مغاربة فقدوا حياتهم من أجل التغيير

ومن أجل غد أفضل

تقديم:

 

إن أغلب المقاومين والأغلبية الساحقة لفئات الشعب المغربي تملكتهم الصدمة والشعور بالاحباط والقهر والغربة في بلدهم الذي ناضلوا وضحوا بالغالي والنفيس لإنعتاقه من بؤرة الاستعمار واستقلاله. لأنهم سرعان ما عاينوا أن لا صوت لهم ولا اعتبار بل أصبحوا طريدة للأجهزة الأمنية العلنية منها والسرية واضطهد أولادهم وعائلاتهم ودويهم. وانتشر الاحباط إلى درجة هؤلاء المناضلين بدؤوا يفكرون في طريق للخروج من العتمة التي أسقط فيها المغرب ليعيش في ظروف أنكى وأقسى من ظروف أنكى وأقسى من ظروف الإستعمار الفرنسي أو الاسباني.

واعتباراً للقمع والتسلط والاستبداد والرعب وإرهاب الدولة أضحى الكثير من المغاربة يرون في الاستقلال نقمة ويعتبرون أن البلاد عرفت تقهقراً ملحوظاً مقارنة بالماضي.

لذلك فإن النضال أو الكفاح أو المقاومة، كل ذلك ظل ولازال دائماً عملاً مشروعاً مادام هناك طغيان، سواء كان هذا الطغيان أجنبياً أو محلياً. وتضحية المناضلين والمكافحين والمقاومين من أجل قضية عادلة هي التي تعطي المعنى العميق للحياة والوجود والحرية والكرامة الانسانية.

فعلى امتداد عقود عاش المغاربة في نفق مظلم قوامه السجون والمعتقلات السرية والاختطافات والتعذيب والموت البطيء والاغتيالات والقتل والدفن قي أماكن سرية والاغتصاب والقهر الجسدي والقمع المادي والمعنوي والاهانة والدوس على الكرامة الانسانية والصفة الآدمية.

وقد أدى الشعب المغربي الثمن فادحاً في الغلاء بأرواح أبنائه سواء على امتداد مرحلة الحماية والاستعمار أو في سبيل الخبز ومن أجل الحرية وحقوق الانسان والديمقراطية بعد الاستقلال في وقت كانت كمشة تراكم الثروات الفاحشة بدون كوجب شرع ولا قانون على حساب أكثر من سبعة ملايين من أبناء هذا الوطن يعانون من وطأة الفقر المدقع.

وإذا كانت حصيلة الشهداء من أجل التغيير وغد أفضل ثقيلة وثقيلة جداً، فلا زال المغاربة ينتظرون هذا التغيير وهذا الغد الأفضل وقد طال انتظارهم.

وإذا كان لابد من الإقرار بحصيلة فإن المعطيات المتوفرة لازالت غير كافية بما يساعد على طرح حصيلة كاملة.

وقصد الاقتراب من الصورة يمكن الاكتفاء ببعض المعطيات التي أضحت واضحة للجميع ولا جدال فيها، ومن ضمنها الشهداء من أجل الاستقلال والاعدامات التي عرفها المغرب في عهد الاستقلال، وشهداء المظاهرات في ستينات وسبعينات وثمانيات القرن الماضي وشهداء المعتقلات السرية ومخافر الشرطة.

إنه لا مناص من جرد الحصيلة حتى نتعرف على الثمن الغالي الذي أده الشعب المغربي من أجل التغيير وغد أفضل. 

 

1929 - 1907

 

لم تتوقف المقاومة منذ نزول القوّات الفرنسية في ميناء الدار البيضاء سنة 1907 ، باعتبار أن الاحتلال ارتبط بالأساس بالستعمار الفلاحي، وبالتالي بالسطو على الأراضي بقوّة النار والحديد، ولم يكن أمام الفلاحين إلا الدفاع على أراضيهم ووجودهم، ولم يكونوا يبالون بأعداء الشهداء الذين يقدمونهم قرباناً لأن حياتهم هو الثمن الواجب أداؤه لاستعادة الحرية المسلوبة.

وفي هذا الفترة سجل التاريخ سقوط العديد من الشهداء، سوق كمثال استشهاد فتاة لا يتعدى عمرها 16 سنة في معركة ضد القوات الفرنسية في منطقة تادلة، وفي مكان آخر اغتيال المرأة مسنة كانت تحمل حقيبة مليئة بالرصاص وقد قاد محمد امزيان حرباً للتحرير على رأس متطوعين من سنة 1909 إلى سنة1912. وبعد استشهاده استمر عبد الكريم الخطابي على الدرب وحمل مشعل المقاومة والفداء.

وفي ساحة المعركة سنة 1921 استشهد موحى أحمو وابنته يطو.

كما سقت دماء الشهداء أرض الريف منذ أن قاد عبد الكريم الخطابي (1883-1963) الكفاح ضد المستعمر، وأعطى لكفاح سكان الريف بعداً أمميا يربطه بالحركات التقدمية والجمعيات الحقوقية والانسانية في أورو با وأمريكا. وتمكن من إلحاق الجيش الاسباني خسائرباهضة. وقد سقط المئات من فدائيي الريف من أجل التغيير ومن أجل غد أفضل.

وقد قال الزعيم الصيني ماوتسي تونغ في حق محمد بن عبد الكريم الخطابي ما يلي:" إن أوّل درس تعلمته في حرب التحرير الشعبية هو من تجربة النضال والكفاح الذي قاده محمد بن الكريم الخطابي في الريف بالمغرب".

 

1930- 1949   

 

وخلال ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي سقط الكثير من المغاربة علي يد المستعمر وفي معتقلاته.

ومن هؤلاء الكاتب والشاعر محمد القري التي لفظ أنفاسه الأخيرة تحت التعذيب في سجن كلميمة وغيره كثيرون. وفي سنة 1942 ألقي القبض في مدينة بركان على الوطني محمد بن عبد النبي التزغيني وقتل في إدارة الشرطة تحت التعذيب.

ومن الأمثلة التي يمكن إثارتها خلال هذه المرحلة أحداث 1944. إذ أنه أثناء الأحداث التي واكبت المطالبة بالاستقلال أطلق الجنود الفرنسيون يوم  29 ينايرفي السويقة بالرباط النار على السيدة تودة لأنها كانت تزود المتظاهرين بالحجارة. وفي نفس اليوم استشهدت بمدينة سلا السيدة خناتة الروندة. وفي31 يناير بفاس صوب جندي بندقيته نحو السيدة كبورة المنكادة عندما كانت الماء الساخن من فوق سطح منزلها على الجنود.

وفي 7 أبريل 1947 ، على إثر شجار في أحد أحياء البغاء بالدار البيضاء بين مغاربة وسينغاليين مجندين في صفوف الجيش الفرنسي، تمكن إدارة الاستعمار من تحويله إلى صدام دموي. إذ عملت على إمداد السينغاليين بالبنادق الرشاشة ودفعتهم للانتقام من المغاربة في حي بن مسيك والدرب الكبير. وقد سقط مئات القتلى والجرحى. وكان الهدف من وراء هذه المؤامرة هو عرقلة الزيارة التي قرر الملك القيام بها يوم 9 أبريل من نفس السنة إلى مدينة طنجة التي كانت خادعة آنذاك للنظام الدولي. 

 

إذا كان من المستحيل ذكر جميع المناضلين والشهداء الذين سقطوا من أجل التغيير وغد أفضل باعتبار أنّه عمل جبّار يستدعي مجهودات أكثر من فرد واحد مهما كانت عزيمته في انجاز هذا العمل الذي يعتبرواجباً اعترافا للجميل لهؤلاء، فإن هذا لا يمنع من ذكر بعضهم على أساس التفكير في تجميع كل الأسماء في مؤلف يمكن انجازه بفضل تعاون جهود الراغبين في تكريس هذا الشكل من أشكال الاعتراف بالجميل لأناس فقدوا حياتهم من أجل التغيير وغد أفضل بغض النظر عن قناعاتهم الايديولوجية وألوانهم السياسية وأوساطهم.

ففي بداية 1950 بدأت تظهر أعمال فردية استهدفت المصالح الاقتصادية الاستعمارية. وفي 12دجنبر 1950 شهد مجلس شورى الحكومة مشادة كلامية بين أعضاء المجلس الوطنيين والجنرال جوان المقيم العام آنذاك. على إثر ذلك أقدم هذا الأخير على طرد محمد الغزاوي وتبعه باقي الأعضاء تضامنا معه. وازدادت الوضعية تأزماً في فبراير1951حينما جنّد الجنرال جوان عشرة آلاف من فرسان القبائل الذين هددوا بإحتلال القصر. آنذاك ظهر نجم فلاح ثائر من جبال الأطلس، حمل سلاحه وأخذ في تصويبه نحو المعمرين الغاصبين. وهكذا أردى قتيلاً أندري سوفينيون والزوجان جويت وغيرهم. وبدأت الصحف والإذاعة تتحدث عن "سفاح تادلا" وتجند الجيش الفرنسي للبحث عنه وخصص مليون فرنك آنذاك لمن يلقي القبض عليه.

وبعد أسبوع من المطاردة لجأ الحنصالي إلى أحد البيوت بحثاً عن الطعام. وبعد ضيافته استغفله أهل الدار فأوتقوه وسلموه للسلطات الاستعمارية. وبعد شهرين من اعتقاله نفذ في حقه بمعية صديقه محمد سميحه حكم الإعدام.

وعلى إثر الأحداث والمظاهرات والغليان الذي عاشه المغرب فيما بين 1953 و1954 حاولت البورجوازية الكبيرة الفرنسية الضغط على الحكومة الفرنسية لتغيير سياستها المتشددة وتهييء الشروط  للاعتراف باستقلال شكلي للمغرب في إطار تبعية اقتصادية وسياسية وثقافية محكمة. إلا أن تحالف البورجوازية الصغيرة الفرنسية( تجار صغار، موظفون، معمرون، العسكر) لإفشال أية من شأنها تهديد مصالحهم باعتبار أن المغرب في اعتقادها مغرب فرنسي. وقد اهتمت جملة من كتابات بول باسكون بهذه الاشكالية.

وفي 8 يناير 1953 توغل 3 مغاربة في قاعدة النواصر الأمريكية لمحاولة الاستيلاء على أسلحة، لكن الأمر انكشف وأطلق عليهم الجنود الأمريكيون النار وقتلوا عبد القادر بن الكعطي وأصابوا محمد بن محمد وتمكن الثالث من الفرار.

وفي 15 غشت 1953 تظاهر حوالي ثمانمئة مغربي أمام القصر الملكي في المشور بمراكش للتنديد بالمؤامرة ضد الملك محمد الخامس ثم توجهوا إلى ساحة جامع الفنا، وانضم المظاهرة المئات من المواطنين ليعود المتظاهرون بأعداد أكبر إلى القصر الملكي.

وخلال هذه المظاهرة تناول الكلمة محمد البقال مخاطباً الجماهير، وتعرف عليه الجواسيس وألقي القبض ونفذ في حقه حكم الإعدام في أبريل 1954. وبمجرد ما أطلت الأفول الأولى من المظاهرة على ساحة المشرف أطلقت عليهم قوات الاحتلال الرصاص وخلف المتظاهرين وقف عدد من فقراء البوادي جندهم الكلاوي بهراواتهم للانقضاض عليهم. وسقط عشرات القتلى والجرحى، وكانت ضمنهم الشهيدة فاطمة الزهراء وكانت حاملا.

وعلى إثر الأحداث ثم اعتقال جملة من المقاومين وصدر حكماً بالاعدام في حق حمان بن العربي ورحال بن أحمد ومولاي علي بن العربي، ونفذ الحكم في مايو 1955 بسجن العادر.

وشهدت وجدة في 16 غشت 1953 مظاهرة دامية للتنديد بالمؤامرة الاستعمارية ضد الملك. ومنذ الانطلاقة شرع المتظاهرون في تحطيم واجهات المتاجر الفرنسية وإشعال الحرائق في السيارات والهجوم على الخونة والعملاء. وتدخل الجيش الفرنسي بالدبابات والمدافع الرشاشة، وسقط مئات الشهداء من المدنيين، وقد قدّر المحامي الاستاذ شارل لوكران عددهم بألف شهيد. كما أقر رئيس الناحية برونيل بإطلاق أكثر من 6000 رصاصة على المتظاهرين العزل.

وتلت المظاهرات اعتقالات واسعة، وتعرض المعتقلون لمختلف أصناف التعذيب ومات عدد منهم، إذ فقد 14 معتقلا حياتهم في زنازن المستعمر.

وفي شهر غشت اعتقلت الشرطة بمدينة سلا في مظاهرة لطالبات المدارس الطالبة الكبيرة وماتت تحت التعذيب في مخفر الشرطة ودفنت سراً. واعتقل الداودي سعيد ونقل إلى سجن بويزكارن وقتل هناك تحت التعذيب. وفي وجدة استشهد الديب محمد بن عبد القادر على يد الجلادين وكذلك بوعلام الموساوي، ومات محمد بن الحسن المراكشي تحت تأثير الصعق بالكهرباء. واستشهد ضيفاً لدى الشرطة إدريس بن البكاي وأحمد بن مسعود والحسن الوكيلي وحسن بن مصطفى بن ادريس وحميدة لكرار والمكنوشي بومدين وأحمد المكراري.

وبالدار البيضاء استشهد عبد الرحمان السرغيني تحت التعذيب، وبالحاجب استشهد امزيان محمد وبشيشاوة علي بركاتو وعمر بن الزي وبفاس محمد بن عدادة والتغزوتي أحمد بن اليزيد وبخنيفرة عزمي بن الحبيب والتيجاني بن مولاي مصطفى وبسيدي قاسم التدلاوي ادريس بن عبد القادر وبالدار البيضاء جودار محمد بن عبد الله وبمراكش المحجوب بن محمد وبخريبكة العربي بن حمادي وبواد زم ادريس بن داوود وعلي بن الجيلالي وأحمد بن بوعزة وبوعبيد بن حدو وبمدينة الجديدة حسن السكتاني وبالدارالبيضاء غالي أحمد بن محمد والشيباني عبد الله وبايموزار محمد بن الحاج وسعيد بوجمعة وبمراكش عمر بن العربي وأوغدوجان محمد وبتازة عبد السلام بن محمد وبالدارالبيضاء بوشعيب بن الحسن وبتاونات العسري بن أحمد والزاهر الحداد وبسيدي بنور بليجي مبارك وببركان زغراوي محمد والخميسات محمد بن لحسن بن عقة وبآيات باعمران الشيخ سعيد بن الحسين وببني يزناسن بنعودة محمد بن العربي وبالساقية الحمراء محمد سالم بيدا.

وفي عام 1953 كان حسن الصغير منهمكا بمطبعة في نسخ مناشير مرصودة للتوزيع. داهمت الشرطة المطبعة وتمكن حسن الصغير من تجرع قرص السم وكان من أوائل الفدائيين المنتحرين. أما العربي الشيظمي، فقد ألقي عليه القبض بمراكش وآنذاك كان تلميذاً بمدرسة "الحياة" الحرّه وهو يوزع مناشير. واستطاع أن يصمد في وجه الجلادين ولم يفصح عن مصدر المنشور إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة تحت التعذيب على يد زبانية الباشا الكلاوي.

وفي نفس السنة، يوم 15 غشت 1953 انفجرت مظاهرات بالمدينة القديمة ودرب السلطان بالدارالبيضاء سقط خلالها ثمانية قتلى وعشرون جريح.

كما حدثت بمراكش ووجدة أحداث خطيرة أدت إلى استشهاد عشرات المغاربة بطلقات البنادق الرشاشة وقدائف المدفعية.

ولعل أبرز حدث في سنة 1953، كان يوم الجمعة 11 شتنبر عندما تسلح علال بن الله  بخنجر وامتطى سيارته ثم توجه إلى القصر بالرباط. هناك انتظر بالقرب من مسجد أهل فاس. وعندما ظهر بن عرفة ممتطياً جواده دهسه بسيارته وحاول الإجهاز عليه إلا أن الحرس اعترضوا طريقه وتمكن الشرطي محمد بن الهواري (جزائري الأصل) من إطلاق النار عليه وأصابه بست رصاصات مميتة.

وفي أكتوبر 1953 اتفق الصديقان محمد بن المكي ومحمد بن الحسن على مواجهة الاستعمار بطريقتهما باستعمال السلاح الأبيض لعدم توفرها على سلاح ناري. كانا يهجمان على عناصر الشرطة. وفي أحد الأيام هاجم بن الحسن بمفرده شرطياً فرنسياً وقبل مداهمته تدخل شرطي آخر وأطلق عليه النار فأراده قتيلا. ورغم ذلك ظل بن المكي يحمل خنجره كل مساء ويتصيد رجال الشرطة.

وبعد عدّة عمليات ألقي عليه القبض بنقطة تفتيش، حيث ضبطت الشرطة بحوزته الخنجر وقناعاً أسود. حوكم وصدر في حقه الإعدام وعمره لا يتجاوز تسعة عشرربيعاً. ونفذ الحكم بسجن العادر يوم 9 دجنبر1955.

وكان الحسين بن أحمد (طوطو) يشتغل في معمل السكر "كوزيمار" بالدارالبيضاء. حصل على مسدس من أحد معارفه واتصل بمجموعة من الكادحين وأسسوا جماعة اليد السوداء وكانت مهمتها القضاء على الجواسيس، وفي 27 أكتوبر 1953 أطلق النار على أحد أعوان الإدارة المتسلطين فأرداه قتيلاً. تعرف عليه أحد العمال وأبلغ عنه . ألقي عليه القبض في 20 نوفمبر 1953 وحوكم بالإعدام ونفذ يوم 18 دجنبر 1954 بسجن العادر.

في 4 يناير 1954 نفذ حكم الإعدام في أحمد الراشدي الذي رفض أن تعصب عينه إذ قال " اتركوني أرى سماء وطني للمرة الأخيرة"، وكذلك أعدم مولاي الطاهر   

الطاهر بن عبد الكريم.

وفي صبيحة 27 فبراير 1954 سيق عبد اللطيف بن قدور وحسن بن يدر إلى عمود الإعدام في تكنة العنق بالدارالبيضاء وأطلقت عليهما كوكبة الجنود الرصاص ودفنتهما الإدارة الفرنسية في مقبرة النصارى ببن امسيك وبعد الاستقلال نقل جثمانيهما إلى مقبرة الشهداء.

وفي نفس السنة صدر حكم الإعدام في حق محمد منصور وبلعيد بن أحمد بن عدي، وعبد الله الحسن وحسن العرايشي وبوشعيب بن علي الغندور وعبد القادر عسو في ملف نازلة افجار السوق المركزي.

وفي 5 مارس 1954 قرر المقاوم أحمد بن علي أقلا الهجوم على السلطان المزور بن عرفة بالمسجد بمراكش. ألقى قنبلة في مقصورة السلطان بمسجد بريمة رغم الحراسة المشددة.

وبعد ذلك غير مكان جلوسه إلا أن جاره أخبر الحراس بالنازلة ووشى به، فألقي عليه القبض تواً. وفي غفلة من الحراس تناول قرص السم. وما أن أخرجوه إلى الساحة المحيطة بالمسجد كان الشهيد فاقداً للوعي، وما كان من الباشا الكلاوي إلاّ أن شهر سلاحه فأطلق عليه رصاصتين. وكان الشهيد طالباً بكلية بن يوسف، انخرط في جماعة حمان الفطواكي.

وفي فاس وبعد أن راجت أخبار في شهر يوليو سنة 1954 بأن محمد الخامس على وشك العودة من منفاه تجمعت الجماهير بالشوارع إلاّ أن القوات الفرنسية أطلقت عليهم النار واستشهد خمسة مغاربة. وفي اليوم الموالي خرج طلبة المدينة في مظاهرة صاخبة تصدت لها فرق اللفيف الأجنبي بإطلاق واستشهد الكثير من المتظاهرين.

وفي فاتح غشت 1954 رفض بعض التجار المغاربة إغلاق متاجرهم امتثالاً للإضراب العام، فاشتبك معهم بعض المتظاهرين وتدخلت الشرطة الفرنسية لحمايتهم وقتلت خمسة من المتظاهرية وجرح أكثر من عشرين.

وبسيدي قاسم اندلعت يوم 3 غشت 1954 مظاهرات استشهد خلالها 11 مغربياً. ويوم 4 غشت 1954 انطلقت مظاهرة بمدينة القنيطرة وتدخلت القوات الاستعمارية وأسقطت في الشوارع أكثر من 130 شهيداً من أبناء المدينة. وتلتها انتفاضات 7 و8 و9 غشت 1954 سقط خلالها مئات الشهداء نذكر منهم: فضيل بن علي(30 سنة) ومحمد بن أحمد بن الفقيه(22 سنة) ومنانة بنت الجيلالي(40 سنة) وميلودة رضيعة منانة وحجاج بن داوود(45 سنة) وبوشعيب بن أحمد(50 سنة) وطفل عمره 12 سنة وبوغابة بن بريك(15 سنة) وقاسم بن محمد(30 سنة) ومحمد بن بوشعيب(19 سنة) وأحمد بن بنعيسى(40 سنة) والهاشمي بن علال(28 سنة) وبواب عبد السلام بن الجيلالي(38 سنة) وعبد الرحمان بن الجيلالي(18 سنة). علماً أن الكثير من الأسر جثت موتاها خوفاً من بطش السلطة الاستعمارية.

وفي 15 نوفمبر1954 ألقي القبض على محمد لخضير الداودي بمدينة فاس، واستغفل رجال السلطة فألقى بنفسه من مكان عال في إدارة الأمن. وقد كان بوجدة وعندما انكشف أمره نقلته "المنظمة السرية" إلى فاس حيث شارك أمره في عدّة عمليات فدائية.

وفي مراكش وبعد محاكمة شكلية استغرقت يومين فقط أصدر القاضي الفرنسي حكم الإعدام في ثمانية شيان نفذ في ثلاثة منهم وهم محمد البقال وعلي بن الطاهر والعربي باعدي ليكونوا عبرة للآخرين.

وبمدينة سلا، خرجت مظاهرة سليمة تتكون من النساء والاطفال للتنديد بالتعنت الاستعماري فقابلتها القوات الاستعمارية بالرصاص والنار وسقط في الشوارع أربع نساء وطفل.

وفي وجدة قام محمد التهامي البرحيلي بتوجيه طعنة إلى عنق الباشا الحجوي الذي كان معروفاً بقساوته، وتدخل الحراس وانهالوا عليه بالهراوات حتى استشهد.

وفي هذه الفترة، أثناء تركيب قنبلة من طرف أعضاء من منظمة "اليد السوداء" لوضعها في مقر الجريدة الفرنسية انفجرت وقتلت ثلاثة مقاومين.

ويوم 4 يناير1955 نفذ حكم الإعدام بسجن العادر في محمد بن الراضي السلاوي ومحمد بن أحمد الحياني وعبد العالي بن محمد شقرون وعبد العزيز بن إدريس بنشقرون.

وعلى إثر هجوم ضد أحد العملاء في رأس العين في 8 يناير1955 طاردت قوّات الدرك رحال المسكيني والعربي بن الجيلالي السوادي. ألقي القبض على رحال بينما أفرغ العربي الجيلالي السوادي في رأسه آخر رصاصة متبقية في جعبة مسدسه.

وفي يوليو 1955 ، أيام عيد الأضحى، خرج المغاربة في مظاهرات في عدّة مدن وبعض البوادي، امتدت على طول شهر غشت. وبمراكش نرد الشباب بزيارة المقيم العام كرانفال للمدينة وهتفوا بحياة الملك محمد الخامس وتكاثر عدد المتظاهرين وكعادتها واجهتهم القوات الفرنسية بالرصاص وسقط 6 شهداء وأصيب العديدون بجروح.

وبالدارالبيضاء انطلقت مظاهرة من المعرض الدولي في اتجاه وسط المدينة. وكان يتقدمها مقاومون يحملون مسدسات وقنابل يدوية. وقع تبادل إطلاق النار بينهم وبين القوات الفرنسية وأدى ذلك إلى استشهاد أكثر من سنتين مغربياً برصاص المستعمر. ولولا تدخل قوات "الكوم" واستخدام المدافع الرشاشة وأمطار الرصاص الكثيفة على المتظاهرين لقضى هؤلاء على قوات الدرك الفرنسي.

وقدر عدد الشهداء بعد تدخل "الكوم" بأكثر من 120 شهيد، وهذا برأي الكاتب الفرنسي "كراندفال" وكذلك بشهادة المقيم العام الفرنسي، في حين أن الصحافة الاستعمارية أو تلك الموالية للاستعمار لم تشر إلا إلى 55 قتيلاً مغربياً.

وفي 18 يوليو1955 ، عندما إلتقى المقاوم عبد النبي- عضو الجماعة الاحتياطية التي أسسها حمان الفطواكي بمراكش- صدفة بمفتش شرطة سري وأراد القضاء عليه فأخطأه. وفيما كان يجري هاربا شاهراً مسدسه إذا بحارس يصوب بندقيته نحوه ويرديه قتيلاً.

وبخنيفرة، في غشت 1955 ، خرج السكان في مظاهرة صاخبة واجهها الاستعمار بتدخل الطيران الحربي لقصف المتظاهرين، كما أطلق المدفعية الفرنسية نيرانها عليهم وسقط عشرات القتلى والجرحى.

وفي نفس شهر غشت اندلعت مظاهرة بالدارالبيضاء حيث انطلقت من مختلف الأحياء الشعبية واتجهت نحو الحي الأوروبي، فواجهتها القوات الاستعمارية بالدبابات والنيران وسقط على إثر ذلك أكثر من 30 شهيداً من المغاربة العزل من السلاح.

وفي ذات الشهر نفد حكم الإعدام في حق عبد الله الشفشاوي وعلال الودي بسجن العادر(يوم 2 غشت 1955).

ويوم 15 غشت 1955 دعت المنظمة الإرهابية الفرنسية(ODAT) الأوروبيين للإنتقام من المغاربة. فانفجرت أحداث دامية وسقط عدد كبير من المغاربة دون تمييز بين الأطفال والنساء والرجال ثم الإعلان عن منع التجول.

وفي أكتوبر1955 أثناء معركة سيدي معروف بالدارالبيضاء استشهد محمد الحداوي والحاج المزابي في مواجهة القوات الفرنسية.

وفي نفس الفترة أصيب جلطي حميدة بوجدة برصاصة ولكي لا يقع في الأسر شنق نفسه بحبل في شجرة. وبناحية الدارالبيضاء، أحرق عمر بن محمد ضيعات المعمرين وبعد اعتقاله شنق نفسه في الزنزانة. وبعد اتهامه بإضرام النار في مزارع المعمرين بناحية الحاجب شنق موحى أوصالح نفسه وهو رهن الإعتقال، وكذلك فعل الوهابي علي بالزيايدة بعد إلقاء القبض عليه.

وبالدارالبيضاء ألقي القبضعلى حسن السكتاني وأبدى صموداً رائعاً أثناء الاستنطاق ومات تحت التعذيب بمخفر الشرطة بالمعاريف.

وعل إثر جملة من القرارات التعسفية والإستفزازية انتفض سجناء الدارالبيضاء وأطلقت قوات الاستعمار النار عليهم واستشهد الحافظي بناني وأطلقت قوات الاستعمار

 

الإستعمار النار عليهم واستشهد الحافظي بناني من فاس وابن اسماعيل خليفة من سيدي بنور.

كما تعرض المقاومون الفارون من سجن خريبكة سنة 1955 إلى الابادة الجماعية، ومن ضمنهم علال بن الحاج المهدي ومزار بوجمعة وإدريس بن علي وزروقي العربي وأحمد بن قدور.

ومن بين الفارين من السجن المركزي بالقنيطرة سنة 1955 ، خرج السكان لمباركة الزيارة باعتبارها تسير في اتجاه التبشير بحل سلمي للقضية المغربية، إلاّ أن القوات الإستعمارية واجهتهم بالرصاص لعرقلة هذا المسار، وسقط 17 شهيداً.

وفي نفس السنة عرفت مدينة أبي الجعد مظاهرة واجهتها القوات الفرنسية بالنار وسقط 6 مغاربة.

وبواد زم- التي كان يقطنها أكثر من 800 معمر فرنسي- انفجرت مظاهرة عنيفة كان أبطالها أعضاء قبيلة السماعلة، وكعادتها واجهتها القوات الاستعمارية بالرصاص والنار وأدى ذلك إلى سقوط ما يناهز 300 شهيد. كما تم اعتقال عدد كبير من الفلاحين وأعدم جملة منهم في الساحات العامة بدون محاكمة. وحسب الاحصائيات التي كشفت عنها الصحف الفرنسية آنذاك، فقد تجاوز عدد قتلى خريبكة وواد زم وخنيفرة 700 شهيد، في حين قدرت الجرائد الوطنية عدد الشهداء بالآلاف. وهذا ما أكده كذلك "بيير جولي" في مؤلفه "جمهورية الملك" الصادر سنة 1974 عن دار فيار.

واعتباراً لكل هذه التضحيات ومع الإعلان على الإستقلال سنة 1956 أضحى الشعب المغربي يتطلع إلى العدل والمساواة والتخلص من الذل والظلم والحرمان والمعاناة. لكن الرياح هبت في اتجاه عكس ما كان هذا الشعب ينتظره بالرغم من سقوط آلاف المغاربة الذين فقدوا حياتهم من أجل التغيير وغد أفضل. وسرعان ما انكشفت بعض معالم المناورات الدنيئة التي رسمها الإستعمار الجديد وخطط لها واعتمد في تنفيذها على عملائه الظاهرين والمستترين.

 

رحال المسكيني رمز من رموز المقاومة

 

الفداء... العبارة التي كانت أكثرإستعمالاً للحديث عن المقاومة والكفاح ضد المستعمرالفرنسي بالمغرب في خمسينات القرن الماضي. والفداء يعني بالأساس إقدام الإنسان على التضحية بأعز وأغلى ما يملكه في سبيل الحرية والاستقلال والعقيدة وهي حياته.

وبدايات الخمسينات تكاثر سقوط الضحايا واتسع مدى الإعتقالات القيادات السياسية والنقابية وانتشر بخصوص حرية التعبير والتجمع واشتدت الأزمة الاقتصادية وكان التهييء لنفي الملك  والأسرة الملكية.

كل هذا ساهم في التعجيل بظهورأعمال عنف وتصدي. وقد ولدّ هذا الوضع لدى الشباب المغربي آنذاك نوعاً من اليأس البيّن من ممارسة النشاط السياسي العقيم.

ففي الفترة الممتدة من يناير إلى نهاية غشت 1953 عاينت البلاد وقوع ما يناهز 20 هجوما بالسلاح الأبيض و50 إتلافاً للخطوط الهاتفية وعمليات تخريب السكة الحديدية و40 حريقاً لضيعيات المعمرين. وهذا علاوة على العديد من المظاهرات في مختلف أرجاء البلاد حواضرها وبواديها.

في هذه الفترة ظهر إسم رحال المسكيني كأحد الأسماء البارزة في سجلات الكفاح والنضال والمسلح.

اشتهرفي البداية بنشاطه النقابي في كل من مدينة القنيطرة ومدينة الدارالبيضاء.

ورحال المسكيني يعتبر من القلائل الذين فكروا في نقل الكفاح إلى الوسط البدوي لاسيما بالشاوية.

ألقي عليه القبض، وبعد شهرين من التعذيب في إدارة الشرطة، نقل إلى سجن القنيطرة. وفي الطريق تمكن من الفرار في عين حرودة. ورغم تطويق المنطقة تمكن من الإفلات.

التحق بالصحراء حيث ساهم وشارك في تأسيس جيش التحريرهناك. وكان صلباً في الحق صريحاً في القول متصفاً بنزعة انسانية عالية.

ورحال المسكيني من المقاومين الذين لم يرقهم تسرب الكثير من المشبوهين إلى صفوف المقاومة، هؤلاء الذين عاتوا فساداً وتسلطوا على عباد الله قبيل الاستقلال. ومن ضمن هؤلاء أحمد الطويل الذي كان يحمل بطاقة إدارة الأمن الوطني، وهو الذي قضى على عشرات الأشخاص في دائرة الأمن بالدارالبيضاء أو في معتقل دار بريشة بتطوان.

لم يطق رحال المسكيني جبروت أحمد الطويل فصوب بندقيته إلى صدره في شارع عبد المومن بالدارالبيضاء ولم يخطىء هدفه. وبعد أيام اعترضت طريقه جماعة تسعى للإنتقام. ورغم كثرتهم دافع رحال المسكيني عن نفسه فقضى على أخ الطويل المامون وجرح آخر لكنه لقي حتفه بفعل كثرة المعتدين، وكان ذلك يوم 16 فبراير1956 ، وهو يوم حزن في الحي المحمدي بالدارالبيضاء الذي فقد أحد أبنائه الأبرار. وشارك في موكب جنازته الآلاف من الجماهير. وظل ذكراه شاخصة في الذاكرة الجماعية.

 

أقراص السم

 

لم يكن تناول أقراص السم من طرف بعض المقاومين بدافع اليأس والإحباط، وإنما بدافع نضالي واضح المعالم. وذلك كان بدافع الخوف من البوح بأسرار تحت التعذيب الوحشي الذي تجاوز كل الحدود في عهد الحماية، أي التضحية بالحياة واسترخاصها من أجل استمرارالمقاومة. لذا فقد أصدر علال الفاسي من القاهرة فتوى دينية تبيح للمقاومين الإنتحار باعتباره عملية استشهادية وعملاً بطولياً.

كما أن عبد الله كنون نشر فتوى مشابهة على صفحات مجلة "لسان الدين" الصادرة بتطوان.

ومن الذين استعملوا أقراص السم واسترخصوا حياتهم من أجل استمرار المقاومة نذكر الزرقطوني الذي يعتبر من أبرز الأسماء في سجل المقاومة آنذاك بشهادة الجميع حتى الفرنسيين. وهذا الرجل وجملة من رفاقه فعلوا ذلك إيثاراً لغيرهم بالحياة، لاسيما وأنهم كانوا على يقين أنهم وقعوا في يد من لا يرحم. وبعملهم هذا دشنوا في العالم العربي الإسلامي خطة جهادية لم تكن معروفة في المغرب.

وكان حسن الصغير أوّل مقاوم مغربي تناول قرص السم مباشرة بعد اعتقاله. وبذلك كان أوّل عضو في "المنظمة السرية" يستشهد بهذه الطريقة التي لم يكن الإستعمارينتظرها من المغاربة، وذلك حفاظاً على أسرار المقاومة. وقد فارق حسن الصغير الحياة وفي رصيده أكثر من عشرين هجوماً مسلحاً في مدّة لا تتعدى 120 يوماً.

و

 

وتلاه أحمد أقلا في 5 مارس 1954 بعد أن ألقى قنبلة يدوية على السلطان المزور بن عرفة في المسجد. وتلاهما محمد الزرقطوني بعد اعتقاله بفعل مكيدة عزيزالسعيدي صهر البشير شجاع الدين. وقد اختار الزرقطوني الموت عن وعي واقتناع وقناعة راسخة لضمان استمرارية المقاومة.

كما استعمل عبد الرحمان الصحراوي نفس الطريقة عندما هم رجال الدرك الفرنسي بإعتقاله رفقة البناي والحاج الهبطي وأحمد الصباغ.

وفي شهر مايو1955 ألقي القبض على الشافعي بن ناجم البرهي، وهو أحد قادة منظمة "الحسنية" وقبل إخضاعه للاستنطاق والتعذيب تناول قرص السم وفارق الحياة بمخفر الشرطة.

وفي يوليو 1955 وضع مصطفى المعاني قرص السم في فمه ولم ينبس بأي كلمة أمام الجلادين في إدارة الأمن.

وكذلك فعل بوشعيب مقدام قبل اعتقاله في غشت 1955 بعد نفاد رصاصه في مواجهة مع الشرطة الإستعمارية في معركة سيدي معروف.

ومن المقاومين الذين اختاروا وضع حد لحياتهم بتناول قرص السم هناك كذلك عيسى بن عيسى بالرباط وفلاّح لم يعرف إسمه ببركان ومصطفى لمعني بالدارالبيضاء وصفياني بن كروم بأزمور ورحال بن الميلودي بالدارالبيضاء.  

 

المعدمون

 

هناك العشرات من أبناء المغرب الأبرار الذين وقفوا وجهاً لوجه أمام فصيلة الجنود الذين كانوا ينتظرون الأمر لتفريغ حمولة أسلحتهم من الرصاص دفعة واحدة صوب المقاوم المربوط على عمود الإعدام والمعصوب العينين.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ بعد أن تنفد الفصيلة أمر إطلاق النار يتقدم رئيسها نحو المقاوم، الشهيد الملقى على الأرض ويرميه في رأسه عن قرب برصاصتين متتاليتين.

ففي بداية يناير 1954 نفد الإعلام بسجن العادر في حق أحمد الراشدي ومولاي الطاهر العلوي من الدارالبيضاء، وبن الراضي السلاوي وعبد العالي بنشقرون ومحمد الحياني وعبد العزيز بنشقرون من فاس.

وفي فبراير1954 سيق الشهيد عبد اللطيف بن قدور إلى عمود الإعدام لمواجهة فصيلة الموت.

وأعدم بعدهما حمان الفطواكي وامبارك بن بوبكر.

وفي 5 مايو1955 كان دور رحال بن أحمد وتلاه بن أحمد البقال ثم عبد الله الشفشاوني.

ولتكوين فكرة عن أحكام الإعدام التي أصدرتها المحاكم الفرنسية في حق أبناء المغرب الشرفاء عمل الباحث عبد الله رشد على تجميع إحصائيات انطلاقاً من الأخبارالصادرة في الصحف الإستعمارية فيما بين 1952 و1955 إذ وقف على أكثر من 100 حكم إعدام في حق المقاومين المغاربة مفصلة كالتالي:

02 :1952 (إعدامان)

05 : 1953

68 : 1954

26 : 1955

 

أي ما مجموعه 101 ، وهي الإعدامات الرسمية المعلن عنها. وتم استبدال منها 13 حكماً بالإعدام إلى السجن المؤبد. وبعد الإستقلال ألغى الملك محمد الخامس كل الأحكام بإصدارمرسوم ملكي.

ومن ضمن المعدمين هناك أحمد الحنصالي ومحمد سميحة في 26 نوفمبر1953 بثكنة العنق بالدارالبيضاء. وعبد اللطيف بن قدور والحسين بن ايدر في 27 فبراير1954 ومحمد بن أحمد البقال والعربي بن أحمد باعدي وعلي بن الطاهربن بيهي في 22 أبريل 1954 ومحمد بن المكي في 9 دجنبر1954 والحسين بن أحمد طوطو في 18 دجنبر 1954 وأحمد بن محمد الراشدي ومولاي الطاهر بن عبد الكريم وعبد العالي بن محمد بنشقرون ومحمد بن الراضي السلاوي ومحمد بن امحمد الحياتي وعبد العزيز بن ادريس بنشقرون في 4 يناير 1955 ومحمد بن أبريك (حمان الفطواكي) وعلال بن أحمد المكيك في 9 أبريل 1955 ومولاي علي بن العربي ورحال بن أحمد في 5 مايو1955 وعبد الله بن محمد الشفشاوني وعلال بن عبد القادرالأودي وادريس بن محمد الحريزي في 2 غشت 1955 وكلهم أعدموا بالسجن المركزي بالقنيطرة وبسجون أخرى بالمغرب.

 

شهداء جيش التحرير

 

لا توجد إحصائيات يعتد بها في هذا المجال، ولا لحصيلة دقيقة للمعارك التي دارت رحاها فيما بين أكتوبر 1955 وفبراير 1958 ، ماعدا بعض الأرقام المناترة التي نشرتها الصحف الفرنسية والمغربية من ضمنها نسوق ما يلي على سبيل الاستئناس.

خلف الهجوم على معسكر اموزار مرموشة 40 شهيداً، وسقوط شهيد واحد في معركة بين أكنول وتازة وسقوط 5 شهداء في الهجوم على مركز باب الحائط بمرنيسة ومعركة تيزي ودرا، وسقوط شهيدين في الهجوم على معسكر "زيد الماء". وخلف هجوم طائرات الاستعمار على قافلة متجهه نحو تيزي أوسلي عشرات الشهداء. وسقط عشرة شهداء في اشتباك سيدي المخفي ببركان واستشهاد واحد في معركة بين بركان وتافوغالت. وسقط 14 شهيداً في معركة يايناست.

وفي خضم هذه المعارك البطولية وغيرها تضامن سكان سوس مع جيش التحرير في هجوم 28 فبراير 1956 وأغلقوا الطرقات بالأحجار والأشجار لمنع شاحنات الجيش الفرنسي من المرور. وانتقل وزير الدفاع آنذاك رضا اكديرة والجنرال الكتاني إلى أكادير وتم الاتفاق على نقل الجنود الفرنسيين بواسطة الطائرات.

كما استشهد مكافح في هجوم محاميد الغزلان، وسقط 6 شهداء في هجوم على قافلة عسكرية في المسيد و13 شهيداً في معركة تافودارت وكذلك الأمر في هجوم طريق السدرة.

ومن المعروف أن أوّل عملية كانت هي الهجوم على ثكنات الجيش الفرنسي في إيموزارمرموشة في 2 أكتوبر1955 وقد سقط في هذه العملية أربعون شهيد

 

وتلتها عمليات أخرى بمركز تيزي وسلي ومركز أكنول.

وجاء رد الجيش الفرنسي عنيفاً برّاً وجوّاً. وفي الأيام الأولى للمعارك سقط عدد من مسؤولي جيش التحرير في ساحة المعركة.

في شهر مارس 1956 وزعت مناشير في الدارالبيضاء تؤكد على أن جيش التحرير توقف عن الحرب وإطلاق النار منذ مارس. في حين وزع أنصار عبد الكريم الخطابي منشورات تعلن أن الكفاح لازال مستمراً وأن إستقلال المغرب لن يكون كاملاً إلاّ بعد إستكمال تحرير شمال إفريقيا كلها.

وفي خضم الصراعات وفي هذا الصدد وقعت حادثة قتل مبهمة كان ضحيتها عباس المسعيدي أحد أبرز قادة جيش التحرير.

فخلال سنتين وبضعة أشهر خاض جيش التحرير في المنطقة الشرقية ما يناهز65 معركة وبلغت خسائره في الأرواح أكثر من 300 و25 من المفقودين. وفي أقصى الجنوب وجد جيش التحرير نفسه بعيداً عن قواعده الخلفية، وظل معزولاً حيث لم تلتحق بصفوفه القبائل المحلية وتعقبته القوات الفرنسية بالقرب من أطار وسقط أكثر من 10 شهيداً ووقع الباقون في الأسر.

أما الذين تمكنوا من الفرار إلى واد الذهب فاستقبلتهم القوات الإسبانية بالإعتقال.

وفي 23 نوفمبر1957 انتفصت قبيلة آيت باعمران وهجم أعضاء جيش التحرير على عدّة مواقع واستولوا على السمارة وبئر أنزران وأوسرد. فتحالفت فرنسا وإسبانيا لتطويق جيش التحرير والقضاء عليه وكانت الحصيلة 132 شهيداً بالسمارة و440 شهيداً بمناطق أخرى.

 

في فجر الإستقلال

 

بعد الإستقلال -والذي اعتبره البعض منقوصاً- تعالت شعارات مضللة دعت الجماهير للعفو عن الجلادين وطي صفحة الماضي الأسود للخيانة. وما هي إلا أيام قليلة وبدأت تبرزمؤشرات ذلت على أن الخونة والعملاء هم الذين كانوا أكبرالمستفيدين من الإستقلال المبثور. وبذلك، ومنذ الوهلة الأولى، ضاعت أحلام الجماهير الشعبية المغربية وذهبت تضحياتها سدى.

وهذا ما دفع، في غشت 1956 ، جملة من قادة المقاومة إلى التصريح بأنه لم يحدث أي تغيير مما كان منتظراً. ولذلك طالبوا، وبقوّة، بإنشاء محكمة استثنائية لمحاسبة الخونة والعملاء والمتآمرين على المغرب والمغاربة لتطهير الإدارة منهم وتنحيتهم جملة وتفصيلاً من مواقع القرار ومراكز التقريروكذلك استكمال الوحدة الترابية للمغرب بكامل أطرافه والمطالبة الفورية بجلاء الجيوش الأجنبية سواء الفرنسية أو الأمريكية وإصلاح الجهاز القضائي وإحترام حقوق الناس. وهي كلها أفكار تضمنها بيان المجلس الوطني للمقاومة الصادر عن مؤتمر غشت 1956.

وفي المجال الإجتماعي أكد البيان على ضرورة توزيع أراضي الإقطاعيين والملاكين الكبار والمعمرين على الفلاحين بدون أرض والذين سلبت أراضيهم عبر اغتصابها من طرف الإستعمار، لأن هذا من أبسط حقوقهم باعتبار أن العملية ماهي إلا إعادة الحقوق لأصحابها الحقيقيين تاريخيا.

إلاّ أن الأمور لم تسر على هذا النحو وإنما سارت في اتجاه لم يكن يخطر على بال الفلاحين إذ وضعت الدولة يدها على أراضي المعمرين ووهبت بعضها لخونة وعملاء الأمس القريب ولجملة من الوصوليين الذين تنكروا للتضحيات الجسيمة لأبناء الشعب المغربي. وهكذا ظل الفلاحون ينتظرون استرجاء أراضي أجدادهم التي اغتصبها الإستعمار منهم بقوّة النار والسلاح. ولازالوا ينتظرون وسوف يظلون ينتظرون باعتبار أن الأراضي المتبقية حالياً في حوزة الدولة أو الموضوعة تحت تصرف شركتي صوديا وصوجيطا فإن مآلها هو البيع بالمزاد العلني عوض توزيعها على الفلاحين بدون أرض.

ولعل هذا التوجه هو الذي نطلب من الشعب المغربي المزيد من تضحية أبنائه المخلصين من أجل التغيير وغد أفضل حتى بعد الإستقلال.

كما أن الصراعات بين الأحزاب السياسية كان لها نصيب في سقوط جملة من الضحايا. ففي 23 يناير 1956 حدتث مدبحة في سوق الأربعاء الغرب، إذ قصدها أعضاء من حزب الشورى والإستقلال آتون من وزان والرباط وسلا والدارالبيضاء بمعية فرقة من الكشفية للإحتفال بتعيين المحجوبي أحرضان عاملاً على الرباط والناحية. وهناك اشتبكوا مع أعضاء من حزب الإستقلال وكانت الحصيلة مصرع 4 ضحايا من حزب الشورى والإستقلال.

وفي 31 مارس أبريل 1956 لقي الدكتورعمر الإدريسي حتفه رمياً بالرصاص رغم عدم تعاطيه لأي نشاط سياسي، وكان قد صُفيَ خطأ مكان المستهدف الحقيقي وهو الدكتور عبد الهادي مسواك عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي المغربي. وفي نفس السنة تمت تصفية محمد السطي الكاتب الجهوي للحزب الشيوعي بالدارالبيضاء ومحمد الفضالي كاتب فرع الحزب بالمحمدية.

وفي ربيع 1956 قام أعضاء حزب الشورى والإستقلال المتحالفون مع منظمة "الهلال الأسود" بعدّة إغتيالات وتصفيات استهدفت عناصر من حزب الإستقلال في أزيلال (ناحية بني ملال) وعلقوا جثتهم في الأشجار.

واستعانت السلطة بفرقة من جيش التحريرللقضاء عليهم.

وفي 9 مايو 1956 اغتيل عبد الواحد العراقي كاتب فرع حزب الشورى والإستقلال بفاس وممثل العلماء في استشارات ايكس- ليبان، وذلك لأنه نادى بحل جيش التحرير على أمواج الإذاعة المغربية.

وفي يونيو 1956 أُختطف عبد الله الوزاني الذي كان معجباً بأدولف هتلر وسبق له أن زار برلين أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد صرح وزير الداخلية آنذاك إدريس المحمدي بإصدارأمرلاعتقاله. وبعد ذلك اختفى أثره ويرجح أنه قُتل في معتقل بريشة بتطوان.

وفي نفس الفترة أُلقي القبض على عبد السلام الطود، وكل الشهادات المتوفرة تفيد بأنه لقي نحبه في نفس المعتقل بتطوان. وكذلك الأمربالنسبة لمحمد الشرقاوي وعبد الكريم الحاتمي.

وفي 5 يوليو 1956 هاجم مسلحون إبراهيم الروداني، الوجه البارز في الحركة النقابية والمقاومة المسلحة. ولفظ أنفاسه الأخيرة في الحال. كما مات أخوه متأثراً بجراحه وكذلك أحد المارة.

وفي 25 يوليو لقي بوشعيب الزيراوي، رفيق الروداني، حتفه رمياً بالرصاص في درب البلدية بالدارالبيضاء.

وفي 28 يوليو لقي نفس المصيرلحسن الجلاوي وأحمد الشرايبي والمجاطي والمختار كندوز.

وفي 16 غشت 1956 تم اختطاف، بطنجة، رجل الأعمال عبد القادر بن عمر برادة بمعية صهره عبد الحميد بوسليخين. وكان الأول يستقطب الريفيين المقيمين بطنجة إلى صفوف حزب الشورى والإستقلال. ورغم البحث الواسع والمستمر لم يُعثر على أثرهما، ويرجح أنهما صُفيا بمعتقل بريشة بتطوان.

وفي نفس الفترة وقعت اشتباكات بين حزبي الإستقلال والشورى والإستقلال بمدينة مكناس نتج عنها قتيلاً وعدّة جرحى. وفي إطار التطاحن بين الحزبين تم اختطاف خليفة وشقيقه أحمد وعبد القادر من مقر سكناهم ولم يظهر لهم أثر رغم البحث المستفيض عنهم.

ولم يكن يمر يوم آنذاك دون معاينة اغتيالات ومواجهات بين أنصار الحزبين.

ومن ضحايا التصفيات المتبادلة بين المقاومين، هناك محمد صدقي وصالح الحريزي ومحمد حسين وعلي العيدي المعروفي ومحمد اجضاهيم وامبارك

 

بادي علال ومحمد بن عبد القادر الحريزي وأحمد بلحسن وابراهيم أوليازيد وبلمخنت عبد الرحمان وزوجته وعبد الله المديوني ومحمد بن بوشعيب المديوني وأحمد الرمضاني وبن زريويل والحبيب القدميري وثريا الشاوي وأحمد بن علي السرجان ومولاي أحمد الصقلي ومولاي علي القرواني ومحمد بن المكي (هوشي مينه).

وفي فاتح يناير 1957 سقطت عائشة المسافر بآيات باعمران وهي تطلق النار على جنود الإحتلال الإسباني في معركة بويزي.

وقد وصل الصراع والتطاحن بين حزبي الإستقلال والشورى والإستقلال أوجهما في أبريل 1959. وأُغتيل الفقيه عبد العزيز بن إدريس، وألقي القبض على الفاعلين وقُتِل واحد منهم تحت التعذيب بمخفرالشرطة وهو الحسن بن الحسن القهواجي ونُفد حكم الإعدام في حق محمد بن الحسين الملقب بالأعور.

ويعتبر الشيخ عبد العزيز بن إدريس من الفعاليات البارزة، كان ضحية لعملية اغتيال قيل أن منفيذها كانوا على علاقة بالإتحاد الوطني للقوات الشعبية وبأمر من قاداته. والشيخ عبد العزيز من مواليد 1907 حصل على عالمية القرويين سنة 1930 ، شارك في مقاومة الظهير البربري وداق السجن والتعذيب على يد البغدادي باشا مدينة فاس. وكان أحد الغيورين على العقيدة السلفية ومن دعاة الإصلاح. كما كان أحد رجالات الحركة الوطنية الأوائل ووقع عريضة المطالبة بالإستقلال في 11 يناير 1944 وعرف سجون ومنافي وتعذيب وتنكيل المستعمر.

كان يتنكر في ملابس "الحلايقية" ويتجول في أسواق الجبال ويقص في "الحلقة" القصص بجميع اللهجات، وفي ذات الوقت بين دعوته الدينية ودعايته السياسية والجهادية وينسق بين المقاومين. وقد ناهض بقوّة في فجر الإستقلال المدّ الشيوعي والحملة الفرانكوفونية التي كان يقودها مركز التبشير المسيحي في كنيسة تيومليلن بمدينة أزرو إلى أن أغتيل في 25 أبريل 1959. وقد ساهم بجانب علال الفاسي وشكيب أرسلان في تحقيق أجزاء من كتاب العبر لابن خلدون المنشور سنة 1936 بالقاهرة. وقد شارك جميع القائمين على الأمور آنذاك في التعتيم على اغتياله. وكان محمد بن الجيلالي (ميشيل لحريزي) من المثقفين المنضوبين تحت لواء الحركة التقدمية. إلا أنه سرعان ما ثم إدماجه في آليات الإدارة آ نذاك وكلفه أفقير بجملة من المهام المطبوعة بالشبهات. إلا أنه أُعتقل في 17 دجنبر 1959 ثم أطلق سراحه. إلا أنّه بعد ذلك تم اختطافه بمدينة طنجو وهو في طريقه إلى فرنسا رفقة زوجته وابنتهما. ولم يظهر لهم أثر وأضحوا من عداد مجهولي المصير.

وعموماً في السنين الأولى من الإستقلال وإلى حدود 1965 فقد الكثير من المغاربة حياتهم، حيث تم إعدام عبد الرحيم اينوس ولحسن باشوش ومحمد بلحسين وبنحمو الفاخري، وعبد الله الزناكي والمولات ادريس وأحمد تاجة ومحمد آيت عمر ومحمد بولنوار وميلود المشنتف وعبد العزيز العبدلاوي ومحمد بن أحمد وعبد السلام بن عمر وعبد الله بنحمو وعبد القادر بن المختار ومحمد بن عبد القادر ومحمد بن سي محمد وحمادي بن محمد وسعيد بن سعيد والأمين بن عبد العزيز وزروال بن محمد وعمر دهكون ومحمد بن الحسين(صبري) وآيت عمي لحسن واجدابني مصطفى وموحى نايت ومحمد حسن الإدريسي وبارو امبارك ولحسن آيت زايد وحديدو أموح وعبد الإله فريكس ودحمان نايت غريس ولحسن تاغجيجت ومحمد بن الحسين وإدريس الملياني والمهتدي محمد وبوجمعة جناح ومحمد الحجيوي وميري بوجمعة وسعيد أوخويا وموحى أحمو وغيرهم.

وفيما يخص غير الإعدامات المعلن عنها والرسمية هناك عدّة مغاربة فقدوا حياتهم من أجل التغيير وغد أفضل في ظروف أخرى. نسوق منها بعض الأمثلة.

ففي يناير 1959 سقط في أحداث الريف بفعل تدخل الطيران عشرات القتلى.

 

 

ستينات القرن العشرين

 

إن لستينات القرن العشرين نصيبها كذلك من المغاربة الذين فقدوا حياتهم من أجل التغيير وغد أفضل.

ففي 19 غشت 1961 صدر حكماً بالإعدام على 4 مناضلين من خيرة المقاومين. وهكذا سقط محمد بن حمو العياشي(الفاخري) وعبد الله بن الحسن الزناكي( رفيق الزرقطوني) والمولات إدريس بن أحمد وأحمد بن محمد تاجا برصاص عهد الإستقلال. وبشهادة الجميع كان هؤلاء أبطالاً حتى في مواجهة لفيف الإعدام، إذ رفض الفاخري وضع العَصَّابة على عينيه وقال لقاتليه: " اتركوني أرى لآخر مرّة  سماء وطني الذي أموت سبيله". كما هتف عبد الله بن الحسن "يحيا التاريخ" وصاح المولات إدريس "هذا ما يجازينا به الإقطاع". وهذا ما أكدّه كذلك شهداء عيّان حضروا عملية تنفيد الإعدام، وهم محامو هؤلاء الشهداء الأبرار.

وفي هذه الفترة أكد أكثر من مصدرأن الجنرال السفاح أفقيركان يكبّل المناضلين الأوفياء ويثقل أجسادهم بالحديد قبل رميهم من الطائرات العسكرية في البحر. وهذا ما وقع في يوليو 1963 بالرباط وأكادير والدارالبيضاء. وأغلب هؤلاء الضحايا كانوا شباباً.

وفي سنة 1963 ، في الوقت الذي كانت فيه المحكمة العسكرية تصدر حكمها بالإعدام على محمد البصري وعمر بن جلون ومومن الديوري والمهدي بن بركة ومولاي عبد السلام الجبلي وعبد الفتاح سباطة، تسللت جماعة مسلحة من الحدود الجزائرية ووقع إشتباك مع القوات المسلحة وكانت الحصيلة سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

وتميزت سنة 1964 باعتقالات واسعة النطاق وصدر في يونيو على الأقل 14 حكماً بالإعدام في حق محمد بن محمد بن عبد الله، ومحمد بن عزوز بولنوار وميلود بن محمد المشنتف، وعبد العزيز بن محمد العبدلاوي ومحمد بن أحمد وعبد السلام بن حمادي بن عمر وآيت سعيد عبد الله بن حمو وعبد القادر بن البشير بن المختار ومحمد بن عبد القادر بن قدور ومحمد بن سي محمد بن عمر وحمادي بن محمد بن عمر وسعيد بن سعيد بن عبد الله والأمين بن عبد العزيز وزروال معمر بن محمد.

ورغم أن حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية رفض المشاركة في الإستفتاء على الدستور الممنوح، قرّر المشاركة في الإنتخابات البرلمانية لفتح واجهة النضال والصراع على السلطة داخل البرلمان وفي عقر صفوف القوى الرجعية آنذاك. إلاّ أن النتيجة كانت اعتقال المرشحين وتهديدهم وإلحاق الأضرار بمصالحهم وأملاكهم بل وتصفية بعضهم. وفي أقل من أسبوعين سقط ما يناهز7 مناضلا اتحادياً بعضهم أغتيل برصاص أعوان الإدارة في الرباط ومراكش وأكادير وآسفي وورزازات.

وفي سنة 1964 تعرض ادبلعيد لعملية اختطاف، وحسب أكثر من مصدر لقي حتفه بمخفرالشرطة بالدارالبيضاء، ورغم ذلك أصدرت المحكمة في حقه غيابياً حكماً بالسجن المؤبد.

كما لقي نفس المصيرالشهيد المدني بن محمد المغراني الملقب بالأعور المختطف بناحية تطوان ولم يظهر له أثر. وهو من مؤسسي جيش التحرير في الشمال. وقد صرح البعض- من ضمنهم الفقيه البصري- أنّه أغتيل بفيلا سرية بالدارالبيضاء.

ولقي نفس المصير كذلك الشهيد محمد بن علي بولحية في صيف 1963 وظل مجهول المصير. وكذلك محمد العبدي زكرياء وآيت بوهمو بن الحسن.

وفي يونيو 1964 عثر بالشارع بالدارالبيضاء على جثت الحاج أحمد أشويط وعبد الله بن علي وبلحسن السويسي وعبد الله كاكاز وكلهم من المقاومين البارزين. وقد استهدف هذا الفعل الشنيع رعب وترهيب المناضلين وتكريس ثقافة الرعب في صفوف الشعب.

 

وأطلق عبد الرحيم اينوس، البالغ عمره 17 سنة، الرصاص على الضابط لحسن الغول الذي صفى أكثر من مقاوم، من ضمنهم مولاي الشافعي. وصرح في وجه هيئة المحكمة أنّه قضى على حياة مجرم اغتال أبطال الإستقلال، واعتبر ما قام به واجباً وطنياً لأنه تربى على رفض سيادة الظلم والإستغلال في ظل الإستعمار الفرنسي فكيف يقبله وهو صادر من مغاربة ضد مغاربة؟

وكان حكم المحكمة العسكرية هو الإعدام في حق عبد الرحيم اينوس ورفيقه في درب النضال والكفاح لحسن بن محمد باشوش.

كما أنه قام أكثرمن صراع بين المغاربة الخاضعين للتدريب العسكري بالجزائر آنذاك. ولقي بعضهم الحتف على أيدي رفاقهم في السلاح.

ومن هؤلاء ميلود توحتوح- الذي غادر الجيش الملكي- واتهم خطأ بالخيانة، وكذلك الأمر بالنسبة للمقاوم محمد بن حمو الشيباني.

وبعد تأجج الصراع بين الجزائر والمغرب على إثر حرب الرمال أو حرب الحدود، انطلقت جماعة من المغاربة من معسكر التدريب الكائن بسيدي خالد بالقرب بالقرب من مدينة بلعباس في يوليو 1964 واصطدمت مع قوات الحدود المغربية وكانت الحصيلة قتل وأسر معظم أفراد المجموعة ماعدا ثمانية منهم تمكنوا من العودة سالمين إلى الجزائر.

وفي يونيو 1964 اخترق أحمد أكوليز(شيخ العرب) الحدود الجزائرية المغربية رفقة عمر الفرشي. إلاّ أنه بمجرد أن وطأت قدماه أرض الوطن وجد نفسه مطارداً من طرف الأجهزة الأمنية المغربية. إستقر بفيلا بالدارالبيضاء بضعة أيام فقط، وسرعان ما طوّقتها جماعة من رجال الأمن إلا أن أحمد أكوليز ورفاقه اضطروا لتبادل النار مع البوليس وقتلوا ثلاثة من أفراده وجرحوا آخرين وتمكنوا من الفرار.

ظل شيخ العرب ورفاقه مطاردين على امتداد التراب الوطني. وفي كل مرّة كان يفاجأ بترصد رجال الأمن لخطواته وطالما كانوا ينتظرونه في أكثر من مكان مما يشير إلى أن جماعته كانت مخترقة، إذ كانت تضم عميلاً يخبر جهاز المخابرات بتحركات شيخ العرب، واعتباراً لمحاصرته اللصيقة لم يتمكن من تأسيس خلايا وتنظيمها، الشيء الذي يفسر عدم تمكنه من القيام بعمليات ذات جدوى. علاوة على أن كل المؤشرات تفيذ أن شيخ العرب وجماعته لم يكونوا يتوفرون على برنامج أو رؤية واضحة المعالم والمقاصد. وظل شيخ العرب مطارداّ إلى أن لقي حتفه على يد رجال الشرطة في 7 غشت 1964 واعتقل ما يناهز 40 من رفاقه.

وفي هذه الفترة كان من المعروف أن جريدة "المحرر" كانت شوكة في حلق القائمين على الأمور، ولذلك كانت من أولى ضحايا القمع والتنكيل وارهاب الدولة. وكانت جريدة "المحرر" إذن من أولى ضحايا حالة الإسثناء، ولم يتم صدور إلا خمسة أعداد منها بعد اختطاف المهدي بن بركة تم اغتياله. وظلت المطبعة التي كانت تطبع بها محاصرة من طرف رجال الأجهزة الأمنية لمنع تسربها إلى الأكشاك. وفي أحد الأيام اقترح أحد العاملين بها بتهريب الجريدة بعد طبعها من السطح وايصالها إلى مقر الحزب قصد القيام بتوزيعها رغم المحاصرة.

وقد أكد عبد الله رشد في أحد مؤلفاته على حادثة وقعت له مع عبد الرحمان اليوسفي. وكان عبد الله رشد آنذاك يشغل منصب سكرتير التحرير بجريدة "المحرر". أخبر هذا الأخير عبد الرحمان اليوسفي بمكتبه بالأمر، لكنه صاح في وجهه قائلا: لماذا لا تستشيروننا في مثل هذه الأمور؟ والآن افعلوا ما شئتم....

ولم يمر إلا أقل من أسبوع عن هذه الحادثة حتى أصدر الحزب بلاغاً يعلن فيه عن توقيف صدور جريدة "المحرر" نهائياً لأسباب مادية، موضحاً أن الخسائر الناجمة عن المنع المستمر قد ألحقت أضراراً بالغة وبالتالي أدت إلى استحالة الاستمرار في صدورها.

وعاش المغرب في منتصف ستينات القرن الماضي أوضاعاً مزرية نتيجة لسياسة التفقير الممنهج الشيء الذي أدى إلى انفجار غضب شعبي. هكذا خرجت الجماهير الشعبية يوم 23 مارس 1965 إلى شوارع الدارالبيضاء احتجاجاً على الأوضاع الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية. وكانت النقطة التي أفاضت الكأس صدور قرار وزاري يمنع التلاميذ البالغين 17 سنة من العمر من ولوج السلك الثاني من التعليم الثانوي آنذاك، حيث اشترك التلاميذ وأباؤهم وأولياؤهم في مظاهرة صاخبة بالعاصمة الإقتصادية. وواجهها النظام بالنار والرصاص، إذ تدخلت القوات المسلحة مساندة ومدعمة بالدبابات للتوقيع على مدبحة ومجزرة بشرية مع الترصد وسبق الإصرار. واجتهد الجنرال السفاح أفقير في المساهمة الفعلية والعملية في سفك دماء المتظاهرين العزل، لقد كان يطلق النار الجماهير من طائرته المروحية. وكانت الحصيلة مئات القتلى من المتظاهرين العزل والإعلان عن حالة الإستثناء دامت عدّة سنوات تميزت هي كذلك بالمزيد من سقوط مغاربة فقدوا حياتهم من أجل التغيير ةغد أفضل، ففي 23 مارس 1965 سقط أكثر من ألف قتيل في مظاهرة الدارالبيضاء.

 

 

سبعينات القرن الماضي  

 

توالت النضالات وسقط شهداء آخرون، من ضمنهم عمر بن جلون على يد أشخاص سخروا تسخيراً للقيام بجريمتهم النكراء وكذلك التلميذ محمد كرينة الذي لفظ أنفاسه في مخفر الشرطة بعد اعتقاله بأكادير لأنه أجهر بمساندته للشعب الفلسطيني ودعم كفاحه ولأنّه شارك في تظاهرة نظمت لهذا الغرض.

وقبل هذا كانت أحداث مولاي بوعزة بضواحي مدينة خنيفرة الجبلية بالهجوم على مركز الحراسة يوم 3 مارس 1973 بقيادة ابراهيم التزنيتي (النمري) رفقة 16 مناضلا. وفي 6 مارس طوقّت القوات المسلحة منزلاً بإحدى الدواوير بناحية كلميمة كان يختفي فيه المناضل محمد بنونة. وأسفر تبادل إطلاق النار عن استشهاده رفقة مولاي سليمان العلوي. ولم يكن ذلك ممكناَ لولا خيانة أحد أصدقاء صاحب المنزل (وكان عون سلطة).

آنذاك كان رد فعل النظام قوياَ ومرعباَ، إذ أجبرت القوات المسلحة السكان على تطويق المتكردين، وهكذا سقط ابراهيم التزنيتي وأسكور محمد (كاسترو) وألقي القبض على آخرين.

وفي 25 يونيو 1973 قدم للمحكمة العسكرية بالقنيطرة 149 مناضلا بتهمة تهديد أمن الدولة وصدر حكم الإعدام عن 15 منهم تم تنفيذه يومين بعد عيد الأضحى في حق كل من عمر دهكون وأجدايني مصطفى و محمد بن الحاج الحسين وموحا نايت بري وآيت عمي لحسن وعبد الإله بن محمد ويوس مصطفى ومحمد حسن الإدريسي وبارو مبارك ولحسن آيت زايد وحديدو أوموح وعبد الله أمحزون ودحمان سعيد نايت غريس ولحسن تاغجيجت ومحمد بن الحسين(المدعو هوشي مينه).

وفي 27 غشت 1974 نفذ حُكم الإعدام في حق إدريس الملياني ومحمد المهتدي وبوجمعة جناح ومحمد الحجيوي وميري بوجمعة وسعيد أوخيا وموحا أوحمو.

ومن المناضلين الذي لقوا حتفهم تحت التعذيب سالم أومسعود وبلقاسم مجاهد، كما تم اختطاف كل من الحسين المانوزي والنقابي عبد الحق الرويسي وعمر الوسولي ولم يظهر لهم أثر إلى حد الآن.

في سنة 1975 تمّ الإجهاز على الشهيد عمر بن جلون بطعنات خنجر في واضحة النهار يوم 18 دجنبر بالدارالبيضاء قرب سكناه. وقبل هذا، وعلى إثر مظاهرة 11 نوفمبر 1961 بالرباط والدارالبيضاء تضامناَ مع قادة الثورة الجزائرية الذين كانوا آنذاك مضربين عن الطعام في سجون فرنسا، وبعد أن تمكن المتظاهرون من إضرام النار في مبنى سفارة فرنسا ورفع العلم الجزائري فوق سطحها، تلت تلك الأحداث اعتقالات واسعة النطاق في صفوف الاتحاديين.

   وفي نهاية دجنبر 1961 تعرض عمر بن جلون لأول اختطاف بصفته مسؤولاً آنذاك عن نقابة البريد بالدارالبيضاء.

في السابق لم يكن هناك الكثير من الحديث عن الجيش بالمغرب، وحتى الصحافة نادراً جداً ما مانت تتكلم عن القوات المسلحة، وإن تكلمت فمن أجل تمجيدها والتنويه بدورها، وربما اضطرت إلى ذلك نظراً لأن عاهل البلاد هو القائد الأعلى للجيش وقائد أركانه العامة. كما أن الميزانية الخاصة بالجيش يصادق عليها مباشرة وتوّا وبدون مناقشة وبدون أدنى تعليق يذكر. تتم دائماً وأبداً المصادقة عليها كما هي وكما أنزلت.

ومنذ المحاولتين الانقلابيتين في فجر سبعينات القرن الماضي أضحى الجيش خاضعاَ لمراقبة قريبة وتواصلة من طرف الدرك الملكي القائم عليه الجنرال حسني بنسليمان. وأصبحت كل تحركات القوات المسلحة، مهما كان حجمها، خاضعة لمراقبة الدرك وكل المناورات والتداريب على استعمال السلاح مراقبة من طرفه بشكل لصيق.

وفي يوليو 1971 وغشت 1972 عرف المغرب محاولتيت انقلابيتين، انقلاب الصخيرات والهجوم على الطائرة الملكية. ومهما كانت خلفيات ودواعي ومنطلقات الانقلابيين فإن عملهم يدخل  ضمن السعي إلى نوع من التغيير ( قد لا تكون في صالح الشعب أو البلاد). والذين فقدوا حياتهم منهم، إما في ساحة القتال أو عبر الاعدام أو الذين أقبروا بتازمامارت حتى بعد قضاء المدة الحبسية المحكومين بها، كلهم فقدوا حياتهم من أجل التغيير على كل حال. ولقد أكد الأستاذ عمر بل جلون آنذاك للمعتقلين الانقلابيين أن حزبه (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) طالب في مفاوضاته مع القصر بمحاكمتهم كمعتقلي رأي وليس كمجرمين.

في ذكرى الاحتفال بعيد ميلاد الملك حدث الانقلاب الأول يوم 10 يوليو 1971 ، وأسفر إطلاق النار في رحاب قصر الصخيرات عن قتل أزيد من مئة من المدعوين للاحتفال. وهذا الانقلاب قاده ضباط من أبرز قادة الجيش الملكي، لا علاقة لهم بالسياسة ةلا بالمعارضة، كما أنه لم يكن لهم أي وازع ديمقراطي. بل إن أغلبهم شارك في قمع المقاومة في جبال الريف سنة 1925 وقمع تحركات نضالية أخرى.

وفي بداية الأحداث نشب نزاع بين الجنرال المدبوح والكولونيل عبابو انتهى بتصفية الثاني للأول. وفي مقر القيادة العامة أجهز جنود الأول على الثاني. وبعد ذلك قام الجنرال السفاح أفقير بتصفيات واسعة وسط الجيش.

وفي مواجهات محيط مبنى الاذاعة بالرباط وبعض الادارات والوزارات سقط حوالي مئتي جندي. وبعد محاكمة سريعة نفذ حكم الاعدام في عشرة:

4 جنرالات وهم بوكرين وحمو وحبيبي ومصطفى و5 من رتبة كولونيل والكومندار ابراهيم المانوزي.

وفي 16 غشت 1972 استُهدفت الطائرة الملكية العائدة من باريس وعلى مثنها الملك والحاشية، وتعرضت إلى هجوم طائرات حربية في سماء مدينة تطوان. وفي نفس اليوم لقي الجنرال السفاح أفقير حتفه بالرصاص. وكان أغلب منفذي هذا الانقلاب منحدرين من الأوساط الشعبية. وكانت الحصيلة إعدام 11 ضابطاً من الرتب المتوسطة والصغيرة ليلة عيد الأضحى من شهر يناير 1973 . ولقي 30 عسكرياً حتفهم في ظروف أشد قساوة وبطشاَ في أحضان آكل البشر، معتقل تازمامارت، رغم أن أغلبهم تجاوزوا المدد الحبسية المحكومين بها من طرف محكمة علنية. وهذا علاوة على الذين فقدوا حياتهم تحت التعذيب في المعتقلات السرية.

وهكذا لقي الحتف المقدم محمد أمقران والرائد كويرة الوافي والنقيب العربي الحاج والملازم الأول زياد عبد القادر والملازم الأول بوخالف حميد والملازم ميداوي اليزيد والرقيب الأول مهدي عبد العالي والرقيب الأول بلقاسم أحمد والرقيب الأول بينوا العربي والرقيب بحراوي الطاهر والرقيب كمون عبد الرحمان وغيرهم.

وبعد محاكمة المتورطين في انقلاب الصخيرات (1972) قام الملك باعفاء الضباط الثلاثة المستشارين في هيئة المحكمة التي حاكمت الانقلابين- من مهامهم العسكرية وأحيلوا على التقاعد اعتباراً لتعاطفهم مع الانقلابيين واعتباراً لأن الأحكام الصادرة في حقهم كانت خفيفة وليست قاسية بالقدر المناسب مع الفعل وبالقدرالمنتظر.

أما بخصوص المتورطين في الهجوم على الطائرة الملكية (غشت 1972)، أمقران والكويرة ومن معهما، فقد كان الجنرال الدليمي ضمن هيئة القضاة التي حاكمت على المتهمين، علماَ أنّه كان عن مثن الطائرة الملكية عند تعرضها للهجوم، وبذلك كان خصماً وحكماً في ذات الوقت.

ويقول السيد آيت قدور- وهو مناضل بالحركة الاتحادية- وصديق حميم لأمقران، أن هذا الأخير كان شاباً وطنياً وفياً، عاش توابع الانقلاب الأول في الصخيرات وقد نجا بأعجوبة. وأمقران هذا تعرض لتعذيب وحشي قبل أن يحكم بالإعدام ويرمى بالرصاص صبيحة يوم عيد الأضحى. ويعتبره الكثيرون شهيد ثورة كانت تسعى للتغيير.

ولم تخرج الحركة الماركسية اللينينية المغربية عن القاعدة، إذ قدمت هي كذلك جملة من الشهداء من أجل التغيير وغد أفضل، وخلال مسيرتها النضالية الصعبة والشاقة سقط عدد من مناضليها إخلاصاً لمبادئهم وسعياً وراء تحقيق طموحات وانتظارات الشعب المغربي الذي أدى الثمن باهضا من أجل البحث عن تحقيق غد أفضل على امتداد أكثر من 4 عقود من النضال والكفاح المستميت.

ومن شهداء الحركة الماركسية اللينينية المغربية نذكر بوعبيد حمامة وعبد للطيف زروال وسعيدة المنبهي والتهاني أمين ورحال جبيهة والمنتصر البريبري وشباضة عبد الحق وغيرهم.

فعبد اللطيف زروال والتهاني أمين سقطا ضحية التعذيب الوحشي من جرّاء صمودهما البطولي في وجه جلادي درب مولاي الشريف. أما بوعبيد حمامة، يعتبر أحد رواد اليسار الذي لقي حتفه بعد معاناة قاسية في منفاه بالجزائر.

وعبد اللطيف زروال هو أحد الشهداء الذين عرفتهم وخاطبتهم وعاشرتهم خلال الندوات الوطنية المُقاومة من طرف منظمة "إلى الأمام" عندما كنت مكلّفا بتمثيل مناضلي منطقة الغرب (القنيطرة) في تلك الندوات عرفته مناضلاً منضبطاً، ذو فكر ثاقب متشبتاً بأفكاره ومبادئه كثوري محترف، مهنته هي الثورة المغربية والعربية والعالمية من أجل التغيير وغد أفضل استشهد في معتقل درب مولاي الشريف في منتصف نوفمبر 1974 ، ولازالت عائلته تطالب برفاته إلى حد الآن.

وبخصوص سعيدة المنبهي، فقد استشهدت في خضم إضراب عن الطعام في حالة اعتقال بالدارالبيضاء بعد تجاوز أربعين يوماً، بعد أربعين يوماً من الإضراب عن الطعام أسلمت الشهيدة الروح يوم 19 دجنبر 1977 وهي في عنفوان وطراوة الأنوثة. وذلك تضحية لصون الشرف وتحقيق الحرية وكرامة الرجاء والنساء بالمغرب.

ومن شهداء مخافر الشرطة والمعتقلات السرية في نهاية سبعينات القرن الماضي، لا بد من الإشارة إلى أمين التهاني الذي لقي حتفه بدرب مولاي الشريف بالدارالبيضاء ومحمد كرينة بأكادير وعبد الحكيم المسكيني ببني ملال.

ومهما يكن من أمر فهناك كثيرون مازالون مجهولون، لقوا حتفهم هنا وهناك تحت قبضة المختطفين والجلادين دون علم دويهم، ولا يمكن بأي وجه من الوجوه التعرف عليهم بأكملهم اعتباراً للقمع الجهنمي السائد آنذاك في مختلف أرجاء البلاد وأعتباراً بالأساس للخوفقراطية التي تمثلت مكوّناً من مكوّنات المنظومة الاجتماعية المغربية.

وقبل حتم مرحلة السبعينات لا بد من الإشارة إلى أنه من الشهداء الذين همشوا ولم يوليهم المؤرخون حقهم، الشهيد محمد ابراهيم البصيري. وهو أحد أبناء الصحراء درس بسوريا، وبعد رجوعه إلى المغرب أسس صحيفة "الشهاب" وأصيب بالإحباط بسبب عدم اهتمام السلطات المغربية آنذاك بمطلبه المثمثل في ا

النضال والكفاح من أجل تحرير الصحراء. أسس الشهيد منظمة للتحرير "المنظمة الاسلامية لتحرير الصحراء"، والتي كانت تهدف إلى تحرير الصحراء من الوجود الاسباني والانضمام إلى المغرب واعتماد حرب التحرير المرتكزة على جيش وطني يشكله السكان. وعندما أرادت اسبانيا سنة 1970 التصدي إلى هذا التوجه أعلنت عن تنظيم البصيري معارضة هذا المشروع الدنيىء وتحديه. وكان رد السلطات الاسبانية القمع، فكانت مجزرة العيون التي أسفرت عن سقوط مئات الشهداء واعتقال الآلاف. وعلى رأس هؤلاء الشهيد محمد البضيري الذي لفظ أنفاسه الأخيرة تحت التعذيب على يد الجلادين الإسبان. ومما زاد الطين بلّة، أن الموقف المغربي من هذه الأحداث ورد فعل الأحزاب السياسية المغربية كان سلبياً مما آثار حفيظة سكان الصحراء الشيء الذي ساعد وبامتياز على نشوء حركة انفصالية بقيادة الوالي.

 

إدريس ولد القابلة