلى ما كانت عليه الحالة اللبنانية ما بين منتصف السبعينيات وبداية التسعينيات‏،‏ حينما تصارعت الطوائف اللبنانية المختلفة مع بعضها البعض؛‏ السيناريو الثاني، وهو امتداد للسيناريو الأول حينما تتكسر وحدة العراق تماما بين ثلاث دول على الأقل‏، واحدة شيعية في الجنوب‏، وواحدة كردية في الشمال‏، وواحدة سنية في الوسط‏، وكل منها بولاءاته الخارجية؛ السيناريو الثالث، وهو لا يُعنى كثيرا بشكل الدولة العراقية‏ بقدر ما يُعنى بحالة العراق التي سوف تكون من السوء بحيث تقع الدول العراقية تحت الهيمنة الأجنبية الكاملة سواء كانت هذه الهيمنة أمريكية‏، أو إيرانية؛ السيناريو الرابع، ويفترض أن الحركات الإسلاموية الأصولية سوف تنجح في توحيد صفوفها‏ وتخلق دولة دينية إسلاموية على النمط الأفغاني الطالباني‏؛ السيناريو الخامس‏، ويقوم على الفشل الكامل لكل السيناريوهات السابقة‏، والسيادة لفترة طويلة لحالة ضاربة من الفوضى وغياب الأمن والرعب والتهديد للمصالح الاجتماعية والاقتصادية المختلفة‏، فتقوم رغبة شعبية عراقية عارمة في العودة إلى عهد صدام حسين من خلال ديكتاتور عنيف آخر‏؛ السيناريو الأخير، وعلى أساسه يبني مركز الدراسات توصيته لصانعي القرار المصريين، "خاصة أنه يوجد لدى مصر أرصدة ضخمة تجعل لهذا السيناريو فرصة معقولة على أرض الواقع".  هذا السيناريو السادس يقوم على‏:

 "تطوير الأوضاع الحالية حتى تصل العراق إلى بر الأمان‏،‏ فيتحقق الاستقرار في العراق‏،‏ وتنجح السلطة العراقية الإنتقالية في التحول إلى سلطة دائمة قبل نهاية عام2005 من خلال إجراءات دستورية وقانونية وديموقراطية معروفة‏،‏ يعقبه انسحاب كامل للقوات الأمريكية والأجنبية من العراق‏.‏ هذا السيناريو ربما يكون اكثر السيناريوهات منطقية‏،‏ إلا أنه مع ذلك يلاقي تحديات كبيرة ليس فقط من أنصار السيناريوهات الأخري‏، وإنما أيضا لأن النخبة العربية لا يزال لديها مشكلة رئيسية أولا مع شرعية هذا السيناريو‏،‏ وثانيا مع إمكانيات تحقيقه حيث استقر الرأي على ان الولايات المتحدة وحلفاءها جاءوا إلى العراق بلا نية للخروج منه مرة ثانية‏‏".

 

وفعلا، هناك أكثر من مشكلة وأكثر من باعث لرفض هذه السيناريوهات بما فيها ما هو مبني على الإنتخابات المخططة للتلاثين من هذا الشهر. كما أن هناك أيضا أكثر من فائدة ـ إستراتيجيةٍ سياسيةٍ، عمليةٍ إداريةٍ ونظريةٍ فلسفيةٍ ـ للتوصية بالسيناريو السابع، الغائب من اللائحة أعلاه، والذى يمهِّد للنموذج الدستوري اللبناني:

 

أولا، الأمر يتعلَّق بالحفاظ على السلم الأهلي والوحدة الوطنية وإستقرار المنطقة، كما هو يتعلق بخلق جبهة موحدة سياسياً وعسكرياً في وجه المحتِل ويتعلق كذلك بتفادي كل المحاولات الطائفية الأنانية؛ استبدادية أو إنعزالية أو إنفصالية كانت. ولهذا فهدف "الكوتا" هنا هو التمثيل التوازني 50/50  وليس التمثيل النسبي 60/40  للطرفين المعنيين بالدرجة الأولى ـ الجماعة الشيعية والجماعة السنِّية في مجموع البلد. وأعتقد أنَّه لا ضمان هناك لخروج قوى الإحتلال ولا هو مأمون رجوع السلم الداخلي ولا هي قادمة شرعية السلطة في غياب تحالف ممثلي العقائد في العراق، وفي غياب البرنامج السياسي الذي يخاطب ويقنع الجماعتين العقائديتين. إنَّ الإفصاح علنياً عن النوايا بخصوص حجم السلطة التي ترغب فيها كل جماعة لنفسها ولباقي الجماعات لمسألة حياة أو موت.

 

ثانيا، الواقع التاريخي السكاني والمدني والإقتصادي يقف ضدّ الحلول الفيدرالية التقسيمية الجغرافية. إن درجة اختلاط السكان والمصالح هنا عالية جدّاً. مثلاً: أهل السنة و الشيعة يتقاسمان معاً بغداد بالإضافة الى مليونٍ كوردي؛ هناك مليون سنِّي في الجنوب الشيعي؛ وعدد كبير من الأقاليم ممزوج التركيب؛ أضف إلى ذلك كل الزواجات المختلطة. بحيث أن أي شكل من أشكال التقسيم يتطلَّب نوعا ما من التطهير العرقي أو العقائدي وبحيث أن كل تقسيم للموارد والثروات الطبيعية، المركَّزة في الشمال (كركوك) أو في الجنوب (الرميلة وباقي الحقول النفطية)، سوف يعوق استغلالها جماعياً ويفرض نوعا ما من التفقير والبؤس الإجتماعي ـ لنلاحظ هنا أن في إشكالية الخليط العراقي ما يذكِّر بإشكالية المخلوط الفلسطيني الإسرائيلي؛ مسألة اللّاجئين، مسألة المستوطنين اليهود، مسألة القدس، الى آخره. فهنا تظهر واضحةً فائدة النموذج المؤسساتي اللبناني خاصةً وميزة التشريع التعددي الثقافي وميزة النظم الجماعاتية والفيدرالية المِللية و"الكونسوسييشن" عامةً. هذا لمَّا نحن نقارن هذه الفائدة بعيوب النظم الفيدرالية المناطقية و تقسيماتها الجغرافية المُتخشِّبة. فنموذجنا يرسم حدوده، لا على مستوى المناظر الطبيعية، بل على مستوى التشريعات، فاصلاً بين الحقوق الخاصة الجماعاتية والحقوق العامة المدنية. وأظن شخصيا أن ظروف العراق، وهي أبسط نسبيا من ظروف فلسطين، تجعل تنظير المرحوم إدوارد سعيد في الدولة الواحدة المزدوجة القومية والعقيدة أسهل في التطبيق. وفي كل حال من الأحوال فنموذجنا هذا يخلق نظاماً مِلَلياً من تراث المنطقة منسجما تماما مع التقاليد المحلية حيث يحمي الجماعات على اختلاف عقائدها وإثنياتها من دون التدخل في شؤونها الخاصة (نظاماً متسامحاً أيضاً يترك المجال حتّى للجماعات العلمانية في حقِّ التمثيل والتشريع الذاتي على أساس الإحترام المتبادل)؛ نظاما بالتأكيد يختلف عن واقع النموذج الفيدرالي الأمريكي بتوزيعاته الجغرافية ومركزيته الدَّوْلية، كما يختلف عن تاريخ الولايات المتحدة الليبرالي ومركزيته الفردوية.

 

 ولنقل ختاماً أنَّ فائدة النموذج الدستوري اللبناني بتوازناته تتمثل في تفوقه، ليس فقط على النموذج الوحدوي التجانسي الطغياني (ولا يهم إذ يكن هذا شيعيا أو علمانيا)، بل حتَّى على النموذج التوزيعي التلاثي (وهذا هو ليبرالي في عمقه). إنَّ التقسيم التلاثي يخلط المستويات ـ جغرافية، إثنية، عقائدية ـ ويُعادل ما هو يختلف جداًّ. وأكثر من ذلك، إنَّه يُفَنِّد الموارد والثروات العقائدية في المعطيات الإثنية ويغلق الكل في الصناديق الجغرافية. كما هو يعبّر، من جهة أخرى، عن الفهم الليبرالي البسيط للتعدّدية الثقافية. حيث أنَّه لا يملك هدفاً حقيقياً، فلا يحاول اعطاء مدلولٍ أو معنى أو مغزى معينٍ. وحيث أنه لا يهدف إلى الإستقطاب الفكري وتجادل الثقافات، بل يشجِّع على الإنطواء ويكتفي بالندارة والطرافة عوضاً عن التورُّط المشترك والإلتزام المتبادل والإشتباك الإيجابي والصراع السلمي. إنَّ هذا التلاثي الشنيع الذكر يفتح المجال للإنعزال والإنفصال بنسف الأرض المشتركة وإلغاء فَسحة اللقاء؛ بتدمير مُعتركٍ ثمينٍ وميدانٍ نفيسٍ من وجهة نظر الإبتكار والتجديد و"التحديث".

 

 هذا بالطبع لا يعني أنَّني أدافع عن التَّزمُّت والإنغلاق الجماعاتي الطائفي أو القبلي أو العشائري الى غير ذلك. الجماعات ليست هنا إلاّ الشكل والمُعطى تاريخياً. أمّا هدف الرؤية التي أعبِّر عنها ومضمونها فهو صِراعيٌّ مُجادليٌٌّّ تفوُّقيٌّ؛ هدفها تغيير مجرى الحرب الأهلية في اتجاه المسابقة في الوطنية، وتحويل التحدّي القتالي الى المنافسة الثقافية. وقناعتي هنا أنَّ المنافسة العقائدية في حدِّ ذاتها وفي محاولتها لكسب أوسع جمهور عراقي تعاكس بنفسها نزعاتها التشتيتية الطائفية. إنَّ نموذج التعايش المقترَح هنا، بوضعه حدوداً أدنى لِما هو لائق ومحترم على مستوى المواطن، وبوضعه كذلك معايير الإلتزامات والواجبات والترقّبات في علاقات الجماعات، بوسعه أن يخلق ضغوطًا من الداخل والخارج على الجماعات العراقية في اتجاه التفوُّق على ذاتها وفي اتجاه ديناميك "التحديث".