الحريري في يوم الحب

بقلم : عائشة الخواجا الرازم

كنت باستمرار أنعم النظر في باقات الورود الحمراء ، المزينة لمكتب الرئيس إميل لحود ، وكنت أقول في نفسي يا لروعة السيدة اندريه لحود ، فلقد أهدت الورود لزوجها بكل هذه الكثافة القانية ! ويا لروعة الرئيس الذي زين مكتبه بباقتها على الملأ وباعتزاز ! ويحق للرئيس اللبناني كحاكم ورجل أول أن يضع في قصره الجمهوري ما يشاء من ورود ومن ألوان للورود وخاصة في عيد الحب الرابع عشر من شباط  ! وهو ليس الرجل الأوحد العربي الذي يهمس في أذن الورد الأحمر كلمة كل عام وحبيبتي بخير يا وردتي ! وحلال زلال عليه ترصيع المكتب بهذه الباقة الحمراء القانية !

لكن الأيام تتالت وأنا لما أزل أرى الباقة تزدهر ولا أحد يرفعها من يسار الرئيس ،  ووصلت بي التأملات لحد أن أسوغ وأحلل لون الورد الأحمر بأنه أحد ألوان الراية اللبنانية ويحق للرئيس تزيين مكتبه بالشكل الأحمر الذي يراه مناسباً ، ولم أبحث عن اللون الأبيض أو الأرزة في المكان ، وأعترف أنني لم أنس الموضوع بل ظل يراودني للاستفسار عنه ، وخاصة أنني عندما شاهدت الباقة أول مرة كانت يوم عيد الحب ، قبل ثلاث سنوات ، وتولدت عندي فكرة التركيز بالباقة بعد أشهر عندما رايتها في نفس المكان على يسار الرئيس لحود !

والغريب أن تلك الباقة اتضحت لي أكثر وعرفت أنها ليست باقة ، وإنما هي شتلة مزروعة ، ولفتت انتباهي وقد ترعرعت وأضحت شتلتين ، وأيضا على يسار الرئيس كلما التقى ضيوفه الكبار والدبلوماسيين ! وبما أنني التقي الصديقين الحبيبين السفير اللبناني الشيخ أديب علم الدين وحرمه الغالية مها علم الدين في الكثير من المناسبات الطيبة وهما دائماً في دولاب التعزيز المنطقي والتحليل والإجابة على الهواجس ، وهما وأشعر بذلك جلياً لا يحتملان الرفث في الكلام ، وتصبغها صيغة الفكر والجد دائماً فخفت والحق يقال أن انحدر في نظرهما العالي وأتحدث في موضوع ترفي ليس له علاقة بورق المرحلة الملتهبة ، فقلت يا بنت أنت في واد من التفكير الغريب والموضوع لا يعدو كونه هاجس لوني ! وإذا اخترقت المكتب الرئاسي للبنان بهواجسي المتعلقة بالورد، فيا لهول ندمي حالما أتمنطق بفهلوة النقد والانتقاد للورد الأحمر !

وأعترف أنني فوجئت بالاشتال وقد أضحت ثلاثاً تتكاثف فيها الورود الحمراء القانية ، وتشكل نصف قوس حول يسار الرئيس اللبناني ، وتشعل المكان بالأحمر لدرجة الغثيان وإرباك البصر ! وأدركت أن الرئيس لحود يقتني تلك الكائنات الحية الحمراء على طول ، وأن الباقات ليست باقات وإنما هي اشتال تترعرع وتنمو وتكبر ، وها هي ثلاثة قوا وير ضخمة يتكاثر فيها الورد الأحمر ويزدهر ويبدو جلياً أن الموضوع ليس موضوع يوم خاص للفالنتين ، وربما دهر طويل للفالنتين حتى يصار إلى قطف شذى خاص ، يعلم الله سره ومبتغاه !  وأدركت أن هواجسي بأن السيدة أندريه لحود قد أهدته الباقة في عيد الحب هي من محض تخيلاتي الأنثوية ، حيث أنني سوغت ذلك ليوم الحب ! .

لكن وبعد أن شاهدت الباقات تصبح أشتالاً وتغمر المكتب الذي يستقبل فيه لحود ضيوفه الكبار والدبلوماسيين انتبهت للأشتال الحمراء بتركيز أعظم ولم يرقني اللون الأحمر على يسار الرئيس لحود ! نعم على يساره ، والحقيقة أن الأمر أوجس في قلبي ولم أسترح لكون اللون الأحمر يزعج الساسة ويقض مضاجعهم ويؤرق ليلهم ويثير أعصابهم ويسبب لهم التوتر وخاصة عند صناعة القرارات وقلت أعان الله رجلاً يحتمل الأهوال ، وأيضاً تتربع على يساره أكداس الورد الاحمر ! وبصفتي شاعرة مملوءة بالأحزان والويلات وتشكيلية تتمرغ بالألوان وتخشى اللون الأحمر ، أعترف أنني لم ابتلع الأمر ! فاللون الأحمر لا يليق بمهابة وفخامة ولا يليق بالشخصيات الجريحة في اوطانها ، ، كما أن الأحمر هو عنصر النار ، وهو مثير للأعصاب والدم وهو مهيج قوي للغضب والعصبية ، و ودائماً أتحاشاه في الرسم وإذا استخدمته فإنني استخدمه بحذر وخوف على أبصار وبصائر المشاهدين ، ! فهو نار في الجزء القاعدي وهو معبر عن العنف والإثارة حتى إذا ما تورم موقع ألم ووجع أصبح لون الموضع المريض احمر،  وإذا ما ظهر اللون الاحمر في مبضع في الجسد قلنا أن خللاً ما حدث للعضو المحمر !

وقلت فعلاً إذا استخدمت الألوان الحمراء بتركيز في زمان متواصل، ومكان يطول الجلوس فيه ويدور فيه حديث جاد فإن الخسارة تكون واقعة لا محالة ! وإن أحمر الإثارة يظهر في مركز طاقة العقل عندما تسوء الأحوال وعندما تتحطم العلاقات الحميمة بين الأحباب ، ولهذا يعلو الاحمرار وجوه بعضنا عندما يبغ اللون الأحمر الدماغ ! وأنا أعتبر أن الأحمر دم ينزف من القلب ولهذا نقول: أخ قلبنا ينزف من الوجع ! ويعد اللون الأحمر المتركز في الأماكن العاطفية مثل يوم الحب نزيف القلب للقديس فالنتين !

وتأكدت أن اللون الاحمر الموجود بكثافة في مكتب الرئاسة وبأسلوب تكثيري متكاثر هو اللون الأحمر الغامق وهذا اللون يسبب حساسية جسيمة على النفس !! وتخيلت فيه رسالة أو شيفرة ستصل لبنان خلال ترعرع الأشتال الحمراء بهذه الكثافة المدهشة ! وخاصة حينما يوضع على اليسار ! لكنني كنت أشعر أن الرئيس لحود لا يعيرها انتباهاً ولا يراها ربما في موقع المعارضة ، ولا يكترث لهولها أو تكاثرها حوله ، وعندما يدخل المكتب ويخرج ربما لا ينظر إليها في أحلك مسؤوليات وهموم لرئيس دولة تحيطه الأحابيل والعقابيل من كل جانب ، ويلهو حوله الزمن السياسي كمن يضعه قسراً على حافة جرف للعبة شطرنج يموت فيها الملك ، ولا تسمع سوى صفير الرياح الناعقة كش ملك ! فيدور في فلك النفس والقلب ولا يجد غير الروح المثقلة بالأرز الأخضر مأوى للهموم والصرخات !

مسكين ... لا يهتم بما يوضع على يساره من ترميز للورد الأحمر القاني ، وكأن يوم الحب آت لا محالة في فلك لعبة الشطرنج الخاسرة ! وآت لا محالة لحمل شهادة التقدير والحب والعرفان للبنان ورجالات لبنان ! وكأن الورد الأحمر القاني يقول غداً في القريب العاجل موعدنا لنلتقي في مفصل التاريخ الأحمر ، والذي سيحتفل به العالم كله ، من قلوب وورود وعشاق ، يشبهون العاشق الكبير والمحب العظيم للبنان وأهل لبنان !

والمشكلة أنني تكبدت عناء التحليل والانزعاج من هول الورود الحمراء تلك ، وشككت بمن وضع هذه الورود على يسار الرئيس بطريقة بلهاء عفوية، ومن وضعها بطريقة سياسية مدروسة، ومن رضي بها ومن أتى بها ومن أقنع الرئيس أنها أحلى ديكور للمكتب الرئاسي في بيروت ؟ فخفت أن اكون قد وقعت في مقلب خطير لو أن الرئيس يضع الورود هذه بيده كرمز للون العلم اللبناني ! وحتى الآن لا أعلم !

وهب يوم الحب العالمي، والتهب لبنان بالأحمر ! بالنار والدمار في قلب العاشق الأكبر والمحب الأعظم لبلده ، فهل كان الدارس للباقات متفرغاً للترميز بهذه العبقرية المنزوعة الرحمة ؟ لدرجة التمهيد بكل الأساليب الشيطانية أن الهدية الوردية الحمراء ستترعرع في مكتب الرئيس لحود ، وأنها ستحط على هامة الشهيد رفيق يوم عيد الحب الأكبر ! يوم مبايعة الأرض والإنسان للقديس رفيق ! ؟

القديس رفيق الذي أعدمه المجرمون لقاء عمر الحب وعظمة الحب في كيانه الممزوج بالتفرد القيادي ! والذي أسعد الناس ولم يسعده صاحب فكرة الوردة الحمراء ! .... لكنني لم أنم ولم أعرف للنوم طعماً عميقاً ، فلقد اتحدت الألغاز والترميزات القاتلة المتفرغة للإجرام والاغتيالات   فبدأت أدرس الحالة قلب وقوع الحدث الجلل في لبنان ، ويلح السؤال المقلق ، هل هذه الباقات من إنتاج لبنان ؟

وهل هذه الباقات من إنتاج سوريا ؟

أم من إنتاج المزارع الفرنسية ؟

أم من إنتاج بورصات الورود في الولايات المتحد ؟

أم أسهم بإحضارها سمسار زراعة يتعامل مع مزارع تل أبيب لتخصيب الورود ؟ ووضعت في مكتب الهرم بحجة اندغامها باللون اللبناني للعلم ؟ فكانت فخاً لتضليل الرأي بأكمله أن الخطة ولدت في  القصر الرئاسي ! لتذكيره باليوم الأحمر في عيد الحب ؟ الذي أصبح وبعكس ما خطط له المجرمون القتلة الصهاينة عبدة الشيطان ،  عيد الحب الأكبر للقديس رفيق ؟ وما كانوا يعرفون بأن لبنان سينسج لحمه وخلاياه حول جسد وروح الشهيد وينادي يا الله في صلاة واحدة ! هكذا هو لبنان طوال تاريخه عصي على المكائد والجرائم والفتن ، مترفع على الكوارث ولو أوحى بها المجرمون على شكل دماء كثيفة بورود قانية من مكاتب الرئيس ،  فاللبنانيون يعلمون اللعبة الخاسئة كم هي خاسرة ! رغماً عن خسارتهم الفادحة في احب القلوب وأقربها للشعب الصبور !

ولذلك أدعو الرئيس لحود بتغيير الورود الحمراء التي تعم مكتبه في قصر بعبدا ويستبدلها بأرزة صغيرة على يمينه وأرزة أخرى صغيرة على يساره ! وهكذا يجلس لبنان كله في ظل اللون الأخضر المتفاني في حياة القديس رفيق ،

وهنا أتذكر في هذه الكارثة التي تم فيها إعدام قديس المحبة العظيمة رفيق الحريري وتعويضه عن عذاب الإعدام بالورود من كل الشعب اللبناني صغيره وكبيره ، حتى انقشعت دموع السماء عن زمردها البصري وبكت بلوعة النائحات ، على الدنيا والقديس رفيق يتخبط بلهيب الأحمر ويغط تحت بساتين الورود البيضاء الملائكية التي تنفي عنه غضاضة اللون الأحمر ، وتترك اللون الأحمر والأبيض لكل اللبنانيين ليعلنوا ثورة الحب للأرض والقديس رفيق !

وشياطين الترميز الخارجين عن الخلق والدين والإنسانية يجرجرون فشلهم وهزيمتهم ويهربون إلى أسيادهم القتلة في عصابة الوردة الحمراء !  تلك العصابة التي جهزت مليون دولار لكل مجرم ينفذ عملية تفجير في البلاد العربية ، وأولها مصر التي وقع عليها الاختيار لتفجير أكاديمية الشرطة في القاهرة يوم تخريج طلابها ، وووقع الاختيار على تفجير شرم الشيخ ايضاً وبعبارة تترك على المواقع المنكوبة ( باسمه تعالى والوردة الحمراء ) فمن يمكن له أن يبحث عن المجرم والقاتل الذي ربط الوردة الحمراء في يوم الحب المتعارف عليه الرابع عشر من شباط ، وربط كثافة الورود الحمراء في مكتب الرئيس لحود ليوهم بالترميز بعقد المؤامرة في مكتب رأس الهرم اللبناني ، ويربط ايضاً اغتيال رائد المحبة رفيق الحريري ورائد الأمل المعماري في لبنان باهيمته في يوم اللهب والنار والحريق اللامتناهي ؟ من يمكن له أن يعود إلى ملف التحقيق الذي دقق في المخابرات المصرية حينما اعتقلت المتهم دبوس واعترف بانتمائه لعصابة الوردة الحمراء ؟ إن الروابط هذه مع اعترافات دبوس لقائمة التفجيرات والاغتيالات المدوية في العالم العربي تشير إلى عصابة تعيث إجراماً في الوطن العربي ومنشأ هذه العصابة صهيوني يرتكب الفاجعة والجريمة ويفلت ! وهناك تحليلات تفيد بأن هذه العصابة هي التي فجرت موكب محمد باقر الحكيم ، الذي كان مزلزلاً في بغداد ، بحجم زلزال بيروت الذي ضيع القديس رفيق الحريري! وإذا كان لا بد من التحقيق فليتم استدعاء هؤلاء المجرمين الذين اعترفوا علانية بأنهم ينتمون لمنظمات الوردة الحمراء ! وهل أوضح من هذا تصريح للإشارة على مرتكب الجريمة ؟ أم أننا فقط نطالب بالتحقيق بالكلام ، وننام على أمل تفتح باقة ورد حمراء من جديد في طرقنا ومكاتب رؤسائنا المساكين الجالسين وعلى يسارهم أشتال تزدهر باللون الأحمر الموقوتة لحين من الدهر؟