
نقرات الزمن في نقرات
الظباء ... شوقي عبد الحميد يحيى التاريخ: Saturday, February
19 الموضوع: نقد
لكل كاتب مشروعه الذي تدور حوله معظم أعماله - تقريبا
- قد يحيد عنها في بعض الأحيان ، يمينا أو يسارا ، لكن الخط
الأساسي له يظل يدور في فلكه الذي وجد نفسه فيه أو الذي يرى نفسه
فيه. كما أن الكاتب ابن بيئته ، فعندما تبدأ عملية الإبداع لديه
، فأول ما يفكر فيه هو العالم من حوله وأقرب الأشياء إليه هي
مادته ، فارتبطت كتابات نجيب محفوظ بالحارة ، بظواهرها وطباع
ناسها ، بعاداتـهم وتقاليدهم نجدها بحضور قوي ومؤثر ، وارتبطت
كتابات عبد الحكيم قاسم بالريف بطباع أهله وعادات ناسه ، وارتبطت
كتابات محمد مستجاب بالصعيد ، وارتبطت طباع أهل النوبة وأحوال
معيشتهم بكتابات إدريس على ، وارتبطت كتابات خيري عبد الجواد
بالبيئة الشعبية البولاقية .
كذلك ارتبطت ظروف وأحوال
ومعيشة البدو بكتابات ميرال الطحاوي . وفي كل هذه النماذج نجد أن
أصحابها يكتبون عن هذه البيئة أو تلك بما يعني أن هناك رؤية ، أي
أنـهم ينظرون إلى هذا العالم برؤية محددة ، ربما كانت انتقادية ،
ربما كانت رفضا لهذا المجتمع ، ربما كانت تقدم صورة لغرائبية هذا
المجتمع ، المهم أنـهم يكتبون من خلال رؤية ما . فميرال الطحاوي
منذ أن قدمت روايتها الأولى "الخباء" انتقلت بقارئها إلى عالم
البداوة بطباعه المميزة له والتي تتمثل في العديد من الظواهر
والتي يأتي على رأسها التحيز للذكورة وتفضيلها على الإناث ، بل
ورفضها واعتبارها عارا يجب التخلص منه ، والإحساس بالذات الذي
يصل إلى حد الغرور والذي قد يكون مثار سخرية في بعض الأحيان ،
والنظر إلى غير البدوي نظرة فيها الكثير من الإستعلاء . وكل ذلك
يمكن تمييزه بوضوح في خباء ميرال الطحاوي وبصورة ضاغطة حتى ليكاد
يشكل المدلول الرئيسي ، أو الرؤية الكلية ، أو المنتج الرئيس
للعمل ، وعلى الرغم من ذلك فإن الكاتبة لا تقدم لنا تصويرا لعالم
البداوة أو لحياة البدو، وإنما هي ترفع صوتـها بصراخ رفضا
لتقاليد هذا المجتمع الذي لا يجعلها على قدم المساواة مع الرجل ،
ولذلك تبدأ الكاتبة أو تفتتح روايتها بـما أعتبره مفتاحها
الأساسي والذي تقدمه كإهداء : - [ .. إلى جسدي .. وتد خيمة
مصلوبة في العراء .. ]
فإذا كانت الرواية تؤكد على أن
الذكر هو الوتد القائم عليه خيمة القبيلة والأنثى ربما كانت عارا
إلى الحد الذي تعتبر الجدة فيه زواج الحفيدة كفنا لها تقدمه
ميرال الطحاوي في فقرة تحمل صفة أساسية في أسلوبها هو التركيز
الشديد وتقديم الرؤية مغلفة بقشرة لابد لك – كقارئ – انتزاعها
حتى تستطيع الحصول على الثمرة ، فنجد الأب الغائب معظم الوقت ،
والجدة هي المهيمنة الآمرة الناهية في القبيلة ، وعندما يعود
الأب في إحدى أوباته تريد الجدة أن تخبره بأنه قد جاء عرسان
لابنتيه ، فيدور هذا الحوار الشديد التركيز القوي التعبير حيث
تقول الجدة :- [ - زرعك آن قطافه . فيرد الأب - آن حصاده
. - نضجت السنابل ، الفلاحون أنجاس يسرقون كحل عينيك . وخلفة
السوء التي ابتليتني بـها جاءتـها الأكفان وأنت هارب في الفجاج .
- مازلن صغارا . - قيدها بقيد حديد وارميها في بيت سعيد
. - من جاءك ؟ ! - عبلة "مجلى" ، "منازع" وولده "نايف" .
- لمن ؟! "منازع سقط سن فكه !! - اقبرهن قبل أن يقبرن
سيرتك وفضائلك . - صافية ؟! - و "فوز" .. الولد وأبوه .
- وهل أجبت سائلهم ؟! - وهل يُرد ؟! قيدها بقيد حديد
وارميها في بيت سعيد ، والله بيت فيه كل هذه الرزايا بيت مشؤوم ،
طير الطيرة الغبرة حتى يخلف الله عليك بالولد يا وليدي . ] ص 40
فإذا ما جاءت الكاتبة أمام هذه الرؤية لـتُصدّر روايتها
بأن جسدها - وهو العار الأساسي في الأنثى في ظل هذا التصور في
ذلك العالم – فإن ذلك - في تصوري – ما هو إلا رفض لتلك الرؤية ،
بل وتحدٍ لـها ، خاصة إذا كان هذا الوتد "منصوب في العراء" أي
قائم وصلب في مواجهة الظروف القاسية التي تمثلـها الصحراء بكل
عنفوانـها وظروفـها وطبيعتـها .
وإذا كانت "الخباء" فيها
وحولها الكثير مما يقال ، إلا أنـها ليست موضوعنا ، وإنـما ما
يهمنا هنا هو التركيز على أنـها تعتبر "الفرشة" أو الأساس الذي
ينبني عليه معمار ميرال الطحاوي ، ويظل هذا العالم هو المنتج
الرئيسي في "الخباء" ، ويظل الهم الخاص أو الذاتي أو المحدود هو
ما قدمته ، إضافة إلى مميزاتـها الأسلوبية وأعمدة عمارتـها
الروائية التي سينبني عليها طوابقها المتكررة .
وبعد
"الخباء" (1996) تأتي "الباذنجانة الزرقاء" (1998) والتي تعتبر
الدور الأول في الأدوار المتكررة من المعمار ، حيث ينبني من نفس
خامات دور الأساس ولكنه يحتوي – زيادة على دور الأساس – على
(بلكونة) – وهو التعبير الذي استخدمته الكاتبة في وصف بيت
العائلة - ، ومنها تستطيع رؤية أوسع من تلك المساحة المتاحة في
دور الأساس . فلا زالت عادات وطبائع البدو هي التي تشكل العالم
الروائي ، وهي التي تشكل الرؤية الظاهرية للعمل ، فلا زال
المجتمع ذكوريا ، ولا زالت الأنثى عورة كما هي في الخباء ولازالت
الجدة موجودة وجودا مؤثرا ، حيث لا تأتي هنا – في الباذنجانة
الزرقاء لزيارة ابنها عندما يرزق بالبنت ، ولكنها تأتي عندما
يجيء الولد : - [ .. لم تجئ يوم مولد الباذنجانة ، أتت يوم
مولد النتوء الذي سيليها لأنه كان ولد .. ] ص 20 والذي عنه
تقول – الجدة - : - [ .. مملوك صغير لمَّا حضر ، يا حيطة
بيكي عرضي انستر .. ] والأمثلة كثيرة على استمرار تواجد الجو
والمناخ المتواجد في "الخباء" ولكنه ليس بنفس الكثافة وقوة الضغط
، حيث تدخل رؤية جديدة تغير بؤرة الاهتمام وتركيز الضوء الذي
يبتدئ منذ بدايات العمل حين تقول الراوية أو الباذنجانة الزرقاء
عن نفسها وعن مولدها الذي لا بد له انعكاساته الدلالية : - [
.. في مدار السرطان ، برج القرد ، في العام السابع والستين بعد
الألف والتسعمائة ، ستهبط من بطن الملكة نار يمان في منتصف الليل
.. ] حيث تستمر في وصف حالة الولادة وما صاحبها من تلوث –
مادي ونفسي – حتى تصل إلى: - [ .. بعد سبعة أيام لن يحفل أحد
بمولد "الباذنجانة الزرقاء" التي رزقت بها لأن الأب لم يعد ،
ولأن الغارات العارضة لم تكن غارات ، بل كانت هزيمة 1967(*) ،
ولأن الملكة كانت تصطك أسنانـها خوفا من "التيتنوس" الذي ربما
يأتيها بعد هذه الولادة الهمجية التي لم تتصور أن تخضع لطقوسها
أبداً .. ] ص 13،14 . ولم تكن تلك هي الإشارة الوحيدة التي
تحول بؤرة الاهتمام ، وإنما تقدم الكاتبة أيضا تشخيصا لتلك
التيارات المتواجدة على الساحة في تلك الأثناء والتي حددت بـها
الكاتبة شخصيات من حياتـها تتفق تماماً وتلك التيارات وبصورة
حالفها فيها التوفيق إلى حد كبير ، حيث نجد الأب – والذي قد يمثل
الماضي – الملقب من قبل الراوية بـ "سعد باشا" على الرغم من أنه
لم يكن باشا حقيقي – وهو ما تقدمه لنا الكاتبة بأفكار تتفق وتلك
الأفكار السلفية أو الباشوية في الوقت الذي كانت الباشوية فيه قد
ألغيت ، ولكنها تصارع الوجود وتبحث عن منفذ للخروج من وقت لآخر ،
وكذلك الأم – والتي تلقبها الراوية أيضا بـ "الملكة ناريمان" –
على الرغم من أن هذا ليس اسمها الحقيقي فتقدمها وكأنـها إحدى
سيدات ذلك العهد الذي كان قد قضي عليه – أيضا – قبل هذا التاريخ
ولكنه لازال يعيش بطريقة وأسلوب معيشة عهده ، ولا زال أيضا يبحث
عن وسيلة للظهور على السطح . ثم يأتي الأخ وكأنه يمثل التيار
الديني اليميني والذي هو أقرب إلى أفكار الفترة السابقة وإن كان
لا يتماثل معها تماماً ، ولذلك تم اختيار الأخ بالتحديد لتمثيل
هذا التيار ، فهو وإن كان منه فإنه ليس هو ، ونعرف بالطبع الدور
الذي لعبه هذا التيار في تلك المرحلة التاريخية . ثم يأتي الحبيب
المتوهم ، ممثلا لدور اليساري الوصولي المتـعفن الجذور الهمجي
التصرف الذي ينتمي إلى الأصل الوضيع ، ويكفي أن نمعن النظر في
تلك الفقرة التي تدلل بـها الكاتبة على ذلك في أصدق تعبير : -
[ .. كل ليلة تقودني خطواته ، نتعثر في الأعمدة ، يركل كل
شيء في طريقه بحذاء به أكثر من ثقب . نمشي في الحارات الضيقة ،
لنصل . البيت المجاور خرابه ما ، أحجار ومخلفات وجرذان تطارد
قططا تموء في الليل ويتعالى صياحها ، والبيت المواجه خرابة أخرى
وكائنات دقيقة تسرح فوق جسد ميت ، والنساء يجلسن ، بدينات ،
يفتحن أفخاذهن ... ] ص59 وعندما تسأله عن أبيه : - [ ..
ماذا كان يعمل ؟! "لطخ" . ثم [ تقول أمه لي إنـها لو ماتت
فسيتركها تتعفن ، أنفض صرصورا جديدا من على طرف ثوبـها وأبدد بعض
عتمة فراشها وأحاول أن أغير لها ملابسها لكنه لا يمهلني ، يسحبني
من يدي ويقول لها "لن تموتي.. سأموت قبلك" يدفعني أمامه ويغلق
الباب خلفنا بحدة - هل تكرهها - لو لم تكن عاجزة لوقفت
على ناصية أي شارع تستدرج رجلا لينام معها . - أنت قاسٍ
. شرب ما تبقى من الزجاجة وقال : - لا أحتاج رأيك . أنت
عاهرة مثلها .. ] ص60، 61 .
هكذا صورت الكاتبة ذلك
الاتجاه أو التيار الذي كان مسيطرا تلك الفترة بكل ذلك القبح
المعبر عن الرفض والذي ربما كان أحد أسباب ما حدث في ذلك التاريخ
الذي ذكرته ليس عفوا بالطبع وإنـما ليحمل وجهة نظر ورؤية لما حدث
وليبتعد بالرؤية عن الذاتي الذي كان متسلطا في "الخباء" إلى
العام الذي يتمثل حقبة مؤثرة وجد خطيرة في تاريخ مصر - بل والأمة
العربية بصفة عامة - ، وربما كان الصراع بين تلك التيارات أيضا
أحد الأسباب وربما كان صفة وملمح من ملامح تلك الفترة أيضا ، حيث
تفند الكاتبة فساد كل تيار على حدة والتي قد يطغى ذكرها على
موضوعنا الأساسي . فتظل البؤرة الأساسية هي فساد التيارات – خاصة
التيار الماركسي الذي وقع النظام "واهما" في حبه – وفساد الفترة
المصاحبة لنكسة 1967. فكانت بذلك خطوة أوسع نظرة من "الخباء"
ولكنها تظل أيضا حلقة وسطى بينها وبين "نقرات الظباء" ( 2002)
التي تجاوزت فيها الكاتبة التي أصبحت الرؤية فيها كلية واقتربت
بمساحة أكبر نحو الهم العام وابتعدت أكثر عن الهم الخاص ، فكانت
التجربة أكثر نضجا وأكثر حرفية ، حيث النظرة إلى تاريخ مصر كلها
وعلاقة الحاضر بالمستقبل . والتي لا نستطيع فيها تجاهل هذا الفهم
في الباذنجانة الزرقاء ، حيث رؤية الكاتب الكلية لا يمكن أن
تتغير من عمل إلى آخر بمدى انحراف كبير وإنـما تظل النظرة إلى
الأشياء في محيط دائرة واحدة ، بل قد يظل الكاتب عمره يدور حول
فكرة أو رؤية أو قضية واحدة يكرس لها كل كتاباته وربما كل عمره ،
ومن هنا نؤكد أن الصورة التي رسمتها ميرال الطحاوي للمجتمع في
الباذنجانة الزرقاء كان لها دور في إضاءة طريق البحث عن مفاتيح
"نقرات الظباء" المغلقة.
وتتمثل في "نقرات الظباء" كل
مميزات وخصائص ميرال الطحاوي الأسلوبية والروائية والتي يأتي في
مقدمتها التركيز الشديد إلى حد الإبـهام في بعض الأوقات - والذي
لا يستطيع أحد معه أن يدعي أن هذا هو التأويل الوحيد للعمل مثلما
كان يمكن في عمليها السابقين والذي يؤكد ثراء العمل وامتلائه
بالرؤى والتأويل - الأمر الذي يدعو للمحاسبة على الكلمة ووزن
العمل بأدق الموازين حساسية ، فكل كلمة محسوبة ولم ترد عفوا
وإنما لابد أن لها مدلولاً ما ولابد أنـها تخدم السياق العام ،
فهي لبنة في البناء ، ومن هنا كانت قراءة أعمال ميرال الطحاوي
وتأويل كتابتها ، وكان البحث عن مفاتيحها ، وإن كانت قد ألقت هذه
المفاتيح – في نقرات الظباء – في كومة من القش فتاهت مثلما تاهت
معالم البدو وتاه مجدهم وسط المباني الأسمنتية والطرق المرصوفة
التي لم تعد في حاجة إلى أدلاء يرشدون من أمثال "أبو شريك
العبادي" . ونقرات الظباء هي العلامات التي تتركها الظبية في
الرمال عندما يداهما الخطر وتفر هاربة علَّ أبناءها يهتدون بـها
إليها ، وإن كانت ميرال تصعد بظبائها إلى السماء لتكون نجوما
تضيء وتكشف مكامن الخطر وكأنها تصعد بعلاماتـها من الرمال التي
لا يراها إلا السائر فيها إلى العلا حتى تكون الرؤية أوسع وأشمل
، وربما كان هذا أحد مفاتيح القراءة لهذا العمل : [.. وهي
تحكي لها حكاية "السهى" تلك الظبية التي ركضت في السماء ولأنـها
تركت وليدا صغيرا على الرمال لا يعرف كيف يهرب من صياده ، تركت
له نقراتـها المضيئة نجوما تتنبأ بمواضع الخطر ..] ص 11 . ومن
هنا أيضا يمكن القول بأن النقرات هي الأثر الذي تتركه الظبية
للدلالة على سابق وجود حياة في هذا المكان ، فتظل النقرات بذلك
هي الدليل على اندثار حياة كانت هنا من قبل . ولأن النقرات
أيضا هي الدقات الإيقاعية التي هي مسافات زمنية ، والظبية هي
الغزال الرشيق الحركة وسريعها ، فكذلك تكون نقرات الظباء أيضا هي
إيقاعات الزمن السريعة . وتقدم الكاتبة أيضا ما يتوافق مع هذا
المعنى : - [.. وأن النجدية ما زالت تخبئ في صدرها علبة
النشوق ، تراقب من فتحة السقف "نقرات الظباء" وهي تدخ نجمات
قليلة متناثرة تركض في السماء ، تعرف بمرورها على هذا الموقع أن
سنة جديدة عبرت .. ] ص50. كما قد يعزز هذه القراءة أيضا ، أن
الرواية تقوم أساساً على قراءة الصور ، والصورة بصفة عامة تحمل
الذكريات ، وغالبا تلك التي كانت علامات في حياتنا ، كما قد
يعززها كذلك الجملة الافتتاحية للرواية والمشتقة أيضا من ذلك
التراث البدوي الذي لا زال يغلف أعمال الكاتبة والذي تقول فيه :-
[ .. على صدري حطيت شهايد بلا موت يا علم .. ] حيث دائما
ما تستخدم هذه المفتتحات لتعتبر مدخلا لما سيليها من وقائع
وأحداث – إن صح استخدام ذلك هنا - . فالشهايد هي ما يوضع على
القبور للدلالة على المتوفى أو المتوفين ، فإذا ما اعتبرنا أن
دولة البدو قد ولت أو زالت أو ماتت ، فإن هذا العمل يعتبر شاهدا
أو علامة تشير إلى أنه كان هنا عالم للبدو ، إلا أننا لو قصرنا
ذلك العالم على البدو فقط فإننا نكون قد حصرنا الكاتبة في عالم
البدو الذي كان طاغيا في روايتها الأولى على النحو الذي وضحناه
سابقا ، وتكون الكاتبة لم تتقدم خطوة منذ بداياتها الروائية أو
أنها بمعنى آخر تكرر نفسها ، وفي ذلك ظلم بّينٌ لها ، حيث أن
الرؤية المتأملة ترى أن الدائرة قد اتسعت وتحول الهم الخاص إلى
هم عام ، فيمكن النظر – دون أي إسقاط من جانبنا – إلى عالم البدو
هنا على أنه مصر كلها ، وإن كان الموت هنا ليس هو الموت الفعلي
بطبيعة الحال ، وإنـما هو الموت المعنوي ، هو التدني أو زوال
العز والمجد والحضارة ، زوال الفروسية وزمانـها ، فمصر التي
امتلكت حضارة الفراعنة التي ينبهر بها العالم حتى اليوم ، قد
تعرضت لسقطة أنزلتها من فوق حصان الفروسية للعديد من الأسباب
والتي بدأتها الكاتبة – في روايتها الباذنجانة الزرقاء – بنكسة
1967 وتعود إلى الوراء في النقرات لتستكمل الرؤية وتواصل ذكر
الأسباب والتي تراها في البعثات الأجنبية – الألمانية كما تذكر
الرواية وغيرها – لتقفي أثرها والوقوف على أسرارها وفك طلاسمها ،
وأن بعض هذه البعثات ذابت في الكيان المصري – عندما خلع "بيير
كام" اسمه وسمى نفسه سليمان – ربما إشارة إلى مينو أحد رجال
الحملة الفرنسية على مصر والذي اعتنق الإسلام وسمى نفسه عبد الله
الفرنساوي – وعندما [ .. اضطر "بيير" إلى إلقاء نظارته على الأرض
بعد أن حولتها الرمال إلى خدوش لا منتهية يصعب الرؤية من خلالها
..] ربما بما يعني تخليه عن الرؤية بعيونه الفرنسية والرؤية
للآثار والبرديات برؤية محلية ، و [واكتفى بإخفاء وجهه تحت
اللثام وشد حواف العقال على رأسه واستبدل حذاءه الرياضي بخف من
سيور الجلد .. ] ص 113 ، هذا إلى جانب تعلق "هند" وهي إحدى
الشخوص الرئيسية في الرواية ، وربما تبعتها "سهلة" حيث وقعت هند
في غرام بيير الذي سمى نفسه سليمان ، ربما كان ذلك الحب المتواري
وغير المعلن في ظل الظروف التي تعيشها والتي لم تكن لتسمح به أن
يعلن إلا بينها وبين سهلة التي وقعت هي الأخرى في حبه بصورة أيضا
غير معلنة ، ويتضح ذلك في: [.. من المؤكد أن هند التي فرزت
الصندوق أكثر من مرة – صندوق بيير- قد رأت الوجه المرسوم ،
وأنـها ضمت تلك الأوراق في جديلة من الشعر وقالوا أنـها كانت
تبكي كثيرا أو تجلس على فرع شجرة مانجو وتضم أوراقا إلى صدرها
حسبوا أنـها قصاصات مجدولين التي مزقها أخوها ذات يوم ، لكنها
رغم ذلك لم تخلع سيرا من الجلد العريض تتوسطه عين من العاج
السحري ستجده مهرة في حافظة جلدية قديمة خبأتـها امرأة لـها رقبة
الجازية الشريفة تجلس الآن في البلكون وحيدة تراقب مواء قطط
تنتظر إذا عبرت هند كما كانت تجيء .. ] ص 104 ، وما تلك المرأة
الأخرى إلا "سهلة" كما يتضح ذلك ، ونعرف بالطبع أن قصة مجدولين
هي قصة الحب الذي أبكى العديد من الشباب حتى صارت رمزا للحب
العذري، وهكذا يتضح الحب العذري الذي ربط هند بالمستشرق بيير ،
ومن بعدها سهلة ، بل ربما كان هو الذي باعد نفسيا بينها وبين
زوجها الذي شاءت الكاتبة ألا تحدد له اسما معينا ليظل علامة أو
وظيفة وليس شخصا محددا ، وقد أوضحت الكاتبة هذه العلاقة غير
السوية بين هذا الأب وبين زوجته "سهلة" حين: [ صارت تسمع سؤالا
أكثر دقة عن كونه ينام في خيمته ، ولا يبيت في غرفتها .. ] ثم
[.. هل كان ينام في غرفتها بعض الليالي أم أنه لم يفعل , بعد ذلك
وحينما كان عليها أن تفهم وحدها اكتشفت أنه لا يجرؤ على التحديق
في وجهها أبدا ، وأنها لا بد أن تكون بينهما إذا أراد أن يجلس
جانبها..] [..النجدية نفسها وأمام تحفظ ابنها لم تكن لتعرف هل ما
زالت ابنتها الصغرى بكرا أم دخل بـها ..] ص76 ، وقد يتضح السبب
في ذلك أيضا إذا ما عرفنا أن هذا الأب قد تزوج "سهلة" بعد موت
هند أختها لمجرد أنه ابن عمها وأن هذا هو المتبع في تقاليد
القبيلة ، أن هذا الزواج لم يكن بناء على رغبة أي من الطرفين ،
هكذا كان هناك سور نفسي بين "سهلة" وزوجها والذي يرجح أنه كان
نتيجة ذلك الحب غير المعلن لـ "بيير" الذي سمى نفسه سليمان ، إلا
أنه على الرغم من هذا التمنع من جانب "سهلة" لزوجها ، إلا أنها
تظل محتفظة بطهر البدوية ، حيث في أواخر أيام هذا الزوج تلقمه
الدواء عندما مرض وتبكيه بعد أن يموت ، وعلى الرغم من أن الرواية
ليست رواية شخصيات ، إلا أن الكاتبة تحافظ على هذا الملمح المكون
لشخصية تعيش في بيئة معينة لم يكن لها لأن تخرج عليها ، فكان
الصدق الفني الذي يحسب للكاتبة . وليكون – في النهاية – هذا
التفكك النفسي بين الزوجة وزوجها هو بداية صور تفكك حضارة البدو
، أو الحضارة المصرية .
وتأتي ثانية الأسباب التي كانت
من عوامل ضياع حضارة البدو - وهو السبب الذي يصعد بالرؤية من
عالم البدو إلى النظر إلى مصر بصفة عامة - وهو ما فعله رجال
الثورة بعساكرهم الأشبه بالتتار وغاراتهم على ما كان يملكه
الباشوات وما فعلوه ، خاصة بقوانين الإصلاح الزراعي الذي أدى إلى
تفتيت الإقطاعيات إلى جزئيات صغيرة والذي صورته الكاتبة في هذه
اللوحة التي رسمتها بالكلمات : - [ .. يتابع باهتمام كبير
النشرات عبر المذياع ، كانوا يتحدثون عن التصحيح الثوري والإصلاح
الزراعي . كان ذلك قبل أن يدخل من البوابة ثلاثين رجلا ..
لينقضوا على حدائق العنب والتمر البغدادي وأشجار السرو والحور
والكستناء التي جلبها من سفراته ، وليركضوا خاف الطواويس الملونة
والغزالات في الحظائر .. ] إلى [ كانت الغرف المسيجة بالسلك
والتي تحرسها الكلاب قد نهبت تماما قبل أن يفيق "مبارك العبد"] ص
28، 29 حيث تلعب الصورة هنا دورا في تجسيم الصورة التي كانت
عليها أجداد الراوية رخاء ومظاهر للعز ، يمرحون في الحدائق
المزدانة بالعنب والتمر وغيره من مظاهر توضح مدى ما أصاب هؤلاء
البشر بعدما هجم عليهم عساكر الثورة وانهالوا على كل ذلك العز
أحالوه خرابا ونهبا ، لتتجسم صورة الانهيار الذي يصاحب ذلك
الخراب الذي لم يكن في الحسبان . ولم يكن ذلك النهب والسلب
للإقطاعيات الكبيرة لبناء كبير يمكن أن يستفيد من الأعمال ذات
الحجم ، وإنما أدى ما فعلوه إلى تفتيت الأرض ، وإن كان الظاهر هو
توسيع قاعدة المكية، وإنما كان الواقع الفعلي هو التجزيء
[..الأرض التي تم تقسيمها على الفلاحين بعد تلك الغارة على بيتهم
تحولت إلى مستعمرة كبيرة يقطنها أكثر من مائتي أسرة ..] ناهيك
عما تم من نهب للثروات من ذهب وتحف ومجوهرات مما كانت تحتويه
قصور الأثرياء ومن كانوا يسمون بالإقطاعيين – فيما سُميَ بلجان
تصفية الإقطاع - وما فعله عسكر الثورة معروف للجميع وهو ما رسمته
الكاتبة في عبارتها [ ..انشراح هذه هي التي كان عليها حمل ذهب
النجدية بعيدا عن أعين العسكر الذين هبطوا وفي أيديهم قائمة
الأسماء التي كانت أرض الباشا تتحول بها إلى إقطاعات صغيرة لا
تتجاوز الفدانين ، يبنون حولها الأسوار ويشقون بينها قنوات السقي
، وثمة عسكر آخرين كانوا يحملون المهرات والنوق والنعامات
والغزالات الصغيرة من الدوار ، مقسمين أرضا كان يطلق عليها
"إقطاع البدوان" إلى رقعة شطرنج ، تاركين حديقة آل الباسل خالية
تماما بلا جوارح أو مهرات أو غزالات مسيجة في الأقفاص ..] ص47 .
فهكذا هبط رجال الثورة على الأخضر فأحالوه يابسا وإلى العمار
فأحالوه خرابا وإلى العز فأحالوه ذُلاً ، خاصة بعد أن استرسلت
الكاتبة في ذكر مآثر وعز آل الباسل وما كانوا يمتلكونه ويفخرون
به من نوق وغزالات وعبيد وخيرات ، لتترك لنا تصور مدى الوقع
النفسي على من عايش تلك الحياة واستسلم أمام هجمة العسكر الذين
غيروا ليس ملامح الأرض فقط ، فلم تكن جغرافية المكان فقط هي التي
تبدلت من حال إلى حال ، وإنما لابد أن يلازم ذلك تحول وتغير نفسي
كذلك تقدمه الكاتبة بأقل الكلمات حين تذكر أنه تم تغيير اسم
المدرسة التي كانت تذهب إليها سليلة آل منازع والتي تسمت المدرسة
باسمهم من "مدرسة ربع منازع الإبتدائية" وبما يحمله ذلك من رمز
تاريخ ليصبح بعد هجمات العسكر اسمها "مدرسة رفعت عبد الحي
الإبتدائية الحديثة" ، وكأنها بذلك تمحي تاريخا وتعيد كتابته من
بدايتها هي . ويحاول الأب الدفاع عن تاريخه ، عن وجوده ، فـ: [
.. يرفع العديد من المذكرات إلى إدارة التربية والتعليم منددا
بالإستهانة بالتراث والأنساب وتشويه الوقائع التاريخية والتساؤل
أين كان هذا "العبد الحي" حين كانت كل هذه الأرض إقطاعا من الرمل
الجاف توارثه أولاد محجوب الكبير ؟] ويسقط في يد الرجل وتصيبه
الصدمة السكتية والبأس [حين قالوا أنه كان قائد الحرس الخامس
ورجلا من رجالات الثورة] وهنا يصل التحول النفسي ذروته حين [عاد
إلى البيت وترس ظهره إلى حائط المضيفة ولم يتكلم ، ظل يخط بعود
جاف في الرمال بيد مرتعشة ..] ص23 . فكم هي شحنة المرارة
والانكسار والتحطم النفسي الذي عاناه الأب أمام هذا القهر الذي
بنى أمجادا بلا أساس وعلى حساب أصحاب الأساس والأصول والجذور .
وكذلك سهمت الثورة في التغييرات الاجتماعية التي لابد
ساهمت كذلك في ضياع التاريخ البدوي – التاريخ المصري – عندما
حولت العبيد إلى ملاك وحولت الملاك إلى توابع وأدلاء ، وكأنها
تغير نواميس الكون ، فهذا هو "مبارك العبد" الذي [كان لملوم باشا
منازع يجلس دائما في تلك الشرفة ويدخن أرجيلته وتحت قدميه يجلس
على البساط شيخ كبير يدعي "أبو شريك العبادي" كان دليلا لقوافل
منازع الكبير ، ومعه يجلس رجل آخر يسمى "مبارك العبد" يقال أنه
من عبيد عيلة منازع ..] ص28 . وبعد الهجمة الثورية نراه [حيث بنى
"مبارك العبد" الآن دواره وصار له مضيفة واسعة وعربة لاندروفر
..] ص45
وأمام هذه التغيرات التي حدثت يضطر البدوي ابن
العز والجاه أن يبيع أرضه قطعة قطعة – ربما ليحافظ على الحياة
التي تعود عليها – ليأتي على البقية الباقية من ثروته ووجوده
وليكون ذلك هو المسمار الثالث في نعش البدو وليكون ذلك هو ثالث
الأسباب التي ساهمت – في نظر الكاتبة – في انهيار إمبراطورية
وحضارة البدو وهو أيضا ما انحدر به - وهو الفارس ابن الفوارس
الصياد أن يتحول من قائد وأمير إلى مجرد تابع ودليل لقوافل العرب
القادمة من بلاد النفط – الكوايته والسعوديين – وليكون ذلك أيضا
هو السبب الرابع في أسباب انحدار حضارة البدو ، فنجد الأب يفتتح
مكتباً باسم الشيخ "مطلق الشافعي السليمي" خبير خيول وصقور فها
هو أصبح يعمل تابعاً ودليلا لأولئك الواردين ، وليت الأمر اقتصر
على ذلك ، وإنـما حتى أولئك انصرفوا عن الصيد والقنص في تلك
الأراضي حيث أصبحوا يفضلون عليها الدول الأوربية :- [ ..
خصوصا وأن الذين يأتي بـهم "سرور العبد" ليتفقدوا المرابط وهم
يهفون بعقالهم ذات اليمين وذات اليسار ، يتحدثون عن المراعي
الألمانية والمزارع البلجيكية وكتلوج جياد العائلة المالكة
البريطانية ومزادات الخيول في اكسفورد ولندن ، كانوا يرون مهرات
أبي لا تستحق عناء المشاهدة .. ] ص33 ، 34 . كما يصل الإحباط
القهر أيضاً مداه عندما يطلب الأب العون من السعوديين الذين
ينتمي إليهم – كما يقول تاريخه والذين نسوا أو تناسوا وتجاهلوا
ما كان يفعله آباؤه وما قدموه من خدمات لهم أيام لم يكن الخير قد
حل بهم – فضلا عن صلة القرابة فهم - : [ .. وقفوا إلى جانبهم من
شُمّر وعنزة قبل الخير حين كانت الجزيرة تنتظر محمل الحجاج ،
وأنها فتحت مراعيها لإخوانـهم عبر أكثر من قرن .. ] ص31 . فبعد
أن أصابـهم ما أصابـهم من عسكر الثورة يطلب الأب العودة إلى
السعودية غير أنه بعد مذكرات وطلبات [ .. اكتشف بعد عدة أشهر
استحالة مـا يطلب وأن أحدا لن يلتفت إليه ، ففرك أصابعه التي
صارت أكثر توتراً ..] ص32.
وهكذا تحالفت كل تلك العناصر
والأسباب في ضياع حضارة البدو وعزهم ولم يعد يتبقى لهم سوى بعض
الصور التي تحمل لهم الذكريات ، ولم يعد باقيا منهم سوى "أبو
شريك العبادي" الذي يعيش تائها وسط البيوت الواطئة المحيطة
بالمداخل الضيقة التي تفضي إلى الشارع الرئيسي المسفلت ، وبعد أن
رفعوا اللافتة التي كانت تعرف المنطقة بـ "ربع منازع" ووضعوا
بدلا منها "عزبة التل" ليتعمق الإحساس بالفقد وضياع الهوية ، يظل
"أبو شريك" يعيش الماضي ويبقى شاهدا عليه مقاوما عوامل الفناء ،
يظل يسأل الأولاد "ابن من يا ولد؟" ويرفض الأولاد الماضي بل
ويسخرون منه ، خاصة بعد أن فقد الحاضر فلم يعد يستطيع ما كان
يستطيعه من قبل، فما عاد شركه أن يصيد إلا أعواداً من القش أو
ينشبك في أعواد السيسبان على حواف المزارع والتي بدورها تمزق له
خيوط شباكه .
وإلى جانب ما سقناه من أدلة على احتواء الهم
العام للهم الخاص ، أو تماهي الهم الخاص في الهم العام ، استخدام
الكاتبة لصيغة "مستقبل الماضي" – إن جاز التعبير – بطريقة سلسة
وعصية نجحت في استخدامها إلى حد بعيد ، فبينما نجد السرد يدور في
الماضي ، إذ بالحديث يتحول إلى المستقبل دون أي شعور بالانتقال
الزمني ، الأمر الذي يجعلنا نعيش الحاضر وكأننا نعيش الماضي .
فحين تتحدث الراوية عن والدها ويدور السرد في صيغة الماضي [ ..
كان يمشي طويلاً ولكنه لا يصل إلى شيء .. ] نراها وفي نفس الفقرة
تخبر بصيغة المستقبل عن العمة "مُزنة" [.. العمة مُزنة ، فقط
ستتولى – وهي مقعدة – أسفل قدميه تفسير .. ] فالجمع بين
الفعلين كان ، ستتولى يؤكد الإحساس بالاستمرارية ، ويؤكد الإحساس
باتساع رقعة الرؤية ، وهو ما يؤكد المسافة التي قطعتها ميرال
الطحاوي في رحلتها من "الخباء" إلى "نقرات الظباء" مرورا بـ
"الباذنجانة الزرقاء" ، مؤكدة أن لها مشروعها الخاص ورؤيتها
الخاصة ، مثلما أكدت من قبل أن لها بصمتها الإسلوبية الخاصة
.
(*) انظر لكاتب هذه السطور (يونيو 1967 وأثره في
الرواية المصرية) الهيئة العامة للكتاب – سلسلة أدب
الحرب.
شوقي عبد الحميد
يحيى shawkyshawky@yahoo.com
|